غزال بلا مأوى - الفصل الأول
اللغة: العربية
الرئيسية ربح

غزال بلا مأوى - الفصل الأول

جاري التحميل...

الفصل الأول

كانت تلك السعادة حقيقية، فبالنسبة لها والدها يعني لها العالم، كان لها أبًا وصديقًا ف "رنيم" فتاة خجولة إنطوائية لا تمتلك أي أصدقاء، منذ تخرجها من الجامعة وهي تتخذ من جدارن بيتها الأربعة ملاذًا لها بعيدًا عن الناس وضجيجهم.

تحميل الفصول...
المؤلف

الفصل الأول 

رواية غزال بلا مأوى
بقلم بسنت محمد



لكل شخص ماضٍ مؤلم يحاول الهرب منه .. لكن هي! تشعر وكأنها تحيا لتواجه ماضيها في كل ثانية، ماضٍ تهرب من السؤال عنه ..  لأن كل ندبة فيه تنطق بالدم!.

****


التاسعة صباحًا وقد بدأت خيوط الشمس في الإنتشار منيرةً الشوارع والطرق حيث لم تُحمى حرارة الظهيرة بعد، مازالت نسمات الهواء الباردة تهب برقة تداعب أوراق الأشجار، والطرقات قد بدأت بالإزدحام، وهنا في هذة المنطقة والتي لم تكن راقية يظهر علي قاطنيها البذخ وفي نفس الآن ليست فقيرة معدومة، منطقة يقطنها الطبقة المتوسطة المائلة للحياة المترفة، في أحد بنايتها العالية والمسماه (بالبرج) كان صوت الضجيج المعتاد والمعروف مصدره جيدًا هو ما أيقظها من نومها الهادئ، تململت في الفراش لعدة دقائق ثم نهضت بتثاقل لتخرج من الغرفة.

لم يكن صوت الضجيج المعروف سوى المسلسل الكارتوني الصباحي والذي يعرض كل يوم في نفس التوقيت، فألقت نظرة على التلفاز بإبتسامة بسيطة وهي تتمتم لنفسها:

- زي كل يوم تفتح الكارتون وتقف في البلكونة تسقي الورد بتاعها وهي بتسمعه .. عادتها ولا هتغيرها!

بينما على بُعد بضع خطوات من الغرفة حيث الشرفة الواسعة والمُفترشة بالنجيلة الصناعية بلونها الأخضر الذي يضفي شعورًا بالراحة، يتوسطها كرسيان بلاستيكيان مبطنان ويقبع بينهما طاولة دائرية أستقرت عليها مزهرية من الورد الطبيعي، ولم لا فقد أمتلأ سور الشرفة من أوله لآخره بإصيصات الورود الطبيعية من مختلف الأنواع والألوان.

وقفت أمام السور كعادتها كل صباح حاملة إبريق سقي الورود تنثر رذاذ الماء على ورودها بنشاط وهي تستمع لصوت مسلسها الكارتوني المفضل، فبالرغم من سنوات عمرها الثلاث والعشرين إلا أنها مازلت تحتفظ ببرائتها ورقتها وبعض من طفولتها.

أنهت مهمتها الصباحية ووقفت قليلًا تحت أشعة الشمس التي غمرت الشرفة بأكلمها تصب نظرها وتركيزها على تلك الشرفة للبناية المقابلة لها، تنتظره كل يوم لتراه ولو لدقيقة واحدة، تعلم جيدًا أنه يتناول قهوته الصباحية في نفس الوقت من كل يوم، لكن قبل أن تنعم برؤيته قطعت عليها والدتها أحلامها الوردية عندما جاءها صوتها من خلفها:

- رنيم!

دلفت سريعًا للداخل مهرولة نحو "آمنة" (والدتها) وهي ترد:

- نعم يا ماما محتاجة حاجة

تنهدت "آمنة" وتابعت معاتبة ولكن بإبتسامة مرحة:

- هو كل يوم هصحى على صوت الكارتون؟ عايشة مع عيلة صغيرة ياخواتي

رفعت "رنيم" كفيها وأمسكت بأذنيها الأثنين وقد كانت حركتها المعتادة في نيل رضا والدتها وقالت ببراءة:

- آسفة

- اه منك أنتي عارفة أن الحركة دي نقطة ضعفي طب يلا بينا عشان نحضر الفطار ونفطر سوا كلهم نزلوا على أشغالهم

قالتها "آمنة" وهي تسير نحو المطبخ بينما ألقت "رنيم" نظرة جانبية نحو الشرفة بحزن لتتنهد وتتجه خلف والدتها لتصنع وجبة الفطور.


____________________________


وعلى الناحية الآخرى والمناقضة تمامًا حيث الحارات الضيقة، الأرض المتعرجة والبنايات المتهالكة والتي من المفترض أن تنهار في أي لحظة فوق رؤوس ساكنيها؛ لكن ومع ذلك ترى قاطنيها يمارسون حياتهم الطبيعية بدون أي أكتراث، فالهموم هنا أثقل من الركام الذي سوف يسقط عليهم. 

وإن توقفنا عند بناية ما وبالتحديد فوق سطحها حيث تلك الشقة الصغيرة أو بمعنى أصح غرفة لم ترتقي ليطلق عليها مصطلح شقة، فلو قورنت بعش العصافير في المساحة لفاز العش وبجدارة، رفعت قدمها على الكرسي وبأصابعها أخذت تعقد ربطة حذاءها المتهالك ثم أرتدت سترتها التي لم تكن أقل تهالكًا من الحذاء، ألتقطت طاقيتها تثبتها على رأسها بعد أن عقصت شعرها لتخفيه تمامًا أسفلها، ثم أرتدت القلنسوة عليها، دست يدها داخل جيب بنطالها وأخرجت خاتم طويل بأربع فتحات ملتصقة يحتوي على سنون خارجية أو ما يسمي ب"سلاح المفاصل" وارتدته بكل أصابعها ثم رمقت نفسها في المرآة المكسورة بنظرة غامضة لتخرج تاركة عشها وهي تعلم وجهتها جيدًا.

أعتادت على أصوات أهل حارتها المرحبة بها في كل صباح فالجميع هنا يحبونها ويحترمونها والقليل منهم يهابونها سواءً أظهروا ذلك أم لا! 
وكان هو من تلك القلة حتى لو تظاهر بالعكس، تراه يجلس هنا كعادته على القهوة يمسك بعصا نرجيلته ويضع مبسمها في فمه ثم يطلق دخانها الكثيف في الهواء صائحًا في "عُكشة" صبي القهوة يستعجله ليأتي بكأس الشاي.

- أيوة جاي

قالها "عُكشة" بنبرة منغمة وهو يتمختر بصينية الشاي حتى وضعه أمامه ومن ثم أنصرف دون أي كلمة، جلس ذلك الرجل ذو المظهر النحيل البالي وهو يتحدث بنبرة يشوبها بعض القلق:

- وبعدين يا معلم شوقي هتعمل أيه مع المعلم سلطان أنا سمعت طراطيش كلام كدة أنه لجأ للي مبترحمش

قوس المعلم "شوقي" فمه بسخرية وقهقه وهو ينفث دخان نرجيلته في الهواء ثم هتف بإستهزاء:

- أنت عبيط ياض بقى أخرتها هنخاف من الحريم!

أنهى جملته ليسمع صوت سحب الكرسي الذي بجانبه وشخص ما يضع قدمه عليه بقوة، رفع رأسه ببطء وتفحص ليجد شخص يبدو من هيئته أنه رجل، يرتدي سترة بالية وطاقية لا تظهر ملامحه منها بوضوح، ثم بنبرة جهورية خشنة بعض الشيء وجده يهتف فيه:

- أنت المعلم شوقي!

- ومين في الحارة ميعرفش المعلم شوقي يلا أنت

صاح فيه بحدة ليرى فمه يتقوس بإبتسامة واثقة ثم أخرج كفه من جيبه لتظهر لمعة خاتمه الحاد في ضوء الشمس وقبل أن يستوعب شوقي أي شيء باغته بلكمة قاتلة بخاتمه ذو الأسنان الحادة ليقع بكرسيه على الأرض.

أصاب رواد المقهى حالة من الذعر والتوتر لكن ما إن أبصروا هوية ذلك الشخص جلسوا أماكنهم مرة أخرى وكأن شيئًا لم يكن!
أقترب منه ذلك الشخص وجثى على ركبته امامه ثم ألقى نظرة على صدغة الذي أخذ ينزف الدماء وحذره بنبرة أرعبته:

- ده سلام مني يمعلم ورسالة في نفس الوقت .. بكرة زي دلوقتي فلوس المعلم سلطان اللي نصبت عليه فيها تكون عنده وإلا هزورك من تاني!

نهض الشخص من على الأرض وهو يرمق ذلك المذعور المسجى أرضًا ثم ضم طرفي سترته وهو ينبس بنبرة عادية:

- يلا أستعنى على الشقا بالله

ثم تركه ورحل تحت أنظار رواد المقهى المشجعة، جرى ذلك الرجل النحيل نحو معمله وهو يسنده لينهض، دفع "شوقي" يده بحدة وهو يسأله بغل:

- مين الحيوان ده؟ وربي ما سايبه

بلع الرجل ريقه وأجابه بنبرة مهزوزة:

- ق ..قصدك مين دي يمعلم

عقد "شوقي" حاجبيه بغرابة ونطق بذهول:

- تقصد أيه الراجل الجتة ده واحدة؟

فسر له الرجل بمهابة:

- أيوة يمعلم ما دي اللي حذرتك منها دي اللي مبترحمش اللي المعلم سلطان وكلها تجيب له حقه

رجع المعلم "شوقي" خطوة للخلف بإضطراب وبلع ريقه وهو يشير نحوها يسأل بعينيه ليومئ الرجل برأسه مؤكدًا:

- أيوة يمعلم دي .. غزالة الجن.

____________________________


وقت العصر حيث أشعة الشمس الدافئة التي تُفترش على أثاث المنزل فتعطي شعورًا بالدفء والأمان، وحدها تلك البقعة المضيئة على سجاد المنزل مع قدح من الشاي المخلوط بالنعناع تنقلك إلى عالم آخر من السعادة. في المطبخ مدت "رنيم" يدها تلتقط الطبق ومن ثَم أتجهت به نحو الطاولة لتضعه عليه وحينها سمعت قرعًا على الباب فهتفت بسعادة تخبر "آمنة" التي خرجت من المطبخ لتوها:

- بابا جه يا ماما 

كانت تلك السعادة حقيقية، فبالنسبة لها والدها يعني لها العالم، كان لها أبًا وصديقًا ف "رنيم" فتاة خجولة إنطوائية لا تمتلك أي أصدقاء، منذ تخرجها من الجامعة وهي تتخذ من جدارن بيتها الأربعة ملاذًا لها بعيدًا عن الناس وضجيجهم.

- حمد لله على السلامة يا أحلى بابا

قالتها "رنيم" وهي تعانقه ليمسد على رأسها بحنان هاتفًا:

- الله يسلمك يا حبيبة بابا 

- حمد لله على السلامة يا نادر

قالتها زوجته ليبتسم محييًا إياها، ألتقطت منه "رنيم" تلك الأكياس البلاستيكية لتأخذها نحو المطبخ بينما أخذت "آمنة" تتطلع خلفه ليخبرها "نادر":

- مجاش معايا قالي هيتأخر في شغله ومنستنهوش على الغدا

تنهدت "آمنة" بقلة حيلة وبقلق نطقت:

- أنا مش عارفة ماله بقاله فترة تاعب نفسه في الشغل ومش بيريح أبدًا

أتخذ "نادر" مجلسه على طاولة الطعام وهو يرد على زوجته قائلًا:

- سيبيه يا آمنة خلاص مبقاش العيل الصغير اللي كنتي بتعمليله كل حاجة بقى راجل كبير ومسؤول عن نفسه

شرعت في صب الطعام في الأطباق وهي تهمس برجاء:

- ربنا يصلح حاله يارب.

____________________________


أمسك بمنشفته الخاصة به وأخذ يمسد بها على وجهه يجففه لكنه توقف فجأة عند باب غرفته الموارب عندما سمع صوت بكاءها المكتوم، أقترب منه ودلف لداخل الغرفة ليراها على جلستها المعتادة ممسكة بتلك الصورة المؤطرة تمسد عليها بأصابعها وتذرف الدموع فوقها بصمت وحسرة. 

أقترب منها ثم وضع كفه على كتفها لتجفل مزيلة دموعها بسرعة وقبل أن تتفوه بكلمة همس لها بحنو:

- مش كفاية بقى قسية على نفسك يا آمنة 

عاودت النظر للصورة مرة أخرى ونبست بنبرة مبحوحة من البكاء:

- مش قادرة أصدق لحد دلوقتي أنها راحت .. إني خلاص مش هشوفها تاني .. قلبي واجعني أوي يا نادر قلبي محروق عليها

رفع "نادر" عينيه الكسيرتين محاولًا إستمداد القوة وكبح تلك الدموع الخائنة ونطق بثبات مزيف:

- نحمد الله على كل حال .. ده قدرنا يا آمنة ولازم نرضي بيه!.


وفي تلك الأثناء في الصالة بالخارج جلست "رنيم" أرضًا تفتح ذراعيها لتستقبل تلك الهرة التي تجري نحوها وهي تضحك لتضمها وهي تلعب معاها بمرح، فتلك هي صديقتها الثانية بعد والدها، "سكر" أطلقت عليها ذلك الأسم لأنها نامت في برطمان السكر في أول ليلة لها في هذا المنزل.

ظلت تضحك وتمرح معاها، وفي أثناء ذلك لمحت من جعلها تتسمر بمكانها، وزاد من دقات قلبها وجعل تلك الحبات اللامعة من العرق تنبت على جبينها، نهضت سريعًا وأختبئت خلف الستائر وهي تراقبه من خلفها، أنه هو من شغل عقلها وسرق قلبها منذ أول نظرة وقعت عيناها فيها عليه، جارهم الذي أنتقل حديثًا للبناية المقابلة لهم منذ شهرين، أعتادت فيهم أن تراه من النافذة كل يوم في نفس الميعاد وهي تسقي أزهارها. ومع أنها تعلم أنه لا يهتم بها بل لم تلتفت نظره ولو بالخطأ لكن مازال قلبها متعلقًا به على أمل حدوث معجزة في يوم ما! .. ولكن هل ستحدث؟.
		       
×
جاري التحقق من حالة حسابك...

لوحة أرباحك

أهلاً بك في برنامج شركاء الأرباح. يتم احتساب أرباحك بناءً على زيارات رواياتك المقبولة.

الزيارات المحتسبة 0
الأرباح المقدرة $0.00

تم الإرسال بنجاح!

"تم استلام طلبكم الخاص بالانضمام لبرنامج الأرباح بنجاح. الطلب الآن قيد المراجعة"

قيد المراجعة حالياٌ

"طلب الانضمام لبرنامج الأرباح قيد المراجعة حالياٌ. تستغرق عملية التحقق وتجهيز حسابك فترة تتراوح ما بين 7 إلى 14 يوم عمل"

الشروط غير مكتملة

عذراً، لتحقيق الربح يجب أن تمتلك في حسابك
4 روايات على الأقل.

يجب تسجيل الدخول

"يرجى تسجيل الدخول إلى حسابكم المعتمد للمتابعة وتقديم طلب الانضمام لبرنامج الأرباح"