رواية حارس غرفة الأميرة - قلب الغابة
قلب الغابة
فجأة، تعالت وقع أقدامٍ ثقيلة داخل الغرفة، فاتسعت عيون الصغيرات بترقب. ظهرت إحدى الخادمات يقتادها حارسٌ ضخم، يمسكها بقوةٍ توحي بامتلاكٍ جائع. تسمرت نظرات الأميرات وهن يحملقن بتركيزٍ مخيف في ذلك المشهد الساخن؛ الحارس ينزع ثيابها بعنف، ويقبلها بقسوةٍ بدت للفتيات وكأنها هجوم.
خلف أستار الظلام هبط الليل واستكانت الحركة في ممرات القصر الملكي، إلا من وقع أقدامٍ خافتة لثلاث فتيات يتسللن بحذرٍ مشوبٍ بحماسٍ محموم. كانت الأميرات الثلاث يزحفن بخفوت نحو طابق الخدم، حيث يسكن الغموض وتغيب الرقابة. توقفن أمام نافذة صغيرة محاطة بسياجٍ حديدي، فأشارت إيفيا لشقيقتيها بالصمت المطلق، وعيناها تراقبان الزوايا المعتمة كقطةٍ تتحين الفرصة. حين اطمأنت لخلو المكان، مالت برأسها نحو السياج، وتبعتها إيريس وإيماندا بلهفةٍ طفولية غريبة. مرت لحظات من الصمت الثقيل قبل أن تهمس إيريس بشغف: "لمَ لا يوجد أحد؟" . ردت إيفيا بنبرة آمرة: "اششش.. سيأتون الآن". سألت إيماندا بفضول: "هل ستكون نفس الخادمة السابقة؟"، فأتاها الرد من شقيقتيها في آنٍ واحد: "بالطبع". فجأة، تعالت وقع أقدامٍ ثقيلة داخل الغرفة، فاتسعت عيون الصغيرات بترقب. ظهرت إحدى الخادمات يقتادها حارسٌ ضخم، يمسكها بقوةٍ توحي بامتلاكٍ جائع. تسمرت نظرات الأميرات وهن يحملقن بتركيزٍ مخيف في ذلك المشهد الساخن؛ الحارس ينزع ثيابها بعنف، ويقبلها بقسوةٍ بدت للفتيات وكأنها هجوم. همست إيماندا بحيرة: "لماذا تفعل تلك الخادمة هذا مع الجميع؟ ولماذا يعطونها المال؟". ابتسمت إيفيا بصمتٍ غامض، بينما أجابت إيريس بذكاءٍ مسموم: "أظن أنها تعشق المال.. وأمام بريق الذهب تضعف هؤلاء الفقيرات". ركزت إيفيا بصرها على ما يحدث، ثم قالت بضيقٍ ظهر على ملامحها: "هذا الحارس قسوتُه لا تُطاق.. لقد ملأ جسدها بالخدوش، وكأنه ينهش لحمها بأسنانه!". تساءلت إيماندا بسذاجة: "لماذا لا تضربه وتفر منه؟". ضحكت إيريس من سذاجتها قائلة: "لأن هذا يحدث برغبتها يا إيماندا.. يا إلهي، ما زلتِ طفلة حقاً، لا أدري لمَ أحضرناكِ معنا!". فجأة، نهضت إيفيا وابتعدت عن النافذة هامسة: "سأرحل.. هذا المنظر لا يعجبني، المرة السابقة كانت أجمل بكثير". تبعتها شقيقتاها، وهمست إيريس محاولةً إقناعها: "لمَ الرحيل يا إيفيا؟ العرض لم ينتهِ بعد!". هزت إيفيا كتفيها بنفور: "لم أحبه.. إنه عنيف جداً" ضحكت إيريس بمرحٍ مبطن وقالت: "أما أنا، فقد أعجبني!". نظرت لها إيفيا بصدمة: "هل تقبلين أن يخدشكِ أحدهم ويعضكِ هكذا؟". ردت إيريس بسرعة وعيناها تلمعان بجرأة: "لا طبعاً.. بل أنا من سأفعل ذلك به!". انتهى بهن المطاف في غرفة إيفيا، حيث ارتمين على الفراش الواسع. قالت إيفيا بحيرة طفولية: "أنا حقاً لا أفهم.. الحارس السابق كان يعامل الخادمة كشيءٍ رقيق يخشى كسره، أما هذا فكان ككلبٍ مسعور سقط على وليمة لحم!". سألت إيماندا بتردد: "وهل كل الكبار يفعلون هذا؟ هل فعل الملك وأمنا ذلك؟". أكدت إيريس بلهجة العارفة: "أجل يا إيماندا، الجميع يفعلون ذلك، وأبونا فعلها كثيراً مع الملكة". صرخت إيماندا بتوتر: "أنتِ كاذبة! لم أرهم يفعلون هذا أبداً". ضحكت إيفيا قائلة: "لقد رأيناهما أنا وإيريس قبل أن تولدي أنتِ". استلقت الأميرات جنباً إلى جنب، وقالت إيريس بتنهيدةٍ مدروسة: "إذن أنتِ يا إيفيا تفضلين الهدوء والحنان.. لا تحبين القسوة". أجابت إيفيا بسرعة: "بالطبع! حين أختار أميراً، سيكون دافئاً، حنوناً، ووسيماً جداً". في تلك اللحظة، لمعت عينا إيريس بانتصارٍ خفي؛ لقد أدركت أن إيفيا لا تملك طموحاً للعرش، فاهتمامها منصبٌ على مشاعرها فحسب. فكرت إيريس في نفسها: «جيد.. إيفيا ليست عائقاً. تبقت الآن إيماندا، سأكتشف نقاط ضعفكِ قريباً، حتى يتسنى لي التفرغ للعب مع تلك "العاهرة الصغيرة" كورا». ................................... مع بزوغ خيوط الشمس الدافئة التي غمرت المملكة، اجتمع الملك وبناته الأربع حول مائدة الإفطار العامرة بصنوف اللحوم والخيرات. ساد صمتٌ ظاهري، تقطعه همساتٌ خافتة وابتسامة مريبة تتبادلها الأميرات الثلاث حول مغامرة الليلة الماضية، بينما كان الملك يجلس على رأس الطاولة، يبدو عليه إرهاقٌ شديد وكأنه خاض حرباً في منامه. لاحظ الوزير شحوب وجه الملك، فانحنى نحوه بوقارٍ قلق: "جلالة الملك، تبدو وكأنك لم تذق طعم النوم منذ دهر.. هل أنت بخير؟". تنهد الملك بتعبٍ مرير: "ولا لدقيقة واحدة يا صديقي". ثم أشار إليه بالجلوس بجانبه، فارتبك الوزير: "العفو يا جلالة الملك، مكاني ليس هنا..". رفع الملك عينيه المثقلتين وقال بصدق: "اجلس.. لا تنسَ أنك صديقي قبل أن تكون وزيري". جلس الوزير بحذر، وهمس الملك بصوتٍ خافت: "أمر كورا يحيرني للغاية.. لا أعرف إن كان قراري بتركها للغابة والقتال صواباً أم خطيئة سأحاسب عليها". رد الوزير بنبرةٍ مطمئنة: "لقد تحدثنا في هذا يا مولاي.. إنها لا تُجبر على شيء، أنت فقط تدعم فطرتها الصلبة التي ولدت بها. أنت تبني وريثةً لعرشك، وهذا أعظم حقٍ لها عليك". في تلك اللحظة، انقطع الحديث بدخول كورا. كانت ترتدي ملابس سوداء خشنة، ضيقة عند الخصر والرسغين، تشبه ملابس ذكور الحرس. تسمرت العيون عليها وهي تتقدم برأسٍ مرفوع، وحيت والدها بإيماءةٍ رزينة قبل أن تجلس وتبدأ في ملء طبقها باللحوم بصمتٍ غريب. اتسعت عينا الملك بذهول: "كورا! ما هذا الذي ترتدينه؟!". أجابت بهدوءٍ : "ملابس صبيان يا جلالة الملك.. إنها تمنحني الحرية في الحركة، ولا تعيقني كما تفعل الفساتين". ابتلع الملك ريقه وسأل: "ومن أين لكِ بها؟". ابتسمت بطرف شفتيها ابتسامةً غامضة: "طلبتُ من الحارس أن يحضر لي بعض ملابس ابنه.. وقد فعل". راقبها الملك وهي تأكل بنهمٍ وسرعة لا تناسب جسدها النحيل، فقال بقلق: "يا ابنتي، هذا الطعام الكثير سيؤلم معدتكِ الصغيرة، وأنتِ لا تمضغين جيداً!". ابتلعت لقمتها بسرعة، ونهضت بوقارٍ مفاجئ: "لا تخف عليّ.. سأذهب الآن، فالحارس ينتظرني". ثم أردفت بكلمة هزت كيان الملك: "وداعاً يا أبي". تصلب الملك في مكانه، وهمس لنفسه بدهشة: "إنها المرة الأولى التي تناديني فيها (أبي).. لا جلالة الملك". على الجانب الآخر من المائدة، كان الغضب ينهش قلوب الأميرات. قالت إيفيا محاولةً استدراج والدها: "أبي، ألا تخشى على كورا من الغابة؟ إنها تخرج كل يوم مع ذلك الحارس الغليظ!". أجاب الملك باقتضاب: "إنها طفلة تحب الطبيعة يا إيفيا.. لا تقلقي". اشتعل الضيق في ملامحهن، وهمست إيماندا: "خروجها اليومي له سرٌ كبير، أنا متأكدة". ردت إيفيا بحذر: "بالطبع.. وأبي يعلم كل شيء ويخفي عنا". أما إيريس، فقد كانت في عالمٍ آخر.. كانت عيناها مثبتتين على الحارس الواقف عند الباب، نفس الحارس الذي رأته بالأمس في الغرفة الساخنة... وفى عقلها دوت تلك الفكرة المجنونه.. ..................... اتسعت عينا الحارس وهو يراقب استجابة كورا السريعة وحركاتها المرنة التي فاقت توقعاته؛ كانت تتحرك كأنها جزء من الريح. توقف الحارس فجأة وهو يلهث، ثم قال: "توقفي يا صغيرتي.. فلنأخذ استراحة". لكن كورا لم تتوقف؛ استمرت في التلويح بالسيف الخشبي حولها، ترسم في الهواء مساراتٍ دفاعية وهجومية وكأنها تصد ضربات ألف عدوٍ غير مرئي. قالت بحماسٍ مشتعل: "لم أتعب بعد يا معلمي!". تقدم منها الحارس وأمسك بنصل السيف الخشبي ليوقف حركتها، ثم قال بحزم: "قلت كفى.. اجلسي قليلاً". ابتسمت كورا، وظهرت في عينيها لمعة طفولية نادرة، ثم جلست على العشب بصمت. جلس الحارس بجوارها، وأخذ يتأمل كفيها الصغيرتين وقال: "ستتمزق ذراعاكِ يا كورا.. رفقاً بنفسكِ، لن تتقني كل شيء في يوم واحد". ردت بابتسامتها الجميلة التي تخفي خلفها إرادة حديدية: "حسناً، سأتبع أوامرك يا معلمي.. لا تقلق عليّ، أنا أقوى بكثير مما أبدو". نظر لها الحارس باندهاش، وقال بنبرة دافئة: "عجباً! أنتِ لطيفة جداً اليوم وتبتسمين.. لستِ تلك الصامتة المنعزلة كالعادة". تنهدت كورا بعمق، ونظرت إلى سماء الغابة الصافية وقالت: "لقد تحررتُ أخيراً.. أشعر وكأن هذه التدريبات هي متنفسي الوحيد بعيداً عن أجواء القصر الخانقة. وأيضاً.. لأن الملك أبي قد دعمني في هذا؛ كنت أخشى كثيراً أن يرفض ما أفعله". رد الحارس بلطف: "جلالة الملك يؤمن بكِ أكثر مما تتخيلين". اتسعت ابتسامتها وقالت بخفوت: "لم أكن ألاحظ هذا أبداً". علق الحارس بسرعة: "بل أنتِ من كنتِ تتجنبينه وتضعين بينكِ وبينه أسواراً.. أليس كذلك؟". في لحظة، اختفت ابتسامة كورا، واكفهر وجهها فجأة، وعادت تلك النظرة الحادة الباردة لعينيهما. وقفت فجأة وقالت باقتضاب: "لنكمل التدريب". نهض الحارس خلفها، لكنه لم يمسك بالسيف، بل وضع يده على كتفها قائلاً: "هل تعلمين يا كورا.. هناك أشياء مهمة بقدر أهمية التدريبات بالسيف، وهي أن تعرفي الناس من حولكِ في المملكة.. وفي القصر". نظرت إليه بعدم فهم، فأكمل محذراً: "السيف يحميكِ من عدوٍ يرفع سلاحه في وجهكِ، لكنه لا يحميكِ من سمٍ يُوضع في كأسكِ بابتسامة..... عليكِ أن تتعلمي كيف تقرأين القلوب قبل أن تتعلمي كيف تطعنين الصدور". صمتت كورا، ونظرت اتجاه القصر البعيد، ثم غرزت سيفها الخشبي في التراب بقوة.. ............. بينما كانت خيوط الفجر الأولى لم تظهر بعد، كانت إيريس تتسلل في الممرات السفلية للقصر، حيث تفوح رائحة الرطوبة والصدأ. لم تكن خائفة، بل كانت عيناها تلمعان ببرودٍ لا يناسب طفلة في عمرها. توقفت أمام بابٍ خشبي متهالك، خلفه يسكن ذلك الحارس "الوحش" الذي رأته بالأمس. طرقت الباب طرقاتٍ هادئة وواثقة. انفتح الباب ببطء، وظهر من خلفه الحارس بجسده الضخم وعينيه المحمرتين من أثر النوم، وما إن رأى الأميرة الصغيرة أمامه حتى تراجع خطوة للوراء بذهول، وتمتم بارتباك: "سمو الأميرة إيريس؟ ماذا تفعلين هنا في هذا الوقت؟". دخلت إيريس الغرفة دون استئذان، وجالت بنظرها في أركانها المتسخة باشمئزازٍ ملكي. استدارت نحوه، وعلت وجهها ابتسامة داهية وقالت بصوتٍ خفيض كالهمس: "جئتُ لأعرض عليك مقايضة.. أو بالأحرى، جئتُ لأمنحك فرصة لتعيش يوماً آخر". ابتلع الحارس ريقه، وشعر ببرودة تسري في جسده رغم حرارة الغرفة: "لم أفهم يا سمو الأميرة.. عن أي مقايضة تتحدثين؟". اقتربت منه إيريس ببطء حتى أصبحت أمامه مباشرة، ونظرت لعينيه بتحدٍّ سافر: "رأيتك بالأمس.. في تلك الغرفة، مع تلك الخادمة المسكينة. رأيتُ كيف كنت تمزق ثيابها، ورأيتُ تلك القسوة التي كنت تعاملها بها.. تلك القسوة التي لو علم بها أبي الملك، لكان رأسك الآن معلقاً على بوابة القصر بتهمة تدنيس حرمة القصر والاعتداء على الرعايا". تصبب العرق البارد من جبين الحارس، واهتزت يداه الضخمتان وتلعثم: "يا.. يا سمو الأميرة.. أنا.. لقد كان ذلك..". قاطعته إيريس بوضع إصبعها على شفاهها قائلة: "اششش.. لا تبرر. القصة لا تهمني، ما يهمني هو ما ستفعله لي مقابل صمتي". انحنت للأمام قليلاً وأكملت بدهاء: "أريدك أن تتبع أختي كورا كظلها.. أريد تقريراً يومياً عن كل كلمة تنطق بها، وكل حركة تفعلها في الغابة، ومع من تتحدث، وماذا تتعلم. أريدك أن تكون عيني التي لا تنام خلف ظهرها". حاول الحارس استجماع شجاعته وقال بصوت مرتجف: "ولكنها ابنة الملك.. والحارس الذي معها شرس، إذا كشفني سأقتل!". ضحكت إيريس ضحكة قصيرة باردة، ثم تحولت ملامحها للجمود القاتل: "إذن اختر موتك بنفسك.. إما أن يقتلك حارس كورا إذا كشفك -وهذا احتمال ضئيل لأنك بارع في التسلل- وإما أن يقطع والدي عنقك غداً حين أخبره بما رأيت.. وهو أمر مؤكد". ساد صمت ثقيل في الغرفة، كان الحارس ينظر لهذه الطفلة وكأنه يرى شيطاناً يتجسد في صورة أميرة. أدرك تماماً أنه وقع في شباك عنكبوت لا يرحم. انحنى برأسه بيأس وقال بصوت مكسور: "أمركِ يا سمو الأميرة.. سأفعل كل ما تطلبينه". عدلت إيريس هندام فستانها، ونظرت له بنظرة أخيرة مليئة بالاحتقار والانتصار: "جيد.. تذكر، عيني عليك دائماً، وأي خطأ منك.. ستكون نهايتك". خرجت من الغرفة بخطوات واثقة، تاركةً وراءها رجلاً محطماً، بينما كانت هي تشعر بنشوة القوة لأول مرة؛ فقد أدركت أن السيطرة على الوحوش أسهل بكثير من محاربتهم. ...........