الفصل الرابع:العصبه | لعنة أزبريخان
الغصل الرابع:العصبه
تعملت من أبي كيف أغزل ولكن حين تعملت اكتشفت أن ليس كل ما حولك يمكن أن يُغزل ويصبح حريراً! .. يا عزيزي على النقيض هناك بعض الأشياء ملمسها كالشوك في يد مَنْ يفكر مجرد التفكير أن يغزلها_ قالها ضاحكاً مُستهزِاً_ قَطعاً لن تفهمني. لا أعلم لماذا استغرقت هذا الوقت في الحديث معك بهذا الكلام، ولكن شعرت أني بحاجة للبوح بذلك حتى لو مع شخص لا أعرفة جيدا !
يدخل رستم ونائل إلي قاعه المعلمين ووسط الهمسات و النظرات يرى نائل خمسه معلمين أمامه يتفحصونه من أعلاه إلي أسفله، الأن نائل ورستم في منتصف القاعه و حولهم المعلمين و نائل يشعر ببعض من التوتر والخجل يشعر كأنه علي خشبه المسرح في ليله مكتظة بالجماهير، يتحدث رستم ليزيح عن نائل هذا الخجل: أود أن أعرفكم يا سادة بزميلكم الجديد في المدرسة، إنه الأستاذ نائل" كانت الهمسات تعلو في القاعه و صوت من بين تلك الأصوات الهامسة يقول ضاحكا :أى بلد قد دفعتك إلينا يا ترى ؟ ضحكات تجد مكانها بين تلك الهمسات ،ضحكات تسخر من نائل، لم يعجب نائل بالمعلمين أو بالأحرى لم يعجب بأغلبهم وقد عرف من رستم أسماءهم وهم في الطريق إلي القاعه، الأولى كانت المعلمه أماثل وهى أرمله في سن ال ٣٨ ناقمه علي الحياه كثيره الكلام تحب أن تقلل من شأن الأخرين لا تخلع الأسود أبدا تجد في كل ذلك دواء يشفي غليلها من ما يحيط بها من تعاسه منذ فارقها زوجها المعلم الثانى، الأستاذ جلال،أو كما يطلق عليه زملائه جلجل .يلبس جلال قميص زهرى اللون مع بنطال أزرق وحذاء أخضر يحب أن لاتكون الألوان متناسقه كى ينظر من يحدق له إلي غرابه الألوان التى يرتديها ولا يبقي من يلتفت إلي قصر قامته المعلمه الثالثه،إسمها أزهار بنظارتها السميكه وشعرها الكستنائي ولسانها المتلعثم كانت أزهار جميله جدا بل فاتنه جذبت إنتباه نائل فور دخوله الغرفه ورغم خجله إلا أنه سمح لنفسه بأن يسترق النظر إليها المعلم الرابع رؤوف،يبدو جاد جدا لا يضحك لا يمزح مع أحد كأنه جندى في حرب ويجب أن يخرج منها منتصر وإلا فأنه سيصيبه العار ويموت جراء ذلك ..المعلمه الخامسه إنصاف نظراتها كانت بارده قاسيه من الوهله الأولي ترى شر في عينيها و ستود لو أنك لم ترها قط أو تتعامل معها حتى عن طريق الصدفه عجوز شمطاء في أواخر الخمسينات تحسد بعينها كل ما يحيط بها حتى يكاد ما حولها أن يلتهم بنار موقدة .. قال رستم لنائل أسماء الخمسة وبهذا فإن نائل هو سادسهم ،لقبهم رستم بزملاء نائل ،ولكن نائل اطلق عليهم في قراره نفسه إسم (العصبة) حزب من غرباء الأطوار ،قال رستم بعد أن أنهى جلسه التعارف بين المعلمين ونائل وأوضح لهم أنه أتى ليعلم اللغه الإنجليزيه للتلاميذ: وها انا ذا قد سبقت وعرفتكم بالأستاذ نائل وكذلك عرفته بكم، وكل ما عليكم الآن أن تأخذوة في جولة وتعرضوا له أقسام المدرسة، وكلٌ واحد منكم سيرافقة إلي قسم مختلف . ..أومء المعلمون رأسهم وقالوا في نبره واحده :أمرك أيها المدير .. ..هناك شئٌ غريب،أشعر كأنني مُراقَبْ! هكذا كان يشعر نائل حينها، ولكن هذا الإحساس اقتحمه صوت رستم وهو يقول لنائل: أريدك أن تأتي لمكتبي بعدما تنهي جولتك في المدرسة مباشرةً.. لا شك أن هذا الاحساس لم يقتحمه فقط صوت رستم؛ لقد تدخلت فيه يده أيضاً يده التى شد بها بقوة على عضد نائل قائلاً: أريد أن أُحدِّثُك في موضوعٍ مهمٍ جداً. وقتها أيقن نائل أن هذا الموضوع قطعاً يخص والده! _ بعدها ترك رُستم نائل وسط زملائه واتجه مرةً أخرى لمكتبه. تتبعت أماثل رستم بعينيها حتى تأكدت أنه غادر محيط القاعة ووضعت كف يدها اليسرى أسفل ذقنها قائلة: يبدو أن أحداً هنا سيكون ابتلاءنا الجديد ! ثم أشارت بإصبعها لنائل وطلبت منه أن يدنو منها قليلاً، وبعدها أكملت حديثها.. "فلتأتى هيا أيها الطفل الصغير حتى أعرفك علي معالم القسم الخاص بي ، وأيضا أسرع قليلا ،لاوقت لدى لهذه الألعاب الصبيانية فلست بجليسة لك ' نظر لها نائل نظره بإستغراب ولكنه لم يرد أن يفتعل أي مشاكل فهو المستجد هنا وليس هم ،ولن يتعب نفسه في نقاشات ليس لها طائل يريد أن يكسب الوقت . سارت الأستاذة أماثل أمامه و غادرا القاعه سويا ،وهما يغادران شعر نائل بصمت مهيب في كل أرجاء المدرسة حتى أنه ظن لوهلة ، بأنه يسير في مدرسة مهجورة . في الحقيقه كان الطلاب مختبئين خلف الجدران وفي الفصول وفي الحمامات وبين شجيرات بهو المدرسة المترامى الأطراف . كانوا خائفين من الغول الذي يسمى أماثل ولاحظ نائل ذلك وهو يسير بجوارها ،وضحك في نفسه فهو أيضا خائف، طوال حياته كان يسمع عن البعبع وأبو رجل مسلوخه وأمنا الغوله ولكن للمره الاولي هو يسير بجوار التجسيد الحي لتلك القصص المرعبة ومن المفارقات الغريبه أيضا ماسيسمعه نائل منها أثناء سيرهم في قسم الموسيقي _أنا العازفة_ نعم أعزائي إن أماثل هي أستاذة الموسيقي في مدرسة النسيج ، ذلك بحد ذاته مزحه لا يصدقها عاقل عند رؤيته لوجه هذه السيدة البائس ، الذي لا روح فيه ،فقط وجه عابس شاحب بعينين يسيل منهما الكحل كأنهما دائما في حاله بكاء ونحيب .. أماثل: أنا هنا لكي أُعلِم الطلاب كيف يختارون الألحان وكيف يعزفونها وكيف يغنونها، أُعلِمهم الفن الحقيقي الذي يجعل النفس تسمو والقلب يرق والأذن تطرب، الفن الذي ضاع هذه الأيام وسط هذا الكم الهائل من العبث ومن الفن الهابط الذي لا يستحق حتى أن يدعى فن! ، أغان رقيعة مليئة بكلمات الغزل الماجنة.. إنني أُعلِم الطلاب الأصالة ،و كيف تصبح أذانهم موسيقية! نائل:لكن يا أستاذة شعر وأغانى الغزل ، وجودهم وعمرهم في هذه الدنيا ، بعمر الدنيا نفسها ، أنا أرى أنك تبالغين قليلا ، وتقسين كثيرا علي هذا النوع من الغناء . ضحك نائل في نهايه كلامه ، ولكن قطعت ضحكته بنظره من أماثل ،التى نظرت له وكأنه مجرم قد إرتكب ذنب في حق البشرية بعد تلك النظره قرر نائل أن يسير معها في صمت حتى لا تأكلة ،فيبدو أنها قادرة علي ذلك. محتوى غرفه الألات الموسيقية كان ،كمانجه ،وناى ،وعود،وكل الأدوات الموسيقية موجوده كلها إلا البيانو . وبعد أن رأى نائل الأدوات الموسيقية وقسم الموسيقي تكون جولته قد إنتهت مع أماثل . وينتظره جلال علي حافه قسم الموسيقي يُلوِّح جلال بيده لنائل كما لو كان طفلاً صغيراً وبنبرة مليئة بالسخرية قائلاً: أستاذ نائل أراك تأخرت عند أماثل! هل أعجبتك ألاتها الموسيقية؟!.. أنا أيضاً أُعجبت بألاتها عندما رأيتها أول مرة، لقد كانت شيئاً عظيماً، شيئاً مُبهراً بلا شك ! ثم أردفها بعباره تؤكد أنبهارة بتلك الألات fantastic بعدها أكمل حديثة مع نائل " أستاذ نائل هلا تتجول معي لبعض الوقت؟ كان جلال هو رئيس قسم الحياكه في المدرسة فنان في استعمال الخيوط وغزلها، يده تنسج الأحلام وتحولها إلي ملابس .وكل ملابسه يحيكها هو لنفسه متفائل ودائم الإبتسام وكثير الحديث وهذا كان يزعج نائل قليلا ولكنه قرر أن لايظهر ذلك ليس نفاق وإنما لأنه يريد ان يعرفهم أكثر . وأن يسمعهم أكثر نائل : أستاذ جلال .. جلال :نادنى ب (جلجل) وأرفع هذا التكليف بيننا ، فلقد أصبحنا أصدقاء وزملاء في المدرسة أليس كذلك يا صديقي الجديد . نائل :حسنا يا أستاذ ، أقصد يا جلجل من الوهلة الأولي التى وطئت فيها قدماى أرض المدرسة وأنا يجوب في خاطرى ألاف الأسئلة .. جلال:حاول أن تستنبط أجوبة هذه الأسئلة بنفسك دون أن تسئلها ، وهذا أفضل للجميع .نائل :أعذرنى علي جهلي ، ولكن كيف يكون ذلك ؟ ،كيف تأتى الأجابة دون سؤال جلال :تأتى الأجوبة بالتأمل يا عزيزى والملاحظة ، كل شئ من حولك يجيب علي سؤال لم تسئلة أبدا .. نائل :ولماذا لا أوجة سؤالي بشكل مباشر ، لماذا أخذ طريق أعوج ، وأمام أخر مستقيم . جلال في رد حازم :ببساطه لأن هناك أسئلة قد تغضب البعض هنا منك ، وأجوبة قد لا تنال استحسانك . ترك جلال نائل في منتصف الطريق بين قسم الحياكة وقسم الغزل والنسيج وكان به شئ قد إختلف عن بداية الجوله إبتسامتة قد اختفت تماما، تركه لكى يذهب للقاء الاستاذ رؤوف وجد نائل رؤوف أمامه بتلك الأبتسامه الصفراء المليئه بالنفاق رؤوف من تلك النوعيه من الاشخاص الذين قد يفعلون اى شئ لينالو رضي مديرهم في العمل . بل وسيفعل أى شئ حتى لايفقد وظيفته هو يعتبرها حرب وهو جاد وصارم في ذلك ولأجل هذه الحرب قد يغير جلده ومبادئه في سبيل الأنتصار . قال رؤؤف في صوت ملئ بالود وأيضا ما يوازيه من الخبث : أقسم أن المدرسة من قبلك يا أستاذ نائل كانت كالكوكب المعتم أو كالعدم المظلم . ثم اتبع ذلك التملق ، بالتعريف بقسم الغزل والنسيج الذي يرأسه في المدرسة . رؤوف: والدى تغمدتة الرحمة _ كان يعمل في مصنع غزل، كنت أحب دائماً أن أذهب معه في صغري؛ لأرى يديه وهما يغزلان فناً لا أعتقد أن أحداً في هذا الكون بأسره يمتلك ذلك القدر الهائل من الموهبة، حتى أنني في صغري اعتقدت أن أبي يمكن أن يغزل أي شئ إلى حريرٍ ناعم لا يمكن أبداً أن يؤذيك ملمسه الحالم الرقيق! أبي كان قدوتي في الحياة، لقد نشأت على أن ما يُصنع بشغف بالتأكيد سيصل إليك هذا الشغف، سيجعل قلبك يشعر بإحساس ربما يشبه نسمة وسط الخريف الحزين! تعملت من أبي كيف أغزل ولكن حين تعملت اكتشفت أن ليس كل ما حولك يمكن أن يُغزل ويصبح حريراً! .. يا عزيزي على النقيض هناك بعض الأشياء ملمسها كالشوك في يد مَنْ يفكر مجرد التفكير أن يغزلها_ قالها ضاحكاً مُستهزِاً_ قَطعاً لن تفهمني. لا أعلم لماذا استغرقت هذا الوقت في الحديث معك بهذا الكلام، ولكن شعرت أني بحاجة للبوح بذلك حتى لو مع شخص لا أعرفة جيدا ! تعجب نائل! فليس هذا هو الشخص الذي رأه منذ قليل إنه مختلف تمام، حتى طريقه كلامه و عيناه عند التحدث عن والده تملؤهما الدموع .كان عقل نائل يلح عليه بأن يسأله ماذا حدث لوالده ولكنه تذكر كلام جلال ..بإن هناك اسئله سيعرف إجابتها بالملاحظه وبعض الأسئله لا تعنيه إجاباتها .. نائل:هل يمكنك أن تطلعنى علي قسمك كلة الألات التى تستخدمها و الخامات و ... رؤوف: صبراً قليلاً أستاذ نائل! .. يبدو عليك الحماس الشديد، يبدو أيضاً أنك تعلم الكثير عن هذا العمل. كنت أعتقد أنك لا تفقه شيئاً فيه، وعلى ذلك سوف أُرِيك كل شئ تود معرفته. نائل بإمتنان :شكرا يا أستاذ رؤوف رئى نائل الخيوط و الألات و الأقمشة المطرزه من حوله كان منبهرا بها حقا. أى اتقان هذا .قد تباع هذه الأقمشه بجنيهات كثيره . ولكن أكثر مالفت نظره وشاح موضوع علي كرسي خشبي بجانب الغرفه مطرز عليه صوره لبومه سوداء اللون ،تشعر أنها حيه وأن عيناها تتحركان إقترب نائل من الوشاح لكى يلمسه ويراه عن كثب ولكن رؤوف أمسك يده بغضب حتى كاد أن يكسرها رؤوف: هل أذنت لك بأن تضع يداك هذه علي أى من متعلقاتى في الغرفة وأنا لا أعرف ؟!! نائل : اااا ، أنا أسف لكن هذا الوشاح أستوقفنى كثيرا كم هو جميل ، وأردت أن أراه عن كثب :رؤوف: تراه عن كثب ؟ يكفي أنى سمحت لك برؤيتة من بعيد ، وأيضا مكانة هنا خاطيء لم يكن من المفترض أن يراه أى شخص وهو لم يكتمل بعد والأن هل يمكن أن تدع أغراضى وشأنها. قال نائل ساخرا: هو هكذا غير مكتمل ، وبكل هذا الجمال وهذا الأتقان ولم يكتمل بعد ، أنا لا أصدق ما أسمع :رؤوف :لا لم يكتمل بعد أيها الفضولي الأرعن ، ومن فضلك يكفى هذا القدر من الكلام ، لاتعكر مزاجى أكثر من ذلك ,ولا تجعلنى أستشيط غضبا ، هل أقول لك شيئا لقد أنتهت جولتك معي أذهب الأن إلي الأستاذة أنصاف نائل :حسنا ولكن ألن تدلنى علي مكان الأستاذة أنصاف كيف سأعرفة وحدى . رؤوف:هذا شئ لا يعنينى فل تقرأ الطالع أو تنجم ولكن أياك أن توجة لي أى سؤال أخر .. عاد رؤوف مره أخرى لنفس الوجه الذي قابل به نائل في قاعه المعلمين .. نائل :حسنا ،حسنا لقد فهمت ولكن لا تكن قاسيا بهذا الشكل ، وأنا أسف علي الجرم الذي أرتكبتة بحق وشاحك الغالي سار نائل خارج قسم الغزل لم يعرف أين يتجه ولكن قدماه كانتا تسيران من تلقاء نفسهما كأنهما تعرفان الطريق أو كأنه كان هنا من قبل ،هو الأن في الطابق العلوى من المدرسة ، يسير في طريق ملئ بالألوان ،ألوان علي أقمشه ملتصقة بالجدران وصوره علي أحد تلك الجدران للأستاذة إنصاف وهى في سن الشباب ،يقترب نائل من الصوره المحاطة بالألوان وينظر عن كثب ، و فجأه يجد أن عينا الصوره يتحركان فيعود إلي الخلف ويسقط علي ظهره ،وبعد ذلك يسمع صوت لحذاء نسائي وهو يطأ الأرض مرارا وتكرارا . تك تك تك تك .. ينظر لأعلي وهو ملقي علي الارض ليجد وجه المعلمه إنصاف أمامه .. إنصاف:ماذا تفعل هنا أيها الطائر الشارد الذي نسيت أسمة ....! نائل: نائل ،أسمى نائل أيتها المعلمة انصاف: هذا لا يهمني، كل ما يهمني الآن أن أُنهي ذلك الهم _على حد وصفها_ فكما ترى أصبح يندرج عليَّ شعر أبي العتاهية عندما قال: بَكيتُ عَلى الشَبابِ بِدَمعِ عَيني.. فَلَم يُغنِ البُكاءُ وَلا النَحيبُ فَيا لَيتَ الشَبابَ يَعودُ يَوماً.. فَأُخبِرُهُ بِما صَنَعَ المَشيبُ. تنهدت وقالتها بكل حسرة! نائل: لا تقولي ذلك.. رَزقتى بالعمر الطويل انصاف: وهل ترى أن العُمرَ الطويلَ رزقٌ! كم أنك إنسانٌ سطحيٌ تماماً! ،رزقك الله بالبؤس المديد ، يكفينى فقط أن أعيش بصحةٍ جيدة؛ جودة الحياة أهم من مدتها. عليك أن تعلم ذلك؛ فدائماً المهم الكيف لا الكم! وبدعوتك تلك بالعمر المديد كأنك تلفظ النار في وجهى ، أم تريدنى أن أخلد بهذه القشور والتجاعيد كانت إنصاف ناقمه علي شيخوختها تكره نفسها الحاليه و تجاعيدها ومن يكره نفسه لا يستطيع أن يحب أحد .. انصاف: هيا قُمْ سريعاً يا نائل _أقصد أستاذ نائل_ إنك في عُمر ابني كما تعلم، هيا لأُعرِفك على قسم الصباغة، مازلت جالساً !! هذا الجيل الجديد عديم الفائدة بلا شك ! _قالتها بكل تهكم_. نهض نائل من مكانه وسار بجوار الأستاذة إنصاف . وهو يتأمل في الصبغات والألوان المختلفه التى أمامه . غير مكترث بحديث إنصاف علي الإطلاق كانت الألوان ساحره تأخذ العين ،تذكره بأخته أسمهان التى كانت تعشق الرسم والألوان، يتذكر أنها في مره رسمته وهو يضمها كأنه الدرع الذى يحميها من شر هذه الدنيا و في تلك الذكرى سقطت الدموع من عينى نائل .فأسرع بمسحها بيده قبل أن يلاحظ أحد و يبدأ بسؤاله عن سببها ..لم يسمع نائل من كلام إنصاف غير نهايته فقط . انصاف: أعتقد أن دورى معك قد انتهى ، الآن عرفت وظيفة قسم الصباغة والأدوات المُستخدمة فيه، لا تُشغل وقتي أكثر من ذلك، سأتركك للأستاذة أزهار.. إنها أفضل جليسة أطفال في المدرسة _قالتها بكل سخرية واستهزاء_ أشارت إنصاف بيدها إلي أزهار التى كانت تقف أمامهم وتنتظر نائل بإبتسامة جميله ،إبتسامه تكاد تنسيه كل السوء الذي مر به في حياته. شعر نائل بإحساس غريب عندما نظر إليها في القاعه أول مره وكأنه يعرفها أو رأها من قبل ..في مكان ما ..ولكنه مجرد تلاقي للأرواح في هذا العالم الواسع لا غير .. أزهار: أهلاً أستاذ نائل! .. تفضل معي لأُعرِّفُك على هذا القسم أو كما أحب تسميته "عالمي الخاص" ! دخل نائل معها إلي بهو ملئ باللوحات الجميله . وبات ينظر من حوله و يتلفت إلي ذلك الجمال غير مصدق أنه من صنع انسان .ثم سأل ولم يخف . نائل _ناظراً بانبهار_ : مَنْ رسم هذه اللوحات الجميلة ؟ أزهار_ وقد احمر وجهها من الخجل_: أنا مَنْ رسمتها. نائل: أستاذة أزهار أنتي فنانة من الطراز الأول ! .. هذا الجمال يجب أن ينال قيمته ويرى النور، عليك أن تعرضيه خارج هذه المدرسة؛ لينال ما يستحق من تقدير. ثم تنهد قائلاً: كيف تتركين هذا الفن ليتراكم عليه التراب، لا تؤاخذيني إذا كانت نبرتي حادة، أنا بطبعي قليل الكلام ولكن فنك يجعل الحجر يتكلم ! كانت أزهار رئيسه قسم الفنون في المدرسة ..وكان لديها موهبه طاغيه منذ الصغر تشعر بأن لوحاتها من الواقعيه تكاد تحدثك أو قد تخرج الرسومات خارج إطار اللوحه وتعيش وسط البشر.. و لا يدرك أحد الفرق ابدا .. قالت أزهار بعد أن سمعت كلمات نائل وكيف يرى فنها ومدى إعجابه باللوحات :"أزهار: عذراً ولكن هذه رغبتي؛لقد رسمت هذه اللوحات بكل ما أملك من براعةٍ واتقان، لقد رسمتها بروحي! .. جمال هذه اللوحات يكمن في وجودها في المدرسة، وليس لدي أي نية أن أستغني عن هذا الجمال.لأجل الشهرة أو المال نائل: كما تُحبين ولكني ما زلت مُتمسِكاً برأيي إنها خسارةٌ كبيرةٌ جداً. أزهار _ضاحكةً_: خسارة!! .. الخسارة الوحيدة أنك ما زلت لم تفهم! بعد .. لكن مع الوقت ستدرك ماذا أقصد وستحبها كما نحبها جميعاً. إنها ليست مجرد مدرسة؛ إنها ماضينا الحافل بالذكريات وحاضرنا النابض بالحياة، فبدون مبالغة هذه المدرسة تجعلك تشعر بقيمتك في هذه الحياة ! .. وبهذا إنتهى الحوار بين نائل وأزهار ..و إنتهت الجوله في المدرسة ولكنه لايزال لم يفهم بعد ما حاجه المدرسة إلي معلم لغه إنجليزيه .. أتى بيومى بينما كان نائل يحدث أزهار ويريد أن يسألها عن هذا الأمر و عندما رأى نائل بيومى عرف أن رستم يريده الأن و لن يتأخر نائل علي هذا الرجل،فهو يريد أن يعرف أكثر وأ كثر عن ماضي والده لعله أيضا يصل لحقيقة الشئ الذي تركة له و كلفه بالبحث عنه ،بضع خطوات فقط تفصلة عن مكتب الناظر وهى نفسها الخطوات التى تفصله عن معرفة حقيقه جديدة ..عن مدرسة النسيج !