المحاولة - لعنة البيت المهجور
اللغة: العربية
الرئيسية ربح

المحاولة - لعنة البيت المهجور

جاري التحميل...

المحاولة

ساد صمت ثقيل. كان حسن يشعر بأن رأسه ممتلئة، كأن فكرتين متضادتين تتصارعان داخله، وكل واحدة تحاول أن تثبت أنها الأصدق. جاء الصوت، هذه المرة بلا همس، بلا لطف:

تحميل الفصول...
المؤلف

لم تنم روان تلك الليلة. جلست على حافة السرير، والظلام يلتف حول الغرفة، بينما عقلها يعيد المشاهد مرارًا، نظرة حسن، صوته، تلك القسوة الخفيفة التي لم تكن فيه من قبل. لم يكن غاضبًا…كان مُبتعدًا. ومع بزوغ الفجر، اتخذت قرارها. لن تتركه وحده.
خرجت من البيت متجهة إلى المسجد القديم في طرف القرية، حيث يقيم الشيخ عبد الرحيم، رجل لم يكن كثير الكلام، لكن الناس كانوا يذهبون إليه عندما تعجز الكلمات.
طرقت الباب طرقًا خفيفًا. فتح الشيخ بعد لحظات، ونظر إليها نظرة فاحصة.
قال:
- خير يا بنتي؟
روان:
- أنا جاية عشان حسن
سكت الشيخ لحظة، ثم قال:
- ادخلي 
جلست روان تحكي. لم تحاول تزيين القصة، ولم تخفِ شيئًا. قالت كل ما رأته، كل ما سمعته، وكل ما شعرت به.
عندما انتهت، كان الصمت أثقل من أي رد.
قال الشيخ أخيرًا:
- اللي دخل حياته مش عارض 
روان:
- يعني إيه؟
الشيخ:
- يعني ما ينفعش يطلع بسهولة
ابتلعت ريقها وقالت:
- طب نعمل إيه؟
نظر إليها الشيخ نظرة طويلة وقال:
- نقرب… من غير ما نستفزه
روان:
- إزاي؟
أجاب:
- نثبّت اللي فاضل من حسن 
في نفس الوقت، كان حسن جالسًا وحده، يحدّق في يده. كان يشعر أحيانًا أنها ليست له بالكامل. كأنها تستجيب لأفكار لم ينطقها. جاءه الصوت، هادئًا كالعادة:
- قلقانة عليك 
حسن:
- ما تدخلش بينها وبيني
أجاب:
- أنا ما دخلتش… إنت اللي بتبعد
أغمض حسن عينيه، وقال:
- أنا مش عايز أأذيها
أجاب:
- ولا أنا
ضحك حسن بسخرية وهو يقول:
- كذاب
أجاب:
- لو كنت كذاب… كانت مشيت
وفي المساء، جاءت روان. وقفت أمامه مباشرة، بلا تردد.
روان:
- انت مش لوحدك
حسن:
- روان…
روان:
- اسمعني. مهما اللي جوّاك قالك، أنا هنا
نظر إليها للحظة قصيرة… عاد حسن الذي تعرفه. لكن الشيطان كان صبورًا.
- قولها الحقيقة 
تنفس حسن بعمق، وقال بصوت منخفض:
- قربي مني خطر 
اقتربت خطوة وقالت:
- وأنا موافقة
في تلك اللحظة، شعر حسن بشيء يتمزق داخله.
لأول مرة، لم يكن الصوت هو الأقوى. لكن الشر لا يختفي عند أول مقاومة. هو ينتظر وكان ينتظر اللحظة اللي يخاف فيها حسن إنه يخسرها.
لم تتحرك روان من مكانها. كانت واقفة أمام حسن، ثابتة على غير عادتها، كأنها قررت ألا تترك له مساحة للهروب، لا بالكلام ولا بالصمت.
قالت بهدوء متعمَّد:
- انت شايفني؟
رفع عينيه إليها ببطء وقال:
- أيوه
روان:
- طب ركّز أنا هنا مش فكرة، ولا ذكرى، ولا صوت في دماغك
ثم أشارت إلى نفسها:
- بنت آدم زيّك
ساد صمت ثقيل. كان حسن يشعر بأن رأسه ممتلئة، كأن فكرتين متضادتين تتصارعان داخله، وكل واحدة تحاول أن تثبت أنها الأصدق. جاء الصوت، هذه المرة بلا همس، بلا لطف:
- هي مش فاهمة.
قبض حسن على حافة الطاولة بقوة.
- اسكت
نظرت روان إليه بقلق وقالت:
- انت بتكلم مين؟
لم يجب. كان العرق يتجمع على جبينه، ونبضه يتسارع.
- قولها تمشي، قبل ما تتأذي
رفع رأسه فجأة، وصاح:
- امشي يا روان
تجمدت في مكانها وقالت:
- إيه؟
حسن:
- امشي… دلوقتي
كانت نبرته حادة، جارحة، لكنها رأت ما خلفها. رأت الخوف. اقتربت خطوة أخرى.
- مش همشي
في تلك اللحظة، تغيّر الهواء في الغرفة. أصبح أثقل، أدفأ، كأن شيئًا غير مرئي اقترب. ارتجفت روان دون أن تعرف السبب. وقالت بصوت خافت:
- حسن… أنا حاسة بدوخة
مدّ يده نحوها غريزيًا وفي اللحظة التي لامس فيها أصابعها…جاء الصوت من جديد، قريبًا جدًا:
- دلوقتي
شهقت روان، وسحبت يدها بسرعة.
- إيه ده؟! إيدك كانت… ساقعة قوي
نظر حسن إلى يده بدهشة. لم يشعر بالبرودة، لم يشعر بشيء. قال بصوت مكسور:
- شايفة؟ عشان كده قلتلك تمشي
لكن روان لم تتراجع. جلست على الكرسي المقابل له، رغم الارتعاش الذي بدأ يسري في أطرافها.
- اسمعني… اللي جوّاك ده، مهما كان، مش هو انت
ضحك الصوت ضحكة قصيرة، واثقة.
- دايمًا بيقولوا كده 
فجأة، انطفأ المصباح وغرق المكان في شبه ظلام، لا هو ظلام كامل ولا نور.
شعرت روان بشيء يمر بجانبها. لم تَرَه… لكنها شعرت به، كنسمة ثقيلة عبرت صدرها.
همست، دون وعي:
- بسم الله الرحمن الرحيم…
توقف كل شيء.
سكن الهواء.
وساد صمت تام.
قال الصوت، لأول مرة بنبرة تغيّر فيها شيء:
- هي بتزعجني 
صرخ حسن:
- سيبها
أجاب:
- أنا ما لمستهاش
حسن:
- بس انت خايف
التفت حسن إلى روان.
كانت عيناها دامعتين، لكنها ما زالت ثابتة. قالت بصوت متقطع:
- هو… كان قريب، صح؟
أومأ برأسه وقال:
- قوي
وقفت روان ببطء.
- يبقى لازم نتحرك
حسن:
- نروح فين؟
روان:
- أي حتة برّه دايرته
ضحك الشيطان، ضحكة أطول هذه المرة.
- الدايرة مش مكان، الدايرة شخص
شعر حسن بضغط في صدره، كأن الكلمات انغرست فيه.
قالت روان بسرعة، كأنها تقاتل الزمن:
- انت لسه بتقاوم. طالما بتقاوم، يبقى فيه أمل
نظر إليها طويلًا. ولأول مرة منذ أيام…لم يرد الصوت فورًا. استغل حسن اللحظة.
- نمشي دلوقتي
خرج الاثنان من البيت، والليل بدأ يهبط ببطء.
لم يلاحقهما شيء. لم يسمعا صوتًا. لكن حسن كان يعرف. والشيطان كان يعرف. هذه لم تكن هزيمة.
كانت تأجيلًا. وفي الظلام، جاء الهمس الأخير، موجّهًا لحسن وحده:
- كل مرة تختارها… هتخسر حتة منك.
توقف حسن عن السير للحظة.
ثم أكمل لأنه للمرة الأولى…اختار
لم يتحدث أيٌّ منهما أثناء السير، كانت خطواتهما متقاربة، لكن المسافة بينهما بدت أوسع من الطريق نفسه.
كانت روان تشعر بأنفاسها غير منتظمة، ليس من التعب، بل من إحساسٍ غريب بأن هناك من يراقبها من الداخل، لا من الخلف. أما حسن، فكان رأسه مزدحمًا أكثر من أي وقت مضى.الصوت لم يعد يتكلم…وذلك كان أسوأ.
قالت روان أخيرًا، محاولة كسر الصمت:
- احنا رايحين فين؟
رد بعد لحظة:
- عند الشيخ عبد الرحيم
توقفت فجأة.
- انت تعرفه؟
أجابها:
آه...كنت عارف إن اليوم ده هييجي
نظرت إليه بدهشة.
- يعني إنت كنت حاسس؟
حسن:
- من زمان
وصلوا إلى باب المسجد الصغير الملحق ببيت الشيخ.
كان المكان هادئًا، هدوءًا غير مريح، كأن الليل نفسه يتنصّت.
طرق حسن الباب
مرة
مرتين
فتح الشيخ، وما إن وقعت عيناه على حسن حتى تغيّرت ملامحه.
- دخلته جوّه 
لم يسأل، لم يستفسر. كأنه كان ينتظرهم.
جلسوا في الغرفة الضيقة، وأغلق الشيخ الباب خلفهم.
أشعل مصباحًا صغيرًا، وبدأ يتمتم بكلمات غير مسموعة.
قال بعد لحظات:
- اللي معاك مش ضعيف
نظر مباشرة إلى حسن، وتابع:
- بس انت مش مستسلم
تنفست روان الصعداء. وقالت:
- يعني نقدر نخلّصه؟
رفع الشيخ عينيه إليها ببطء.
- نحاول
وفي تلك اللحظة، جاء الصوت مجددًا. لكن هذه المرة… كان أبعد، مكتومًا، كأنه خلف جدار.
- فاكرة نفسك في أمان؟
ارتعشت روان و نظرت حولها.
- انت سمعت؟
هز حسن رأسه نفيًا.
- لا
تجمّد قلبها. لأول مرة، فهمت الحقيقة الكاملة. هو لم يكن متعلقًا بحسن فقط.
قال الشيخ بحدة:
- ركّزي هنا. أي صوت تسمعيه، تجاهليه
أغمضت روان عينيها لكن الصوت لم يتوقف:
- انتي اللي جبتي نفسك، كان ممكن تفضلي برّه
شدّت قبضتها. وهمست:
- أنا مش خايفة منك
ضحك الشيطان، ضحكة خافتة، قريبة من أذنها:
- لسه
فتح حسن عينيه فجأة، كأنه شعر بشيء.
- روان؟
ابتسمت له ابتسامة مهزوزة.
- أنا كويسة
لكنها لم تكن كذلك. انتهى الشيخ من تلاوته، وقال بصوت منخفض:
- النهارده عدّى
سألت روان:
- يعني إيه؟
أجاب:
- يعني هو انسحب خطوة… بس خد خطوة تانية
نظر حسن إليه بقلق.
- خد إيه؟
تردد الشيخ لحظة، ثم قال:
- عينه بقت عليها
ساد الصمت. خرجوا من عند الشيخ قبل الفجر بقليل.
كانت السماء تميل إلى الرمادي، والهواء باردًا.
قال حسن بصوت خافت:
- أنا آسف
روان:
- على إيه؟»
حسن:
- إنك دخلتي في ده كله
نظرت إليه طويلًا، ثم قالت:
- لو ما كنتش دخلت، كنت هتضيع لوحدك
توقف، نظر إليها. كان يريد أن يقول شيئًا…لكن الصوت سبقه.
- هتندم
نظر حسن إلى الطريق أمامه، وقال في نفسه:
-يمكن، بس مش دلوقتي.
وفي مكانٍ ما، بعيدًا عن أعينهم،كان الشيطان يبتسم.
لأن المحاولة فشلت جزئيًا.
ولأن اللعبة…أصبحت ثلاثية الأطراف.
		       
×
جاري التحقق من حالة حسابك...

لوحة أرباحك

أهلاً بك في برنامج شركاء الأرباح. يتم احتساب أرباحك بناءً على زيارات رواياتك المقبولة.

الزيارات المحتسبة 0
الأرباح المقدرة $0.00

تم الإرسال بنجاح!

"تم استلام طلبكم الخاص بالانضمام لبرنامج الأرباح بنجاح. الطلب الآن قيد المراجعة"

قيد المراجعة حالياٌ

"طلب الانضمام لبرنامج الأرباح قيد المراجعة حالياٌ. تستغرق عملية التحقق وتجهيز حسابك فترة تتراوح ما بين 7 إلى 14 يوم عمل"

الشروط غير مكتملة

عذراً، لتحقيق الربح يجب أن تمتلك في حسابك
4 روايات على الأقل.

يجب تسجيل الدخول

"يرجى تسجيل الدخول إلى حسابكم المعتمد للمتابعة وتقديم طلب الانضمام لبرنامج الأرباح"