صفقة الشيطان - الجثة
اللغة: العربية
الرئيسية ربح

صفقة الشيطان - الجثة

جاري التحميل...

الجثة

يبدأ الرعب والغموض في الظهور بعد تتالي الأحداث ....

تحميل الفصول...
المؤلف

ثم اختفى في لحظة، كأنّه لم يكن موجودًا، تاركًا خلفه فراغًا يثقل النفس، وهديرًا خفيًا يصرخ في الأذن. استيقظ خليل فجأة من غفوته، وقلبه يطرق صدره بعنف، ووجهه غارق في عرقٍ بارد مع رعشة تتسلل إلى أطرافه، بينما من حوله كانت الطائرة قد عادت إلى هدوئها المعتاد. رأى المسافرين يحدقون به باستغراب، بعضهم أومأ برفق، وآخرون أبدوا قلقًا صامتًا، وكأنهم يلمسون الخوف الذي ارتعشت روحه من شدته. أخذ نفسه في حضن يديه، محاولًا تهدئة قلبه، يتنفس ببطء ويهمس لنفسه أنّ ما حدث لم يكن سوى كابوس ناتجًا عن إرهاق السفر الطويل والتعب المتراكم في جسده وروحه، وعن ساعات الانتظار الطويلة والفوضى المستمرة بين الفحص والتفتيش والبروتوكولات الصارمة، أسبابٌ اجتمعت لتجعل عقله يتخيّل الرعب في تلك اللحظة. ومع كل نفسٍ يأخذه شعر بالطمأنينة تتسلل إليه، وأعصابه تعود تدريجيًا لترتيب نفسها، حتى تأكد أنّه عاد إلى عالمه الحقيقي، محاطًا بالمسافرين وبالهدوء النسبي للطائرة. تقدّمت مضيفة الطيران بهدوء، تحمل كأس ماء في يدها، ابتسمت له بابتسامة دافئة، فشكرها وهمس لها بارتياح، فأخبرته بصوت هادئ أنّهم على وشك الوصول إلى باريس. امتلأت نفسه بارتياحٍ مفاجئ، وكأن هذا الخبر البسيط أذاب آخر آثار الرعب التي لازمته منذ استيقاظه، فاستند إلى المقعد، يتنفس ببطء، ويراقب السماء من نافذة الطائرة، متلهفًا للقاء المدينة التي طالما حلم بها.

وصل خليل أخيرا  إلى باريس، وحقًّا يا لها من مدينةٍ جميلة. مدينة تعرف كيف تستعرض نفسها دون أن تبالغ، شوارعها واسعة ووجوه الناس فيها تمضي بثقةٍ باردة، لا أحد يلتفت لأحد، وكأن لكل فرد عالمه الخاص الذي لا يحق للغرباء اقتحامه. المباني كانت شامخة وأنيقة، حجارتها تحمل تاريخًا أثقل من أعمارهم، مصطفّة كجنودٍ متقاعدين يعرفون أنّهم انتصروا منذ زمن، والطقس رماديّ لطيف، لا شمس تحرق ولا برد يصفع، فقط هواء نظيف يمرّ عليه. السيارات هنا تنساب بهدوءٍ منظم من دون صراخ أو منبّهات هستيرية، ولا سباق مع الزمن كما في قريته حيث الطريق ضيّق، والسيارة تعرف صاحبها قبل أن يعرفها، وحيث المارّة يتوقفون لتحليل وجهه وسيرته العائلية قبل أن يعبروا الشارع. هنا، باريس تُشبه امرأة أنيقة لا وقت لديها للثرثرة، بينما قريته عجوز طيبة، فضولية، تعرف كل الأسرار وتحبّ أن ترويها.

وقف الشاب العشريني لحظة يلتقط أنفاسه، يقارن بينه وبين هذا العالم الواسع، ثم أخرج هاتفه، فتح «غوغل مابس»، وحدّد وجهته نحو الجامعة، وترك السهم الأزرق يقوده، وهو يسير في مدينة الأضواء كغريب يحاول أن يتعلّم أولى خطواته في حياةٍ جديدة. بعد دقائق، وصل أمام مبنى جامعة باريس ديكارت – كلية الطب، ووجد نفسه أمام صرح شاهق يلامس السماء، تتلألأ جدرانه الحجرية الرمليّة تحت أشعة الشمس، فيما تعكس نوافذه العالية العراقة والفخامة معًا. النقوش المزخرفة على السقف تروي تاريخًا طويلًا من العلم والمعرفة، فتملأ المكان بهالة من العظمة تخلب الألباب. الباب الرئيسي الضخم المحاط بأعمدة رشيقة، أضفى شعورًا بالهيبة والرهبة على كل خطوة خطاها نحوه. وقف للحظة، يتنفس بعمق، وقلبه يعتصره مزيج من الفخر والانبهار. لم يستطع التوقف عن النظر في تفاصيل المكان، من الحجر إلى الزوايا المزخرفة، وكل زاوية تذكّره بالحلم الذي تراكم في داخله منذ الطفولة. لم يصدق حقًا أنّه هنا، بين هذه الجدران التي ستصنع منه إنسانًا جديدًا، وبين أروقة ستجمعه بالمعرفة والتحديات.

أكمل خليل جميع الإجراءات المتعلقة بالدراسة مع إدارة الجامعة، ولم يبقَ سوى خطوة واحدة لأتمكن من الاستقرار، وهي الحصول على غرفة في المبيت. توجه نحو إدارة الطلاب، وملأ الاستمارة بكامل البيانات، ثم وضعها أمام المسؤول عن الغرف. قرأ الورقة طويلاً، وعندما لاحظ أنّه تونسي الجنسية، ارتسم على وجهه ابتسامة هادئة، كمن يلتقي بروحه في شخص آخر. ثم قال له بنبرة عربية جادة، لا يُخفي فيها شيئًا من الحذر:

— لم يبقَ إلا الغرفة رقم ثلاثة عشر، جميع الغرف الأخرى تم احتجازها يا سي خليل، هل أنت متأكد من أنّك تريدها حقًا؟

استغرب خليل من كلامه، وشعر وكأن الرجل يحذّره من اتخاذ أي خطوة نحوها، فقال:

— وما الغريب فيها؟ هل هي غير صالحة للسكن؟ أم تشكو بعض النقص؟ أم ماذا؟

التفت الرجل يمينًا ويسارًا، كأنه يتحقق من عدم وجود أحد يسمعهم، ثم همس:

— الأمر أكبر من هذا بكثير… يقال إنها…

ولم يكمل حديثه، إذ دخل عليهم المدير بابتسامة خفيفة. ارتبك المسؤول للحظة، وغير الموضوع بسرعة، ثم سلّم خليل المفتاح دون أن ينبس بكلمة. شكره، ثم أمسك بالمفتاح، ولاحظ شيئًا غريبًا فيه. كان كبير الحجم إلى حد يجعل اليد تكاد تحمله بالكامل، طويلًا بشكل غير معتاد، ويميل إلى الانحناء قليلًا عند طرفه، كما لو صُنع على عجلة. لم يصدق أنّ هذا المفتاح سيطابق أي باب عرفه من قبل. بعد فترة وجيزة، رغب خليل في طمأنة عائلته على وصوله، فقرر الاتصال بهم قبل كل شيء، ثم اتجه نحو غرفته ليستمتع بحمام منعش بعد طول عناء السفر والإجراءات. دخل المبيت الجامعي، فإذا به غريب، شبه فارغ، كأن ساكنيه اختفوا فجأة. لم يكن هناك صوت سوى صدى خطواته على الأرضية الباردة. بين الأروقة الطويلة، كان الضوء يتسلل بخجل من النوافذ العلوية، يمر عبر أبواب نصف مفتوحة، ويكشف عن زاوية هنا وركن هناك، كلها أمكنة مهجورة وغريبة، وكأن المكان نفسه يراقب دخوله. رأى باب غرفته من بعيد واقفًا صامدًا. فتح الباب، وإذا به يواجه منظراً أقوى من كل توقعاته، هولٌ لم ير مثيله من قبل..
               
×
جاري التحقق من حالة حسابك...

لوحة أرباحك

أهلاً بك في برنامج شركاء الأرباح. يتم احتساب أرباحك بناءً على زيارات رواياتك المقبولة.

الزيارات المحتسبة 0
الأرباح المقدرة $0.00

تم الإرسال بنجاح!

"تم استلام طلبكم الخاص بالانضمام لبرنامج الأرباح بنجاح. الطلب الآن قيد المراجعة"

قيد المراجعة حالياٌ

"طلب الانضمام لبرنامج الأرباح قيد المراجعة حالياٌ. تستغرق عملية التحقق وتجهيز حسابك فترة تتراوح ما بين 7 إلى 14 يوم عمل"

الشروط غير مكتملة

عذراً، لتحقيق الربح يجب أن تمتلك في حسابك
4 روايات على الأقل.

يجب تسجيل الدخول

"يرجى تسجيل الدخول إلى حسابكم المعتمد للمتابعة وتقديم طلب الانضمام لبرنامج الأرباح"