انتصاري الأول | عواصف الحب والكرامة
جاري التحميل...
انتصاري الأول
توتر وضغط كبير ... فرحة انتصار صغير
رنين…
جهزيلي مجموعة اقتباسات، اطبعيهن وجيبيهن. بدي ياهن يكونوا على طاولتي قبل الساعة ستة المسا.
نفس النبرة… باردة، حاسمة، ما فيها مجال للنقاش.
رباه… الله يستر 🤦♀️
أي نوع من الاقتباسات يريد؟
أدبية؟ تحفيزية؟ رومانسية؟ رسمية؟
نظرتُ بتردد إلى زملائي…
أسأل؟ أم ألتزم الصمت وأغامر؟
محمد… ومن لي سواه.
حملتُ ترددي ومشيت باتجاه مكتبه.
كان يدقّق على اللابتوب، يحتسي الشاي بهدوء.
الجميل فيه أن باب مكتبه دائماً مفتوح… وكأنّه يقول: لا للخصوصة… أنا موجود دائماً
رفعت صوتي بخجل:
— أستاذ محمد… لو سمحت؟
رفع عينيه بابتسامة خفيفة:
— تفضلي
اقتربت أكثر، خافضة صوتي:
— عفواً… أي نوع اقتباسات بده الأستاذ عمر؟
— اسمعي يا قطة… أي نوع من الاقتباسات يريد؟
رفعتُ حاجبي باستغراب.
تابع بهدوء جديّ هذه المرة:
— الشركة مو مكتب عادي… اسمنا كبير بعالم تصاميم الألبسة، وتاريخنا مليان نجاحات.
الاقتباسات رح تنزل بجريدة مخصصة لتصاميم الألبسة… يعني لازم توحي بالنعومة بالقوة، بالأنوثة… بالكاريزما.
اقترب من أحد المجسمات وأشار إلى فستان معلق بعناية.
— شوفي هذا مثلاً…
اقتربتُ لأراه عن قرب.
كان أسوداً قصيراً يحتوي على جيوب جانبية أنيقة، ورقبته كقميص رسمي… مزيج غريب بين الجرأة والرسمية.
نظر إليّ وسأل:
— شايفة هذا… شو بتحسي تصميمه؟
ترددتُ لحظة، ثم قلت:
— أمم… جريء وحلو يليق بسيدة أعمال… يبرز ملامح قوية وشخصية واثقة.
ابتسم وقال:
— حلوو…
انتقل لقطعة أخرى.
فستان طويل، بطبقات ناعمة، كأنه مصمم لحفلات أميرات ديزني.
— وهذا؟
ابتسمتُ تلقائياً:
— هذا مناسب لحفلة أو خطوبة… بيعطي الأنثى جمال ناعم. يليق بوحدة بدها تخطف الأضواء بدون ما تبالغ.
نظر إليّ بإعجاب واضح:
— يا عيني عليكي… بلّش مخك يشتغل منيح.
يعني هلق بتجهزي شوية اقتباسات حلوين عن كيف التصميم رح يبرز شكل الأنثى… وبس تخلصي، وصليهم لعمر.
— تمام… شكراً، عذبتك معي.
ضحك بخفة:
— لا عادي… المرة الجاية إذا حبيتي تعذبيني، جيبي معك قهوة.
ابتسمتُ بلا وعي…
ولا أدري لماذا… لكن يبدو أنني بدأت أعتاد نكاته العفوية.
جلستُ أمام مكتبي لما يقارب الساعة…
أمسح، أكتب، أعود فأمزّق.
أشدّ شعري تارة من شدّة التوتر، وتارة أخرى أقبض على الورقة، أحوّلها إلى كرة صغيرة وأرميها في السلة… وكأنني أعاقبها لأنها لم تنقذني.
كل جملة أكتبها أشعر أنها باهتة.
لا تشبه اسماً بحجم شركتهم… ولا تصلح لتوضع أمام عمر.
وفجأة…
قطع ضجيج أفكاري صوت هادئ:
— إنتِ منيحة؟ بدك مساعدة؟
تجمّدتُ لحظة.
رفعتُ رأسي ببطء…
هل تحدّث إليّ فعلاً؟
كان هادي يقف قرب مكتبي، بنظرة صافية خالية من السخرية… مختلفة عن نبرة عمر، وعن عفوية محمد.
نظرتُ إلى أوراقي المبعثرة…
ثم عدتُ إليه وقلت بسرعة، وكأنني أضع حاجزاً غير مرئي بيني وبينه:
— لا… ما فيني شي.
لكن الحقيقة؟
كان قلبي قد وضع حدّاً واضحاً بيني وبين هؤلاء الثلاثة.
لا أريد منهم شيئاً…
لا مساعدة، ولا اهتمام، ولا حتى نظرة شفقة.
سأفعلها وحدي.
حتى لو تمزّقت كل الأوراق.
لا أعلم ماذا أفعل…
ضممتُ كتفيّ إلى الطاولة، وأسندتُ رأسي فوقهما.
كنتُ محبطة…
وكأنني على وشك البكاء، لكنني أقاوم حتى لا يفضحني أحد.
كل هذا لأجل بضع اقتباسات؟
لا…
ليس الأمر كذلك.
ربما هذه فرصتي…
فرصتي لأثبت نفسي قليلاً.
كي لا أكون شخصاً زائداً… يُستغنى عنه فور عودة الغائب.
لا أريد أن أكون الفراغ المؤقت.
ولا البديل العابر.
الكتابة ليست كلمات تُرصّ فوق بعضها.
الكتابة نبض…
وإن لم تنبع من قلبي، فلن تصل إلى قلب القارئ.
وإن لم أشعر بها…
كيف سيشعر بها هو؟
رفعتُ رأسي ببطء…
مسحتُ أنفاسي المرتبكة، وقلتُ لنفسي بصمت:
"إمّا أن تكتبيها بصدق… أو لا تكتبيها أبداً."
نظرتُ إلى التصاميم مرةً أخرى…
كأنني أراها لأول مرة.
ربطتُ شعري بإحكام،
وطرقتُ بأصابعي فوق الطاولة كمن يوقّع هدنة مع نفسه.
هذه المرة… لن أكتب خوفاً.
سأكتب كما أشعر.
أمسكتُ القلم،
لا اللابتوب.
أردتُ للكلمات أن تخرج دافئة… لا باردة كالشاشة.
وضعتُ أول حرف على الورق،
وكأنني أضع أول خطوة لأثبت أنني لستُ عابرة.
أولاً
١) ليست كل أنوثةٍ ناعمة… بعضُها يُولد مرتدياً الأسود، واثقاً كقرارٍ لا يتراجع.
٢) تصميمٌ لا يطلب الانتباه… بل يفرضه.
٣) عندما تلتقي الجرأة بالأناقة… تولد امرأة تعرف تماماً ماذا تريد.
٤) بين طبقات القماش… تختبئ حكاية أميرة معاصرة.
٥) عزيزتي… كوني Chic، كوني Perfect.
Green… للـ Queen وبس.
مهلاً… قد تبدو غريبة، لكنني أحببتها. وهذا ما يهم الآن.
عل حال من عشر أحجار الا ماتصيب حجرة 🤷
٦) أعلني تميّزكِ دون اعتذار.
تمرّدي على العادي وتفرّدي بثقة…
كأن التصميم كُتب ليحكي قصة بطلة خرجت من عالمٍ أسطوري.
٧) اسطعي لمعاناً أمام الـ Crush… وكأن تألقكِ أجمل انتقام.
٨) إن ظنّوكِ مبالِغة… ابتسمي.
فالعاديون دائماً يرتبكون أمام الاستثناء.
كوني الاستثناء… ودعيهم يتعلّمون.
٩) لا تعتذري عن لمعانكِ…
فبعضهم يحتاج نظارة، لا أن تخفّفي بريقكِ.
تألّقي… والبقية فليتأقلموا.
١٠) صُمم ليُربكهم… لا ليرضيهم.
تألّقي فقط.
طبعتُ النصوص بعناية، رتّبتُ الأوراق فوق بعضها، ثم توجّهتُ إلى مكتب عمر.
كان الباب مغلقاً.
طرقتُ مرة…
ثم مرة أخرى…
ولا إجابة.
وقفتُ حائرة.
هل أطرق مجدداً؟ أم أنتظر؟
لا بد أنه مشغول…
مرّت دقائق، وأنا أتأمل ساعتي بين حينٍ وآخر.
"بعدين معه؟ عندي شغل… يا الله."
أسندتُ رأسي قليلاً إلى الباب، أرجّح ركبتي بتوتر، أعدّ الثواني كأنها تتعمّد استفزازي.
مرّت إحدى موظفات التنظيف، فتوقفتُ وسألتها:
— وين الأستاذ عمر؟
نظرت إليّ وقالت بجدية:
— إذا ما قالِك تفضلي… لا تفوتي.
تنهدتُ:
— طب دقّيت تقريباً ربع ساعة… ناطرة. شو أعمل؟
اقتربتْ، طرقت الباب بنفسها، ثم فتحته برفق.
ألقت نظرة سريعة إلى الداخل وقالت:
— ما له هون… شكله راح. انطريه شوي وبرجع.
أومأتُ برأسي بإحباط:
— أوك…
عدتُ أضمّ الأوراق إلى صدري،
وكأنني أخشى أن يضيع تعبي… قبل أن يراه حتى.
مرّت ساعة تقريباً…
وفجأة…
فاحت رائحة عطر قوية.
عرفتها.
لكن من أين؟ لا أتذكر.
تجمّدتُ في مكاني.
أرجوك… لا يكون ذلك المختل هو عمر.
وقفتُ على أعصابي.
يارب ما يكون هو… يارب.
خطوات واثقة تقترب.
يده في جيبه، أكمام قميصه مرفوعة إلى منتصف ساعديه،
يسير وكأنه عارض أزياء في عرض خاص…
رأسه مرفوع، نظراته حادّة،
وكأنه ذاهب إلى معركة… لا إلى مكتبه.
وكان يسير نحوي.
لم يُشِح بنظره عني.
ازداد اقترابه…
حتى شعرتُ أن الهواء صار أثقل.
مدّ يده،
أخذ الأوراق من يدي دون أن ينطق حرفاً،
وأكمل طريقه وكأنني مجرد محطة عابرة.
بدون وعي خرج صوتي:
— هيي… الاوراق للأستاذ عمر!
توقّف.
التفت ببطء.
رفع حاجبيه ببرود وقال:
— تمام.
ثم استدار وأكمل طريقه.
وقفتُ أحدّق في الفراغ…
اااه يا ربي…
أنا بشركة أزياء مشهورة؟
ولا في مشفى أمراض نفسية؟
وين أنااا؟!
حرفياً… رح أبكي أعصابي تلفت
وقفتُ حائرة…
أتساءل: هل أرسله المدعو عمر لأنه مشغول؟
أم كان يعرف تماماً ما يفعل؟
عدتُ إلى مكتبي.
فككتُ شعري بضيق، ثم ربطته من جديد…
وكأنني أتنفّس غضبي من خلاله.
رنّ هاتف يسرى.
— حسناً… حسناً.
وأغلقت الخط، ثم التفتت إلينا وقالت بلهجة رسمية:
— رح ينعقد اجتماع بعد قليل.
ثم نظرت إليّ تحديداً، وأضافت:
— وإنتِ… أول مرة إلك. لا تسوّدي وجهنا. خلينا نثبت للشركة إنو نحنا الفريق الأفضل.
تجمّدتُ.
«لا تسوّدي وجهنا؟»
شو عملت أنا؟ ليش؟
لم أعرف بماذا أجيبها.
اكتفيتُ بنظرات حائرة.
فريق؟ أي فريق هذا؟
حتى لم يرحّبوا بي.
يعاملونني وكأنني غير مرئية…
وفجأة صرت مسؤولة عن سمعة الفريق؟
قطعت أفكاري بصوت مرتفع:
— شبك؟ بدك عزيمة؟ جهزي أوراقك وقلمك مشان نروح.
وقبل أن أردّ…
جاء صوت هادئ من الجهة الأخرى:
— خفّي عليها شوي… خطي جديدة.
قالها هادي بنبرة دفاع خفيفة… دون أن ينظر إلي مباشرة.
نظرتُ إليه بسرعة.
لم يقل الكثير…
لكن كلمته كانت كافية.
تمتمتُ في داخلي:
كثر خيرك والله 😴🥲
ورغم الإرهاق….رغم الفوضى،
رغم أنني ما زلت أشعر أنني دخيلة على هذا المكان…
نهضتُ.
ربما هذا الاجتماع…هو فرصتي الحقيقية.
دخلنا غرفة الاجتماع…
الهواء مختلف هنا.
أثقل… أهدأ… ومشحون.
كان المتغطرس جالساً في صدر الطاولة،
ينظر إلى حاسوبه وكأنه العالم كله محصور في شاشته.
يقلب القلم بين أصابعه ببرود…
كأن الاجتماع مجرد لعبة أخرى يسيطر عليها.
في الطرف الآخر جلس محمد،
وبجانبه رجل لم أره من قبل.
نحيل جداً… طويل… يضع نظارات دقيقة الإطار،
ملامحه حادة وصامتة.
تسلل خاطر سريع إلى رأسي:
لابد أنه عمر.
لكن… إن كان هذا عمر،
فمن يكون ذاك المتغطرس إذن؟
شعرتُ أنني دخلت ساحة معركة لا غرفة اجتماع.
ثلاث فرق يجلسون حول طاولة واحدة…
كلٌ منهم يستعد ليُثبت أنه الأجدر،
الأقوى،
الأحق بالبقاء.
أما أنا…
فكنتُ أحاول فقط ألا أبدو كجندي تائه في أول معركة له.