الفضول - رواية لعنةُ العاشق
جاري التحميل...
الفضول
يدفعها الفضول للكثير من الاسئلة لكن معرفة الاسرار هل هو امر مريح ؟!
حاولت هيفين أن تنام… لكن النوم أبى أن يقترب. وحين أغمضت عينيها أخيراً، لمحتها… فتاة…. شعرها قصير، بلونٍ برتقالي باهت، جلست قرب ركبتيها، تحدّق فيها بعينين مثقلتين بالحزن، كأنهما تحملان عمراً كاملاً من الرجاء. همست بصوتٍ خافت، يكاد لا يُسمع: — هيفين… ساعديني. تجمّدت هيفين في مكانها. ارتعبت… حاولت أن تصرخ، لكن صوتها خانها. كأن شيئاً خفياً انغرس في حنجرتها، يخنق الكلمات قبل أن تولد. انهمرت دموعها بصمت، وشفاهها ترتجف بلا صوت، كأنها تستجدي: ابتعدي عنّي… أنا خائفة… لكن الفتاة لم تتحرّك. لم تختفِ….بل بقيت…تنظر. وفجأة، اخترق السكون صوت أختها: — ماما…ماماااا هيفين تبكي وهي نائمة! أسرعت الأم، وقبل أن يكتمل النداء، كانت تهزّها برفق. استيقظت هيفين فزعة. فتحت عينيها… وانفجرت بالبكاء، كأن الخوف الذي احتُبس في صدرها وجد أخيراً طريقه إلى الخارج. ضمّتها أمها إلى صدرها، وقبّلت جبينها بحنانٍ مرتجف، ثم بدأت تتلو المعوّذات بصوتٍ خافت… صوت أمٍّ يحاول أن يهزم العالم كلّه. — حماكِ الله يا ابنتي… الله يحميكِ يا عمري. هدأ جسد هيفين شيئاً فشيئاً… لكن قلبها كان ما يزال يرتجف. الساعة العاشرة صباحاً … جلست هيفين قبالة جدّها، تتأمّله بصمتٍ طويل. كانت الكلمات تتزاحم في صدرها، لكنها تختبئ خلف خجلٍ غريب، كأن السؤال أثقل من أن يُقال. وفجأة، التفت الجد إليها، دون أن يقصد. رمقها بنظرةٍ دافئة، ثم غمز بعينه مبتسماً : — ما خطبكِ يا ابنتي؟ تبدين كمن يحمل سراً خطيراً ترددت هيفين قليلاً حرّكت أصابعها بتوتر، ثم تمتمت: — أمم… هناك سؤال يتمايل في عقلي كأمواج البحر… ولا أدري إن كنت ستظنني مجنونة إن سألته. انفجر الجد ضاحكاً: — ههههه! اسألي يا صغيرتي، ما الأمر؟ رفعت هيفين عينيها نحوه. كان في صوتها شيءٌ بين الخوف والفضول: — هل… توجد مخلوقات غيرنا؟ يروننا… ولا نراهم؟ سكتت لثوانٍ. ثم أضافت بصوتٍ أخفض: — والكهف… هل هناك شيءٌ غريب سمعته عنه؟ تبدّلت ملامح الجد. اختفت ابتسامته ببطء. وصمت. ذلك الصمت الذي لا يشبه التردد… بل يشبه الذكريات. ابتسم الجد ابتسامةً خفيفة، لكنها لم تكن مطمئنة تماماً قال بهدوءٍ غريب: — صغيرتي… أعدّي لنا فنجان قهوة، وأحضريه إلى الجنينة… هناك نتحدّث في الأمر. ارتجف شيءٌ خفيّ في قلب هيفين. لم يكن خوفاً واضحاً بل ذلك الإحساس الثقيل الذي يسبق اكتشاف حقيقةٍ لا تُقال بسهولة. إذاً… هناك شيء. شيءٌ جعل الجد يؤجل الإجابة. شيءٌ لا يُقال داخل الجدران. أسرعت. كانت خطواتها سريعة، لكن عقلها كان أسرع، يعجّ بالأسئلة والقلق. حين انتهت حملت القهوة بيدين متوترتين، وخرجت إلى الجنينة. جلسا تحت شجرة الرمان. الهواء كان ساكناً على نحوٍ غير مألوف، وعبير الريحان يفوح في المكان، ممزوجاً برائحة القهوة الساخنة. رائحة دافئة… لا تشبه البرودة التي بدأت تزحف إلى صدرها. تنفّس الجد بعمق، ثم قال بصوتٍ منخفض، كأنّه يفتح باباً من الماضي: — يا بُنيّتي… قال الله عزّ وجل: ﴿وما خلقتُ الجنَّ والإنسَ إلا ليعبدون﴾. صمت قليلاً ثم أضاف: — نعم… هناك مخلوقات غيرنا. ارتجف قلب هيفين، لكنّها لم تقاطع. أما الجد، فغامت عيناه بشيءٍ بعيد… — الكهف… حين كنتُ في الثانية عشرة من عمري، كنتُ أتردّد إليه كثيراً لم يكن بدافع الفضول… بل هرباً…هرباً من والدي… ومن العقاب. كنتُ أظنّه ملاذاً إلى أن جاء ذلك اليوم… يومٌ ما زال يسكنني حتى الآن. انخفض صوته أكثر: — سمعتُ ضحكات أطفال. لكنها… لم تكن ضحكاتٍ عاديّة. رأيتهم. تجمّعوا في عمق الكهف. رؤوسهم صلعاء، آذانهم طويلة ورفيعة، وأعينهم…سوداء بالكامل. لا بياض فيها…ملابسهم بنّية ممزّقة، وأرجلهم…كأرجل الغنم. تجمّدت في مكاني لم أستطع التنفّس. أردتُ الهرب…لكن شيئًا ما… أمسك بساقي….شدّني بقوّة. تغيّر صوت الجد كأنّه يعيش اللحظة: — صرتُ أصرخ… دعوني… دعوني… وفجأة… ظهر شاب حسنُ المظهر. لا أعلم من أين جاء أمسك بيدي… وأخرجني. رفع الجد عينيه نحو هيفين. وفي نظرته شيءٌ لا يُفسَّر. — ومنذ ذلك اليوم… لم أجرؤ على دخول الكهف ثانيةً. ثم مال نحوها قليلاً وسأل بهدوءٍ أثقل من الرعب: — ولكن…لماذا تسألين عنه يا هيفين؟ أشاحت هيفين بنظرها عنه. قلبها كان مضطرباً … وكأن سؤالاً ثقيلاً يقف عند شفتيها. ثم نظرت إليه بتردّد وهمست: — هل… هم مسلمون؟ رفع الجد حاجبيه قليلاً ولم يُبدِ دهشة. — منهم مسلمون… ومنهم غير ذلك. ابتلعت ريقها بصعوبة. — وهل… يؤذوننا؟ ساد صمتٌ قصير. صمتٌ غير مريح. ثم قال بصوتٍ هادئ لكنّه محمّل بشيءٍ غامض: — بعضهم لا شأن له بنا… وبعضهم… يتعاون مع بشر. مع ساحرٍ لا ذرّة رحمة في قلبه. ارتعشت عينا هيفين. لم تكن تتوقّع تلك الإجابة. مال الجد نحوها قليلاً ونبرته أصبحت أكثر حدّة: — لماذا تسألين يا ابنتي؟ هل رأيتِ شيئاً ؟ تجمّد جسدها للحظة. ثم قالت بسرعة وكأنها تهرب من شيءٍ داخلي: — لا…مجرد كوابيس. لكن الجد لم يُبعد نظره عنها. وكأنّه…لم يصدّق.