ثروة.. وجنون - الفصل الثالث
اللغة: العربية
الرئيسية ربح

ثروة.. وجنون - الفصل الثالث

جاري التحميل...

الفصل الثالث

وفي الخارج، ظلّ الليل ساكنًا، وكأن السماء نفسها كانت تبكي بصمت مع الأختين، تشهد على وعد غير منطوق: أن تبقى القلوب متصلة، مهما فرّق بينهما القدر.

تحميل الفصول...
المؤلف

كان الليل قد أسدل ستاره على البيت، وعمّ السكون أرجاءه بعد يوم طويل من الترتيبات المرهقة. انتهت الاستعدادات، ونام الجميع، كأنهم يتهيأون لموعد الغد الذي سيحمل بين طياته فرحة طال انتظارها.


في غرفتها، كانت يمنى قد رتبت حقائبها وأوراق سفرها بعناية، ثم وقفت أمام شرفة تطل على الحديقة المظلمة. الهواء البارد يعبث بخصلات شعرها، ووجهها يضج بمزيج من الحماس والخوف، الفرح والرهبة. كانت لحظة صمت عميق، تحاول أن تلتقط أنفاسها قبل أن يبدأ الغد فصلاً جديدًا في حياتها.


في الغرفة المقابلة، تقلبت يارا فوق سريرها. النوم جافاها، والقلق ينهش قلبها. نهضت بخفة، كأن شيئًا ما يسحبها خارج غرفتها، وفتحت باب غرفة أختها ببطء. لمعت عيناها برؤية يمنى واقفة وحدها أمام الشرفة، كتمثال من نور وحزن معًا. اقتربت منها دون كلمة، حتى وقفت خلفها، ثم احتضنتها من الخلف بقوة، كأنها تريد أن تذيب المسافة بين قلبيهما.


التفتت يمنى بخفة، ابتسمت رغم الدموع التي لمحتها في عيني أختها:


يمنى (بصوت هادئ): "إيه يا يارا… إنتي لسه صاحيه؟"


يارا (بابتسامة مرتعشة): "معرفتش أنام… مش عارفه ليه حاسه إني عايزه أقعد معاك الليله دي… يمكن عشان دي آخر ليلة لينا سوا."


يمنى (بحنان): "آخر ليلة إيه يا غبيه… أنا مش رايحه بعيد. هفضل قريبه منك دايمًا."


يارا (تضغط على يدها): "لا… مش زي دلوقتي. من بكرة هتبقي في بيت تاني، وليكي حياة تانية. وأنا… هافضل هنا من غيرك."


تأملت يمنى ملامح أختها، وابتسمت ابتسامة دافئة:


يمنى: "إنتي فاكره نفسك هتتخلصي مني كده؟ ده أنا هفضل أرغي معاكي في التليفون كل يوم… مش هتقدري تتهربي."


ضحكتا بخفة، لكن الضحكة كانت مكسورة من الداخل. ثم ساد صمت قصير، قبل أن تتنهد يارا وتتكلم بصدق:


يارا: "بجد يا يمنى… إنتي عمرك ما كنتي أختي الصغيرة وبس… إنتي كنتي صديقتي الوحيدة، سرّي اللي محدش يعرفه، 


اغرورقت عينا يمنى بالدموع، واحتضنتها بقوة:


يمنى (بصوت متهدج): "وإنتي… إنتي كنتي أمي التانية، وأختي الكبيرة، وصحبتي اللي مفيش زيها. أنا من غيرك ماكنتش هعرف أعدي ولا يوم من أيام حياتي."


انهارت دموع يارا، لكنها مسحتها سريعًا حتى لا تقلق أختها:


يارا: "أنا مش مصدقة إني هصحى الصبح مش هلاقيكي جنبي… مش هسمع صوتك وإنتي بتنادي عليا… مش هلاقي حد أتحايل عليه ينزل يشتريلنا شوكولاته."


ابتسمت يمنى وسط دموعها:


يمنى: "ده حتى إمام هيغير عليا من الشوكولاته لو عرف قد إيه بحبها."


ضحكتا من جديد، ضحكة قصيرة غلفها الألم. وفي تلك اللحظة، ترددت الكلمات في قلب يارا.. أرادت أن تخبرها عن سليم، عن ذلك الارتباك الذي يزرعه حضوره في داخلها، عن يدها التي ارتجفت بين يديه في المقهى. لكن شيئًا ثقيلًا كبّل لسانها. نظرت إلى وجه أختها، البريء المضيء بالحب والثقة، وتراجعت.


اكتفت بأن تضغط يدها أكثر، وتهمس بصوت مبحوح:


يارا: "أنا هشتاقلك أوي يا يمنى… أوي."


يمنى (ترد بالعناق): "وأنا كمان يا حبيبتي… هشتاقلك لحد ما نتقابل تاني… وكل يوم، هبقى أدعي ربنا يحفظك ويخليكي ليا."


وفي الخارج، ظلّ الليل ساكنًا، وكأن السماء نفسها كانت تبكي بصمت مع الأختين، تشهد على وعد غير منطوق: أن تبقى القلوب متصلة، مهما فرّق بينهما القدر.
................................ 
تركت يارا غرفة أختها بخطوات مترددة، كأنها تخشى أن تدير ظهرها لليلة لن تعود. أغلقت الباب بهدوء، وأسندت ظهرها إليه، عيناها غارقتان في الدموع.


مدّت يدها إلى هاتفها تمسح به دموعها، فإذا بشاشة الهاتف تضيء فجأة: إشعار جديد.
نظرت سريعًا، لتجد رسالة قصيرة من رقم لم تجرؤ أن تحفظه باسم:


> سليم: " كيفك هلا.. شو عامله"


ارتجفت أناملها وهي تقبض على الهاتف، وقلبها يطرق صدرها بجنون. رفعت رأسها نحو السماء المظلمة، والهمس يتردد في داخلها:
"أنا داخلة على هاوية… ومش عارفة لو هعرف أوقف نفسي."


......................... 


اليوم التالي 


أضاءت قاعة الاحتفال كأنها قصر من ألف ليلة وليلة؛ ثريات الكريستال المعلّقة في السقف تنثر أضواءها الذهبية، والموسيقى الهادئة تنساب في الأرجاء. الطاولات المغطاة بالمفارش البيضاء تتلألأ فوقها باقات من الورود الحمراء والشموع الراقصة. كل شيء بدا كأنه لوحة متقنة لليلة العمر.


جلس الأب والأم في الصفوف الأمامية، ملامحهما تفيض بالفخر والدموع تلمع في أعينهما وهما يتابعان ابنتهما يمنى بثوبها الأبيض الطويل ، كزهرة نقية وسط هذا البهاء. كان قلب الأم يردد دعوات صامتة، بينما الأب يخفي دمعةً سقطت من فرط التأثر.


وقف إمام بجوار والده سليم، عينيه مملوءتان بالاحترام والاعتزاز. في كل حركة كان يحرص أن يبرهن على طاعته لوالده: ينظر إليه بين الحين والآخر بابتسامة صغيرة، كأنه يستمد من حضوره قوته وهيبته. أما سليم، فقد بدا فخورًا بابنه، مهيبًا بين الحضور، يراقب تفاصيل الحفل بعين الرجل الذي يعرف كيف يسيطر على كل ما حوله.


حين حانت اللحظة، أمسك إمام بيد يمنى برفق، واقتادها إلى منتصف القاعة، حيث أضاءت الأضواء الخافتة المكان وبدأت موسيقى رقيقة. إنبهر الحضور بوقع خطواتهما وهما يبدآن رقصتهما الأولى. كان إمام يضمها بحب واضح، بينما يمنى تتمايل بخجل، ابتسامتها البسيطة تخفي ارتباكها ودموع الفرح التي كادت أن تنساب.


في زاوية بعيدة من القاعة، جلست يارا وحدها، عيناها مركّزتان على أختها. كانت تحاول أن تبتسم لفرحتها، لكن قلبها أثقلته الوحدة، كأنها غريبة وسط الزحام. لعبت بأصابعها في كأس العصير أمامها، تحاول أن تشغل نفسها عن الفراغ الذي يسكنها.


اقترب منها شاب أنيق،  نظر لها قليلا ثم انحنى وهو يبتسم:


الفتى (برقة): "بجد… جمالك الليلة مختلف… هادي قوي وراقي، زي ما اكون واقف قدام لوحة مش قادر أبعد نظري عنها."


رفعت يارا عينيها إليه بدهشة، وارتسمت ابتسامة صغيرة على شفتيها رغمًا عنها. لأول مرة منذ بداية الحفل، شعرت أن هناك من يراها بعيدًا عن كونها "شقيقة العروس". 


جلس بهدوء على الكرسي المقابل لها.


> الفتى (مبتسم): "أنا آسف لو أزعجتك… بس حسيت إنك قاعده لوحدك، قلت يمكن تحبي شوية صحبة."


نظرت له يارا باستغراب ممزوج بالفضول، فأكمل بنبرة ودودة:


> الفتى: "أنا اسمي عمر… صديق قديم لإمام. كنا سوا من أيام الجامعة، وهو بالنسبة لي أكتر من أخ."


رفعت يارا حاجبها بابتسامة خفيفة، ثم قالت:


> يارا: "أول مرة أشوفك… مع إني عارفة معظم أصحابه."


ابتسم عمر بخفة وهو يعدّل بدلته:


عمر:- " ايوا انا بعتذر إنى محضرتش حفل الخطوبة كان عندى سفرية شغل مهمه. بس الليلة دي ما ينفعش أغيب… فرح زي ده ما يتعوضش."


ابتسمت يارا دون أن تشعر، وقد بدت أكثر ارتياحًا لأسلوبه الهادئ.


> عمر : "بصراحة… أنا كنت حابب أقول حاجة من أول ما دخلت القاعة."
يارا (بخجل): "إيه؟"
عمر (ينظر إليها بصدق): "إنتي مختلفة… مش بس عشان شكلك، لأ… في هدوء فيكي يخليكي تلمعي حتى وسط كل الزحمة."


احمرّت وجنتاها قليلًا، لكنها ردّت بخفة محاولة أن تغيّر الجو:


> يارا: "واضح إنك بتعرف تختار كلامك كويس."
عمر (ضاحك): "يمكن… بس المرة دي، صدقيني، ما فيش اختيار… هي الحقيقة."


ساد بينهما صمت قصير، تبادل فيه كلاهما نظرات سريعة، قبل أن يمد عمر يده نحوها برقي:


> عمر: "تسمحيلي بالرقصة دي؟ يمكن تكسر الملل اللي حاسس بيه على وشك."


ترددت يارا لحظة، ثم مدت يدها بخجل ووقفت. اقتادها عمر إلى منتصف القاعة، وبدأا يتمايلان بخفة مع الموسيقى. كان يضحك بين الحين والآخر، يلقي نكات صغيرة تُشعرها بخفة ظله، فيما راحت هي تستسلم تدريجيًا لجو مرح لم تعهده منذ فترة طويلة.


لكن ابتسامتها سرعان ما تلاشت حين شعرت بقبضة قوية تشد يدها فجأة. التفتت لترى سليم واقفًا خلفها، ملامحه جامدة وعيناه تقدحان شررًا صامتًا.


> سليم (بصوت منخفض لكنه حاد): "خلص… كفاية


نظرت له يارا بإتساع عينيها وخفق قلبها بقوة.. عمر نظر له بإستغراب وقال:-  عمي سليم انت مش عارفنى أنا عمر صاحب إمام..أنا مش غريب. 
نظر له سليم بصمت للحظات ثم قال:-اهلا  ياعمر كيفك.. معلش بدي يارا  لأمر مهم. 


شدها بعيدًا عن الزحام نحو ممر جانبي مظلم قليلًا، حيث تلاشت أصوات الموسيقى شيئًا فشيئًا. وقفت أمامه مرتبكة، قلبها يخفق بجنون، وهو يخرج منديلًا من جيبه ويمسح مكياج وجهها بحركات متوترة.


> سليم: "إنتِ مو لعبة… ولا عروسة ورق يضحكوا عليها. إنتِ إنسانة… حقيقية… أجمل من أي زينة بتحطيها."


تراجعت يارا خطوة للخلف، عيناها متسعتان من كلماته الغامضة، تحاول أن تفهم قصده. رفع عينيه نحوها بحدة أكبر:


> سليم (يتمتم): "ليه بتنزلِي من مستواكي… ليه بتسمحي لحد يلمسك.. ليييه


إرتعشت أطرافها بقوة ورفعت نظرها تنظر لعينيه كانت قريبه منه حتي تكاد تحترق بلهيب أنفاسه على وجهها.. همست دون أن تعي ماتقول:-سليم.. ليه لما بردد إسمك قلبي بيحاربني.. ليه عيوني مش شايفه غيرك رغم كل اللى حواليا.. 
امسك يديها بقوة وقال:- لاتنظري لحدا  غيري بهالطريقه.. مابدي حدا غيري يشوف هالنظرة منك.. بتفهميني


ارتبكت يارا أكثر، وعجزت عن الكلام. وفجأة، وكأنه لم يعد يملك السيطرة على نفسه، جذبها إليه  وضمها بقوة إلى صدره..شعرت وكأنها تذوب بين ذراعيه القويتين وكأنها عادت طفله صغيرة تشعر بالحمايه لمجرد عناق.. كان عناقه قصيرًا لكنه صاعقًا، ارتجف قلبها فيه، وشعرت بأن العالم توقف لوهلة.


أفلتها سريعًا، تراجع خطوة للخلف، وصوته خرج متقطعًا:


> سليم (باضطراب): "سامحيني… ما كان لازم… سامحيني يا يارا."


بينما يارا، ما زالت عيناها متسعتين وشفتيها ترتعشان، علمت أن رائحه سليم التى تسحرها  قد علقت بها إلى الأبد..وأن قلبها لم يعد ملكها بعد الآن.. لم تستطع أن تجيب سوى بنظرة واحدة، حملت كل الخوف… وكل التعلق.
......................... 


كان ضوء الصباح ينساب على أرض المطار، يلمع فوق الزجاج الواسع وكأنه يبارك لحظة الرحيل.
تجمّعت الأسرة جميعها أمام البوابة، العناق والدموع والابتسامات المرتجفة تتوزع بينهم.


الأم تضم يمنى وكأنها تودع قطعة من قلبها، والأب يضع يده على كتف العريس بفخر ظاهر ودمعة خفية.
إمام يقف بجوار أبيه سليم، يضحك تارة ويمازح أخت العروس تارة أخرى، فيما يمد يده ليساعدها في حمل حقائبها.


أما سليم، فظل واقفًا على مسافة، جامد الملامح، ينشغل بترتيب ربطة عنقه تارة، وبالنظر إلى ساعة يده تارة أخرى، كأنما يختبئ من شيء في داخله. عيناه لم تقترب من يارا ولو لثانية.


وقفت يارا بجوار أمها، تتابع المشهد كله بعينين متوترتين، تتنقلان كل لحظة بين يمنى المغادرة وسليم المتعمد ألا يلتقيها. شيء غامض انقبض داخلها، وكأن صمته الجارح رسالة أقوى من كل الكلمات.


ارتفعت أصوات المذيع معلنة موعد صعود الطائرة، فاندفع الجميع إلى العناق الأخير. ضحكات يمنى الممزوجة بالدموع تملأ المكان، بينما يارا تقف ثابتة، تحاول رسم ابتسامة متماسكة، وداخلها عاصفة لا تهدأ.


ومع آخر لحظة، حين لوّح الجميع مودعين، مرّت نظرة سريعة من سليم على وجه يارا… نظرة حادة، مقتضبة، لكنها غامضة حد الإيلام، كأنها وعد أو تهديد لم تُفك شفرته بعد.


وغابت يمنى عن الأنظار، فيما بقيت يارا معلّقة بتلك النظرة وحدها.


..................................... 


مرّت ستة أشهر، كأنها ستة أعوام، تغيّر فيها كل شيء.
في بيت العائلة، صارت يارا مختلفة؛ لم تعد تلك الفتاة الحائرة التي تبكي في ليلها وتخاف من وحدتها. عمر دخل حياتها بقوة، وملأ فراغها بخطوات واثقة. خطبها رسميًّا، وشاركها تفاصيل يومها حتى الصغيرة منها. عرفها على أصدقائه، وأخذها لتعمل إلى جواره في شركته، وصار وجوده حولها أشبه بظل لا يفارقها.


البيت نفسه تغيّر؛ الأب والأم يبتسمان كلما نطق اسم عمر، وفخرهما واضح أنه خلّص ابنتهما من العزلة التي كانت تحاصرها. أما يمنى، فقد صارت غائبة أكثر مما ينبغي. مكالماتها تأتي مرة كل أسبوعين، قصيرة، مقتضبة، لا تخبرهم عن تفاصيل حياتها الجديدة، ولا تشرح لهم أسباب ابتعادها. هذا الغياب كان يوجع قلب الوالدين، لكنهما يخفيان قلقهما عن يارا حتى لا يثقلان عليها.


وسليم؟ اختفى كأن الأرض ابتلعته. لم يتواصل معها قط بعد زفاف ابنه، ولا كلمة ولا رسالة. لكنها، بين حين وآخر، حين يلمس عمر  يدها، أو حين يتعامل معها بغيرة عابرة، تتذكّر تلك اللحظة القديمة… يد سليم القوية تمسك بيدها، كلماته الغامضة التي ارتجفت لها. ثم تسارع لتقتل تلك الذكرى، كأنها تحرق ورقة صغيرة، لتظل مخلصة لعمر، لا لغيره.
......................... 


في المكتب الواسع لشركة عمر، كانت يارا تجلس أمامه وبيدها ملف ضخم مليء بالأرقام. لم تعد تلك الفتاة المترددة التي تكتب خواطرها في صمت؛ الآن صوتها ثابت وهي تعرض عليه اقتراحًا جريئًا لتعديل صفقة مع أحد العملاء.


> عمر، بابتسامة إعجاب وهو يتكئ على كرسيه:
"برافو يا يارا… فكرتك دي هتوفر علينا وقت وفلوس كتير. بجد أنا مبسوط إنك معايا في الشغل."


> يارا، بابتسامة واثقة ممزوجة بخجل:
"أنا مجرد بساعدك… إنت اللي شايل الحمل الكبير."


> عمر، يهز رأسه بإصرار:
"لأ… إنتي شريكتي دلوقتي. وأكتر حاجة  عجباني فيكي إنك عندك فكر تجاري نظيف وعملي."


أنهيا اجتماعهم بنجاح، وبينما كانت يارا تجمع أوراقها، نظر لها عمر بعفوية:


> "إيه رأيك بعد ما نخلص، أعدي عليكي ونروح نسهر مع الشلة؟ كلهم مستنيين يشوفوكي."


> يارا، من غير تفكير تقريبًا:
"ماشي… أكيد."


كأن الأمر صار عادة، جزءًا من يومها، أن تكون مع عمر في كل خطوة.


…


في المساء، كان المقهى يعجّ بالضحكات. أصدقاء عمر – مجموعة من الشباب والبنات – رحّبوا بيارا بحرارة. لم تعد غريبة بينهم، بل صارت واحدة منهم. كانت تضحك على نكاتهم، ترد بخفة دم، وتشاركهم الأحاديث. حتى طريقة جلوسها وحركاتها لم تعد تحمل ذلك الحذر القديم؛ صارت أكثر انطلاقًا، كأنها نسيت نفسها القديمة.


> أحد الأصدقاء ضاحكًا:
"يا عمر، يارا دي بقت بتضحكنا أكتر منك!"


> عمر ينظر إليها بحب وافتخار:
"ما هو طبيعي… دي بقت روحي."


ضحكت المجموعة، ويارا ابتسمت بخجل، لكنها في داخلها أحست بدفء لم تعرفه من قبل… دفء الانتماء، وكأنها أخيرًا وجدت مكانها.


................................ 


بعد ما ودّعوا أصحابهم وخرجوا من الكافيه، كان الجو بارد نسبيًا والهواء يلفح وجوههم. عمر فتح باب السيارة ليارا بابتسامة فيها اهتمام اعتادت عليه:


> عمر: "استمتعتي؟"


يارا، وهي تجلس وتعدل شعرها: "جدا… حسيت إني وسط صحابي بجد، مش عارفة إزاي اتأقلمت معاهم بسرعة."


عمر  وهو يدخل جانبه ويقفل الباب: "لأنك طبيعية، واللي زيك بيتحب بسرعة. إنتي مش واخدة بالك قد إيه وجودك بقى فارق معاهم… ومعايا أنا كمان."


سكت لحظة، ثم مد يده وأمسك يدها بخفة، ما بين المزاح والجد:


> "عارفة يا يارا… أنا مش متعود أعتمد على حد. دايمًا بشيل كل حاجة لوحدي… بس معاكي الموضوع مختلف. إنتي مش بس دخلتي حياتي، إنتي دخلتي شغلي، دنيتي، وكل تفاصيل يومي… وبصراحة مش عاوز أستغنى عن ده."


نظرت له يارا للحظة طويلة، كأنها تسمع كلامًا يمس شيئًا عميقًا بداخلها. قلبها ارتجف قليلًا،
لكنها ابتسمت بخجل وقالت بصوت منخفض: "وأنا كمان… اتعودت أكون معااك. لدرجة إني ساعات مش بفكر حتى… خلاص بقيت جزء من يومي."


ابتسم عمر بسعادة، ورفع يدها يقبلها كعادته، ثم قاد السيارة وسط صمت مريح بينهما.


لكن في داخله، كان إحساسه بالنصر أكبر من مجرد لحظة عاطفية؛ لقد امتلك عقلها وقلبها معًا، بينما في داخلها، كانت يارا تحاول أن تدفن أي ذكرى لليلة الفرح، لأي لمسة غامضة هزت قلبها من شخص لم يعد موجودًا.
.............................. 


في مساء هادئ، جلست الأم على الأريكة تتابع الأخبار بعين شاردة، الهاتف يرن فجأة، نظرت للشاشة فابتسمت برغم الغصّة في قلبها:


> الأم (بحماس واضح): "يمنى! يا روحي، إزيك؟"




جاء صوت يمنى من بعيد، فيه دفء، لكنه مكسور بتعب خفي:


> يمنى: "أنا كويسة يا ماما… إنتو اخباركم ايه؟"


تنهدت الأم، وحاولت أن تخفي قلقها:


> "كلنا بخير، بس مقصره معانا يا يمنى. من أسبوعين لأسبوعين، بصعوبة بنسمع صوتك."




سكتت يمنى لحظة، وكأنها تبحث عن أعذار جاهزة:


> يمنى: "معلش يا ماما، الشغل كتير… وضغوطات جامدة… وبحاول أرتب أموري."


الأم بصوت متهدج:


> "إحنا مش عايزين تفاصيل يا حبيبتي، إحنا عايزينك إنتِ… حتى لو دقيقة تسمعينا صوتك. البيت من غيرك ناقص."


صمتت ثوانٍ. يمنى عضّت شفتها السفلية، عيناها ترمشان بسرعة وهي تحاول تبتلع دمعة معلّقة:


> يمنى: " وحشتوني اووي… والله مشتاقلكم. بس خلاص، يمكن اتعودتوا تبقو من غيري ."




الأم بسرعة، بحزن وغضب مختلط:


> "مين قال اتعودنا يحبيبتي ده البيت من غيرك صعب اووى ملوش روح حتي باباكي وحشته شقاوتك . ويارا… ما بتقولش حاجه بس هى أكتر واحده تعبانه لفراقك. 


يمنى شدّت على الهاتف بقوة، كأنها تحاول تمسك يد أمها من بعيد:


> "ماما… صدقيني، أنا كويسة … ومش عاوزاكم تقلقوا عليّ بس استحملو شويه … لحد ما  أقدر أظبط حياتي."


ثم قبل أن تطول المكالمة أكثر، قالت بسرعة:


> "بحبكم… لازم أقفل دلوقتى… بس هتصل أول ما اقدر"




وأغلقت الخط، تاركة الأم تحدّق في الهاتف بشعور مرير أن ابنتها تبتعد أكثر فأكثر، وكأن هناك سرًا تخفيه عن الجميع.
		       
×
جاري التحقق من حالة حسابك...

لوحة أرباحك

أهلاً بك في برنامج شركاء الأرباح. يتم احتساب أرباحك بناءً على زيارات رواياتك المقبولة.

الزيارات المحتسبة 0
الأرباح المقدرة $0.00

تم الإرسال بنجاح!

"تم استلام طلبكم الخاص بالانضمام لبرنامج الأرباح بنجاح. الطلب الآن قيد المراجعة"

قيد المراجعة حالياٌ

"طلب الانضمام لبرنامج الأرباح قيد المراجعة حالياٌ. تستغرق عملية التحقق وتجهيز حسابك فترة تتراوح ما بين 7 إلى 14 يوم عمل"

الشروط غير مكتملة

عذراً، لتحقيق الربح يجب أن تمتلك في حسابك
4 روايات على الأقل.

يجب تسجيل الدخول

"يرجى تسجيل الدخول إلى حسابكم المعتمد للمتابعة وتقديم طلب الانضمام لبرنامج الأرباح"