رواية انتِ وحدك - عواصف الخفاء
جاري التحميل...
عواصف الخفاء
.........
مرّت ليلة اللقاء في الصيدلية كطيفٍ عابر، لكن أثره ظل عالقاً في وجدان أدهم وليليان. بالنسبة لأدهم، كان وجه تلك الفتاة المنهكة يطارد خياله، أما ليليان فقد كانت كلمات الطبيب "الغريب" بمثابة ضمادة وضعت على جروح يومها الشاق.
في صباح اليوم التالي مباشرة، لم ينتظر أدهم طويلاً؛ فإلحاح أخته سلمى وخوفه على ضياع مستواها الدراسي دفعه للتحرك فوراً. ترجّل من سيارته أمام "سنتر الهدى" قبل موعد ذهابه للمستشفى. كان السنتر في هذا الوقت هادئاً، والعمال يبدأون في تجهيز القاعات. دخل أدهم بخطواته الرزينة وسأل عن مكتب المدير. استقبله الأستاذ مدحت بحفاوة بالغة حين عرف أنه الدكتور أدهم:
"يا أهلاً يا دكتور، السنتر نوّر والله، خير، أقدر أخدمك في إيه؟"
"يزيدك نور يا أستاذ مدحت. كنت جاي أحجز لأختي سلمى في مادة الرياضيات عند ميس ليليان، سمعت إن مستواها متميز جداً"
أخرج الأستاذ مدحت دفتراً ضخماً وتنهد وهو يقلب الصفحات بتركيز:
"والله يا دكتور، ميس ليليان دي "جوهرة" المكان، المجموعات عندها مكتملة تماماً، والطلبة بييجوا لها من أخر الدنيا عشان أسلوبها"
أجاب أدهم بهدوء الطبيب الواثق:
"أنا مقدر ده، وعشان كدة جيت بنفسي. سلمى في ثانوية عامة، والرياضة هي اللي مسببة لها أزمة، ومحتاج حد يراعي ربنا في شرحه"
ابتسم مدحت وقال وهو يدون الاسم:
"عشان خاطر حضرتك يا دكتور، فيه طالبة اعتذرت النهاردة لظروف سفر، هنسجل سلمى مكانها في مجموعة يوم الثلاثاء الساعة 4"
شكر أدهم المدير، ودفع المصاريف، وخرج دون أن يلمح ليليان التي لم يبدأ موعد درسها بعد، شعر بالراحة لأنه أتمّ مهمته تجاه أخته، دون أن يعلم أن هذا المكان سيصبح يوماً ما جزءاً من قدره.
---
في بيت ليليان، كانت "ليلو" تجلس في غرفتها، تحيط بها الكتب من كل جانب، تحاول حل مسألة معقدة في "الميكانيكا" لتبسطها لطلابها. كان الصمت يلف البيت، والجو يزداد برودة. طُرق باب غرفتها بهدوء، ودخل كريم، ولم يكن في عينه النظرة الآمرة المعتادة، بل كان يحمل في يده "كيس" به أنواع من الشوكولاتة والحلويات التي تحبها ليليان. وضعه على مكتبها بحرج وقال:
"شغالة بقالك كتير يا ليلو.. خدي جبتلك حاجة حلوة تاكليها وأنتي بتذاكري"
نظرت إليه ليليان بدهشة وفرحة طفولية:
"شكراً يا كريم.. تعبت نفسك ليه؟"
جلس كريم على طرف فراشها وتنهد بصدق:
"أنا عارف إني بتقل عليكي، وعارف إن بابا وماما بيضغطوا عليكي بسببي.. بس والله يا ليليان مسؤولية البيت والشغل مخلية خلقي ضيق. إنتي أختي الصغيرة، وحبيبتي، ومقدر تعبك.. متزعليش مني"
ابتسمت ليليان بدموع محبوسة، فكريم ليس شريراً، بل هو نتاج تربية غرزت فيه مفاهيم خاطئة، لكن قلبه ما زال يحمل بذرة حنوّ.
"مش زعلانة يا كريم، ربنا يعينك على شغلك ويرزقك ببنت الحلال اللي تريح بالك"
"بدعيلك يا ليلو في كل صلاة إن ربنا يرزقك باللي يشيلك في عينه"
خرج كريم، وتركت كلماته دفئاً في قلبها فاق بهجة هديته؛ فما احتاجت ليليان يوماً لشيء قدر احتياجها لأن يشعر أحدهم بوجودها.
---
جاء يوم الثلاثاء، وذهبت سلمى لأول حصة عند ميس ليليان. دخلت القاعة لتجدها ممتلئة عن آخرها، لكن الهدوء كان سيد الموقف. دخلت ليليان بوقارها المعتاد، بدأت الشرح بأسلوب سلس جعل سلمى تنبهر بقدرتها على تبسيط المعقد. وفي منتصف الحصة، انطلق صوت الأذان من المسجد المجاور. سكتت ليليان تماماً، ورددت الأذان بخشوع، ثم قالت بابتسامة هادئة:
"يا شباب، إحنا بنذاكر عشان ننجح، بس النجاح الحقيقي هو الفلاح في الآخرة. لقاء ربنا أهم من أي معادلة، والوقت اللي هنصلي فيه، ربنا هيبارك لنا بسببه في اللي باقي من الحصة"
وقفت ليليان تؤم الفتيات في ركن هادئ بالقاعة، وكان صوتها في الصلاة يفيض بالسكينة وهي تقرأ: "وَالضُّحَىٰ ۞ وَاللَّيْلِ إِذَا سَجَىٰ ۞ مَا وَدَّعَكَ رَبُّكَ وَمَا قَلَىٰ". شعرت سلمى برعشة في قلبها؛ لم ترَ مدرسة من قبل تهتم بصلاتهم بهذا الشكل. بعد الصلاة، قالت ليليان حديثاً سريعاً:
"سُئِلَ النبيُّ صَلَّى اللهُ عليه وسلَّمَ: أيُّ العَمَلِ أحَبُّ إلى اللَّهِ؟ قالَ: الصَّلاةُ علَى وقْتِها. يلا بينا نرجع للمعادلات بقلب صافي"
---
عادت سلمى للمنزل، وجدت أدهم جالساً مع والدهما "الأستاذ أحمد" في الصالة. دخلت وهي تتنفس حماساً وتقول بصوت عالٍ:
"أبيه أدهم! إنت حجزت لي عند 'ملاك' مش مدرسة! ميس ليليان دي حاجة تانية خالص!"
ترك الأب مصحفه باهتمام، بينما التفت أدهم لها بابتسامة:
"إيه يا سوسو؟ فهمتي المادة؟"
"المادة دي طلعت سهلة أوي يا أبيه! بس مش ده المهم.. إحنا في نص الحصة، أول ما أذان المغرب أذن، ميس ليليان سكتت تماماً، وقالت لنا بابتسامة: 'يا شباب، لقاء ربنا أهم من أي معادلة، والوقت اللي هنصلي فيه ربنا هيبارك لنا بسببه في اللي باقي'"
أكملت سلمى وعيناها تلمعان:
"قامت صلت بينا إمام في القاعة، صوتها في القرآن هادي ومريح أوي، وبجد حسيت براحة عمري ما حستها. تخيل يا أبيه إنها خلتنا كلنا نصلي، وبجد الشرح بعد الصلاة كان ممتع والكل كان مركز جداً"
هنا، اعتدل الأب في جلسته وقال بصوت يملؤه الوقار:
"ما شاء الله لا قوة إلا بالله.. ربنا يبارك فيها وفي أصلها يا بنتي. اللي مبيشغلهاش الدنيا عن صلاتها، ربنا بيفتح لها أبواب العلم والقبول. يا بخت أهلها بيها، ويا بخت اللي هتكون من نصيبه"
أدهم استمع لكلمات والده وتعقيبه بتركيز، وبدأ اسم "ليليان" يُحفر في خياله كصورة للنقاء والالتزام الذي طالما بحث عنه. همس أدهم في سره: "ما شاء الله.. فعلاً لسه الدنيا بخير"
---
في مساء اليوم التالي، كان الأستاذ محمود يجلس على مقهاه المفضل يرتشف الشاي بشرود، حتى قطع خلوته شاب مهندم يدعى "طارق". طارق يعمل محاسباً في الشركة الكبرى الملاصقة لسنتر الهدى، وكان دائماً ما يلمح ليليان وهي تدخل وتخرج بوقارها المعهود، فسأل عنها وعرف أصلها ومكان سكنها. بعد مقدمات من الود، دخل طارق في صلب الموضوع:
"والله يا حاج محمود، أنا شفت الآنسة ليليان بحكم شغلي جنب السنتر، وسألت وعرفت إنها من بيت أصول، ويشرفني أطلب إيدها. أنا جاهز بكل حاجة، شقتي تمليك وعربيتي موجودة، ومش محتاج منكم غير القبول"
هز محمود رأسه بتقدير وقال:
"ده شرف لينا يا ابني، بس ليليان لسه بتدرس، هي دلوقتي في الفرقة الثالثة وليها طموحها وشغلها"
"ما هو ده الموضوع يا حاج.. أنا مش حابب مراتي تشتغل وتتبهدل في السناتر والمواصلات. أنا الحمد لله ميسور، وعايزها تتفرغ لبيتها وتكون ملكة فيه. ومش لازم تتعب نفسها في سنة رابعة، تتجوز في الإجازة وتقعد معززة. الشهادة في الآخر مش هتنفعها زي ما بيت جوزها هينفعها"
ساد الصمت، وبدأ محمود يغرق في حيرته. في رأسه، كانت تدور صراعات عنيفة؛ فهو يرى في طارق "سترة" لابنته ومستقبلاً مادياً مريحاً يرفع عن كاهله هَمّ تجهيزها، وفي نفس الوقت يعلم مدى تعلق ليليان بكتبها وطلابها. فكر في نفسه:
"الواد لقطة ومستقبله مضمون، والتعليم نهايته البيت في الآخر.. بس البنت بتفرح بكل مسألة بتحلها وبكل تقدير بتجيبه، هقدر أكسر فرحتها دي؟ بس الست مالهاش غير جوزها، وطارق واد شهم وشكله هيحافظ عليها"
نظر لطارق وقال بتردد لم يستطع إخفاءه:
"والله يا بني، كلامك فيه وجهة نظر.. بس سيبني أفكر وأشاور أهل البيت وأرد عليك"
في هذه الأثناء، كان "كريم" يمر بالصدفة من شارع المقهى، فلمح والده يجلس مع شاب غريب ويبدو عليهما الجدية التامة. انتظر كريم حتى انصرف طارق، ثم اتجه نحو والده وجلس مكانه على الكرسي الخشبي:
"مين ده يا حاج؟ وشك كان مخطوف وأنت بتتكلم معاه، خير في حاجة؟"
تنهد محمود وهو يشرب الشاي بشرود وقال:
"ده عريس لليليان يا كريم، محاسب وميسور وجاهز من كل مجاميعه. بس طالب إنها تسيب الشغل والتعليم وتتجوز في الإجازة الجاية"
صمت كريم قليلاً، ونظر لوالده بتفكير متزن:
"والله يا بابا التعليم فعلاً ملوش لازمة للبنت في الآخر، وأنا كدة كدة مكنتش حابب مرمطة السناتر دي والمشي في الضلمة.. بس برضه لازم نشوف رأي ليليان، دي هي اللي هتتجوز يا حاج، وهي تعبت أوي في كليتها وشغلها"
رد محمود وهو يقوم من مكانه بحيرة:
"أهو ده اللي قالقني، بس الواد لقطة يا كريم ومش هيتعوض بسهولة"
عاد محمود وكريم إلى المنزل، وتوجها أولاً لشقة الجدة "الحاجة فاطمة" في الدور الأرضي، حيث كانت زوجته "منى" جالسة معها. قص محمود عليهما ما دار وسط صمت الجميع.
"يا أمي، جالي عريس لليليان واد لقطة، بس طالب إنها تسيب الشغل والتعليم وتتجوز في الإجازة.. أنا والصراحة مش عارف اعمل ايه"
التفتت "الحاجة فاطمة" إليه بوقارها المعهود وقالت بصوت هادئ لكنه حازم:
"محتار في إيه يا محمود؟ السترة مفيهاش حيرة يا ابني. البنت من إمتى كان ليها رأي في الحاجات دي؟ الشهادة هتعمل لها إيه أكتر من اللي هي فيه؟ الواد شاري ومستور، والقرار ده قرارك أنت، أنت ولي أمرها وأدرى بمصلحتها. وافق وتوكل على الله"
نظرت منى لزوجها بقلق وهمست بصوت خفيض:
"بس يا محمود، ليليان روحها في تعليمها، دي بتصرف على نفسها وبتساعدنا كمان، بلاش نستعجل ونظلمها"
ردت الجدة بلهجة قاطعة لا تقبل النقاش:
"تساعدنا إيه يا منى؟ البنت مصيرها لبيت جوزها. بكرة لما تعجز والقطر يفوتها الشهادة مش هتنفعها. وافق يا محمود، والجوازة دي هي اللي هتسترها وترفع راسنا"
انصاع محمود لكلام والدته، وشعر أن تزويج ليليان بهذا الشخص هو "القرار الحكيم"، وقرر في سره أن هذا الزواج سيتم، متجاهلاً تماماً أحلام ابنته التي تبنيها كل فجر فوق سجادتها، وكأن مستقبله الذي رسمه لها هو الأصح والأبقى.
---
كانت عقارب الساعة قد تجاوزت العاشرة والنصف مساءً حين وصلت ليليان إلى منزلها. جسدها يئن من تعب الوقوف طوال اليوم، لكن قلبها كان معلقاً بوالدتها وجدتها. وكعادتها قبل أن تصعد لشقتهم، طرقت باب شقة الجدة الحاجة فاطمة بهدوء. دخلت لتجد جدتها ووالدتها لا تزالان جالستين، بينما خيم السكون على المكان بعد رحيل محمود وكريم للأعلى. انحنت ليليان تقبل يد جدتها بحب:
"تصبحوا على خير يا حبيباتي.. قلت لازم أطمن عليكم قبل ما أطلع"
نظرت إليها الجدة بنظرة غامضة، نظرة تحمل بداخلها قراراً قد يغير مجرى حياة هذه الفتاة، لكنها اكتفت بابتسامة باهتة وقالت:
"وأنتي من أهله يا بنتي.. ربنا يكتب لك الستر والصلاح في كل خطوة"
صعدت ليليان لشقتها، وجدت الأنوار مطفأة إلا من ضوء خافت في الصالة. علمت أن والدها قد غلبه النوم بعد يوم شاق من التفكير والحيرة. دخلت غرفتها في صمت، أغلقت الباب خلفها، ووضعت حقيبتها الثقيلة كأنها تضع أعباء الدنيا معها. توجهت للوضوء، ووقفت تصلي ركعتي "قيام الليل". في ركوعها وسجودها، كانت تشعر بسكينة لا توصف، وكأن الله يربط على قلبها قبل الاختبار الصعب. جلست لتقرأ وردها قبل النوم، ووقعت عيناها على قوله تعالى:
"إِن يَعْلَمِ اللَّهُ فِي قُلُوبِكُمْ خَيْرًا يُؤْتِكُمْ خَيْرًا مِّمَّا أُخِذَ مِنكُمْ وَيَغْفِرْ لَكُمْ ۗ وَاللَّهُ غَفُورٌ رَّحِيمٌ"
شعرت ليليان براحة غريبة، أغمضت عينيها وهي لا تدري أن في الغرفة المجاورة، قد قُضي أمرٌ بغير علمها، وأن أحلامها أصبحت مهددة بقرار "السترة" الذي اتخذه والدها في الخفاء.
---
في تلك الأثناء، كان أدهم يجلس في غرفته يطالع بعض الأبحاث الطبية، لكن كلام سلمى عن ميس ليليان وتصرفاتها في السنتر كان يتردد في أذنه كلحنٍ هادئ. لم يكن حباً، بل كان تقديراً لشخصية غريبة عن زمنها. قام ليتوضأ وصلى ركعتين في جوف الليل، ثم رفع يده وناجى ربه بصدق:
"اللهم ارزقني الزوجة الصالحة التي تعينني على ديني، واجعل لي نصيباً فيمن تخافك وترحمني في زمنٍ قلَّ فيه العفاف.. اللهم اختر لي ولا تخيرني فإني لا أحسن التدبير"
شرد أدهم لثوانٍ في ملامح تلك الفتاة التي رآها في الصيدلية، وتلك المدرسة التي تمدحها أخته، وشعر في داخله أن هناك خيطاً خفياً يربط بين كل هذه الأحداث، لكنه استغفر ربه ونام بقلبٍ فوض أمره لخالقه، بانتظار ما سيأتي به الصباح.