|هدوء ما قبل العاصفة| سكن إضطراري
|هدوء ما قبل العاصفة|
فتحت فمها بصدمة عندما رأت سيارة الأجرة الذي أوقفها، وقف 《ساهر》 يتحدث مع سائقها، شارحًا له العنوان ثم أتفق على الأجر، أقترب منها ليراها واقفة عاقدة ذارعيها أمامها بضيق، وحاجبيها معقودان بسخط ليبتسم بإنتصار لظنه أنها غاضبة؛ لأنه أزال زينة وجهها عنوةً في فناء المنزل، أخبرها قائلًا:
سكن إضطراري الفصل السادس هدوء ما قبل العاصفة! وقف أمام باب الشقة يخطو بملل ذهابًا وإيابًا، حتى صارت الأرضية تحفظ عدد خطواته عن ظهر قلب، ألقى نظرة على ساعته للمرة الخامسة تقريبًا خلال دقيقة واحدة، ثم تمتم بضيق: - أنا عارف هي الخمس دقايق بتاعة الستات دي عند الرجالة خمس ساعات رفع معصمه ينظر لساعته مرة أخرى قبل أن يرفع صوته مناديًا: - ما تخلصي يا ست البرنسيسة محسساني أن أنجلينا جولي بتجهز .. ده الفرح هيخلص وأنتي لسه مخلصتيش عبرت ثواني قليلة ومازال السكون يكسو المكان فتغمغم بضيق وقرر أن يسبقها لأسفل ليوقف سيارة أجرة، أمتد كفه يفتح الباب لكنه أنتبه لصوت باب غرفتها الذي فُتح، إستدار من جديد يوبخها: - ايه سنتين عشان تجهزي؟ في البداية صُدم من مظهرها، كانت ترتدي فستانًا من الشيفون واسع الأكمام أسود اللون، يضيق قليلًا من عند الخصر وينسدل بإتساع حتى يعانق الأرض، بينما أرتدت حجابًا أبيضًا جعل وجهها منيرًا برقة غير طبيعية، وقد ساهمت لمسة مساحيق التجميل الخفيفة في إبراز تلك الرقة لتصبح لوحة فنية فاتنة تخطف الأنظار بالرغم من بساطتها الشديدة. وقف 《ساهر》 مبهورًا بطلتها، يطفو بريق الإعجاب على حدقتيه بينما ترتسم بسمة ساحرة على ثغره، على الرغم من أن 《نور》 لم تكن بالفتاة صارخة الجمال، وإنما فتاة تحمل ملامحًا عادية كمعظم الفتيات، إلا أنها بطلتها إستطاعت أسر نظراته نحوها بدون تزحزح، نطق 《ساهر》 بعدم وعى، وكأن قلبه كان هو المتحدث حينها: - الأسود يليق بكِ فعلًا - نعم .. بتقول حاجة؟ قالتها 《نور》 بنبرة خجلة، فنظراته أصابتها بالتوتر والخجل، لم تختبر ذلك الشعور الذي يدغدغ قلبها بلطف من قبل، شعرت أنها تود الهرب والإختباء من نظراته، سمعته يحمحم متداركًا نفسه وهو يقول بجدية: - أنتي هتنزلي كدة؟ أختفت بسمتها تدريجيًا عندما ألتمست تغيير نبرته لترفع حاجبيها وتعود لها روح 《الجاموسة السعرانة》 وتهتف في عبوس: - ومالي كدة إن شاء الله شايفني نازلة بالبيجامة الكاستور! - لا بس شكلك حلو وأنا مينفعنيش الكلام ده! قالها بإندفاع غير واعٍ وبحدة بائنة في عينيه، وهنا تم تفعيل الرادار الأنثوي، تقوس جانب فمها بإبتسامة ماكرة وسألت: - ودي بقى مجاملة .. ولا غيرة؟ أبتلع 《ساهر》 ريقه بتوتر ثم أخذ يضحك ليشوش على تعبيراته الواضحة ثم نبس: - أغير؟ وعليكي أنتي؟ يا بت ده أنتي شبه لؤي صاحبي ده أنا بفرق بينكوا بالشنب بتاعه وجدها تضحك بسعادة وهي تسحب حقيبها مستعدةً للمغادرة، رفع حاجبه بدهشة فقد توقع منها هجوم ضاري ثلاثي الأبعاد فتسأل في حيرة: - أنتي فرحانة عشان أنتي شبه لؤي؟ - لا عشان أعترفت إني معنديش شنب قالتها ببرود أستفزه ثم تركته وفتحت الباب لتغادر، بينما وقف هو ينظر في أثرها ببلاهة محدثًا نفسه: - دي مجنونة ولا ايه؟ .. أكيد مجنونة واضح أوي يعني ثم ما لبث أن هرول خلفها وهو يغلق الباب مناديًا بضيق: - أستني يا بت أنتي أمسحي الزفت اللي في وشك ده .. والله ما سايبك!. ¤¤¤¤¤¤¤¤¤¤¤¤¤¤¤¤¤¤¤¤¤¤¤¤¤¤¤¤ فتحت فمها بصدمة عندما رأت سيارة الأجرة الذي أوقفها، وقف 《ساهر》 يتحدث مع سائقها، شارحًا له العنوان ثم أتفق على الأجر، أقترب منها ليراها واقفة عاقدة ذارعيها أمامها بضيق، وحاجبيها معقودان بسخط ليبتسم بإنتصار لظنه أنها غاضبة؛ لأنه أزال زينة وجهها عنوةً في فناء المنزل، أخبرها قائلًا: - يلا أركبي - أركب أيه؟ بقى أنا نور الشربيني عايز تركبني الخردة دي؟ ملقتش تاكسي أعفن من ده توقفه قالتها بإستنكار وهي تطالع السيارة القديمة بإستهجان، لينقل بصره بينهما ثم يرفع حاجبه بتعجب متسائلًا: - مالها مهي عربية هتوصلنا وخلاص ولا عايزاني أأجرلك موكب يا برنسيسة؟ - والله يعني أنت مش شايف .. ده أنا لو ركبت السقف هيبقا في مناخيري ده إذا عرفت أدخل فيها أصلًا زفر 《ساهر》 بهدوء وعقد ذارعيه أمام صدره ثم أبتسم بسماجه مخاطبًا إياها بنبرة باردة ساخرة: - أوه حقيقي أنا آسف .. ممكن ترني على الهليكوبتر بتاعتك تيجي تاخدنا يا ست الكونتيسة؟ - أنت بتستظرف - بت أنتي أخرسي وأركبي بدل والله أخليكي تاخديها جرى! هتف بحدة طفيفة، زفرت بغضب وقبضت علي طرف فستانها ترفعه بحدة وهي تضرب الأرض بقدميها بتذمر متوجهةً نحو سيارة الأجرة، تبدلت تعبيراتها كليًا للدهشة وتوقف كفها في الهواء عندما وجدت 《ساهر》 يمد كفه يفتح لها باب السيارة بلطف، ظلت تنظر له بشرود ليهمس لها: - ما تركبي ولا هتفضلي فاتحة بوقك زي سيد قشطة؟ رمقته بغضب مرتسم على ملامحها، لكن ما بداخلها كان نقيض ذلك تمامًا، أسرتها حركته العفوية دون إستئذان، فأربكتها بساطتها قبل أن تثير بها الأعجاب، فالأنثى ستظل أنثى، تأسرها التفاصيل الصغيرة، وتُربك الحركات العفوية الصادقة ما بنته من حصون، فلم تجد في نفسها عندما أتخذت مقعدها وتقابلت عيناها بعينيه في المرآة الأمامية، غير رغبة خجولة في الإبتسام، وبريق واضح يلمع بحدقتيها يفضح كل ما تحاول إنكارُه. ¤¤¤¤¤¤¤¤¤¤¤¤¤¤¤¤¤¤¤¤¤¤¤¤¤¤¤¤ مال بجذعه ماددًا يده للسائق بالنقود ثم شكره بإبتسامة بسيطة، أعتدل واقفًا يضبط سترة حُلته السوداء، ثم طالع 《نور》 بنظرة محذرة وأردف: - تدخلي تقعدي مكانك ومتتحركيش ومتتكلميش كتير فاهمة! .. كدة كدة أحنا هنقعد ساعة واحدة بس ونمشي عشان ورايا شغل أومأت له 《نور》 سريعًا بنظرات بريئة مطيعة، وعندما استدار ليهم بدخول القاعة ظهرت تلك البسمة الشريرة الماكرة على وجهها وهمست لنفسها: - طبعًا يا سهورة أنا مش هعمل حاجة خالص .. يدوبك بس هخليك تخسر التحدي وتعرفهم كلهم إني مراتك ما أنا مش هفوت فرصة أنك تنفذ كل أوامري لمدة أسبوع! - ما يلا ولا هنبات هنا قالها من بعيد بصوتٍ عالٍ لتلحق به للداخل سريعًا محاولة أن لا تتعثر بطرف فستانها. ما إن ولج 《ساهر》 للداخل و《نور》 من خلفه حتى قابل 《لؤي》 الواقف مع بعض أصدقائه الآخرين، أشار لهم بإبتسامة ثم دنا منهم ليسلم عليهم، ظهرت ملامح الصدمة على وجه 《لؤي》 عندما أبصر 《نور》 التي تسير بجانبه، فهو يعلم صديقه جيدًا لم يكن ليخاطر بإصطحابها معه إلى هنا، بعد حديث بسيط أجراه 《ساهر》 معهم أشار لـ 《نور》 معرفًا: - نور تبقى بنت خالتي .. معلش هستأذن منكوا بس أقعدها وأجيلكوا نكمل كلامنا أبتعد عن أصدقائه ليلحق به 《لؤي》 ويسحبه من معصمه هاتفًا بتوتر: - ساهر أنت أيه اللي خلاك تجيب نور معاك؟ أستغرب توتره البائن في نبرة صوته فأخبره وهو يكز على أسنانه بضيق: - أعملها أيه دماغها ناشفة وشبطت فيا - شبطت فيك؟ هي بنت أختك تأفف بضيق من إطالة الأمر وأختصر: - أهو اللي حصل بقى يا لؤي .. المهم أنت مالك كدة شكلك مش على بعضك ألتفت حوله وكأنه يبحث عن شيء ما ثم ناظره من جديد نابسًا: - تعالى بس قعد نور بعيد عن هنا وهقولك زادت حيرته لكنه أتجه برفقتهم حتى أجلس 《نور》 على طاولة منزوية بعض الشيء ووقف مقابل 《لؤي》 مبتعدًا قليلًا عنها ثم سأل بقلق: - في أيه بقى ممكن تفهمني؟ أخذ نفسًا عميقًا ثم أخبره بضيق: - سيف هنا شوفته دخل الفرح قبليك لم يندهش 《ساهر》 كثيرًا فهو يعلم أنه هو من أرسله، عدوده اللدود، قبض كفه بغيظ ثم كز على أسنانه بغضب مغمغمًا: - أكيد هو اللي باعته عشان يضايقني بعد محضر عدم التعرض اللي عملته فيه .. خلاص مبقاش عارف يأذيني عشان الشرطة فقرر يضايقني هنا تحدث 《لؤي》 سريعًا: - أنا قولت أعرفك عشان أنت بتبقى عصبي لما بتشوفه .. عشان كدة أتصدمت لما لاقيت نور معاك بس حمدت ربنا أنك معرفتش حد أنها مراتك .. ساهر أوعوا تعرفوا حد هنا مش ناقصين مشاكل زيادة أنبسط تشنج وجهه ووضع يده على كتفه يربت عليه محاولًا الرجوع لحالته الباردة الغير مبالية من جديد: - متقلقش أنا متفق معاها ومحدش هيعرف - طب أسيبك أنا. أتخذ 《ساهر》 مقعده بجانب 《نور》 التي كانت تشعر أن هناك خطب ما لكنها لم تشغل عقلها بالتفكير، فهي تصب تركيزها الآن في كيفية جعل 《ساهر》 يخسر التحدي، حمحمت لجلب إنتباهه ثم نبست: - بس مقولتليش رأيك في شكلي وفي الفستان يعني .. كل اللي عملته أنك مسحتلي الميك أب اللي تعبت فيه زي الجلنف - جلنف! أنتي بتجيبي ألفاظك دي منين بجد بتبهريني نبس بها بدهشة مغلفة بالضيق ليسمعها تتابع: - خلاص .. أيه رآيك في الفستان يا سهورة؟ جحظت عيناه بصدمة وطالعها وهو يردف سريعًا: - نعم يختي! مين ده اللي سهورة! ده البغل المدلل أرحم .. قال سهورة قال ما تحترمي نفسك بدل ما أقوم أطبقلك وشك قدام الناس! هي التي أرادت أن تجعله يعترف أمامهم جميعًا في مشهد رومانسي درامي سخيف أنها زوجته، لكن مع من؟ مع هذا 《البغل المدلل》! تراجعت في كرسيها وعقدت ذراعيها بضيق ولم تعقب على حديثه فشعر بالذنب لإحراجها، حمحم بنظرات مترددة مشاكسة ثم هتف بنبرة حنونة صادقة يزينها إبتسامة خجولة: - الفستان زي القمر .. زي ما يكون الأسود أتعمل عشان يليق عليكي أنتي وبس إضطربت فجأة، إرتجفت يدها وشعرت بذلك الشعور الجميل يعصف بقلبها من جديد، مهلًا! أتلك دقات قلبها التي تسمعها؟ يا الله ما الذي تشعر به الآن، تشعر بالتخبط لدرجة أنه ردت سريعًا من خجلها: - الله يكرم أصلك والله رفع حاجبه بتعجب من ردها ليكتم ضحته ويتابع: - الله يعزك ياسطى جعفر أخفضت رأسها بخجل، لم تختبر تلك المواقف من قبل، لا تعرف سوى الإندفاع والهجوم، إن حادثها أحدٌ بلطف ستراها تغرق في توترها أو ترد عليه بردود عبثية هلامية غريبة، لكن جرب أن تفتعل مشكلة معاها؟ أو تنطق بما يُسيء إليها فستجد السباب التلقائي يندفع منها وبكل اللغات!. ¤¤¤¤¤¤¤¤¤¤¤¤¤¤¤¤¤¤¤¤¤¤¤¤¤¤ تقابلت أعين 《لؤي》 بأحد معارفه فأشار له من بعيد ثم سار يقترب منه لكنه إصطدم بأحد ما، كانت الصدمة وكأنها مُتعمدة فطالعه 《لؤي》 بغضب والذي ما لبث أن تحول لحنق عارم عندما أبصر هويته، أنه البغيض 《سيف》 والذي نطق بإستهزاء: - آسف أصلي مخدتش بالي - أبقى أكشف نظر يا خفيف قالها 《لؤي》 بحدة ليراها يقهقه بسخافة متابعًا: -ما يقع إلا الشاطر يا لؤي وأنت عارف أنا مش مركز غير مع شاطر واحد وعايز أوقعه راقب تعابير وجهه التي أنتقلت بخبث نحو 《ساهر》 الجالس برفقة 《نور》 يتحدثون ويمزحون فأنقبض قلبه وخصوصًا بعدما سمعه يتابع بنبرته الكريهة: - بس قصة بنت خالته دي مدخلتش عليا .. أصل النظرات دي تقول أنها حد مهم .. ومهم أوي كمان ثم أقترب من أذنه يهمس له بخبث وإنتصار: - مراته مثلًا! تحفز 《لؤي》 في وقفته وأشهر سبابته في وجهه عندما فهم ما ينوي ليغمغم بغضب: -أبعد عن ساهر وأي حاجة تخصه يا سيف .. أنا عارف أنه حارقك عشان طول عمره أحسن منك .. غل في نفسك وأعمل اللي تعمله عمرك ما هتوصله قالها وأنصرف، تصاعدت براكين الحقد والغل بداخله، وكأن حديث 《لؤي》 كان كالوقود الذي سُكب على النار فأستعر لهيبها، همس بتوعد: - أنا هوريه!. ¤¤¤¤¤¤¤¤¤¤¤¤¤¤¤¤¤¤¤¤¤¤¤¤¤¤¤ - ياربي الفستان! قالتها 《نور》 بصدمة عندما أصطدمت يدها بكوب العصير فأنسكب بعضًا منه على فستانها، أعطاها 《ساهر》 منديله القماشي ثم نبس: - مش مشكلة روحي الحمام نضفيه بالماية الحمام هتلاقيه في ساحة القاعة من برا .. روحي لحد ما أروح أسلم على جماعة صحابي - ماشي نطقت بها وهي ملتهيةً مع فستانها تمسح البقعة بالمنديل ثم توجهت للخارج، بينما ذهب 《ساهر》 ليجلس مع أصداقائه، غافلين عن تلك الأعين المتربصة بهم كالصقر والتي ظهر عليها بريق الإنتصار، وتوجه مباشرةً خلف 《نور》!. أخذ 《لؤي》 يبحث عن 《ساهر》 بأعين مضطربة، فحديث 《سيف》 له منذ قليل لم يبشر بالخير، كما أنه قد رآه يخرج خلفها منذ قليل فهلع قلبه وهرع يبحث عنه ليخبره أن يأخذ 《نور》 ويغادروا بأسرع ما يمكن حتى لا يحدث مشكلة. أخيرًا رمقه من بعيد يتجه لخارج القاعة، يبدو أنه خرج ليتفقد 《نور》 حتى لا تقوم بمصيبة وتفضح أمرهم، حاول الوصول إليه وهو يناديه: - ساهر .. ساهر إستنى لم يلحقه، لكنه شعر بالإطمئان لذهابه لها. على الناحية الأخرى وقفت 《نور》 بداخل المرحاض وهي تنظف الفستان بالماء، أتسعت إبتسامتها بعد أن أغلقت الصنبور وهتفت في سعادة: - الحمد لله أن الفستان أسود ومش باين فيه حاجة أوي خرجت من المرحاض وقد ألتقطت بعض المناديل الورقية وأخذت تجففه، لكنها توقفت بصدمة عندما رمقت ذاك الذي يقف أمامها يسد عليها الطريق، نطقت بإحترام: - حمام الرجالة الناحية التانية يا حضرة وسع من فضلك لم يتحرك 《سيف》 من أمامها بل وقف يتفحصها من أعلى لأسفل بنظرة وقحة وأجاب بنبرة أوقح: -ما أنا عارف أنا جاي مخصوص عشانك .. عشان لو محتاجة مساعدة يا قمر أساعدك أصلي بحب الخير أوي أختتم جملته وهو يغمز لها لتتسع عيناها صدمةً من وقاحته وجرأته في الحديث معها، بل ويقترب منها أكثر! رجعت خطوة للخلف وهدرت فيه بشراسة: - أنت بني أدم وقح ومترتبش غور من قدامي بدل أقسم بالله هضربك وأمسح بكرامتك الأرض تقدم خطوة أخرى للأمام لترتد خطوات للخلف بذعر، برغم صلابتها التي تظهرها لكنها الآن تشعر بالرعب والذعر حقًا، سمعته يتمادى في حديثه بتبجح وإنفلات: - مش مشكلة لو ضربتيني المهم إن إيدك الحلوة هتلمسني ومد يده في حركة مباغتة ليمسك كف يدها ويجذبها منها لكنها أسرعت تصفعه بيدها الحرة وهي تصرخ بذعر: - ساهر!!!! كان 《ساهر》 حينها على وشك الإقتراب من ممر المرحاض، عندما سمع صراخها أنقبض قلبه وركض مهرولًا ليرى ذلك الحقير يمسك بيدها وهي تدفعه بصراخ، أظلمت عيناه وأحتدت نظراته بغضب جامح، أشتعل صدره بنار لو خرجت لأحرقت ذلك الوغد حيًا، حينها لم يشعر بنفسه إلا وهو يمسكه من تلابيبه ويكيل له اللكمات المتتالية وكأنه كالوحش الذي تحرر من قيده، أحتمت 《نور》 خلفه بخوف وهي تصرخ ببكاء: - ساهر سيبه بالله عليك هيموت في ايديك ده كلب ميستاهلش تضيع نفسك عشانه أجتمع الناس حول صوت الصراخ بخوف حتي العريس والعروس، ومن ضمنهم 《لؤي》 الذي كانت ترتسم الصدمة على ملامحه، بينما خرجت الكلمات مشتعلة من 《ساهر》 بلا وعي، وكأن الغضب هو من يقود فمه ودمدم وهو يلكمه: - هقتلك يا كلب! .. هقتلك قبل ما تفكر تلمح مراتي بس مش تلمسها بإيديك القذرة يا قذر! تفاجأ جميع الحضور، وقبل أن يتفاقم الأمر تدخل 《لؤي》 سريعًا ليفصل بينهما قبل أن يحوله 《ساهر》 لجثة هامدة، ففرق البنية بينهما واضح حيث كان 《ساهر》 يفوقه بكثير، قيده جيدًا ثم هتف بسخط وهو ينظر نحو 《سيف》: - أطلع برا! .. غور من هنا هرول 《سيف》 سريعًا من أمامه بأنفاس لاهثة وهو يسعل بشدة، بينما نفض 《ساهر》 يد 《لؤي》 وأنطلق نحو 《نور》 المنكمشة على نفسها ترتجف خوفًا، لتجده يمد كفه ليقبض على كفها بإمتلاك غاضب وينظر لعينيها بقوة وثبات وهو يعترف أمام الجميع: - نور تبقى مراتي وأحرق أي حد يفكر يبصلها بس! نظرت له بأعين لامعة بالدموع، تبدلت دموع خوفها بآخرى مطمئنة، محبة، وفخورة، سحبها خلفه وغادر بها المكان بأكمله. وقف بجانبها على قارعة الطريق بصمت مميت، نظراته المحتدة الغاضبة كانت تشرح بصمت ما يجول بداخله، بينما مازالت تلك البسمة المشحونة بالحب والطمأنية ترتسم على ثغر 《نور》، تشعر بفخر لا مثيل له، لكن تأتي الرياح بما لا تشتهي السفن، تبخرت بسمتها الدافئة وتبعثرت أحلامها الوردية المطمئنة عندما هدر بها 《ساهر》 بغضب جامح: - مبسوطة كدة دلوقتي! .. أوعي تفتكري إني مكنتش فاهم نظراتك وإبتسماتك الخبيثة واللي كنتي بتفكري فيه من ساعة ما نزلنا! .. معقولة عشان تخليني أخسر حتة تحدي تافه تنحدري للمستوى القذر ده! .. تخلي كلب زي ده يتجرأ ويمسكك من إيدك عشان بس تخليني أغير وتكسبي التحدي! .. أديكي كسبتي ووصلتي للي عايزاه مبسوطة! وقفت 《نور》 تناظره بنظرات مشدوهة، وكأن الكلمات كانت كنصل حاد إنغرس بقلبها، صمتت لوهلة، ثم ارتجف صدرها برهبة من شدة المفاجأة والابتسامة المطمئنة التي سبق وارتسمت على وجهها ذهبت مع صدى إتهامته الحادة الفجة، لم تستطع تحريك شفتيها ولم يكن بوسعها سوى التحديق فيه بصمت وصدمة صدمة هزت كيانها وجمدت الدماء في عروقها. سكن إضطراري الفصل السادس هدوء ما قبل العاصفة! وقف أمام باب الشقة يخطو بملل ذهابًا وإيابًا، حتى صارت الأرضية تحفظ عدد خطواته عن ظهر قلب، ألقى نظرة على ساعته للمرة الخامسة تقريبًا خلال دقيقة واحدة، ثم تمتم بضيق: - أنا عارف هي الخمس دقايق بتاعة الستات دي عند الرجالة خمس ساعات رفع معصمه ينظر لساعته مرة أخرى قبل أن يرفع صوته مناديًا: - ما تخلصي يا ست البرنسيسة محسساني أن أنجلينا جولي بتجهز .. ده الفرح هيخلص وأنتي لسه مخلصتيش عبرت ثواني قليلة ومازال السكون يكسو المكان فتغمغم بضيق وقرر أن يسبقها لأسفل ليوقف سيارة أجرة، أمتد كفه يفتح الباب لكنه أنتبه لصوت باب غرفتها الذي فُتح، إستدار من جديد يوبخها: - ايه سنتين عشان تجهزي؟ في البداية صُدم من مظهرها، كانت ترتدي فستانًا من الشيفون واسع الأكمام أسود اللون، يضيق قليلًا من عند الخصر وينسدل بإتساع حتى يعانق الأرض، بينما أرتدت حجابًا أبيضًا جعل وجهها منيرًا برقة غير طبيعية، وقد ساهمت لمسة مساحيق التجميل الخفيفة في إبراز تلك الرقة لتصبح لوحة فنية فاتنة تخطف الأنظار بالرغم من بساطتها الشديدة. وقف 《ساهر》 مبهورًا بطلتها، يطفو بريق الإعجاب على حدقتيه بينما ترتسم بسمة ساحرة على ثغره، على الرغم من أن 《نور》 لم تكن بالفتاة صارخة الجمال، وإنما فتاة تحمل ملامحًا عادية كمعظم الفتيات، إلا أنها بطلتها إستطاعت أسر نظراته نحوها بدون تزحزح، نطق 《ساهر》 بعدم وعى، وكأن قلبه كان هو المتحدث حينها: - الأسود يليق بكِ فعلًا - نعم .. بتقول حاجة؟ قالتها 《نور》 بنبرة خجلة، فنظراته أصابتها بالتوتر والخجل، لم تختبر ذلك الشعور الذي يدغدغ قلبها بلطف من قبل، شعرت أنها تود الهرب والإختباء من نظراته، سمعته يحمحم متداركًا نفسه وهو يقول بجدية: - أنتي هتنزلي كدة؟ أختفت بسمتها تدريجيًا عندما ألتمست تغيير نبرته لترفع حاجبيها وتعود لها روح 《الجاموسة السعرانة》 وتهتف في عبوس: - ومالي كدة إن شاء الله شايفني نازلة بالبيجامة الكاستور! - لا بس شكلك حلو وأنا مينفعنيش الكلام ده! قالها بإندفاع غير واعٍ وبحدة بائنة في عينيه، وهنا تم تفعيل الرادار الأنثوي، تقوس جانب فمها بإبتسامة ماكرة وسألت: - ودي بقى مجاملة .. ولا غيرة؟ أبتلع 《ساهر》 ريقه بتوتر ثم أخذ يضحك ليشوش على تعبيراته الواضحة ثم نبس: - أغير؟ وعليكي أنتي؟ يا بت ده أنتي شبه لؤي صاحبي ده أنا بفرق بينكوا بالشنب بتاعه وجدها تضحك بسعادة وهي تسحب حقيبها مستعدةً للمغادرة، رفع حاجبه بدهشة فقد توقع منها هجوم ضاري ثلاثي الأبعاد فتسأل في حيرة: - أنتي فرحانة عشان أنتي شبه لؤي؟ - لا عشان أعترفت إني معنديش شنب قالتها ببرود أستفزه ثم تركته وفتحت الباب لتغادر، بينما وقف هو ينظر في أثرها ببلاهة محدثًا نفسه: - دي مجنونة ولا ايه؟ .. أكيد مجنونة واضح أوي يعني ثم ما لبث أن هرول خلفها وهو يغلق الباب مناديًا بضيق: - أستني يا بت أنتي أمسحي الزفت اللي في وشك ده .. والله ما سايبك!. ¤¤¤¤¤¤¤¤¤¤¤¤¤¤¤¤¤¤¤¤¤¤¤¤¤¤¤¤ فتحت فمها بصدمة عندما رأت سيارة الأجرة الذي أوقفها، وقف 《ساهر》 يتحدث مع سائقها، شارحًا له العنوان ثم أتفق على الأجر، أقترب منها ليراها واقفة عاقدة ذارعيها أمامها بضيق، وحاجبيها معقودان بسخط ليبتسم بإنتصار لظنه أنها غاضبة؛ لأنه أزال زينة وجهها عنوةً في فناء المنزل، أخبرها قائلًا: - يلا أركبي - أركب أيه؟ بقى أنا نور الشربيني عايز تركبني الخردة دي؟ ملقتش تاكسي أعفن من ده توقفه قالتها بإستنكار وهي تطالع السيارة القديمة بإستهجان، لينقل بصره بينهما ثم يرفع حاجبه بتعجب متسائلًا: - مالها مهي عربية هتوصلنا وخلاص ولا عايزاني أأجرلك موكب يا برنسيسة؟ - والله يعني أنت مش شايف .. ده أنا لو ركبت السقف هيبقا في مناخيري ده إذا عرفت أدخل فيها أصلًا زفر 《ساهر》 بهدوء وعقد ذارعيه أمام صدره ثم أبتسم بسماجه مخاطبًا إياها بنبرة باردة ساخرة: - أوه حقيقي أنا آسف .. ممكن ترني على الهليكوبتر بتاعتك تيجي تاخدنا يا ست الكونتيسة؟ - أنت بتستظرف - بت أنتي أخرسي وأركبي بدل والله أخليكي تاخديها جرى! هتف بحدة طفيفة، زفرت بغضب وقبضت علي طرف فستانها ترفعه بحدة وهي تضرب الأرض بقدميها بتذمر متوجهةً نحو سيارة الأجرة، تبدلت تعبيراتها كليًا للدهشة وتوقف كفها في الهواء عندما وجدت 《ساهر》 يمد كفه يفتح لها باب السيارة بلطف، ظلت تنظر له بشرود ليهمس لها: - ما تركبي ولا هتفضلي فاتحة بوقك زي سيد قشطة؟ رمقته بغضب مرتسم على ملامحها، لكن ما بداخلها كان نقيض ذلك تمامًا، أسرتها حركته العفوية دون إستئذان، فأربكتها بساطتها قبل أن تثير بها الأعجاب، فالأنثى ستظل أنثى، تأسرها التفاصيل الصغيرة، وتُربك الحركات العفوية الصادقة ما بنته من حصون، فلم تجد في نفسها عندما أتخذت مقعدها وتقابلت عيناها بعينيه في المرآة الأمامية، غير رغبة خجولة في الإبتسام، وبريق واضح يلمع بحدقتيها يفضح كل ما تحاول إنكارُه. ¤¤¤¤¤¤¤¤¤¤¤¤¤¤¤¤¤¤¤¤¤¤¤¤¤¤¤¤ مال بجذعه ماددًا يده للسائق بالنقود ثم شكره بإبتسامة بسيطة، أعتدل واقفًا يضبط سترة حُلته السوداء، ثم طالع 《نور》 بنظرة محذرة وأردف: - تدخلي تقعدي مكانك ومتتحركيش ومتتكلميش كتير فاهمة! .. كدة كدة أحنا هنقعد ساعة واحدة بس ونمشي عشان ورايا شغل أومأت له 《نور》 سريعًا بنظرات بريئة مطيعة، وعندما استدار ليهم بدخول القاعة ظهرت تلك البسمة الشريرة الماكرة على وجهها وهمست لنفسها: - طبعًا يا سهورة أنا مش هعمل حاجة خالص .. يدوبك بس هخليك تخسر التحدي وتعرفهم كلهم إني مراتك ما أنا مش هفوت فرصة أنك تنفذ كل أوامري لمدة أسبوع! - ما يلا ولا هنبات هنا قالها من بعيد بصوتٍ عالٍ لتلحق به للداخل سريعًا محاولة أن لا تتعثر بطرف فستانها. ما إن ولج 《ساهر》 للداخل و《نور》 من خلفه حتى قابل 《لؤي》 الواقف مع بعض أصدقائه الآخرين، أشار لهم بإبتسامة ثم دنا منهم ليسلم عليهم، ظهرت ملامح الصدمة على وجه 《لؤي》 عندما أبصر 《نور》 التي تسير بجانبه، فهو يعلم صديقه جيدًا لم يكن ليخاطر بإصطحابها معه إلى هنا، بعد حديث بسيط أجراه 《ساهر》 معهم أشار لـ 《نور》 معرفًا: - نور تبقى بنت خالتي .. معلش هستأذن منكوا بس أقعدها وأجيلكوا نكمل كلامنا أبتعد عن أصدقائه ليلحق به 《لؤي》 ويسحبه من معصمه هاتفًا بتوتر: - ساهر أنت أيه اللي خلاك تجيب نور معاك؟ أستغرب توتره البائن في نبرة صوته فأخبره وهو يكز على أسنانه بضيق: - أعملها أيه دماغها ناشفة وشبطت فيا - شبطت فيك؟ هي بنت أختك تأفف بضيق من إطالة الأمر وأختصر: - أهو اللي حصل بقى يا لؤي .. المهم أنت مالك كدة شكلك مش على بعضك ألتفت حوله وكأنه يبحث عن شيء ما ثم ناظره من جديد نابسًا: - تعالى بس قعد نور بعيد عن هنا وهقولك زادت حيرته لكنه أتجه برفقتهم حتى أجلس 《نور》 على طاولة منزوية بعض الشيء ووقف مقابل 《لؤي》 مبتعدًا قليلًا عنها ثم سأل بقلق: - في أيه بقى ممكن تفهمني؟ أخذ نفسًا عميقًا ثم أخبره بضيق: - سيف هنا شوفته دخل الفرح قبليك لم يندهش 《ساهر》 كثيرًا فهو يعلم أنه هو من أرسله، عدوده اللدود، قبض كفه بغيظ ثم كز على أسنانه بغضب مغمغمًا: - أكيد هو اللي باعته عشان يضايقني بعد محضر عدم التعرض اللي عملته فيه .. خلاص مبقاش عارف يأذيني عشان الشرطة فقرر يضايقني هنا تحدث 《لؤي》 سريعًا: - أنا قولت أعرفك عشان أنت بتبقى عصبي لما بتشوفه .. عشان كدة أتصدمت لما لاقيت نور معاك بس حمدت ربنا أنك معرفتش حد أنها مراتك .. ساهر أوعوا تعرفوا حد هنا مش ناقصين مشاكل زيادة أنبسط تشنج وجهه ووضع يده على كتفه يربت عليه محاولًا الرجوع لحالته الباردة الغير مبالية من جديد: - متقلقش أنا متفق معاها ومحدش هيعرف - طب أسيبك أنا. أتخذ 《ساهر》 مقعده بجانب 《نور》 التي كانت تشعر أن هناك خطب ما لكنها لم تشغل عقلها بالتفكير، فهي تصب تركيزها الآن في كيفية جعل 《ساهر》 يخسر التحدي، حمحمت لجلب إنتباهه ثم نبست: - بس مقولتليش رأيك في شكلي وفي الفستان يعني .. كل اللي عملته أنك مسحتلي الميك أب اللي تعبت فيه زي الجلنف - جلنف! أنتي بتجيبي ألفاظك دي منين بجد بتبهريني نبس بها بدهشة مغلفة بالضيق ليسمعها تتابع: - خلاص .. أيه رآيك في الفستان يا سهورة؟ جحظت عيناه بصدمة وطالعها وهو يردف سريعًا: - نعم يختي! مين ده اللي سهورة! ده البغل المدلل أرحم .. قال سهورة قال ما تحترمي نفسك بدل ما أقوم أطبقلك وشك قدام الناس! هي التي أرادت أن تجعله يعترف أمامهم جميعًا في مشهد رومانسي درامي سخيف أنها زوجته، لكن مع من؟ مع هذا 《البغل المدلل》! تراجعت في كرسيها وعقدت ذراعيها بضيق ولم تعقب على حديثه فشعر بالذنب لإحراجها، حمحم بنظرات مترددة مشاكسة ثم هتف بنبرة حنونة صادقة يزينها إبتسامة خجولة: - الفستان زي القمر .. زي ما يكون الأسود أتعمل عشان يليق عليكي أنتي وبس إضطربت فجأة، إرتجفت يدها وشعرت بذلك الشعور الجميل يعصف بقلبها من جديد، مهلًا! أتلك دقات قلبها التي تسمعها؟ يا الله ما الذي تشعر به الآن، تشعر بالتخبط لدرجة أنه ردت سريعًا من خجلها: - الله يكرم أصلك والله رفع حاجبه بتعجب من ردها ليكتم ضحته ويتابع: - الله يعزك ياسطى جعفر أخفضت رأسها بخجل، لم تختبر تلك المواقف من قبل، لا تعرف سوى الإندفاع والهجوم، إن حادثها أحدٌ بلطف ستراها تغرق في توترها أو ترد عليه بردود عبثية هلامية غريبة، لكن جرب أن تفتعل مشكلة معاها؟ أو تنطق بما يُسيء إليها فستجد السباب التلقائي يندفع منها وبكل اللغات!. ¤¤¤¤¤¤¤¤¤¤¤¤¤¤¤¤¤¤¤¤¤¤¤¤¤¤ تقابلت أعين 《لؤي》 بأحد معارفه فأشار له من بعيد ثم سار يقترب منه لكنه إصطدم بأحد ما، كانت الصدمة وكأنها مُتعمدة فطالعه 《لؤي》 بغضب والذي ما لبث أن تحول لحنق عارم عندما أبصر هويته، أنه البغيض 《سيف》 والذي نطق بإستهزاء: - آسف أصلي مخدتش بالي - أبقى أكشف نظر يا خفيف قالها 《لؤي》 بحدة ليراها يقهقه بسخافة متابعًا: -ما يقع إلا الشاطر يا لؤي وأنت عارف أنا مش مركز غير مع شاطر واحد وعايز أوقعه راقب تعابير وجهه التي أنتقلت بخبث نحو 《ساهر》 الجالس برفقة 《نور》 يتحدثون ويمزحون فأنقبض قلبه وخصوصًا بعدما سمعه يتابع بنبرته الكريهة: - بس قصة بنت خالته دي مدخلتش عليا .. أصل النظرات دي تقول أنها حد مهم .. ومهم أوي كمان ثم أقترب من أذنه يهمس له بخبث وإنتصار: - مراته مثلًا! تحفز 《لؤي》 في وقفته وأشهر سبابته في وجهه عندما فهم ما ينوي ليغمغم بغضب: -أبعد عن ساهر وأي حاجة تخصه يا سيف .. أنا عارف أنه حارقك عشان طول عمره أحسن منك .. غل في نفسك وأعمل اللي تعمله عمرك ما هتوصله قالها وأنصرف، تصاعدت براكين الحقد والغل بداخله، وكأن حديث 《لؤي》 كان كالوقود الذي سُكب على النار فأستعر لهيبها، همس بتوعد: - أنا هوريه!. ¤¤¤¤¤¤¤¤¤¤¤¤¤¤¤¤¤¤¤¤¤¤¤¤¤¤¤ - ياربي الفستان! قالتها 《نور》 بصدمة عندما أصطدمت يدها بكوب العصير فأنسكب بعضًا منه على فستانها، أعطاها 《ساهر》 منديله القماشي ثم نبس: - مش مشكلة روحي الحمام نضفيه بالماية الحمام هتلاقيه في ساحة القاعة من برا .. روحي لحد ما أروح أسلم على جماعة صحابي - ماشي نطقت بها وهي ملتهيةً مع فستانها تمسح البقعة بالمنديل ثم توجهت للخارج، بينما ذهب 《ساهر》 ليجلس مع أصداقائه، غافلين عن تلك الأعين المتربصة بهم كالصقر والتي ظهر عليها بريق الإنتصار، وتوجه مباشرةً خلف 《نور》!. أخذ 《لؤي》 يبحث عن 《ساهر》 بأعين مضطربة، فحديث 《سيف》 له منذ قليل لم يبشر بالخير، كما أنه قد رآه يخرج خلفها منذ قليل فهلع قلبه وهرع يبحث عنه ليخبره أن يأخذ 《نور》 ويغادروا بأسرع ما يمكن حتى لا يحدث مشكلة. أخيرًا رمقه من بعيد يتجه لخارج القاعة، يبدو أنه خرج ليتفقد 《نور》 حتى لا تقوم بمصيبة وتفضح أمرهم، حاول الوصول إليه وهو يناديه: - ساهر .. ساهر إستنى لم يلحقه، لكنه شعر بالإطمئان لذهابه لها. على الناحية الأخرى وقفت 《نور》 بداخل المرحاض وهي تنظف الفستان بالماء، أتسعت إبتسامتها بعد أن أغلقت الصنبور وهتفت في سعادة: - الحمد لله أن الفستان أسود ومش باين فيه حاجة أوي خرجت من المرحاض وقد ألتقطت بعض المناديل الورقية وأخذت تجففه، لكنها توقفت بصدمة عندما رمقت ذاك الذي يقف أمامها يسد عليها الطريق، نطقت بإحترام: - حمام الرجالة الناحية التانية يا حضرة وسع من فضلك لم يتحرك 《سيف》 من أمامها بل وقف يتفحصها من أعلى لأسفل بنظرة وقحة وأجاب بنبرة أوقح: -ما أنا عارف أنا جاي مخصوص عشانك .. عشان لو محتاجة مساعدة يا قمر أساعدك أصلي بحب الخير أوي أختتم جملته وهو يغمز لها لتتسع عيناها صدمةً من وقاحته وجرأته في الحديث معها، بل ويقترب منها أكثر! رجعت خطوة للخلف وهدرت فيه بشراسة: - أنت بني أدم وقح ومترتبش غور من قدامي بدل أقسم بالله هضربك وأمسح بكرامتك الأرض تقدم خطوة أخرى للأمام لترتد خطوات للخلف بذعر، برغم صلابتها التي تظهرها لكنها الآن تشعر بالرعب والذعر حقًا، سمعته يتمادى في حديثه بتبجح وإنفلات: - مش مشكلة لو ضربتيني المهم إن إيدك الحلوة هتلمسني ومد يده في حركة مباغتة ليمسك كف يدها ويجذبها منها لكنها أسرعت تصفعه بيدها الحرة وهي تصرخ بذعر: - ساهر!!!! كان 《ساهر》 حينها على وشك الإقتراب من ممر المرحاض، عندما سمع صراخها أنقبض قلبه وركض مهرولًا ليرى ذلك الحقير يمسك بيدها وهي تدفعه بصراخ، أظلمت عيناه وأحتدت نظراته بغضب جامح، أشتعل صدره بنار لو خرجت لأحرقت ذلك الوغد حيًا، حينها لم يشعر بنفسه إلا وهو يمسكه من تلابيبه ويكيل له اللكمات المتتالية وكأنه كالوحش الذي تحرر من قيده، أحتمت 《نور》 خلفه بخوف وهي تصرخ ببكاء: - ساهر سيبه بالله عليك هيموت في ايديك ده كلب ميستاهلش تضيع نفسك عشانه أجتمع الناس حول صوت الصراخ بخوف حتي العريس والعروس، ومن ضمنهم 《لؤي》 الذي كانت ترتسم الصدمة على ملامحه، بينما خرجت الكلمات مشتعلة من 《ساهر》 بلا وعي، وكأن الغضب هو من يقود فمه ودمدم وهو يلكمه: - هقتلك يا كلب! .. هقتلك قبل ما تفكر تلمح مراتي بس مش تلمسها بإيديك القذرة يا قذر! تفاجأ جميع الحضور، وقبل أن يتفاقم الأمر تدخل 《لؤي》 سريعًا ليفصل بينهما قبل أن يحوله 《ساهر》 لجثة هامدة، ففرق البنية بينهما واضح حيث كان 《ساهر》 يفوقه بكثير، قيده جيدًا ثم هتف بسخط وهو ينظر نحو 《سيف》: - أطلع برا! .. غور من هنا هرول 《سيف》 سريعًا من أمامه بأنفاس لاهثة وهو يسعل بشدة، بينما نفض 《ساهر》 يد 《لؤي》 وأنطلق نحو 《نور》 المنكمشة على نفسها ترتجف خوفًا، لتجده يمد كفه ليقبض على كفها بإمتلاك غاضب وينظر لعينيها بقوة وثبات وهو يعترف أمام الجميع: - نور تبقى مراتي وأحرق أي حد يفكر يبصلها بس! نظرت له بأعين لامعة بالدموع، تبدلت دموع خوفها بآخرى مطمئنة، محبة، وفخورة، سحبها خلفه وغادر بها المكان بأكمله. وقف بجانبها على قارعة الطريق بصمت مميت، نظراته المحتدة الغاضبة كانت تشرح بصمت ما يجول بداخله، بينما مازالت تلك البسمة المشحونة بالحب والطمأنية ترتسم على ثغر 《نور》، تشعر بفخر لا مثيل له، لكن تأتي الرياح بما لا تشتهي السفن، تبخرت بسمتها الدافئة وتبعثرت أحلامها الوردية المطمئنة عندما هدر بها 《ساهر》 بغضب جامح: - مبسوطة كدة دلوقتي! .. أوعي تفتكري إني مكنتش فاهم نظراتك وإبتسماتك الخبيثة واللي كنتي بتفكري فيه من ساعة ما نزلنا! .. معقولة عشان تخليني أخسر حتة تحدي تافه تنحدري للمستوى القذر ده! .. تخلي كلب زي ده يتجرأ ويمسكك من إيدك عشان بس تخليني أغير وتكسبي التحدي! .. أديكي كسبتي ووصلتي للي عايزاه مبسوطة! وقفت 《نور》 تناظره بنظرات مشدوهة، وكأن الكلمات كانت كنصل حاد إنغرس بقلبها، صمتت لوهلة، ثم ارتجف صدرها برهبة من شدة المفاجأة والابتسامة المطمئنة التي سبق وارتسمت على وجهها ذهبت مع صدى إتهامته الحادة الفجة، لم تستطع تحريك شفتيها ولم يكن بوسعها سوى التحديق فيه بصمت وصدمة صدمة هزت كيانها وجمدت الدماء في عروقها.