زنزانة - رواية نيڤاريم
اللغة: العربية
الرئيسية ربح

زنزانة - رواية نيڤاريم

جاري التحميل...

زنزانة

فصلٌ تتقاطع فيه الأحلام القليلة مع واقعٍ قاسٍ لا يرحم. بين دهشة القصر، وضجيج السوق، وضحكات الحفل، تحاول ريموندا أن تتمسك بفتات الأمل رغم الفقر وعبء العائلة. لكن حين يهبط الليل، ويتحوّل المألوف إلى غريب، تجد نفسها فجأة أمام لحظةٍ قد تغيّر مصيرها إلى الأبد… لحظةٍ تدرك فيها أن بعض الأبواب، ما إن تُغلق، لا تُفتح كما كانت

تحميل الفصول...
المؤلف

وبعد دوّامة البكاء التي شاركتها مع أخيها، مسحت ريموندا دموعها وغسلت وجهها. ما من وقت للانهيار... فالحياة لا تنتظر، ولا تمنح أحدًا رفاهية التوقّف. أعدّت فطورًا بسيطًا بما توفر في المطبخ، ثم تنبّهت إلى أن البرد اشتد — الشتاء على الأبواب.

ارتدت معطفها القديم المهترئ، وغطّت به رأسها . ثم ساعدت رين في ارتداء معطفه هو الآخر، وأمسكت بيده، لينطلقا معًا إلى روتين يومٍ جديد.

عند البستان، كانت السلال تُحمّل إلى العربات استعدادًا للتوصيل.
دخلت ريموندا بابتسامتها المعتادة — تلك الابتسامة التي تخبّئ خلفها هشاشة قلبٍ متعب. لم يكن أحد ليسمع شكواها، لذا فضّلت الصمت.

لفتت آنا انتباهها وهي تحمل إحدى السلال:
— "لماذا لم ترتدي ثيابًا أفضل؟"
رمشت ريموندا مرتين، لم تفهم.
أكملت آنا وهي تضرب جبينها بيدها:
— "يا غبية، نسيتِ؟"
لدينا حفل  اليوم ،ثم همست:
— "وسنذهب إلى القصر اليوم!"
هتفت ريموندا، وقد فهمت أخيرًا:
— "لكن... الحفل في المساء، أليس كذلك؟"
وضعت آنا يديها على خصرها وقالت بسخرية:
— "هل وُلدتِ غبية، أم أنه مجهود شخصي؟! نحن ذاهبتان إلى قصر الملك، ولفتَ نظرك الحفل الراقص مع الفلاحين؟!"
ضحكت ريموندا بخفة وقالت:
— "هيا إذن، السائق ينتظرنا."

تنهدت آنا، ومشت خلفها وهي تتمتم بتذمر، ثم صعدتا العربة معًا، وانطلقت القافلة نحو القصر

وأخيرًا، وصلت العربة إلى مشارف القصر. كان المدخل خياليًا، تزدان جوانبه بأزهار من كل لونٍ وشكل، والطريق مفروش كأنه امتداد لحكايةٍ من حكايات الطفولة. القصر نفسه شامخ، يتربع كملك لا يشبه الملوك، بأبواب ضخمة يفتحها جنود مصطفّون على جانبي المدخل في مشهد مهيب.

حين توقفت العربة، خرجت الخادمات لاستقبال السلال، تتقدمهن امرأة طويلة نحيلة، بوجهٍ صارمٍ لا يعرف الابتسام. همست آنا وهي تنظر إليها:

— "ما بال هذه العجوز الخرقاء؟"
ضحكت ريموندا بخفة:

— "لا تسيئي إلى الكبار..."

دخلتا إلى المطبخ برفقة الخادمات. كان المطبخ بحد ذاته بحجم قرية صغيرة، فسيحًا، نظيفًا، تُرصّ فيه الأدوات والخادمات بتنظيم يثير الإعجاب.

آنا تمتمت بدهشة:
— "إذا كان هذا المطبخ... فكيف ببقية القصر؟!"

أما ريموندا، فقد شردت تمامًا وسط هذا المكان الساحر، بعينين تمتلئان دهشة. لم ترَ في حياتها مكانًا بمثل هذا الاتساع والنظافة... وبينما تتأمل، اصطدمت بمزهرية زجاجية وانكسرت على الفور. تجمدت في مكانها.

آنا ضربت وجهها بكفها:
— "أوه، لا! ؟!"

رئيسة الخدم استدارت ببطء، رفعت حاجبها في صمت، وعيناها تطلقان نظراتٍ تكفي لإسكات جيشٍ بأكمله. لم تتكلم. فقط نظرت. فجأة، تقدمت خادمتان وسحبتا السلال من يدَي ريموندا وآنا. ثم اقتربت خادمة ثالثة بهدوء وأشارت لهما بالخروج.

خارجًا، تنفّست ريموندا بارتياح ، ووضعت يدها على صدرها:
— "يا إلهي... خفت أن تُعاقبني!"

آنا ضربتها على كتفها:
— "أنتِ حقًا... لا تعرفين كيف تكون الجولات الملكية!"

قهقهت ريموندا بخجل، وهي تحك ذراعها:

— "ولماذا أنتِ دائمًا من يُوقِعنا في المتاعب؟"
قبل أن ترد، قاطعهما صوت شاب وسيم خرج من أحد الممرات:
— "ما بالكما، آنستيّ؟"
نظرت آنا وجدت شاب يرتدي ملابس الخدم 
نظرت إليه  بتعجرف ثم قالت :

— "أوه، لا تقلق، أيها الخادم... نحن فلاحات، نعم، لكننا لم نقطع كل هذه المسافة لنقع في حب خادم! نطمح لأمير... أو دوق على الأقل!"

ثم استدارت بأنفٍ مرفوع.
رمشت ريموندا بإحراج، واستدارت نحو الشاب:
— "أعتذر، إنها تمزح..."

ضحك الشاب بخفة:
— "لكن يا آنسة، لستُ خادمًا عاديًا... أنا خادم الملك."

رفع حاجبه بابتسامة ماكرة.
 وقالت بتهكم:
— "خادم الملك أو غيره... تبقى خادمًا!"

وقبل أن يتمكن من الرد، أمسكت ريموندا من معصمها وسحبتها بسرعة وهي تهمس: 
— "آنا، كفى!"

ظل الشاب يراقبهما تبتعدان، ثم تمتم مبتسمًا:
— "أمير أو دوق، هاه؟... من يدري؟"

ثم تناول تفاحة من إحدى السلال، وواصل طريقه إلى داخل القصر

بعد رحلة العودة، ظلّت آنا تتذمر طيلة الطريق كعادتها، بينما كانت ريموندا تبتسم لها ابتسامة خافتة اعتادت أن تخبّئ خلفها كل شيء. توقّفت العربة أمام حيّهما، ونزلت آنا أولًا تلتها ريموندا.

وقبل أن تفترقا، همست ريموندا بخجل:
— "هل... هل تستطيعين مرافقتي إلى السوق؟"

استدارت آنا نحوها، رمشت مرتين باستغراب، ثم صاحت بصوتٍ عالٍ:
— "إلى السوق؟!  وتقولين هذا بهذه النبرة؟ما هذا، هل تعترفين بالحب لشاب؟ أيتها الغبية!"
وانفجرت بالضحك بينما احمرّ وجه ريموندا خجلًا.
— "توقفي يا آنا... كفى!" تمتمت ريموندا وهي تحاول ستر احمرار وجهها.

لكن آنا كانت تضحك حتى سالت دموعها، واستمرت في المزاح، مما أغضب ريموندا التي ركضت مبتعدة وقد علا وجهها حزن طفولي.

— "ريموندا! ريموندا انتظري!" نادت آنا وهي تحاول كتم ضحكتها، لكن ريموندا لم تلتفت.

— "يا إلهي، تلك الفتاة الغبية..." تمتمت ريموندا بحنق وهي تسرع بخطواتها.

وصلت إلى منزل السيدة ميرندا، فأنجزت عملها على عجل كما اعتادت،  وتجهزت بسرعة. اليوم... اليوم ستذهب لشراء فستان جديد! كان ذلك بمثابة حلمٍ بعيد المنال، حلم صغير تعلّق به قلبها.

وقفت تنتظر راتبها، قلبها يرفرف بتوتر وارتقاب، لكن حين فتحت يدها لتعدّ النقود، اكتشفت أنه ناقص.

رفعت رأسها نحو السيدة ميرندا، التي كانت تنظر إليها بوجه عابس:

— "ماذا؟!" قالتها ميرندا بحدّة.
تلعثمت ريموندا:
— "ح... حسناً، فقط... الراتب..."
قاطعتها ميرندا وهي تضع يديها على خصرها وتنكفئ قليلاً بجسدها الضخم:

— "أجل أجل، أعرف... إنه ناقص. والدك جاء وأخذ جزءًا منه. من الأفضل أن تتعلمي معنى أن تكوني مديونة."

رمشت ريموندا بدهشة وارتباك:
— "ماذا؟ لكن يا سيدتي..."

لكن ميرندا استدارت دون أن تستمع، ودخلت المنزل تاركةً ريموندا واقفةً في مكانها، تنظر إلى النقود في يدها كأنها تزن ما تبقّى من كرامتها.

كانت عيناها تدمعان بصمت، حين شعرت بيد توضع على كتفها.

— "ريموندا، صغيرتي..."
فزعت فورًا من اللمسة، وابتعدت خطوة للخلف. كان السيد ويليم خلفها، يبتسم بهدوء:

— "ما بكِ؟ فزعتِ هكذا فقط لأني لمست كتفك؟"
لم تجب. مسحت دموعها بسرعة وقالت:
— "لا شيء، سيد ويليم... شكرًا لسؤالك. يجب أن أذهب الآن."

واستدارت راكضة، لكنه ناداها:
— "إذا كان ما ينقصك هو المال الذي أخذه والدك... يمكنني أن أعوّضك."

توقفت، التفتت إليه، وعيناها خجولتان:

— "لا، لا بأس... شكرًا لاهتمامك."
ثم أسرعت في خطواتها، واختفى ظلّها شيئًا فشيئًا في الطريق.

وقف السيد ويليم في مكانه، يراقبها بصمت، حتى التهمها الظل... ثم ابتسم وهزّ رأسه ببطء، كأنه فهم كل شيء دون أن تُقال أي كلمة

وصلت ريموندا السوق، حيث علت الأصوات واختلط صخب الباعة بنداء المشترين. كانت تسير برفقة آنا، التي لم تتوقف عن الثرثرة، تتنقّل من موضوعٍ إلى آخر بحيوية، بينما ريموندا تسير بصمت، رأسها مطأطأ، غارقة في أفكارها وهمومها.

في الجهة المقابلة، كان أليكس يسير بجانب جاك، يشقّان طريقهما بين الزحام. فجأة، ضرب أليكس ذراع جاك عدة مرات متحمسًا:

— "جاك! جاك! انظر!"
التفت جاك بنفاد صبر:
— "ما الأمر، يا أليكس؟!
أشار أليكس بحاجبيه نحو ريموندا:
— "إنها هناك... فتاتك!"

اتسعت عينا جاك، وجمد في مكانه يحدق في ريموندا وكأنّه يراها لأول مرة. شرد في تفاصيلها، في شعرها الكثيف المنسدل أسفل معطفها الصوفي، وتخيل نفسه عريسًا يُزفّ إلى جانبها.

— "جاك!" كسر أليكس شروده بصوت مرتفع.
— "نعم! نعم؟ ما... ماذا؟"
ضحك أليكس وهو يضرب كتفه  بكتف جاك بمزاح:
— "هيا بنا! دعنا نذهب لإلقاء التحية!"

تلعثم جاك واحمرّ وجهه خجلًا:

— "ماذا؟ لا... لا أستطيع... أنا..."

لكن أليكس لم ينتظر، جرّه من ذراعه نحو الفتاتين، ولوّح وهو يصيح:

— "مرحبًا آنستيّ!"

استدارت الفتاتان، وعقدت آنا يديها أمام صدرها بتنهد ساخط:

ثم تمتم في نفسها قائلة هل هو يوم الرجال الوهميين قبل ان  تقول:
— "هل مكتوب على ظهورنا: 'مطلوب فلاحين للزواج'؟!"

رمش أليكس بدهشة:
— "ماذا؟ لم أفهم..."
آنا، بسخرية ثقيلة:
— "يعني، ببساطة، لماذا تلقي علينا التحية وكأنك متأكد أننا سنرد؟"

أليكس، وقد وضع يديه في خصره:
— "أوه، يالكِ من متعجرفة! ألستن فلاحات مثلنا؟"

رفعت آنا حاجبها بحدة:
— "أيها المعتوه، نحن نساء. وكل ما نحتاجه هو أن نكون جميلات، أما أنتم..."

قاطعها أليكس ساخرًا:
— "حقًا؟ إن كنتِ بهذا الجمال، فلماذا لستِ زوجة لأحد الأمراء إذًا؟"

فتحت آنا فمها من الصدمة:
— "أنت...! كما ترى، أنا عزباء. ولا تتوقع مني أن أتزوج فلاحًا!" لذا كفوا عن الظهور في طريقنا أن محادثة الفلاحين تزيد من طاقة الفلاحة .

عند هذه اللحظة، تدخلت ريموندا، محاولة إنقاذ الموقف:
— "مرحبًا، جاك! هل جئت للتسوّق أيضًا؟"

رمتها آنا بنظرة مصدومة، ثم نقلت نظرتها نحو جاك بازدراء، وقالت:
— "هل... هل تواعدين فلاحًا؟! وفوق ذلك... فلاح قبيح؟!"

احمر وجه جاك من الإهانة، وعدّل نظارته بتوتر:
— "م-ماذا؟... أنا..."

أغمضت ريموندا عينيها بمرارة، ثم أمسكت آنا من معصمها وسحبتها مبتعدة:

— "أراك لاحقًا، جاك..."

ظل جاك واقفًا في مكانه يراقبها تبتعد، وعلى وجهه حزن خافت، بينما وضع أليكس ذراعه حول كتفه:

— "إذا كانت هذه صديقتها... فأفقد الأمل يا صديقي."

ثم طبطب عليه بإشفاق خفيف

تسوقت ريموندا أخيرًا، واختارت فستانًا واحدًا بعد أن تأكدت من كل سعر بعناية. إلى جانبها، كانت آنا تسير بسعادة، تهمهم بالأغاني وتفكر في الحفل المرتقب.

قالت ريموندا بتردد:
— "آنا؟"

التفتت آنا بخفة:
— "نعم؟"

ابتسمت ريموندا:
— "تبدين وكأنك تملكين الكثير من المال لتشتري كل هذا!"

نظرت آنا إليها، ثم زمت شفتيها:
— "ليس تمامًا... أنا فقط أنفق من راتبي في البستان."

— "أويكفيك؟!" قالتها ريموندا بدهشة.

رفعت آنا حاجبيها باستغراب:
— "ولِمَ لا؟ أنا أعمل اساسا  لأشتري ما أريده، . والدي يشتري لنا الكسوة مرتين في السنة، ذلك البخيل."

شرَدت ريموندا للحظة. أباها يكسوها؟ إذًا هي تعمل فقط لتدلل نفسها... يا له من حلم ، انها تعمل لانها تريد وليس لانها تحتاج.

قاطعتها آنا بمرح:
— "حسنًا، نلتقي مساءً في الحفل!"

— "حسنًا!" ردّت ريموندا، ثم افترقتا.

عادت ريموندا إلى المنزل، ولحسن الحظ، لم يكن والدها في البيت. تجهزت على عجل، ارتدت فستانها الجديد، ثم نادت على رين الذي كان يلعب في الشارع.

ركض نحوها بحماس:
— "أوه! ما هذا؟! تبدين جميلة!"

ضحكت بخجل، ثم أخرجت له الثوب:
— "ما رأيك؟ اشتريت لك هذا!"

قفز من الفرح، ودخل يرتديه فورًا.

ضحكت ريموندا:
— "لم تستحم حتى يا صغيري!"

نظر إلى نفسه وقال:
— "أوه! معك حق."

تجهزا معًا، وضعت وردة صغيرة على شعرها، فزادتها جمالًا. وصلوا إلى ساحة الحفل، حيث أضيئت الفوانيس، وتعالت ضحكات النساء، وهتافات الأطفال. كان الجميع في انتظار مرور الأمير.

ركض رين نحو الأطفال، فرفعت ريموندا يدها:
— "انتبه، لا تركض هكذا!" لكنّه لم يسمعها.

ثم أطلت فتاة جميلة، بخدين مورّدين، وكحل أسود وشفاه حمراء... كانت آنا.

قالت بتفاخر:
— "كيف أبدو؟"

ضحكت ريموندا:
— "لم أعرفك في البداية! ما كل هذا الجمال؟!"

ضحكت آنا:
— "! هذه مستحضرات تجميل يا فتاة."

ابتسمت ريموندا، وفي داخلها تمنّت أن تتاح لها فرصة تجربة تلك الأشياء يومًا ما.

أمسكت آنا يدها:
— "هيا! تعالي، إلى قسم النساء!"

وسط الضحك والغناء، وجدت ريموندا نفسها فجأة على خشبة المسرح، تضحك وترقص مع آنا.
ثم انشغلت آنا مع فتيات أخريات، فيما بقيت ريموندا على الهامش، تراقب الأجواء بابتسامة صامتة.

فجأة، سمعت صوتًا مألوفًا:
— "تلك الوردة... تليق بك."

استدارت، فإذا بجاك يقف خلفها، يحك مؤخرة رأسه بخجل.

قالت بابتسامة:
— "جاك! مرحبًا."
— "أنا... أعتذر عمّا حدث في السوق."

لوّحت بكفها:
— "لا بأس."

ضحكت ثم قالت:
— "لو رأتك آنا هنا، في قسم النساء، فلن ترحمك!"

ضحك بخجل:
— "حسنًا، أراك لاحقًا."

— "أراك لاحقًا..."

فجأة ظهرت آنا مجددًا، تمسك معصم ريموندا وتركض بها.

— "آنا! ما الأمر؟!"
— "الأمير يا فتاة! الأمير!"
— "تمهّلي...!"

اصطف الناس على جانبي الطريق، يتدافعون لرؤية العربة الملكية. أخرج الأمير يده ولوّح للجماهير، ثم اختفى.

نظرت ريموندا مستغربة:
— "معقول؟ هذا ما أحضرتِني لرؤيته؟"

لكن  آنا كانت سارحة، تتأمل:
— "انظري إلى يديه! لا تشبه أيدي الفلاحين... يا إلهي."

ضحكت ريموندا:
— "كم أنتِ مجنونة."

وفجأة، دوّى صوت مألوف:
— "ها قد التقينا مجددًا!"

تلفّتت آنا بضيق:
— "لااا... ليس أنت مجددًا!"

كان الخادم الوسيم من القصر.

سلّم على ريموندا، فردّت التحية بصمت.

ثم وجّه كلامه لآنا:
— "أيتها الفلاحة التي تحتقر الفلاحين بلا سبب واضح!"

قالت آنا بتعجرف، وقد شمخت بعينها:
— "أنا أحترم الفلاحين... لأنهم ببساطة، شعب  زوجي المستقبلي."

ضحكت ريموندا بخفّة وهمست:
— "كم أنتِ حالمة..."

قال الخادم ساخرًا:
— "وما رأيك إن تزوجتِ فلاحًا؟"

— "لن يحدث!"

— "ماذا لو حدث؟"

هزّت رأسها:لن بحدث لانه ببساطة انا "بين اثنين: إما الزواج من الأمير... أو البقاء عزباء إلى الأبد."

ثم جرّت ريموندا معها بعيدًا.

ضحك الخادم بصوت خافت، وهو يراقبهما تبتعدان:
— "كم أنتِ مثيرة للاهتمام أيتها الأنسة... سأسمّيك 'الأميرة الوهمية'."

ثم دخل في الزحام، بابتسامة خفيفة لا تفارقه

أخيرًا، انتهى الحفل.
عادت ريموندا بصحبة آنا، وخلفهما رين يركض   بخطوات سريعة، ضاحكًا يلهو ببقايا البهجة في قلبه الصغير.

كانت آنا لا تزال تثرثر بلا توقف، تروي كيف خطفت يد الأمير نظرها وقلبها معًا، وكيف أن حركته البسيطة ألهبت خيالها — تمامًا كما تفعل القصص.

ريموندا كانت تبتسم... تصغي ظاهريًا، لكن عقلها كان غارقًا في همومه. كلمات آنا كانت تمرّ من أذنيها مثل رياح خفيفة لا تُبلل.

وفجأة، وعلى قارعة الطريق، ظهر والد ريموندا.
يسير مترنّحًا كالعادة، تتقاذفه خطواته بين الوقوع والنهوض، يسبّ هذا، ويشتم ذاك، ويُطلق لسانه السكير على المارة كأنهم ظلال لا تعنيه.

آنا توقفت لحظة، رمقته باشمئزاز، ثم تمتمت:
— "هؤلاء... عالة على المجتمع. أشفق على ذويهم."

ريموندا نظرت إليه بصمت.
نظرة لا غضب فيها، ولا حتى شفقة... فقط تعبٌ قديمٌ مألوف.

ثم فجأة، أمسكت بيد رين، وقالت بخفّة:
— "أراكِ لاحقًا."

ومشت بخطواتٍ سريعة، دون أن تنظر للوراء.

آنا رفعت حاجبيها بدهشة:
— "أوه... حسنًا، أراكِ لاحقًا...؟"
لكن ريموندا كانت قد ابتعدت بالفعل، تاركةً صوت آنا يتلاشى في الهواء.

وقفت آنا لحظة، تراقب ظلّ صديقتها يذوب بين الأزقّة، ثم تمتمت:
— "يا ترى... ما بها؟"

رفعت كتفيها بلا مبالاة، كمن لا يريد أن يثقل نفسه بالسؤال، ومضت في طريقها، عائدةً إلى بيتها... وواقعها المختلف...

وصلت ريموندا إلى المنزل، وقبل أن تفتح الباب، جاءها طفل صغير يعدو بأنفاس لاهثة:
— "ريموندا! ريموندا!"

تلفّتت إليه بانتباه:
— "نعم، يا صغيري؟"

— "السيدة ميرندا تطلبك."

رفعت حاجبيها بدهشة:
— "في هذا الوقت؟!"

أومأ الطفل برأسه وعيناه الواسعتان توحيان بالبراءة والصدق:
— "نعم، قالت إنه أمر عاجل."

صمتت ريموندا قليلاً، كانت قد بدأت تستشعر الإرهاق، لكن غريزتها في الطاعة تغلبت.
نظرت إلى رين الذي كان يتثاءب قرب الباب:
— "ادخل ونَم، سأعود بعد قليل، حسناً؟"

هزّ رأسه بكسل وعيناه نصف مغمضتين من كثرة اللعب، ثم دخل غرفته وتمدّد دون مقاومة.

ارتدت ريموندا معطفها وخرجت، كان الليل قد بدأ يُسدل ستائره، والسماء تُلوّح بطقس شتائي قارس.
النجوم اختفت، وكأن شيئًا ما في هذا الليل لا يريدها أن تهتدي.

طرقت باب السيدة ميرندا بخفة.

فتح الباب السيد ويليم، بابتسامته الملساء المعتادة:
— "مساء الخير، ريموندا. تفضّلي، السيدة ميرندا بالداخل."

دخلت وقد بدأت تشعر بشيء غريب... المكان هادئ بشكل مريب. فارغ.

وقبل أن تنبس بكلمة، أُغلق الباب خلفها بهدوء.

استدارت ببطء.
رأته ينزع معطفه.
ثم يتقدّم.

— "سيد ويليم؟" قالت بتوتر، "ما الأمر؟ أليست السيدة ميرندا هنا؟"

ابتسم... ولم تكن ابتسامته كابتسامات النهار. كانت مختلفة.

قال بنبرة هادئة... لكنها تزحف بالخطر:
— "لا عليكِ يا ريموندا... الجو بارد، أردت فقط... أن أدفئك."

تجمدت الكلمات على شفتيها.

خطوة للوراء... ثم أخرى.
وهو يقترب... خطوته الواثقة تقطع الهواء... وعيناه لا تشبهان أيّ نظرة رأتها من قبل.

أنفاسها بدأت تتسارع.
قلبها يدق كطبول الحرب.
تلفّتت... أين الطريق؟ أين الباب؟ أين النجدة؟

كانت الزوايا تغلق عليها واحدة تلو الأخرى.

ولوهلة... أحست أن هذا العالم، الذي كان ضيقًا أصلًا... قد صار زنزانة بلا نوافذ....
		       
×
جاري التحقق من حالة حسابك...

لوحة أرباحك

أهلاً بك في برنامج شركاء الأرباح. يتم احتساب أرباحك بناءً على زيارات رواياتك المقبولة.

الزيارات المحتسبة 0
الأرباح المقدرة $0.00

تم الإرسال بنجاح!

"تم استلام طلبكم الخاص بالانضمام لبرنامج الأرباح بنجاح. الطلب الآن قيد المراجعة"

قيد المراجعة حالياٌ

"طلب الانضمام لبرنامج الأرباح قيد المراجعة حالياٌ. تستغرق عملية التحقق وتجهيز حسابك فترة تتراوح ما بين 7 إلى 14 يوم عمل"

الشروط غير مكتملة

عذراً، لتحقيق الربح يجب أن تمتلك في حسابك
4 روايات على الأقل.

يجب تسجيل الدخول

"يرجى تسجيل الدخول إلى حسابكم المعتمد للمتابعة وتقديم طلب الانضمام لبرنامج الأرباح"