معاد التشفير - فصل جديد
جاري التحميل...
فصل جديد
.........
هو يعلم الطريقة لفعل ذلك...
إنها تلك الثغرة التي اكتشفها منذ أيام.
مع أنّه يملك سيارة جميلة من موديل السنة ولديه ثروة تكفي ليعيش خمسة اشخاص حياة مرفهة لعشرات السنين.
إلا أنّ تلك الأموال لم تكن تكفي لإشباع فراغٍ أعمق في روحه.
عندما رأى كيف يعيش صفوة المجتمع، أراد تلك الحياة ،واكتشاف تلك الثغرة في النظام جعله يشعر وكأن مايتمناه يمكن أن يصبح بين يديه.
تراقصت أمام ناظريه معادلات الشيفرة التي ستمنحه ثروته الضخمة، كلوحة فنية تُعد بألوان الثراء.
....بعد تفكير طويل اتخذ قراره ، وفي اليوم التالي، ذهب إلى العمل وقام بقرصنة بعض المعلومات التي تخص الأشخاص الذين باعوا مشاعرهم.
وفي المساء، تواصل مع أحدهم، وأرسل له رسالة مضمونها:
"هل تريد استعارة مشاعرك؟!
وتحتفظ بأغلب أموالك...
إذا كنت ترغب في ذلك، قابلني غداً."
ثم وضع العنوان والتوقيت لمقابلته.
كانت الرسالة مشفرة برمزٍ لا يفك شيفرته إلا هو، كأنه يضمن ألا تُمسّ خطته.
في اليوم التالي اجتمع عدة أشخاص تحت أحد الجسور، منتظرين أمراً ما ، كلهم يشتركون بأمر واحد...
وصلتهم رسالة في اليوم السابق.
كان صدى خطواتهم يتردد في داخل الأقواس الحجرية للجسر ، وصوت الريح يهمس بمستقبل مجهول .
بعد الانتظار عدة دقائق، وصلت طائرة درون مزوّدة بكاميرا ونظام هولوغرام.
طنّ الدرون بنغمةٍ إلكترونية قصيرة، فارتعش قلب كل حاضر.
بدأ مجسم شخص غامض بمحادثتهم قائلاً:
"إذًا قررتم استرجاع مشاعركم... أكتبوا المشاعر التي تريدون استرجاعها مع الاسم الكامل، وضعوا الأوراق في الصندوق الملحق بالدرون."
قاموا بفعل ما طلبه ،ثم قال لهم:
"سوف يكلفكم استرجاع أحد المشاعر مئتا ألف نيركس، وسوف أرسل لكم طريقة التسليم."
قال أحد الواقفين باستغراب:
"لماذا تريد أموالاً نقدية؟!
أظن أن استخدام عملة إلتو زينت الرقمية أفضل وأسهل لنقل هذه الكمية الكبيرة من الأموال..."
قال مصطفى بانزعاج وغضب:
"هذه طريقتي في التعامل، إن لم يعجبكم ذلك، لكم حرية الرفض."
سأل أحد الحاضرين:
"أليس مئتا ألف مبلغاً كبيراً لشعور واحد؟"
قال مصطفى بنبرة تظهر نفاد الصبر:
"مقارنة بالمليون الذي تأخذونه عند بيعكم أحد المشاعر، لا يعدّ شيئاً كبيراً."
وضع الجميع أوراقه، وعادت طائرة الدرون من حيث أتت ،في الأفق اختفت كظلٍ مسافر.
وفي اليوم التالي، قام بإعادة كل المشاعر المطلوبة، وفي المساء جلس في المنزل وامامه مبلغ مليونا نيركس.
شعر بنشوة النصر، وأن أحلامه ليست بعيدة المنال؛ ما عليه سوى الحذر والعمل بدقة، وسوف يجمع ثروة أحلامه.
رغم كل سعادته ونشوته، كان هناك رغبة دفينة في استعادة مشاعره...
نبضةٌ واحدة تكفي لتهدّد حصون طموحه وتكشف كل أسراره.
يعلم انه ان فعل ذلك لن يثير الشبهات حوله فحسب، بل سوف يكشفه ويخسر كل شيء.
ظلّ مصطفى يعملُ في إعادة المشاعر سرّاً لأسابيعٍ متواصلة، حتى جاء يومٌ وهو يتسلّح بفضوله التقني لمحاولةٍ جديدة....
بينما كان يبحثُ عن ملفاتٍ جديدة بين قواعد البيانات، صادف ملف فتاة تُدعى إليارا لم تبيع أيّاً من مشاعرها، لفت انتباهه عنوان الملف البسيط،
فمالَ شوقاً لمعرفة المزيد عنها، حاول فتحه، لكنّه وجده مشفَّراً ومحمياً بحمايةٍ مشددة، فازداد فضوله ورغبته في كشف السر.
بعد ساعاتٍ من العمل المضنٍ، نجح في اختراق التشفير، فتح الملف ببطءٍ وقد ارتجفت أنامله من الحماس والتوتر... لكنّ الصدمة كانت في أن الملف فارغٌ من أية بيانات، سوى سطرٍ واحد:
العينة x1 من مشروع n.h.d.e ... تم حذف المعلومات لأسبابٍ أمنية.
ساد إحباطٌ موجع قلبه، وكأنّ صدى ذلك السطر يتردّد في خلجاته.
لم يستطع الوصول إلى أيّ معلومةٍ أخرى، لكنّ تعطشه للاكتشاف رَفَعه إلى فكرةٍ جديدة:
سحب ملفها من أرشيف الملفات في النظام، والبحث عنها في حاسب رواد حتى يصل الى اي معلومة قد تفيده.....لكنه يحتاج الى اختراقه في البداية .
عاد مصطفى إلى منزله، وللمرة الأولى منذ سنواتٍ لم يتبع روتينه المعتاد ،لم يتوقف عند طعامٍ أو تمرينٍ أو برمجةٍ مسائيّة، بل اتّجه مباشرةً إلى حواسيبِه، شغّل شاشاته المتعددة، وبدأ بكتابة الشيفرات والأكواد لاستهداف جهاز رواد الشخصي.
حاول لعدة ساعاتٍ متلاحقة، لكنّ الحماية كانت صلبةً كالصخر.
تذكّر أضواء المكتب الخافتة التي سبّبت له صداعاً، وصوت مراوح التبريد الدؤوب يشير إلى مدى حرارة المعركة الرقمية.
لم يستطع النوم تلك الليلة، كلّ فكرةٍ تولد لديه وجهٌ جديد من التحدّي ....
فكر كثيراً في طريقة للوصول الى حاسب رواد فهي الطريقة الوحيدة التي تمنحه فرصةً للوصول الى مبتغاه ....هو يحتاج بضع دقائق فقط ...
في المركز من المستحيل العبث في الحاسب ...
لكنّ تذكّر مشاهدته رواد ذات مرةٍ يحمل الحاسب في حقيبته خارج المركز.....
بدأت ترتسم ملامح خطة في رأس مصطفى ...
جفّت قطرات العرق من جبينه وهو يخطّط في هدوءٍ متوتر.
وفي اليوم التالي، اتّبَع روتينَ الصباح المعتاد إلى حين انتهاء الدوام.
وما إن أعلن المدير انتهاءَ العمل، حتى بدأ مصطفى تنفيذه المخطط:
بينما كان رواد ذاهباً نحو سيارته .
فجأةً، هاجمه أحد الحراس الآليين دون سابق إنذار ذلك الرجل الآلي الذي سبق أن اخترقه مصطفى وعدّل في رقاقته الأم وأضاف أوامر جديدة على البرو كود الأساسي .
استغلّ مصطفى الفوضى الخاطفة، تظاهر بأنه يريد المساعدة، وزاد من الفوضى ليشتت الانتباه ، اقترب من حقيبة رواد، واخرج جهازاً صغيراً من جيبه، ثم وصّله سريعاً بالحاسب متنقّلاً بيديْه كي لا يراه أحد.
انتظر ثلاث دقائقٍ حاسمة، ثم فصل الجهاز وانسحب بهدوء، مخفياً الجهاز بين طيّات معطفه.
مرت الدقائق السريعة؛ كأنها لحظاتٌ تُسجل في ذاكرة الزمن.
ثم وجّه بعصا عدة ضربات قاتلة إلى مؤخرة رقبة الحارس الآلي، لتدمير الرقاقة الأم فيه، وضمان عدم اكتشاف العبث لاحقاً.
نهض رواد مستفسراً بغضبٍ:
هذا أمرٌ غريب... لقد خرج هذا الآلي عن السيطرة فجأةً...خذوه إلى قسم الصيانة، وأريد تقريراً كاملاً بما جرى.
قال مصطفى بنبرةٍ هادئةٍ مدسوسة بالثقة:
لا بدّ أنهم أهملوا صيانته منذ فترة، هذه المشاكل تحدث غالباً لهذا السبب.
أومأ رواد برأسه:
سنكتشف كلّ شيء... لا تقلق.
حمل رواد حاسوبه وغادر في سيارته الفارهة، بينما عاد مصطفى إلى منزله، حيث تابع أعماله المعتادة، منتظراً حلول الساعة الثالثة صباحاً باهتمامٍ مضاعف.
لقد اختار هذا التوقيت بدقّةٍ ليتأكدَ أنّ رواد نائم، فهو كذلك مبرمجٌ قد يلاحظ أيّ اختراق لحاسوبه إذا كان يقظاً.
عند وصول الوقت المنشود، جلس مصطفى أمام حاسوبه المنزلي كجراحٍ يستعد للعملية الجراحية الأخطر.
بعد ساعةٍ من الجهد المكثّف، نجح أخيراً في اختراق جهاز رواد، فتح نافذة الملف المتعلق بإليارا:
العينة x1 من مشروع n.h.d.e
الاسم: إليارا
العمر: 20 عاماً
العنوان: شارع إنيرجي بارك، المبنى رقم 26
نوع الملف: قيد الدراسة
ثم جملة كتبت بلون احمر وكأنها تحذير :
تم الاستحواذ على كل معلومات المشروع من قبل جهاز التحكم المركزي.
تلاعَنت أمام عينيه تساؤلاتٌ لا تنتهي:
لماذا هذه السرية المفرطة؟
لماذا يحمون معلومات عادية بهذه القوة ؟!
ما هو مشروع n.h.d.e ؟
وهل هنالك عينات أخرى قبلها أو بعدها؟
لكن مهما كثرت الأسئلة، كان القرار واضحاً:
يجب أن يلتقي بهذه الفتاة شخصياً، فبالتأكيد ستملك بعض الإجابات.
في اليوم التالي اتجه مصطفى الى مكتب رواد لكي يأخذ اجازة مدتها عشر ايام واضعاً مرض واالدته حجة ، وانه يريد الذهاب والاعتناء بها.
انها كذبة بالطبع لكن لم يكن لديه خياراً اخر ، قرع الباب بهدوء وقال:
المعذرة، كيف حالك يا سيدي؟
روّاد كان منهمكاً في تصفح بعض الملفات؛ رفع رأسه بنظرة سريعة ثم ابتسم ابتسامةٍ مهذبة:
تفضّل يا مصطفى... قل لي، ماذا تريد؟
اختمر قلق بسيط على وجه مصطفى قبل أن يجيب:
أود طلب إجازة مدتها عشرة أيام، والدتي مريضة،
وأحتاج أن أذهب للاطمئنان عليها ورعايتها.
توقف روّاد عن العمل، أخذ نفساً عميقاً وزفر باستسلام، وعيناه تنظران إليه بجديةٍ مغمّسةٍ في القلق:
عشرة أيام!
هل تعلم مدى حساسية المكان الذي تعمل فيه؟...
لا أستطيع منحك إجازة طويلة كهذه.
قال مصطفى بهدوء :
لكن الوضع طارئ حقاً، أرجوك أن تضع ذلك في عين الاعتبار.
نهض رواد من خلف مكتبه، ومدّ يداه في الهواء لحظةٍ، ثم قال بنبرةٍ حازمةٍ مخاطباً مصطفى :
حسناً، سأمنحك خمسة أيام بلا راتب، هذا كل ما يمكنني عمله.
سارع مصطفى بالشكر وقال :
شكراً جزيلاً، على الأقل هذا يكفي.
ركب سيارته متجهاً سريعاً نحو عنوان إليارا لم يرد أن يضيع ثانية من وقت إجازته.
وصل مصطفى إلى العنوان ليجد واجهة مكتبة بدت وكأنها قطعةٌ من زمنٍ بعيد، تحيط بها المباني الحديثة بشموخٍ غريب وكأنها عادت به إلى عالمٍ أكثر هدوءاً.
دخل المكتبة، فوجدها أوسع مما توقع من الخارج:
رفوفٌ ممتدة تحمل آلاف الكتب، وأركانٌ للقراءة مزوّدة بطاولاتٍ خشبيةٍ عتيقةٍ ومقاعدٍ مريحة.
كان هناك زائران اثنان فقط، إضافةً إلى مكتب الاستقبال قرب الباب ،جلست خلفه فتاةٌ بدت وكأن أنامل الفجر ترنّمت بها بقصائد من النور، دفء ابتسامتها يملأ المكان ،وجهها بدرٌ في تمامِه، يفيضُ نوراً لا يُقاوَم، نوراً لا تُطفئه عتمة الأيام...
بشرتها سِفرٌ أبيضٌ ، وشعرها الأسودُ خيوطُ الليل محبوكٌ في عقدةٍ تشبهُ لبّ العبارة التي تنطقُها حين يخفق قلبك .
في نظراتها غموضُ الكتبِ المجلّدةِ وحين تمشي تتفتحُ أزهارُ الحنينِ خلفَ خطواتها، وكأنها قصيدة تُقرأُ بعيونِ الروح، هي لم تكن مجرد وجهٍ أو ابتسامةٍ، بل لحناً ، قصيدةٌ تُتلى في أعماقِ الروح لتوقظَ فيها الشغفَ...
اقترب مصطفى منها بخطواتٍ واثقةٍ، قلبه ينبض بشعورٍ لم يعش مثله من قبل:
كيف حالك؟
أنا أبحث عن كتب تخص البرمجة، هل تستطيعين مساعدتي؟
التفتت إليه إليارا بابتسامةٍ رقيقةٍ، ودفءٍ في صوتها:
بالطبع...
لكن من الغريب أن يبحث مبرمج عن كتب في هذه الأيام، منذ طفولتي لم أرَ مبرمجاً يدخل هنا.
قال مصطفى :
لماذا جزمتِ انني مبرمج، قد أكون فقط أريد الاطّلاع على المجال.
لمعت عيناها بحماسٍ طفيف:
اعتذر منك ...
لكن نظاراتك وحقيبة الحاسوب لا تخطئهما العين... لذلك ظننتُ أنك مبرمج .
ابتسم مصطفى لها، وشعر بسطوعٍ جديد في روحه:
أنا فعلاً مبرمج، لكنني أحب قراءة الكتب من حينٍ إلى آخر.
أشارت إليارا نحو الرفوف:
لحسن حظك، لدينا بعض الكتب القديمة، لعلّك تجد ما يفيدك....
تفضل سأحضّر لك الكتب تستطيع الجلوس ....
ان المكان يبقى هادئاً، إذا رغبت بالعمل هنا.
جلس مصطفى على إحدى الطاولات الخشبية، صوت الألواح الخشبية تحت الكرسي، ورائحة الأوراق القديمة، جعلته يغرق في كتابة بعض الأكواد وتنفيذ أفكاره.
بعد عدة ساعات، حلّت فترة ما بعد الظهيرة، جمع مصطفى كتبه وشكر إليارا بابتسامةٍ صافيةٍ:
شكراً على مساعدتك، لقد وجدت ضالتي،
سوف اشتري هذه الكتب.
ابتسمت إليارا وهي ترتب الكتب في حقيبته:
سررتُ بزيارتك، وأهلاً بك في أي وقت.
خرج مصطفى من المكتبة إلى ضوء الشمس الساطع، ووجهه يعكس حماسه للذهاب إلى السوق السوداء، بحثاً عن أدواتٍ ومكونات تطوّر آليته وتجعل شغفه ينبض بطاقةٍ أكبر.
دخل مصطفى إلى السوق السوداء، ذلك المكان الذي تغلفه رائحة المعادن القديمة والعرق والصفقات المشبوهة.
ما إن وطأت قدماه عتبته حتى بدأ الباعة من حوله يصيحون، يحاولون بيعه أشياءً متفرقة تتراوح بين أدوات كهربائية مهترئة وأجهزة محمولة غير معروفة المصدر...
لكنه تجاهلهم جميعاً، فهدفه كان واضحاً،
يبحث عن أشياء محددة لا يعرفها إلا هو.
لفت نظره شاب يبدو صغيراً في العمر، ملامحه شاحبة لكن عينيه مليئتان بالدهاء، يقف عند أحد الباعة محاولاً بيع شيءٍ لبائع ...
قطعة إلكترونية بدت مألوفة بشكلٍ غريبٍ لمصطفى، مما دفعه لأن يضيق عينيه ويركز النظر، ثم قرر أن يقترب وينظر عليها عن كثب.
قال مصطفى مخاطباً الشاب بلطف وهدوء، بينما خفف من نبرة صوته لكي لا يثير الانتباه:
"هل أستطيع رؤية ما تود بيعه؟"
نظر الشاب إليه نظرة شك وريبة، حدّق فيه من أعلى إلى أسفل، وقال له:
"من أنت؟
وهل تظنني أحمق لأعطيك إياه؟...
سعره خمسة عشر ألف نيركس، أعطني المال وتستطيع تفحصه بقدر ما تشاء."
ابتسم مصطفى ابتسامة خفيفة، كأنه يتوقع هذا الرد، وقال:
"حسناً، تعال معي لكي أعطيك المال."
ذهبا إلى سيارة مصطفى، فتح الباب الخلفي وأخرج حقيبة جلدية صغيرة، أعطاه المال ثم قال مصطفى
وهو يتفحص الجهاز بعين فاحصة وخبرة واضحة:
"ما اسمك يا فتى؟..."
قال الشاب بنبرة ساخرة وهو يكتف ذراعيه:
"هل جئت إلى هنا لتتعرف على الناس وتبني صداقات؟!"
ابتسم مصطفى مرة أخرى، وقد بدأ يشعر بشيء مثير للاهتمام بشأن هذا الشاب، ثم قال:
"من أين حصلت على هذا الجهاز؟!"
شكرا لقراءتكم ....