طَرِيقَانِ يُغَطِّيهِمَا الْأَشْوَاكُ - وريثة الأسرار
اللغة: العربية
الرئيسية ربح

طَرِيقَانِ يُغَطِّيهِمَا الْأَشْوَاكُ - وريثة الأسرار

جاري التحميل...

طَرِيقَانِ يُغَطِّيهِمَا الْأَشْوَاكُ

شد كامل انتباهها ما قاله، وشعرت برغبة في معرفة ماهية تلك المساعدة، ولكن كبرياؤها أبى ذلك، حتى إنها فكرت في نفسها، وعصرت دماغها حتى تجد شيء واحدا تستطيع فعله هنا سوى البقاء مكتوفة اليدين حتى يأتي اليوم المشؤوم و تتم صفقت بيعها إلى إحدى عشائر المافيا.

تحميل الفصول...
المؤلف

ـ
ـ
منذُ أن فتحت عينيها على هذه الحياة، كان كل شيء تعرفه يحوم حول ما يوجد داخل هذه الأسوار، لاشيء غير ذلك.

صحيح أنها لا تملك حرية فعل ما تريد، ولكنها على الأقل لا تزال على قيد الحياة.
كان الدرس الذي حفظته عن ظهر قلب عندما تخطو خارج تلك الأسوار دون أن يحين الوقت، لن تجد من يكون إلى جانبها، وسوف تغدوا وحيدة من دون أي وثائق تثبت شخصيتها.
لذا، خيار الهروب من هذا المكان شيء في غاية الاستحالة.

ما يختصر كل ذلك هو إدراكها جيداً أنها لا تملك أي شيء، ولكن ما أثار استغرابها هو هذا الشاب المريب الذي يقف أمامها، والذي للتو قد طلب منها المساعدة.
فكرة أنها لا تملك أي شيء حتى تساعده به، لا شيء على الإطلاق.
 كانت لا تزال ترمقه باستفهام بينما هو يبادلها نظرة وكأنها حبل نجاته الأخير، لكن هنالك جزءا داخلها قد أخذ يحذرها من الاقتراب منه.
  كانت الوشوم تغطي رقبته ومعصمي يديه التي بالكاد تظهر من أسفل بدلته الزرقاء.
 كان يبدو في منتصف العشرينات، على الرغم من ذلك، لفت اهتمامها جسده العضلي الضخم.
 هيئته تلك لا تمت بصلة إلى العمال البستانيين.كل جزء يشير إلى مدى خطورته.
ثم إنه ربما لم يكن يحتاج إلى أن يتنكّر حتى ينجح في التسلل إلى هنا، ثم خمنت ربما أصاب الخوف باقي العاملين منه، لذا لم يتجرأوا على إبداء أي ملاحظة حول شكله، أو لم يتجرأوا على التشكيك في أمره.



لكنها لم تستطع إنكار أنه قد فاجأها بطلبه هذا، فسرت الأمر مجدداً، ماذا لو كان يريد منها أن تساعده حقا في زرع تلك القنبلة؟، هذا الشيء الوحيد الوارد الآن، مع هيئته المريبة هذه، لذا تكلمت بنبرة جادة.
" ليس لدي أي فكرة حول زرع المتفجرات "
" أوه ... يبدو انك أخذتِ الأمر على محمل الجد " 
صدح رده وقد بدا عليه توتر طفيف مع لمحة من المرح،

 ما أن تمر دقائق أكثر حتى تزداد مراقبته المستمرة لمعصم يديه الذي حمل ساعة تبدو ثمينة للغاية.
" انا حقا أحتاج إلى مساعدتك ... ثم إنك الوحيدة هنا القادرة على فعل ذلك " 
شد كامل انتباهها ما قاله، وشعرت برغبة في معرفة ماهية تلك المساعدة، ولكن كبرياؤها أبى ذلك، حتى إنها فكرت في نفسها، وعصرت دماغها حتى تجد شيء واحدا تستطيع فعله هنا سوى البقاء مكتوفة اليدين حتى يأتي اليوم المشؤوم و تتم صفقت بيعها إلى إحدى عشائر المافيا.

" لا يمكنني مساعدتك ... ولا أرغب حتى " 
راقبت كيف ظهرت سحنة من الغضب على انفعالات وجهه عندما تلقى جوابها الرافض.
ولم يغب عن انتباهها انغلاق معصم يديه، ثم ما هي إلا بضع ثوانٍ حتى يمسح على شعره وكأنه دخل في دوامة تفكير عميقة. بعدها، وجه جل تركيزه نحوها متحدثاً بهدوء، بينما اخفى غضبه ببراعة تامة.
" عليّ المغادرة الآن، لكنني سأعود في وقت لاحق، وبالتأكيد ستبدلين رأيك في اللقاء القادم " 
" يبدو أنك واثق جداً من حديثك... هل تملك قوة خارقة تجعلني أوافق على مساعدتك؟" 
طالعها بثقة تامة ثم أجابها،
" أجل، أملك نوعا ما.... مثل معرفة هوية عائلتك الحقيقية، وبالطبع ليست تلك العائلة المزيفة التي دُونت على أضبارتك في سجلات الأكاديمية "


انفرجت عينَاها لَحظة على أثر سماعها ما يتفوه به، كانت تعلم جيداً أن تلك العائلة المسجلة على الأضبارة مزيفة، فهم بالطبع لن يضعوا أمامها هوية عائلتها الحقيقية، لكنها سرعان ما أخذت تتساءل أكان هذا الشخص صادقا، ولكن لا مجال للتشكيك في ذلك.
ثم إنه يبدو  اعتاد التسلل إلى هنا كثيراً ويعلم المزيد من الأسرار حول نظام هذه الأكاديمية، ولكن أكثر شيء تساءلت عنه هو ماهية الغرض الذي آتى به إلى هنا.
رآها قد غاصت في دوامة من التفكير، حتى إنها لم تجبه بأي شيء بل بقيت صامتة، ولكن على ما يبدو أنه قد نجح في إثارة فضولها على الأقل، وهذا المطلوب مع فتاة غير مبالية، لذا كان عليه الحديث.
" فكري في الأمر جيداً يا فتاة ... أراكِ فيما بعد وربما غداً "
استدار بجسده وقبل أن يحرك قدميه التفت برأسه نحوها ثم تابع حديثه بثقة.
" تذكري جيداً ... أن أردت في الحصول على المعلومات حول عائلتك يجب عليكِ أولاً الموافقة على مساعدتي وإنجاز المهمة ثانيا" 
اختتم حديثه بغمزة خفيفة مع ابتسامة لا تزول عن ثغره، جعلتها قلقة، كانت هيئته في غاية الوسامة، لكن شيء ما حوله ينذر بشيءٌ في منتهى الخطورة، جعلها ترفض تماما أن تقبل مساعدته، فهي ليست مغفلة حتى تتورط في أمور تجهلها.
كانت على وشك مقاطعته، لكنه سار مبتعداً بخطوات سريعة ليغادر الحديقة.


في الخارج، بينما كان ينتظر وقتاً ليس بالقليل، وقدماه لا تتوقفان عن التحرك ذهاباً و إيابا، لكنه في النهاية أدرك أنه لم يعد يقدر على التحرك خطوة أخرى.

 كانت  فكرة تضييع الوقت عن طريق المشي قد أخفقت، لذا قرر الاقتراب من سيارته السوداء الفاخرة ثم يسند جسده المنهك عليها، وعيناه تراقب تلك اللافتة التي حطت أعلى تلك البوابة " أكاديمية أنجليان للفتيات".
هذه المرة الخامسة يبدأ في في تحليل معنى اسم تلك الأكاديمية.


فكر مجدداً ربما كانت تشير إلى الملائكة، و لكن هذا شيء مستحيل، فحسب علمه أن كل الأمور التي تخفيها تلك الأكاديمية عن الملأ شيء لا يشبه ولا يرمز إلى الملائكة إطلاقاً.
لكن جميعهم يعلمون أن هذا المبنى الضخم يعود لشخص مجهول ذو سلطة واسعة، لدرجة أنه لم يستطع أحد من عشائر المافيا معرفة هويته، حتى تلك التي تمتلك هيمنة واسعة، 
نفض تلك الأفكار من رأسه، ثم التفت نحو زجاج السيارة ليراقب هيئته باهتمام، مسح على شعره الأشقر ثم يتفحص تقاسيم وجهه، عينان لوزيتان حادتان، عظام فك بارزة وجسد عضلي مبهر، تظهر حواف وشوم تختبئ أسفل ملابسه، كادت تتكلم عن مهنته الحقيقية، لكن سرعان ما اختفت ثقته تلك، عندما لاحظ تشكل هالات سوداء أسفل عينيه،  مما جعله يعبس متأسفاً على هيئته.
ثم أدرك أن هذا كله بسبب ذلك المتهور الذي لا يزال في الداخل، ثم أقسم أنه سوف يتحول إلى عجوز كهل بينما يلازم هذا المكان منتظراً إياه، 

كم رغب في رفض مرافقته إلى هنا ولكنه لا يستطيع، ولا يملك حتى الخيار، فهو وريث العشيرة ، لن يتجرأ على رفض أوامره.
وعلى الرغم من كل ذلك، هو أيضا رفيق طفولته، وإن قرر رمي نفسه في الجحيم من دون تفكير سيتبعه و سيرمي نفسه خلفه حتى يتمكن من اللحاق به.
لكن سرعان ما تسلل القلق إلى قلبه عندما أدرك أنه قد تأخر، بينما يرجو في داخله إلا يكتشف أمرهما هذا المرة.

ما هي إلا بضعة لحظات حتى رآه يتجه نحوه بخطوات واثقة، لكن شعر أن هناك خطباً ما به، كان قد تخلى عن ملابسه الزرقاء ووضعها على إحدى يديه، مع ارتدائه قميصاً أسود و بنطالاً بنفس اللون، 
" رباه... وأخيراً، أرجوك تعال ادخل السيارة و دعنا نرحل " 

لم يتفوه بحرف، بل شغل المقعد الأمامي بجانبه. بينما هو يتولى قيادة السيارة، صدر صوت تشغيل المحرك، ثم انطلقوا على الفور.
التفت نحوه، ثم لاحظ شروده الغريب، حتى إنه لم يتحدث أبداً، فقط يسند إحدى يديه على نافذة السيارة، التي كانت مفتوحة،  بينما عيناه الخضراوان تراقبان الطريق.
" ما خطبك يا رجل.... هل استسلمت ولن تكمل ما عزمة إليه"
ما نطق به جعله يلتفت نحوه، يرمقه بنظرات مظلمة.
 فهو يعلم أن صديقه لا يريد أن يأتي إلى هنا مجدداً، وهو غير راضٍ بتاتاً، وكأنه لم يكن يسأله، بل يريد تأكيداً لطالما أراده.


" لا يا ستيف ... لن اتراجع حتى أن الفتاة على وشك الموافقة على مساعدتي" 
" هل طلبت منها المساعدة و رفضت، صحيح؟!، يا ألهي أكاد لا أصدق أن هنالك فتاة قد رفضتك، بل حتى لم تعجب بك! لقد غيرت رأيي، أريد العودة إلى هناك ومقابلة الفتاة إنه...."
 
فجأة حل عليه الصمت عندما رآ وجهه الغاضب، لذا فورا أعاد تركيزه نحو الأمام بينما أصدر حمحمة خفيفة، كأنه يحاول تشتيت انتباهه عما نطق به لتوه.
" إنها مجرد فتاة غريبة الأطوار، لكنها على الأقل ليست خرقاء، و ليست من النوع الذي ما أن ترا شاب وسيم حتى تفقد عقلها. أريدها أن تركز معي حتى أصل إلى ما أريده وقد عرضت عليها مقابل مساعدتها، ثم إنك تعلم خلفية عائلتها"

ظهرت هزة رضا من الآخر، لكن سرعان ما استوعب الجملة الأخيرة حول عائلتها، حتى جَحظت عيناه ثم صرخ بانفعال.

" تايلر ... هل فقدت عقلك؟ هل ستخبرها بهوية عائلتها؟"
لم يرد عليه، بل ظل صامتاً، وهذا اكبر دليل على أنه ينوي ما يقوله. لذا تابع ستيف حديثه الهستيري، بينما ينعطف عن إحدى الطرق.

" ما كان ينبغي لي التورط معك منذ البداية ... يا إلهي، ما أن تعرف العشيرة بفعلتنا هذه حتى يتخلصون مني... أما انت لن يحصل لك اي مكروه، فأنت الوريث .... هل تدرك مدى خطورة ما تعزم إليه، أنه بمثابة استحضار آخر شيطان من تلك العائلة المظلمة" 
كان يتحدث بسرعة وبالكاد يسيطر على قدرته على القيادة، 
بينما كان الآخر  يراقب الطريق بلا اكتراث ثم تحدث بصوت هادئ وعميق.
" توقف عن التحدث والرثاء كالمرأة التي تخلى عنها زوجها... لن يحصل أي شيء أن علمت بهوية عائلتها، حتى أنها أن خرجت من تلك الأكاديمية، لن تملك أي شيء يثبت هويتها، وستكون تحت سيطرتنا" 
كلامه هذا لم يهدأ من روع الآخر، بل أوقف السيارة على جانب الطريق، ثم التفت نحوه بوجه يطوقه القلق.
" هل أنت واثق أن ذلك الشخص الذي يحمل وثيقة الورثة وباقي مقتنيات العائلة لن يظهر لها فجأة ويسلمها إياها؟ " 

زم شفتيه بعدم رضا ثم أجابه.
" أخبرتك، ستكون تحت السيطرة و المراقبة من قبلنا"
اندفع صوت محرك السيارة، ثم تكلم ستيف وكأنه يقنع نفسه لا رفيقه، 
" حسناً... ستجري الخطة كما نريد، ولن يحدث أي شيء خارج توقعاتنا"


منذ أن التقت بذلك الشاب وعقلها مشوش تماماً، وكأن هناك صراع داخلها بين جزئين، أحداهما يطلب منها ألا توافق على مساعدته، والجزء الآخر فضولي و أقوى يحثها على الموافقة.

شعرت بصداع طفيف يغزو رأسَها من كثرة التفكير، 
لكنها تحاملت على الألم وتابعت السير متوجهة نحو المقهى.

كان المقهى قريب من المبنى الذي ضم سكن الفتيات.
تخطت البوابة، لتقتحم أنفها رائحة القهوة ممتزجة بالشوكولاتة.
 كان الديكور من الداخل يغلب عليه اللون الأرجواني الغامق، وكل شيء مرتب بعناية.
أجلت التوجه نحو منصة الطلبات لعدم رغبتها بطلب شيء في البداية، اختارت طاولة قريبة من النافذة ثم اتخذت مكانها على عجل بسبب شعورها بالإرهاق،
راقبت الإرجاء ثم لاحظت أنه لم يكن هناك سوى حوالي عشرة فتيات يجلسن على شكل مجموعات، والقليل منفردات، أي تماماً مثلها.
حطتّ عينيها خارج النافذة، ثم ومن دون أدراك انفصلت عن واقعها، وكأنها لحظة انفصام غريبة تحدث لها ككل مرة تشعر بالصداع، ثم، ومن دون مقدمات، عزمت على أن تقبل تقديم المساعدة لذلك الشاب، لم تكن ترغب في مقابلة عائلتها، ولكنها أرادت معرفة من يكونون، وكيف تسير حياتهم بعد أن تخلصوا من فرد منهم حتى يلقى حتفه.
من دون أن تتعرف عليهم كم كرهتهم.
لكنها سرعان ما أخذت تفكر بماهية المساعدة التي يريدها. فكرت ملياً متساءلة ماذا لو لم يكن باستطاعتها مساعدته؟، 
في هذه اللحظة، كم رغبت في لقاءه ومعرفة ما يريده، حتى إنه ربما سيسخر منها عندما يشاهد الفضول الذي اعتراها فجأة.

" نيفا... وأخيراً تمكنت من رؤيتك يا فتاة " 
ذلك الصوت أخرجها من شرودها، ثم فجأة شاهدته صاحب الصوت يجلس مقابل لها، يرتدي ملابس خاصة بعمال المقهى. ثم أدركت أنها تعرفه، إنه كاي.
 صديق طفولتها، والشخص الوحيد الذي يكترث لسلامتها و حمايتها، لانت ملامحها.
كان يملك عينان زرقاوان و شعرا بنياً، جسده شبه نحيل لكنه فاره الطول، يمتلك عضلات بارزة بشكل يتناسب مع جسده، بدا عليه التوتر والقلق، فما كان منها سوى سؤاله.
" ها قد تمكنت من مشاهدتي، و ماذا بعد؟ " 
هز رأسه بقلة حيلة عندما سمع نبرتها التي هيا ابرد من القطب الجنوبي، ثم اقترب منها على نفس الوتيرة من القلق وعيناه تتجهان كل حين نحو البوابة، مهابة أن يظهر أحد من الكادر الإداري.
" لم يتبقى لك سوى شهر واحد"
أول لقاء بينهما عندما كان طفل عمره سبع سنوات، أما هي فكانت تصغره سنتين.
 لا تعلم السبب الذي جعله يقضي طفولته هنا داخل الأسوار، ولم تسأل حتى.
 أعتادت في أغلب الأوقات على لقاءه، كان لطيفاً معها وبشوشاً، على عكسها تماماً. وفي أغلب اللقاءات كان على هذا النحو، لكن في آخر بضعة لقاءات بدا القلق على وجهه، حتى إنها خمنت سبب هذا القلق، لذا تمتمت ببرود.
" أعلم "
حل الذهول عليه عندما لم تبدِ أي رد فعل حيال سماعها لذلك.
" ألن تفعلي شيئاً؟ "
ظلت صامتة لبرهة تراقب ملامحه القلقة مع تجعد طفيف لحاجبيه، والذي يزين أحدهما شق مائل و رفيع، اقتربت منه بدورها ثم تهمس مثله.
" ما الذي يتطلب مني فعله حول الأمر ؟"
 اشتدت ملامحه انفعالاً وكأنه دخل في تفكير عميق. بعد برهة من الزمن أجابها بحماس.
" عليكِ الهروب قبل فوات الأوان، وأنا سوف أساعدك "
توسعت عيناها للحظة ثم هتفت بغضب طفيف.
" هل أنت أحمق؟ الهروب من هنا بمثابة حكم إعدام ... لا أحد تمكن من الهروب "
أدركت أنه قد اتخذ هذا الحل قبل أن يقابلها هذه المرة، ولكنه تكلم وكأن تلك الفكرة وليدة هذه اللحظة.


" بل يوجد ... وأنا أعرف الشخص الذي يمكنه أن يساعدك على الهروب، كما فعل مع الكثير ... كل ما في الأمر أنه سوف يطلب أجراً لقاء خدمته"

أعادت ظهرها للخلف ليرتكز بالكامل على مسند المقعد، ثم سألته بفضول.
" من يكون ؟ " 

ليجيبها على الفور ومن دون تردد،
" السيد نيلسون "
فغرت فمها من الصدمة، ثم نظرت حولها وكأنها قد حصلت على أثمن معلومة لتوها.
" هل تقصد أمين المخزن ذاته؟ " 
" أجل" 
ذلك التأكيد جعلها مشتة وغير مصدق لما يتفوه به صديقها،
فكرة لثوانٍ ربما أنه أصبح يتعاطى المخدرات بسبب عدم تركيزه.
" إنه أكثر رجل هنا إخلاصاً لأدارة الأكاديمية، هل تدرك مدى تفاهة ما يصدر من فمك؟ "

انتقل انتباهه نحو البوابة لبضعة ثوانٍ مجدداً ثم أعاده نحوها، مع ظهور ابتسامة بالكاد تُلاحظ على ثغره.
" هل تتذكرين مارلين؟ "
تجعد جفناها بتفكير ثم تجيب باستفهمام.
" تلك التي تعرضت لصعق كهربائي حتى الموت. لكن ما علاقة ذلك؟ "
" إنها حية ترزق، أي أن حادثة التعرض إلى صعق كهربائي مجرد مسرحية حتى يتمكن توماس من تهريبها"
زمت شفتاها بحيرة ثم قالت،
" يبدو أنه رجل ذكي وفَطن جداً حتى تمكن من التخطيط لكل ذلك... لكنه أيضاً بالتأكيد جشع للمال أكثر، حتى يخاطر بوظيفته وحياته"
" أجل ... والآن ما رأيك بالهروب؟ ... سأتولى دفع المال له بنفسي "
" أسفةً... لا أستطيع... أو بالأصح لايمكنني المغادرة "

كانت نيفا تعني له الكثير، فقد كبرت أمام عينيه، كم أراد حمايتها من هذا المكان، والآن لقد ضحك لهم القدر وهم أمام فرصة ذهبية حتى يتمكن من حمايتها.
توقع أن يسمع منها كل شيء، لكن أن ترفض هذه الفرصة لم يتوقع ذلك.
" نيفا ... هل انتِ بكامل وعيك؟"
" إن هربت وإن بقيت و سلمت يدي لقدري، لن يكون هناك أي فارق بالنسبة لي" 
" أنتِ مخطئة جداً... بل سيكون هناك فارق. إن بقيت هنا وتم بيعك، ستصبحين مسلوبة الحرية... وستعرضين حياتك في كل يوم وكل ثانية للخطر، أما إن هربتِ، ستتمكنين من الاختباء في مكان بعيد وتحت هوية مزيفة، حتى يمكنك
متابعة دراستك في الجامعة دون أن يعثروا عليكِ" 

" ومن الذي سيوفر لي كل هذا، من هوية مزيفة ويتبعها مستندات التسجيل في الجامعة؟ "

" انا، سأتكفل بكل شيء"
أخذت تراقب تعابير وجهه الجادة بذهول وضياع، ثم أخذت تفكر في السبب الذي يدفعه ليقدم لها كل ذلك، فتوفير كل ذلك صعب، ثم إنه مجرد عامل في هذا المقهى، كيف سيقدم على ذلك؟
 أعادت خصلة من شعرها الأسود للوراء، ثم تحدثت بصوت مشوب بالأسى.
" لا، أنت لست مجبرا على التكفل بأمري، ثم انك لا تدري مدى خطورة ذلك. انا متأكدة تماما أنهم سيكتشفون ما فعلته خلال فترة قصيرة، انت حتى لا تدري مدى اتساع نفوذهم"

كان على وشك الحديث لكنها سرعان ما تابعت حديثها.
" ثم أنني لست الوحيدة التي سيتم بيعها بعد شهر، بل هنالك شريكة غرفتي لارا، لا أستطيع التخلي عنها"
 ارتسمت على ثغره ابتسامة سخرية، ثم توسعت عيناه بعدم تصديق.
" منذُ متى تكترثين لشخص ما؟ .... اسمعيني جيداً لارا فتاة خرقاء وضعيفة، ما أن يتم بيعها حتى تكتب نهاية حياتها، ثم إني حتى بالكاد أصدق صمودها هنا إلى هذه اللحظة، واعتقد أنتِ من يقوم بحمايتها، أليس كذلك؟"

أزالت عينيها عنه موجهة إياهما نحو النافذة، وكأنها تحاول إلا تجعله يرى مشاعرها الحقيقية في هذه اللحظة.

" لا أعلم السبب الذي يدفعني لحمايتها، لكنني بطريقة ما قد أعتدت عليها... لن أتحمل فكرة أن أخرج من هنا بينما لن أملك صديقة بلهاء تطلب مني إخراجها من ورطتها"
بدت على تعابير وجهه الدهشة، وما هي لحظات حتى انفجر ضاحكاً.
 هذا جعلها تشعر بحرارة طفيفة تكتسح وجهها، ثم أخذت للحظة تستوعب ما تفوهت به، وكأن هناك شخص آخر غيرها قد تكلم بذلك، ثم سمعته يصرح من بين ضحكاته،
" كم بدا شكلك لطيفاً ... لم أراكِ من قبل على هذا النحو من اللطف!" 
رمقته بغضب ثم نهضت من مكانها من أجل المغادرة،  ابتعدت عنه، لتسمع يصرخ لها.
" فكري بالأمر " 
لم تستدر نحوه بل تابعت السير وكأنها لم تسمع شيئاً، فقد أثار حنقها بشكل كبير، لطالما استمتع بإثارة غيظها، ثم أدركت أنها قد أرتكبت خطأ فادح بقدومها إلى المقهى والحديث معه.


اقترب وقت انتهاء مهلة الفُسحة، والتي كانت لمدة ساعتين، فكان عليها الآن المضّي إلى غرفتها، شاهدة جموع الفتيات يتوجهن نحو المسكن أيضاً.
جل تفكيرها الآن حول ذلك الشاب الذي التقت به في الحديقة. ثم خمنت لو أنها ستجده غداً في الحديقة؟ فقد بدا عليه الحاجة الماسة للمساعدة. 
إذ كان الامر يسير على هذا النحو، بالتأكيد ستجده في الغد ينتظرها.
دخلت غرفتها، فوقعت عينيها على لارا التي تجلس على مكتبها تقرأ كتاباً بنهم، حتى إنها لم تشعر بدخولها، حيث بدت منسجمة بشكل كبير مع الكتاب.
كانت معطية ظهرها، لذا لم تستطع رؤية وجهها.
 فقد لاحظت طرف الكتاب الذي بحوزتها. بدت منكمشة فوقه بشكل غريب، لكن لم تعطِ لذلك اي أهمية، فقد اعتادت على رؤيتها على هذه الوضعية.

مدّت جسدها على سريرها من دون أن تخلع حذاءها، ثم تغوص في التفكير.
 أدركت أنه كان يتوجب عليها أخبار كاي حول ذلك الشاب المريب، فكاي أكثر شخص تثقُ به، وتُطلعه على كل شيء بشكل لا ارادي، وكأنه يجب عليه معرفته ذلك.
  ولكنها لا تريد لقاءه في وقت قريب، خوفاً من أن تعرضه للأذى أن لاحظت إدارة الأكاديمية لقاءتهما الكثيرة.
فهي لا ترغب في أن تكون السبب في طرده من عمله.
كان عليها اتخاذ القرار قبل أن تلتقي بالشاب المريب، 
و لديها شعور غريب وقوي يجعلها تدرك جيداً أنها بتأكيد ستجده غداً ينتظرها.
فجأة التقطت أذناها صوت نشيج خافت، والذي كان على ما يبدو صادراً من اتجاه لارا، لذا نهضت من مكانها ببطء مع تجعد حاجبيها استفهاماً.
" لم تبكين ؟ "
جفل جسد الأخرى وكأن أحداً ما إمسك بها وهي تسرق.
" لا ... أنا فقط أقرأ الكتاب " 
همست بذلك بصوت مهزوز، دون أن تلتفت نحوها.
بدت ممثلة فاشلة تماماً، حتى إنها قد اعتادت عليها جيداً.
 دائماً ما تخفق في إخفاء مشاعرها.
لذا اقتربت منها و امسكت كتفياها من الجهتين ثم أدارتها نحوها.
بالطبع كانت حركة متقدمة وغير متوقعة من نيفا الغير مبالية،
توسعت عينا الأخرى بينما تمسح دموعها بكم سترتها، 
تحاول جاهدة في إخفاء هيئتها المزرية تلك، لكنها قد رأت كل شيء.
" ما خطبك؟ " 
سألتها نيفا بينما لا تزال تمسك كتفيها، لم تحاول إفلات نفسها، بل دمدمت من بين دموعها.
" لم يتبقى سوى شهر واحد لنا حتى يتم بيعنا ... لا أعلم ما الذي سيحل بنا عندها" 
تجمدت يداها لدا سماعها ذلك، فهي تتكلم بصفة الاثنتين، أي أن خائفة من أجلها، لم يسبقْ لها أن تلقت الاهتمام من شخص آخر غير كاي، ولكن الآن لارا قلقة من أجلها،

نيفا دائماً ما كانت تساعدها وتحميها ولكن لم يسبق لها تحمل عناء إجراء معها محادثة طبيعية، فقد كانت على الدوام فظة في التعامل معها، ومنغلقة، لكن ذلك لم يمنع لارا من أن تحبها.

أيقنت الأخرى مدى صدق مشاعرها، لكن لسانها يمتنع ولم يعتد على وصفها كصديقة. كان بإمكانها اختصار الأمر أمام 
كاي وإخباره أنها لن تتخلى عن صديقتها.
ولكن كالعادة، كبرياؤها يمنعها عن التفوه بذلك، وخاصة أن كاي يعرفها جيداً ويعرف مدى انطوائها على نفسها بشكل اناني.

أصدرت لارا صوتاً خفيفاً، بينما لا تزال تبكي وعيناها معلقة نحوها، مما جعلها تخرج من دوامة افكارها، هذه المرة أخفقت في إخفاء تعابيرها الجامدة، لذا تركت كتفيها ثم ابتعدت عنها بضع خطوات، ثم قالت بصوت هادئ مرتاح،
" ظننت أن ديفا و مجموعتها قد تعرضوا لك مرة أخرى "

" لا.. بل إنه أمر أسوأ من ذلك " 
صرحت لارا بذلك بينما هدأ بكاؤها، 
" هيا يا فتاة، الأمر ليس بهذا السوء ... سيتم بيعنا بعد شهر، وسنلقى مصيرنا الأسود على أية حال، بعد طول انتظار، فيبدو أننا خلقنا لكي ينتهي بنا المطاف على هذا النحو المؤسف، لم يتبقى سوى القليل حتى ينتهي الأمر " 
فغرت فم الأخرى لدا سماعها طريقة مواساة نيفا، والتي كانت تشبه كل شيء عدى المواساة، حتى إنها نجحت جيداً في جعلت قلبها يخفق بسرعة جنونية من شدة الرعب.
شاهدتها كيف توجهت نحو سريرها، ثم تندس تحت الغطاء بكل هدوء، وكأنها لم تنطق بشيء لتوها قد دب الرعب في أوصالها.
" تصبحين على خير " 
تلت ذلك قبل أن يسكن جسدها وتستغرق في النوم دون أي معاناة، بينما هي أخذت تفكر من أين سيأتي الخير الذي ستستيقظ، وهما هنا، وربما غداً أو بعد شهر سيرسلونهن إلى مصيرهن الجحيمي، 
منذ أن التقت نيفا، علمت مدى قوة شخصيتها وذكائها، 
حتى إنها كانت دائماً ما تخرجها من أصعب المواقف،
 لم تصدق أنها هي نفسها الآن لن تفعل أي شيء حيال الأمر.

توجهت نحو سريرها. لم يكن لديها أي رغبت في المطالعة اليوم.
توسدت سريرها ولا يزال القلق يغلف وجهها، ثم أخذت تهمس في عقلها، "بالتأكيد نيفا ستتصرف حيال ذلك"

وقد ساعدها ذلك على التهدئة من روعها، ثم سقطت في النوم.

ــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــ
		       
×
جاري التحقق من حالة حسابك...

لوحة أرباحك

أهلاً بك في برنامج شركاء الأرباح. يتم احتساب أرباحك بناءً على زيارات رواياتك المقبولة.

الزيارات المحتسبة 0
الأرباح المقدرة $0.00

تم الإرسال بنجاح!

"تم استلام طلبكم الخاص بالانضمام لبرنامج الأرباح بنجاح. الطلب الآن قيد المراجعة"

قيد المراجعة حالياٌ

"طلب الانضمام لبرنامج الأرباح قيد المراجعة حالياٌ. تستغرق عملية التحقق وتجهيز حسابك فترة تتراوح ما بين 7 إلى 14 يوم عمل"

الشروط غير مكتملة

عذراً، لتحقيق الربح يجب أن تمتلك في حسابك
4 روايات على الأقل.

يجب تسجيل الدخول

"يرجى تسجيل الدخول إلى حسابكم المعتمد للمتابعة وتقديم طلب الانضمام لبرنامج الأرباح"