ولاويلٌ - مذكرات كائن
ولاويلٌ
من كان ليظنّ أنَّ عملية الاختطاف المعقدة التي شهدناها أنا ونور، ما كانتْ إلا فضولاً أحمقاً من نبيل ليرى كيف تنظف السيدة السُّلم الخارجي، ممّا دفعهُ ليلحقها ويغلِق باب البيت، فيضرب بقلوبنا ومشاعرنا عرضَ الحائط؟
معلومةٌ موثوقةٌ ذات فائدة: الوَلوَلة تحفظُ عقلَ الإنسان من الضّياع... وَلوِلوا، أيّها القراء، فلنوَلوِل جميعاً. > يوم الخطف 2 - بيت الجدة - 2013 قالتْ خالتي وهي تلهث مُقتحمةً الصالون بملابس الخروج الشعثاء، ووجهها المُحمر ينبض: "أوه، يا إلهي، هذا اليوم ليس من عُمري أبداً!" النّاظر إليها الآن وهي مُتعبة هكذا، لا يصدِّق أنها تقرص خديَّ الآن مباشرةً، بعدما عادتْ، ورغم كل شيء، رأتْ منظري وسمعتْ قصة الشقلبة العظيمة. لمْ تقرص خديَّ وهي صامتة -عيب فهذا ليس من ديدنها- بل كانتْ تهتف بشكل متقطع وبصوتٍ لا تُخرِجهُ إلا الخالات التي تحترم نفسها: "أنتِ! أنتِ وأولادي الحمقى سوف تجلطونني! ألم نحذركِ يا ميس ألف مرة من الركض في الحارة؟ ها؟" قلتُ وأنا أصرخ ألماً (مصطنعاً بالطبع، قرصات خالتي -المفترضة طبعاً، فهي لا تعرف كيف تقرص- كانتْ أقرب لطبطبةٍ أمام فركاتِ أمي لآذانِنا، فخالتي الطيبة إذا ما أرادتْ أن تضرب أحداً تضربهُ بِوردة!): "آي!!! لمْ أركض حقاً! أنا أقسم! أنا بريئة." أكملتْ قرصها وهي تقول: "والمَقلب الذي فعلتِه بي، ماذا يُسمى؟ أليستْ محاولة جلط عمَد لخالتكِ؟ أين البراءة؟" أشرتُ على وجهي إجابةً لسؤالها: "البراءة هنا!" ضحكتْ جدتي، واستمرتْ خالتي في القرص لا أدري لماذا...(: وقالتْ وعيناها تشتعل بغيظٍ حقيقي (خالتي المسكينة): "لا أقدِر عليكِ لا والله، لكنني حتماً سأُخبر والدتكِ عندما تعود من العمل، هذا وعد." وبينما خالتي تتركني وتتّجه لابنتها، فقد حان دورها في القرص، قالتْ نور سريعاً (يالها من خبيثة هي الأخرى، عائلةُ خُبثاءٍ كبيرة...): "لا يا أمي، لا ذنب حقاً لميس في ذلكَ، فقد ظننا بالفعل، كما أخبرناكِ على الموبايل، أنَّ نبيل قد اختُطِف." جلستْ خالتي أخيراً وتنهدتْ، ثم ابتسمتْ وهي تقول: "حسناً، أصدّقُكما، لكنْ، لديّ أمر أحكيهِ أيضاً... أظنّ، أظنّ أنّني قد أوقعتُ قلبَ رجلٍ ما بين قدميه!" توجه جِلُّ انتباهنا إلى خالتي، حتى نبيل تقدم واستمع ببراءة. (لب المشاكل! ويمثل بأنّه ليس كذلكَ، غير ممكن. *_* ليس وكأنني لم أفعل ذات الشيء قبل بضعة أسطر :) قالتْ خالتي بعد أن اضَّجعتْ على الكنبة، وغزا الارتياح وجهها على خفيف: "كنتُ واقفةً في شارع السوق عندما وصلني اتصالكما، وعندما كانتْ ميس تتفوه بتلكَ الكلمات، صدرتْ مني..." احمر وجهها قليلاً وهي تستطرد: "صدرتْ مني أعلى ولولة أسمعها في حياتي." ضحكنا بشدةٍ، ولم أستطع حقاً تخيل خالتي الوديعة تولول، بينما بادرتْ جدتي تقول بجدية: "هل فضحتِنا أخيراً، يا ولاء؟" ثم ابتسمتْ. قالتْ خالتي بخجل سيطر على كامل ملامحها وأذنيها: "الرجل... كان هناكَ رجلٌ يقف إلى جانبي، عندما صرختُ صرختي العجيبة تلكَ، انتفض المسكين كالمجنون وأخذ يرتعش ويتلفت..." ضحكنا ثانيةً، وقالتْ نور من بين قهقهاتها: "ماذا حلَّ بالرجل المسكين بعدها يا أمي؟" -"هو... هو قال لي بصوتٍ خافت: "أخفِتنا يا أختي، ما بالكِ؟ سامحكِ الله." لكنني، في الحقيقة، لمْ أكُن في حالةٍ تسمح بالرد، فتجاهلتهُ وأخذتُ أصرخ في ميس على الموبايل بتلكَ الطريقة، وعندما قلتِ لي، يا ميس، بأنَّ السيدة التي تنظف اختطفتهُ، أنا... أنا لوحتُ بيديَّ بعنفٍ وأنا أصرخ، و..." قلتُ أنا هذهِ المرة: "وضربتِ شخصاً بالخطأ طبعاً!" قالتْ خالتي على استحياءٍ شديد: "نفس ذات الرجل الذي انتفض." انفجرنا بالضحك، (نعتذر للرجل الذي فاق وصف المسكين بالطبع:)، وأخذ نبيل يقول بسرعة: "لكنني بخير يا أمي، كل هذهِ الضجة التي افتعلتِها، إنَّها بلا أية فائدة!" عدنا للضّحك، ووجه خالتي السِّمح عاد للاحمرار بشدّةٍ. من كان ليظنّ أنَّ عملية الاختطاف المعقدة التي شهدناها أنا ونور، ما كانتْ إلا فضولاً أحمقاً من نبيل ليرى كيف تنظف السيدة السُّلم الخارجي، ممّا دفعهُ ليلحقها ويغلِق باب البيت، فيضرب بقلوبنا ومشاعرنا عرضَ الحائط؟ قالتْ جدتي بعد أنْ هدأ الضحك، بصوتٍ أقرب للخفيض: "لكنْ، في النهاية، معكِ حق يا ابنتي في هذهِ المخاوف." قالتْ خالتي: "نعم، أنا أسمع الأهوال عن قصص اختطاف أطفالٍ هُنا وهُناك، والتّجارة وبيع الأعضاء شغّالٌ في كل مكان، وأشياء تَشيب لها الرؤوس، وبالطبع سوف أق..." قاطعتها جدتي وقالتْ، بعد أنِ امتقعتْ جميع وجوهنا، (خوفاً... ربما؟) وأخذتْ عينا نبيل تلمع: "ما رأيكِ بأن نؤجل هذا الحديث؟" وتأجل الحديث بالفعل، فلمْ نعرف المزيد من هذهِ الأهوال التي سمعتها خالتي. استرجعتُ هذهِ الذكرى القريبة في سِياقٍ مُختلفٍ تماماً. عندما تعالى الصّياح، واشتعلَ شِجارٌ ضخمٌ بين خالتي وجدتي، فذُكِرَتْ الحادثة الطريفة الصغيرة، في أُخرى أليمة شارِخة، لكلِّ الأطراف. ****** > صور عتيقة 2 أجلِس وحدي في غرفةِ جدّتي، يدفعني تُوق معرفةٍ شديد الفضول للبحث، ربّما أُلقي نظرةً على الأسرار التي تدفنها هذهِ الخزانة البسيطة ذات الزخارف. أنا لا أعبث، لا سمح الله، بل أرغب بأنْ أطّلع على هذا الجسم الغريب هُناكَ في ظلال قلبِ الخزانة اللامتناهية. لطالما تخيلتُ عالماً مليئاً بالكنوز يختبئ في أعماقِ الخزائن المقفولة، لمْ تُقيّد هذهِ الخزانة بقفل، لكنَّ فضولي فاض حينما استخرجتْ منها جدتي لأول مرّةٍ هذا الألبوم العتيق (والمحرج لي ربّما)، لأكتَشف ما هو أكبر، إطاراً ضخماً مُزخرفاً. شددتهُ إليّ بهدوء حِرصاً عليهِ، وتجاوب معي بسلاسة وكأنّهُ استشعر حِرصي، وخرج مُباشرةً بين يديَّ. كانَ لامعاً لا ينثر ذرة غُبار، مُشعَّ اللّون البنيِّ الأليف، وفي داخلهِ، كانتْ صورةً لرجل مُهيب. تأملّتُ الصورة لحظاتٍ، شارب ضخم ينتصبُ، عينان مألوفتان لكنّها تنظر كالصقر، وشعر غزير مفروق ومُسرح بعناية. بدأتُ أمرر يديَّ على الصورة، ظُلّلتْ ألوانها بتباينٍ لوني بين الأبيض والأسود والرمادي، مُصفرّةً بشكلٍ جميل، أمّا ملمس الزجاج، فقد كان أملساً بارداً، ولامعاً أيضاً. لفتتْ انتباهي بذلة الرجلِ في الصورة، بذلة عتيقة عسكرية، قدِمتْ من غابر الزمان، تزيّنُ كتفيهِ مُختلف النياشينِ التي تماهتْ في ظلِّ ألوانها الباهتة. هذا الرجل، الثمين لدرجة أنْ تحتفظ جدتي بصورتهِ بعنايةٍ بين كنوزها، كانَ عسكرياً. خطرَ الرجل في بالي أمام الخوفِ الدائم والمُتراكِم، من إرسال خالي إلى الجبهةِ مباشرةً. مُذ جاء جار ال"هدوووووووووووووووء" إلينا، لمْ يتوقّف شلال القلق أبداً. استفسر زوج خالتي عن الأمر، وبالفعل، الخبر صحيح. إنّهم يحشدون كافّة الرجال -الكبار منهم والصغار- ليطلقونهم على الجبهات، يلقون مصيرهم المحتوم في ظلِّ الحرب الطاغية. لا يهمّ كونهُ قد خدم خدمتهُ العسكرية الإلزامية أم لا، المهم أنّه ذو أخ ذكر، وأنهُّ قد أنهى دراستهُ بأكملها، هكذا، يُشحن للجبهة فوراً. رأيتُ ألواناً من الذعر والخوف والقلق تَطلُّ من أعين الجميع، اللهم إلا المعنيِّ بالأمر، خالي. كانتْ جدّتي تذبل يوماً عن يوم، توقفتْ عن الأكل تقريباً، جسدها الصغير أصلاً يصغر ويصغر، ووجها بات لا يبتسم إلا نادِراً... ألتقطُها ببصري تمسّد خالي بنظراتِها، تهبُّ قلقاً إذا ما تحرّك خارج البيت شِبراً -رغم أنَّهُ لا يخرج إلا نادراً خوفاً من التقاطهِ على حواجز الجيش وكمائنهُ في الشارع- وينتفض قلبها وترتعش أطرافها، ولا تعود إلى صمودها الحزين إلا عندما تراهُ عائداً بعينيها. أمّي وخالتي -رغم انشغالاتهما الكثيرة- كانا لا يختلفان عن جدتي كثيراً، حالتهما تشابهُ حالة جدتي لكنْ أخفّ وطئاً، والصبر والأمل بالفرج يلوح في عينيهما متردداً كل فترة. كانتْ الأدعية -بانقشاع هذهِ الغمامة- لا تُفارق شفاه الثلاثة، وكنتُ أدعو أيضاً، ولا أنفكُّ أذكر خالي في كل صلواتي وأدعيتي. فهمتُ أنَّ سحب خالي للجبهة يعني الموت المُحتّم، لكنّني -بصراحةٍ- لمْ أفهم سرَّ هذا الانقباض العام من الأمر، الدّنيا حرب، نعم، لكنَّ الرجل العسكريّ الثمين في الصورة... لمَ تصونُ جدتي أمراً يُقبضها ويحزنها هكذا بهذا الحِرص والعناية؟ إنَّ الاسم المُدوّن خلف الصّورة، هو ذاتَ اسم عائلة أمّي، حيث قرأتُ بوضوح: العميد "عبد الحميد الخطّاب" وإذا ما استرجعتم معي اسم أمّي (آه، لمْ أذكرهُ كاملاً سابِقاً، فلنعتبر أنّني فعلتُ) نجدهُ: "سلمى عبد الحميد الخطّاب" كان جدّي رجلاً عسكرياً، وكان محبوباً، لكنْ، حريّ بصورتهِ أنْ تبقى قيد الإخفاء، لأنّهُ كانَ عسكريّاً مُداناً في البلاد في ذلكَ الوقت، في الماضي... (كما تبين لي لاحقاً). ****** > حفل خاطف - بيت الجدة - صيف 2014 امتدَّ "بوزي" (فمي المُمتعض، ولا أصدّق أنّكم لا تعرفون هذا المصطلح "بوز البطّة الظريف") مئة ألف متر، وأنا أرسم تكشيرةً على وجهي، لمْ يجرؤ أنْ يماثلها حتّى أعتى نكدييّ العصر... نظرتُ يُمنةً ويُسرةً، الجميع مُنشغلٌ عنّي بأعمالهِ، أمّي وجدتي وخالتي وخالي، حتّى نور، حتّى سليم وأمجد رغم انعدام حديثي معهما تقريباً. استيائي لمْ يثِر حتّى طرطشة اهتمامٍ من أحد، الجميع لا يبالي وببساطة "مطنّش". (شكراً عائلتي، شكراً أهلي، شكراً ناسي) ربّما تقولون: "اشرحي لنا أيتها الكائن ما يحصل طيّب؟" (أتقصدون أنّني أُبالغ وأهوّل الأمر؟ >%< لا؟ مهلاً، ألم أشرح الأمر بعد؟ أعتذر...) حسناً، هذا اليوم هُنا، كانَ أكثر ما كنتُ أتوق إليهِ في الفترة الماضية. لقد فعلتها، نجحتُ! في ظلِّ كلِّ هذهِ الأحزان، ورغم كلِّ الانقباضات التي أخذتْ تكبِس على قلبي بقوّةٍ مُنقطعة النظير، تضغط أنفاسي، وتَعصر دموعي، وتكبِتُ شهقاتي وكلماتي، إلّا أنّني، أخيراً، نِلتُ الشهادة الإعداديّة! أمجد أيضاً، بعد أنْ أعاد سنة الشهادة الثانوية كذا مرّةٍ بسبب الأحداث حولنا، أنهى أخيراً شهادتهُ. وكما كنتُ أتجاهل أمجد شخصياً، فأنا تجاهلتُ فكرة نجاحهِ أيضاً واعتبرتُ أيَّ احتفالٍ هو احتفال نجاحي وحدهُ. (لستُ أنانية حقاً، أو ربّما بعد التفكير بالأمر، كنتُ كذلكَ. للعلم فقط، لستِ وحدكِ يا آنسة ميس من نلتِ هذهِ الشهادة الإعدادية الخارقة!! فلتعلمي ذلكَ.) كانَ فرح شهادتي وعلاماتي، بعد بضعة سنين أليمة وقاتمة، وبعد سنةٍ دراسيةٍ تعيسة جدّاً، هذا الفرح بالذّات، هو من أشعل شُعلةً خافتةً باهتةً في وسط الظّلام الحالك، شُعلةً صغيرةً لكنّها أغرقتْ قلبي بأمواجٍ مُتقطعةٍ من الفرح. وإذ بالمياه الاحتياطيّة تنقطع في بيتِ جدّتي، وتحضير الحلويات وطعام الاحتفال يقف فجأة. امتعضتُ، وحزنتُ، وربما ذرفتُ بعض الدّموع... (ربّما) حتّى أنَّ اقتراحاتٌ هلَّتْ -منّي ومن غيري- بأنْ نُقيم الاحتفال في بيتنا فهو قريب، لكنَّ الاعتراض كان أنَّ جدّتي غير قادرةٍ على المشي اليوم إلى منزلنا. اقتنعتُ وصمتُّ. الأمر الآخر المثير للدهشة، أنَّ خالي أصرَّ -لسببٍ ما- أنْ يتسلّقَ لسطح عمارتنا، ليتحقّق من خزّانات الماء هناكَ. قالتْ لهُ جدّتي وهي تحدّق إليهِ متوسّلةً (كنّا كلنا مستغربينَ من قرارهِ المُفاجئ): "هل الأمر ضروريٌّ الآن يا بنيّ؟" قال خالي وهو يُخرج عدّتهُ بسرعة: "سأُلقي نظرةً فقط يا أُمِّي، لا تقلقي." -"لكنْ، مجد، دائماً ما يحصل هكذا، الأمر ليس جديداً، لا داعٍ لأن تُتعب نفسكَ..." -"لا يوجد أيُّ تعبٍ، سأنظر سريعاً وأعود..." ثمَّ نظر إليَّ بعينيهِ الجميلتين الوادعتين (وأنا مازلتُ أمطُّ شفاهي المضمومة شبرين، ووجهي مقلوبٌ طبعاً) وقال وهو يغمزني ويضحك: "وحتّى نحتَفل بنجاح ميس الشّاطرة، فلا يهون علينا حزنها... آه، وأمجد بالطّبع، لقد نسيتُهُ غير آسف." ندَّتْ عني ضحكةٌ مُقتضبة لا إرادية فأوقفتُها سريعاً، فقط لو كان أمجد بجانبنا ليسمع هذهِ الإهانة... فتح خالي باب البيت الخارجيّ، وحمل عدّتهِ ورحل، ووقفتْ جدتي خلف الباب ترمقهُ. وقفتْ بقلقٍ حذِر، وحزنٍ واهن، وكأنّها تودّعهُ، فتُلقي عليهِ ما استطاعتْ من النظرات، وتملي عينيها من محياه، وكأنَّ قلبها قد استبصر وشعر بالقادم. ****** > حفل خاطف 2 - بيت الجدة - صيف 2014 بعد نحوِ ساعةٍ من صعود خالي إلى السطح، أصابَ بيتَ جدتي الهادئ زلزالٌ عاصفٌ لا يُهادي، مُتمثّلاً في ضرباتٍ عنيفةٍ على الباب. "خبط... خبط.... خبط..." هرعتْ خالتي تُدخلنا إلى الدّاخل، وهي تُسكِتنا بحزمٍ جديدٍ عليها: "صه! لا أُريد سماع صوتٍ واحد! هل فهمتم؟" صمتنا جميعاً واختبأنا في غرفةٍ صغيرةٍ مُتواريةٍ خلف باب البيت، في ظلامٍ دامس. بقيَتْ جدتي وخالتي وأُمّي في الخارج، ووضعنا -أنا ونور- أذنينا على باب الغرفة نتنصّتُ، تحتَ محاولاتِ ردعنا الحذرة من سليم وأمجد، حيث همس أمجد بصوتٍ خفيضٍ جدّاً: "ماذا تفعلا؟ تراجعا حالاً، هذهِ ليستْ لعبة!" أشارتْ نور لهُ بعنفٍ أنْ يخرس كي نسمع ما يحصل بالخارج، حيث كانتْ أقداماً ثقيلةً تهدرُ في أنحاء البيت أجمع، وخيال جدّتي ما زال لائحاً أمام زجاج باب الغرفة المموّه. "طق... طق... طق..." خطواتٌ وصراخٌ رجاليٌّ مُجلجل يهتف: "هل لديكِ أحد متخفٍّ أيتها العجوز؟ اعترفي..." قالتْ جدتي بصوتٍ هامس متردد، يكادُ لا يفارق حلقها، حتّى نحن -من خلف الباب- كنّا نسمعهُ بصعوبة رغم قربِها منا: "ل... لا، يا... يا سيادة الضابط، ليس هناكَ أحد..." قال الصوت المُرعِب ثانيةً، كانَ يهدّد: "هل أنتِ مُتأكدة؟ إذا ما كنتِ تكذبين فسوف..." قالتْ أُمّي: "يمكنكَ أن تفتّش البيت بأكملهِ يا سيادة الضابط، ليس هناكَ أحدٌ غيرنا." قلبي كان ينبض بعنفٍ، إنّني لا أسمع ما بحدث بوضوحٍ بسبب هذا القلب، فلتصمتْ فحسب! صَه! بين ضرباتِ قلبي، تسلّلتْ طمأنينةٌ صغيرةٌ، ما كانتْ لتتواجد وسطَ أصواتِ الرّجال المُرعبة في الخارج، وسط غمامةٍ متشابكةٍ أمام عينيِّ من الألم، والذكرى، والرعب. ما طمأنني بحق، هو هذهِ العائلة التي تحاوطني، صوت أنفاس نور بجانبي، مرأى جسد جدتي أمامي، وحركاتُ خالتي وأُمّي الخافتة في الخارج. هذا المشهد خلفي، سليم وأمجد المرتعدانِ خلفي ولكنْ بثباتٍ بحكم كونهما رجالاً كما يُفترض، هؤلاء، الذين قاطعتهم منذ فترةٍ ونأيتُ بنفسي خوفاً ربّما، أعادتني الطمأنينة إليهم قسراً، هم من يردعوننا ويوبخوننا الآن، هم من في ظهري. فجأةً، سمعتُ هدير الأقدام يعود فيتردّد، من ثَمَّ ضُرب الباب البيتِ الخارجيّ بعنفٍ مُغلقاً، وساد صمتٌ مُطبق. وعبر الزّجاج غير الواضح، صفى المشهد أمامنا، لمْ يعد جسد جدتي بيّناً على مرأى نظرنا، فقد انهار جسدها الصغير رُعباً. فتحنا الباب بسرعةٍ مع صرخاتِ خالتي، بينما هرعتْ أُمّي لتساند جدّتي وتُنهِضها، وهيَ تقول: "حمداً لله يا أمّي، لنحمد الله كثيراً، حمداً... حمداً لله، إذا ما حمدنا ربَّنا إلى الغد لن نفي الأمر لا والله." رددوا جميعاً الحمد، وحمدتُ ربّي أيضاً. لمْ أستطع استيعاب ما حصل، لمْ أستطع ذلكَ حقيقةً حتّى هذهِ اللحظة. ما حدث، وما شهدتهُ بأمِّ عينيّ دون أنْ أدري، هو ما كانَ يُسمّى بعُرف الحرب ب"المداهمة". تلكَ كانتْ مداهمةً عسكريّةً للعثور على العناصر المطلوبين إلى الجبهة، والمختبئين في مُختلف البيوت في شتّى الحارات، جاءتْ إلينا رأساً، وصلتْ إلى وسط بيتنا، داهمتنا في مأمننا، في مأمن خالي المسكين، لكنَّ قدر الله وألطافهُ، لمْ يشأ أنْ يذهبَ خالي عنّا بعد... حمداً لله، حمداً لله، حمداً لله. زار الهولُ خالي مُباشرةً، وفرَّ خالي منهُ بلطفٍ مُلطّف، تحتَ عينيّ الهول القاسيةِ تماماً. ******