الأزرق الميت (الجزء الثانى من الليلة الأربعون) | الفصل الرابع: العذراء
جاري التحميل...
الفصل الرابع: العذراء
يسعى سليمان لقتل الشيخ ياقوت بينما تطاردة اشباح الماضى ، وعلى الجانب الاخر يكتمل حفر الاخدود ويتخلص ليث من كل معارضية اما كليلة فتكشف سرا لم يكن بالحسبان يغير كل شئ
لو أُتيحت لك فرصة واحدة تمحو بها كل اختيار اتخذته في حياتك حتى هذه اللحظة، هل ستمد يدك إليها بشجاعة، أم ستتراجع خوفًا من أن يكون الطريق الجديد أكثر قسوة من الذي تعرفه؟ ولو خُيّرت أن تولد من جديد في هيئة شخصٍ آخر، هل ستغتنم النجاة من نفسك، أم ستتمسك بها… بكل ما فيها من أخطاء وندوب ونتائج لا رجعة فيها؟. **** هاهو سليمان يقف عند مفترق الطرق ، بين الحب والخيانة ، بين الجحيم والنعيم ، ربما فى النهاية سينتمى لأحد النجدين ، او ربما لن ينتمى لاى منهما ، الوحوش ليست فقط غيلانا وشياطين فى تلك اللحظة بينما يمسك السم فى يده ليسكبه فى وعاء الشيخ يدرك ماهيه الوحش الحقيقى ، الوحش ليس إلا إنسان قتل أخوة الانسان فى لحظة غفلة . الوحش، هو انسان احب حتى عشق ، وعشق حتى جن، وجن حتى أجرم ، فأصبح حبة هو جريمته الكبرى ، وعقابه الأبدى . ثلاث قطرات فقط كانت كفيلة بأن تنتزع روحه من بين أضلعه وتُخرسه إلى الأبد، كانت الحضرة على وشك أن تبدأ والإنشاد لم يعلُ بعد، لكن الطقوس لا تُخالف، فالطعام يُوزَّع على الشيوخ قبل كل حضرة وكأن البركة تسبق الذكر، وتلك كانت فرصته الوحيدة، تسللت القطرات الثلاث من بين أصابعه في صمتٍ بارد، سقطت فوق الطعام وامتزجت برائحته كما لو أنها جزء منه، ذابت في مذاقه حتى فقدت هويتها، فلا عين تلمحها ولا لسان يفضحها، لن يدرك من يلتهم اللقمة أنه يحتضن موته بين أسنانه إلا حين تبدأ روحه بالانسلال خفيفةً مرتعشةً خارجةً إلى بارئها. كان هو المكلف بتوزيع الطعام عليهم ، فقد خطط لهذا مسبقاً ، والان لا احد يراه سوى نفسه ، يحتضن الصحن بكلتا يدية ، ثم يتقدم خارج الدار بتمهل ، روحة بذاتها تنتفض ، صوته الداخلى يسبه ، ينهاه عن فعلته ، وكأنه يرى ذاته من الخارج ، وكلما أطال النظر احتقرها أكثر فأكثر ، كان الشيخ ياقوت أمامه ، مبتسماً له ، يذكره بوالده ، يذكره بالدفء والحب ، يقرأ القرآن ، ينظر لمن حوله ، بينما سليمان يتمنى أن تشق الأرض مانعة اياه من التقدم ، يسمع ما ينهره ، إنه صوت صهيب ، فيعود مرة أخرى إلى تلك اللحظة عندما تحدثت الفتاة . *****"** _انهم قادمون ، انهم قادمون . نعم هناك اشياء لاندركها ونحن صغار ، هى بمثابة دروس من الأهل و الحياة ، دروس مأجله الفهم ولكن عندما نكبر ويطالنا المشيب ، وقتها فقط ندرك ما اهدرنا ، وكلمات الفتاة لم تكن إلا مقدمات تؤدى إلى نتائج ، نتائج لم يتوقعها سليمان صاحب العشرة اعوام أبدا . _أبى إن الفتاة تردد نفس الكلمات مرة أخرى ، أنا لا افهم شئ ، هل تتخدث عن اهلها ؟ ، هل هم قادمون. كانت تلك أسئلته، ولكن ما من جواب. كلُّ ما كان صهيب واثقًا منه، أنّ كلَّ مرّةٍ تفرغ فيها تلك الفتاة فاهها، يراوده شعور سئ ، كأنها بداية لنهاية لم تسجل بعد فى الالواح . وبينما هما جالسان القرفصاء بجوار الفراش ، دخلت عليهم كوثر ، بينما تقول : _السلام عليك يا صهيب ، كيف حالك وما بال تلك الفتاة . التفت لها رادا تحيتها ثم قال لسليمان : _اتركنا وحدنا الأن يا سليمان فهناك ما اود ان اخبر به عمتك كوثر . خرج سليمان متململًا، غير راضٍ عن قرار والده، لكنه لم يعتد يومًا إلا أن يطيعه، مهما كان طلبه. وبعد خروجه، لم يحتمل أن يظل كالأطرش في الزفّة، يتخبّط في الظنون بلا يقين. فاتجه نحو نافذة الغرفة من الخارج، وألصق أذنه بالحائط، محاولًا أن يتلصص على ما يدور بين والده وكوثر. سمع والده يقول بصوت منخفض لكنه مسموع . _القى نظرة على هذه الفتاة . اقتربت كوثر، وبدأت تلمس جسد الفتاة. وما أن شعرت بما تحت يديها، حتى اجتاحها شعور بالموت. فرغم أنفاس الفتاة ونبض قلبها، إلا أن البرودة المستشرية في جلدها كانت علامة واضحة على الوفاة ، ابعدت يدها فجأة ثم نظرت له وقد اتسعت حدقات عينها . _من أين أتت هذه الفتاة ؟. رد عليها، أنهم وجدوها على شاطئ البحر ، ويبدو أن الامواج قد لفظتها هناك . نظرت مرة أخرى إلى جسدها بتمعن ، لتجد علامات غريبة ، كأنها لغة ليست من هذا العالم موشومة على جسد الصغيرة ، ثم عادت تقول : _لا أحد يلمس هذه الفتاة أو يقترب منها ، سوف أذهب لأبلغ اخى ياقوت ، اياك يا صهيب بأن تحدثها فى أى شئ أو تسمع منها أى شئ . تعجب صهيب من كلماتها ، وكذلك سليمان الذى كان يتلصص عليهما ، ولكن صهيب كان يكن الاحترام لكوثر و للشيخ ياقوت ، فلم يحاول أن يبدى فضولة او يعترض على امرها، ما أن غادرت كوثر ، حتى تبدلت الاجواء حول البيت ، وكأنه كان يغرق فى الأرض منتقلا إلى بعد أخر ، اما الرموز على جسد الفتاة فكانت تختفى ببطء ثم تزحف على جلدها متجمعة على هيئة نقاط فى جبهتها ، نقاط متفرقة اذا امتلكت البصيرة سوف تجد أن ربطها ببعضها سيعطى رمز برج العذراء ، وبم يملك صهيب الا التحديق ، كأن جلدها يتكلم ، يبوح بما ابطنته صاحبة الجسد ، يحاول سليمان أن يقترب من الغرفة ولكنه لا يعرف ، هو عالق امام الباب ، يشعر بالوهن . _ابى ، ابى ما الذى يحدث . نهضت الفتاة مع صيحات سليمان وارتفع جسدها قى الهواء كأنها تطفو واضاء الرمز على جبهتها ثم قالت : _زهار كول ثرنوك . كانت لغة غريبة ، لكن صهيب فهمها ورددها . _ غسلين قادم ؟ ، من هو غسلين ومن أنتى ايتها الفتاة . طفت نحوة وقد بدأ وجهها يتشقق كأنه قشرة خارجية لحقيقتها ، و تمتمت : _كريثوك فيلنار. رد صهيب بصوت اضناه الجهل : _نمنعة عن ماذا ؟. اجابت الفتاة هذه المرة بلغة البشر : _لا وقت لك يا صهيب ، أنت المفتاح ، يجب أن تأتى معى الأن دون أى اسئلة ، هم ينتظروننا . بدأت شفتا سليمان بالتيبس ، وعيناه ادمعتا ثم تحولت الدموع إلى وحمات سوداء تحاوط انسان عينة ، حينها فقط نظر صهيب إليه من بعيد وصرخ فى الفتاة قائلا: _انا موافق على القدوم معك لكن أرجوك أتركى ولدى الحبيب ، هو لايزال صغيرا. ابتسم صهيب وكأنه طير مذبوح ، يترنح راقصا من فرط الالم ، ثم القى بنظرتة الاخيرة على صغيرة بينما يختفى جسده كانه رماد لخشب محترق . وبعد أن يتلاشى تماماً ، يعود المنزل إلى وضعة السابق ويتحرك سليمان من مكانة لاهثا إلى البقعة التى حملت أثر والده ، وما كان منه إلا أن اغترف الارض بيدية ، وظل ساكناً ، والعدم يقرضة إحساسا متصلاً من اللاشئ ، لكن كانت هناك اصوات حوله ، تجاهد أن تعيده إلى وعية . _ سليمان ، سليمان ، أين والدك ؟ والفتاة وأين كنتم طيلة أسبوع كامل . أسبوع؟! ، الأمر كله كان لدقائق بل لاقل من دقائق ، عن أى اسبوع تتحدث تلك الاصوات . ولى سليمان وجهه إلي تلك الاصوات ، كانت اصوات كوثر والشيخ ياقوت ، نهض من مرقدة ثم ركض بينما يسب كوثر باكياً. _اللعنة ، اين كنتى ؟ ، لماذا تأخرتي ؟ ، لقد أخذتة ، لا أعرف لأين ، لقد أخذت منى روحى ، اريد أن اعود لاحتضانة ولو لجزء من الثانية ، ياليتنى تلاشيت مع ابى . كان الشيخ ياقوت مشفق على حال سليمان ، ويتمنى لو انهم لجأو إليه مبكراً قبل أن يحدث كل هذا ، احتضن سليمان الذى كانت عيناه محترقتان من فرط البكاء وقال له : _اهدأ يا سليمان واخبرنى ، ما الذى حدث تحديداً هل تتذكر أى شئ من المكان الذى كنت فيه . كانت ذاكرتة مشوشة ، فعقله تعرض لصدمة يحاول أن يتعافا منها لم يتذكر إلا اختفاء والده وخيوط النور التى شكلت رمزاً على جلد الفتاة ، لم يكن وشما او حبر غائر فى الجلد ، بل كأن السماء انحنت ولمستها محدثة تلك العلامات التى تخطف الابصار ، نظر إلى ياقوت ثم قال بصوت مكسور كمن هزم فى حرب قبل أن يخوضها : _الفتاة تحدثت بلغة غريبة وكان أبى يردد خلفها ، وكأنها كانت تقول تعويذة ما او تريد ايصال رساله ، من شخص يدعى غسلين ، وايضا الرسم على جبهتها كان لبرج العذراء . ارتفعت اهداب الشيخ ياقوت ، و احتضن سليمان اكثر ، فقد أدرك أن الواقعة لم تنتهى بل تم تاجيلها بفضل تضحية صهيب ولكنها أتيه لا محاله ، ووقتها لن يملك لاهل القرية ضرا ولا نفع . ياقوت تبدل وقتها حتى أن قناعته أختلفت واصبح على استعداد أن يضحى بروحة من اجل سلامة الابرياء . ومن وقتها بدأ يقيم الحضرات ، وحلقات الذكر بشكل مكثف حتى يحصن القرية من ما لا مفر منه ، وإذا توقفت الحضرات سيسقط أول رادع لغسلين ، وتحل اغلاله السبعين ، اما اذا حدث شئ للذات فيكون الطريق امامه ممهدا لينثر الفساد فى البر والبحر . كان هدف الشيوخ فى القرن السابق من قبله هو تحجيمة ، لانهم لم يجدوا طريقة نهائية لقتلة ولكن ياقوت ينبش الكتاب القديم ، يبحث عن سردية او سند او اسم ، يستخدمه لينهى كل شئ . فى ذلك الوقت كان يريد أن ينقذ فاطمة ، وان تعيش حياة طبيعية ولكن أنتهى به الامر بخسارة ابنته الوحيدة , ثم انتقلت الذات بعدها إلى حفيدتة يارا فقرر أن بتناساها ، أن ينكر حتى بينه وبين نفسه أنها من دمه ، وأن لا يعانقها ولا ينظر لعينها ولايقبل رأسها ولا يلعب معها ، ظن أنه بتخليه عن مشاعرة فأنه عند قدوم اللحظة النهائية ، لن يجد صعوبة فى التخلى عنها ، ولكن عندما تقدم الوقت ورأها تكبر أمام ناظرية ذكرتة بأبنته ، فتيقن أن لا شئ يمحو المنا على من نحب ، لا الوقت ولا حتى النسيان بذاته، وسعى لانقاذ يارا حتى تفتق ذهنة إلى شئ ما ، قد يقتلها ولكنه أيضا قد ينقذها وينقذ القرية كلها ولا بد من المحاولة فلا سبيل أخر . ****** "لا تفعل ذلك يا سليمان"، لاتخن من أمنك على حياتة ، ارجوك يابنى " يقول سليمان بينما يرى صورة والده أمامة : _أنا لم أخن أحد يا ابى بل خانتنى الدنيا ولم يكتب لى أن اهنأ ، أنا لم أخن أحد ، بل خاننى كل من أحببت وتخلوا عنى . يقترب منه والده بعيون تأسى على حاله: _نحن جميعاً نحبك ، لم نتوقف يوماً عن حبك ، وأنا لم أحلم بشئ حتى لحظة رحيلى إلا أن أضم أختك وأمك و أنت بين أحضانى حتى الشبع ، أنا لم أرحل مخيرا يا سليمان ، ولكن القدر كانت له كلمته. يحدق سليمان به ، وكأنه عاد مرة أخرى أبن عشرة أعوام حتى شكلة وقامته ، وصوتة ، وكأنه أصبح فى نقطة تلاقى بين الحاضر والماضى ، وعندما تكلم كأن الشاب و الطفل يتحدثان بنفس الوقت ، تخيل أنه يرتمى فى حضن والده : _أنا أسف ، أنا حقا أسف ، لم أكن الولد الذى أردتة، لقد خيبت أملك ، وظنك بى . يمسكة صهيب من منكبية ويهزة كأنه يعيده إلى الحياة مرة أخرى ، وبعد أنا تتلاقى عينه بولده يقول : _بل أنت أكثر من ما تمنيت أن تكون يوماً يا حبيبى . مع زفير سليمان تتلاشى كل الصور والاوهام ، ولايتبقى إلا خطوات نحو الشيخ ، ولكنه يقرر وبمحض إرادته هذه المرة أن يتخلى عن ما يحب ، يمد الشيخ يده لتناول صحن الطعام منه ، فيسارع سليمان لافلات الطبق من يده ليسقط على الارض ويمتزج بالتراب ، ينظر له ياقوت قائلا: _سليمان ، هل أنت بخير يا ولدى . يبتسم سليمان بينما يشعر أن يحموم خرج مع أخر زفير له فأثلج صدرة ثم يقول : _أنا بخير ياشيخى ، فقط مجهد قليلاً ، عذرا على اسقاط طعامك ، سأتيك بطعام أخر الأن . _لاعليك يا شيخ سليمان ، المهم أنك بخير . يجمع سليمان الطعام من الأرض ، ويعود ادراجة ليجلب طعام جديداً ، وعند وصوله يخرج زجاجة السم من جيبة ويحطمها على الأرض تحطيما لتتناثر أشلائها فى كل مكان ، ثم يستغفر ربه ، ويحمده أنه لم يجعله يهم فى هذا الطريق فلم يكن ليسامح نفسه ابدا. وبينما الزجاجة مبعثرة على الأرض ، تخرج عشق الجمال من خلف ستار المطبخ ، فيتوقف قلبه بينما ينظر لها بأرتباك قائلاً: _عشق ، لما تأخرتى يا حبيبتى ؟ يشعر بجمود فى اطرافة ، وببرودة تغلف انفاسه ، بينما ، تحدث به معتصرة قبضتها : _ ما الذى كنت تنوى فعلة بهذه القارورة يا سليمان ، هل كنت تريد قتل خالى الشيخ ياقوت ؟. كيف علمت ذلك ، منذ متى وهى واقفة هنا ، هل كانت تراه منذ البداية ، لم يملك رداً على نفسه أو جرأة لانكار اتهامها ، وكلماتها اللاحقة باغتت قلبه: _أنا أعرف كل شئ ، أعرف قصتك مع عاهرة الوادى ، ولكنى لم أتخيل أبدا أن تخون من أواك و سلمك علمة وروحة ، كيف هان عليك شيخك ، ما الذى كنت تفكر فيه مع كل خطوة تخطوها نحوه بينما تحمل كفنة بين يديك الاثمتين . _عشق ، أنا . اصفر وجه سليمان ، لايدرى أى خيانة يستحق الموت لأجلها ، خيانة زوجتة التى تحملته سنينا طوال وصبرت واحتسبت وكانت دائما راضية فغدرها وأحب دونها ، أم خيانة والده ، أم خيانة نفسه . كان يفصل بينهما خمس خطوات ، حاول أن يقترب منها ولكنه توقف عندما لم يرى أنعاكسة فى عينها ، أدرك أنه سقط من نظرها ولن تراه مجدداً كما كانت تفعل. _عشق ، أنا كنت مجبراً على كل هذا ، ولكنى راجعت نفسى و توقفت فى اللحظة الاخيرة ، وإن لم تصدقينى فلا أعلم من سوف يفعل ، ارجوك سامحى ضعفى وقله حيلتى ، لقد هددونى بها ، قالوا أنهم سيقتلونها . بشكل لاذع ، زادت كلماته الأمر سوءاً ، وأدركت عشق أنها فقط زوجة ، ولن تكون أبدا حبيبه ، لن تكون من يخاطر سليمان بحياته لاجلها ، وتقبلت ذلك . اقترب منها وارتمى فى أحضانها وراح يبكى كطفل صغير ، ويطلب منها أن تسامحة وتغفر له خطأة ، وبادلته العناق ، وبكت وقالت : _لاتقلق ، أعتقد أنها سوف تسامحك إذا رأت دموعك مثلما اراها الأن . الرمال التى تتساقط من ساعة الرمل لاتعود إلا عندما نقلبها ، الاشخاص الذين نقتلهم بأيدينا لا يعودون للحياة مرة أخرى والقلوب التى نكسرها لا تلتئم مهما حاولنا ، والعهود التى قطعناها ستلاحقنا إلى قبورنا . كان النصل فى يدها منذ البداية ، يلمع ولكن الحب قد اعماه ، فلم يراه إلا عندما اخترق قلبه وسقط صريعاً، اخر جملة سمعها سليمان من عشق كانت . _انا لست حزينة انك حاولت قتل الشيخ ياقوت بل أنا حزينة أنك لم تقتله ، لقد خيبت أملنا فيك . هل هذه مزحة ، هل هذه حقا عشق الجمال ، بينما يلفظ أنفاسه الأخيرة وتتهاوى الظلمة إلى عينة ، دارت مقلتة نحوها ، كانت لديها عين زرقاء لامعة والأخرى كانت لا بؤبؤ لها ، قال بصوت محشرج: _من أنتى ؟ ، وأين عشق ؟ ، أين زوجتى . ضحكت ثم قالت : _كم أنت محظوظ يا سليمان ، ستجمع بين حبيبتين فى قبرك ، احدهما ورد الزمان ، فتاة الوادى التى هواها قلبك ، والأخر زوجتك المصون . ردد سليمان سؤالة: _من أنتى ، أخبرينى . جلست القرفصاء وامسكت بفكة تعتصرة بيدها ثم اقترب إلى أذنة هامسة . _أنا دمنة ، أخت كليلة وعينها الثانية . كانت دمنة هى العين الزرقاء اما كليلة هى العين الحمراء وكلاهما يتشاركان نفس الجسد ، ولكن يستطيعان الانفصال وقتما شاءا ، وعندما هبط سليمان من جبال القمر إلى القرية ، كان يحمل دمنة بمتاعة دون أن يدرك ذلك، كانت تراقبة منتظرة لحظتها المناسبة للتدخل ، وقد اغضبها خيانته كثيراً ، فقررت أن تتخلص منه . لم تكن دمنة ساحرة بالمعنى المعروف، ولا جنيّة تُقيدها التعاويذ، ولا ظلًا يتبع جسدًا، دمنة كانت انعكاسًا حيًا. قدرتها الأولى… والأخطر… أنها لا تخلق هيئة من العدم، بل تستعيرها. و لا تستطيع أن تتشكل إلا في هيئة أنثى حيّة، أنثى تتنفس الآن، تضحك الآن، تبكي الآن في مكان ما. لا تحتاج أن تقتلها ولا أن تمسها، يكفي أن تراها… أو أن تُرى بها. حين تختار ضحيتها لا يتغير جسدها فجأة، بل يبدأ الأمر كخللٍ بسيط في الضوء، كأن ملامحها تتذكر وجهًا آخر، تنسحب عظامها من أماكنها برفق، تتبدل نبرة صوتها، يتغير طولها ولون عينيها وانحناءة كتفيها حتى تصبح نسخة مطابقة… لكن أكثر نقاءً، أكثر إغراءً، أكثر إقناعًا من الأصل. والأصل لا يشعر بشيء. هذا هو رعبها. هي لا تسرق الجسد، بل تسرق الثقة به. تستطيع أن تكون الزوجة أو الأم أو الحبيبة أو الابنة في اللحظة التي يحتاجها فيها الرجل أكثر. لكن هناك قواعد خفية؛ لا تستطيع أن تتشكل في هيئة أنثى ميتة، فالموت يغلق الباب أمامها، ولا تستطيع أن تبقى في هيئة واحدة طويلًا إذا ابتعدت الأنثى الأصلية مسافة كبيرة عنها، كأن خيطًا غير مرئي يربطهما، وإذا ماتت الأنثى التي تتقمصها تتشقق هي ويتصدع جلدها كمرآة سقطت على حجر. أما قدرتها الأشد قسوة فليست في التشكل، بل في أنها تحتفظ بذكريات من تتقمصها، تعرف كيف تبتسم كما كانت تبتسم، وتعرف الأسرار الصغيرة والعبارات التي لا يعرفها إلا الأحبة، لهذا لم يرَ سليمان الفرق، ولهذا لم يشك. دمنة لا تدخل البيوت بالقوة… بل تُفتح لها الأبواب طوعاً. تعتدل فى وقفتها ، بعد أن بخت سمها فى اذن سليمان ، الذى امسك قدمها والدموع مازالت مترقرقة فى عينية ، لقد خسر كل شئ بفعلته وأى ندم هذا يوازى ندم من شارفت روحة على الرحيل ، فلا يملك أن يعود ليصحح شئ ولا يعود طلب المغفرة والصفح ممكناً ، ردد بينما تكسى عينة بغمة ابدية لاتزاح : _سامحينى يا عشق ، سامحينى ياورد الزمان ، سامحنى يا شيخى . مات سليمان ، ولم يشعر به أحد ، مات وحيداً مثلما كان يشعر بالوحدة طوال عمرة ، بلا أب أو أم أو أخوة ، أو حبيبة . سارت دمنة ببطأ نحو الخارج ، حتى وصلت إلى مكان الحضرة ، حيث كانت على وشك أن تبدأ وقد حضرت يارا وعادل بالفعل ثم صرخت بكل قوتها صرخة المكلومة على زوجها ، وبدموع فى عيون وقحة ، قالت: _لقد قتل سليمان ، النجدة يا اهل القرية ، ياشيخ ياقوت ، لقد قتل أحدهم سليمان . اهتز السكون ، واختفت كل اصوات الأرض جميعها فلا طير يرفرف ولا ابره تسقط ، وتزعزع قلب ياقوت من موضعة : _ماذا تقولين يا عشق ، ماذا تقولين ، لقد كان هنا منذ لحظات . قالت دمنة تحاول أن تدفع دموعها : _لقد دخلت الدار فوجدتة مسجيا على الارض غارقا فى دمه ، لا أدرى يا خالى من فعل به ذلك . ركض ياقوت وكأنما يحاول لحاق روحة من الموت بعد فوات الأوان ، واستند على عتبه داره يحاول تمالك نفسه ، وهناك رأى سليمان ، تعثر ، ثم زحف نحوه ، لم تقوى قدماه على حمله مرة أخرى ،كان كمن تنتزع روحه منه رغم عنه ، حتى أن دموعة تحجرت على خدية ،وبات ينادى : _ولدى سليمان ، مابالك ياسليمان . كانت يارا تقف على عتبه الباب وبجوارها عادل و الشيوخ من خلفهم ، واضعة يدها على فمها تكبح صرختها ، اليوم ، هو يوم موت قلب الشيخ ياقوت للأبد ، لا صلاة جماعة ستجمعهما مرة أخرى ، لامزاح ، لا كلمات أخيرة سيقوله لها ،قد رفعت الاقلام وجفت الصحف . عندما وصل ياقوت له ، امتزجت دماء سليمان بثيابه ، واحتضنه ياقوت وشهق رافعاً هامته إلى السماء يمناجيا ربه. _لا اله الا الله ، إنا لله وإنا اليه راجعون، لا اله الا الله إنا لله وإنا إليه راجعون. لم تستطع يارا وعادل منع انفسهما من الترديد خلف ياقوت ورددت الجموع من خلفهم ،ثم توالت الدموع وكأن القرية بأسرها قد باتت يتيمة ، وباليوم التالى استمر النداء أن الشيخ سليمان بن صهيب قد مات شهيداً. اما فيما تلى ذلك من الايام ، فكانت عزلة تامة للشيخ ياقوت فى بيته ، ولكل سكان القرية وكأن الحزن فرق بينهم بالتساوى . وبعيداً فى جبال القمر ، كانت كليلة ترى كل شئ من عين اختها دمنة متسعة الثغر مغتبطة بكل ما كان وكل ما سيكون ، وكانت تقول بينما تستحم فى مسبحها. _لاتقلقى يا دمنة فنحن لم ننتهى بعد ، مازالت تلك البداية وموت سليمان قد اوهن ياقوت و فرط عزمة ، الأن يمكننا أن نضرب ضربتنا الأخيرة وننهى كل شئ . كانت دمنة جالسة على فراش سليمان تشم رائحتة ورائحة عشق ، تحسدهما على ما قسم لهما من حب ، ثم ترد على كليلة . _كم أن البشر منعمون ولكن لايشعرون ، هم لايستحقون الملك يا اختى ولكن نحن من نستحق ، الأرض ملكنا وملك والدنا ، ولن يوقفنا أى شئ . اما ليث ، فكان منغمسا فى حفر الاخدود حتى انهاه ، ثم كلف الاعمى بأسر كل معارض له والزج به فى الاخدود ، كان يجمعهم مثل اغصان الشجر ، وقطع الحطب ، لايفرق بين رجل وامرأة ، أما الاطفال فكانوا جماهيرة المفضلين ، فيجبر الطفل على مشاهدة اللحم يتساقط من وجه أبيه بينما يحرق الأب حتى التفحم ويجبر الطفلة على أن ترى امها بينما تحترق صرخاتها قبل أن يحترق جسدها فى النار . _اقذفوا بهم فى نارى ، لاتذرو منهم أحد ، كل من يرتد عن عقديتى ، كل من يرفع صوته فوق صوتى .احرقوهم جميعاً. كان ليث يقول تلك العبارات شاخصا بصرة إلى فوهه الاخدود ، يشاهد النيران تضحك كأنها شياطين تقتسم غنيمتها فى ليلة عيد . ********* وخلف تلك النيران تنتقل الصورة إلى الحيكم هود الذى اتى بموسى ، واجلسه لتناول طعام العشاء معه بينما يحدثة: _انا فخور بك جدآ يا موسى ، أستطيع أن أقول أنك خليفتى وانجب تلاميذى . سعد موسى بهذا الاطراء كثيرا ، ورد على الحكيم بأنه فعل اقل شئ من اجل القضية ولكنه يدرك أيضا أن الطريق لازال طويلاً ، اقترب هود من طاولة الطعام قائلاً: _نعم يا موسى ، مازال طريقنا طويلاً ، وحتى نكمله إلى اخره يجب أن تحضر لى شئ مهما للغاية . امتزج الشجن فى دندنة الحكيم هود ، بالقلق الذى شعر به موسى ، وادرك أن قلقه فى محله مع كلماته: _أريدك أن تحضر لى بدر بن يزيد ، أريد أن أتحدث معه . اضطرب موسى ، فقد شعر ببعض من الغيرة ، ما الذى يمكن أن يريده هود من بدر ؟ ، هل كان الحكيم يتهكم عليه ام أنه مهما فعل سيظل بدر هو القصبة العالقة فى حلقة دائما ، يبتعد عن الطعام اناءة من موضعة : _لماذا ، هل فعلت شئ خاطئ؟ _لا ياموسى ، لم تفعل الا ما طلبته منك ، ولكننا نحتاج بدر حتى نصل إلى مانريده ، هو مجرد وسيلة لا أكثر . كأنه يطمأنه أن مكانة الوهمى فى قلبه محفوظ ، فى بادئ الامر كانت غاية موسى نبيله ، ولكنه لايرى نفسه الأن ، كالمخمور الذى أدمن على أرتشاف المنكر بلا شبع. حتى فقد نفسه شئ فشئ ثم ما عاد يذكر شئ عنها . اطمئن موسى بكلمات هود ، واكمل طعامة ، على اضواء الشموع السوداء ، وبنفس الاضواء الحالكة ، كانت تبكى كوثر ، على ما جرى لزوج ابنتها وترجوا أن يصبر الله الشيخ ياقوت على الفراق ، وصاحبتها ابنتها درية التى امتلأ قلبها بالشفقة والقهر على أختها عشق الجمال التى باتت أرملة ، وجميعهم لايدركون أن عشق الحقيقية ، محتجزة تحت بيت الاسكافى شمعون ، مكبلة بالظلال من كل اطرافها تجتث منها الحياة شئ فشئ ، ولاتقوى حتى على الصراخ .