مذكرات كائن - مخاضٌ في انفجارٍ
جاري التحميل...
مخاضٌ في انفجارٍ
نهاية الجزء الأول
لنصعد جميعاً فوق ذروة الجبل، وندع ضوضاء قلوبنا تتحرر، حرّروا الصوتَ في الفضاء، ليطير عالياً... عااااالياً، عاااااااااالياً، عااااااااااااااااا... > اتصالٌ غير موفّق - بيتي البيتوتي - 2014 الكهرباء مقطوعةٌ... أسمعكم تقولون متسرعينَ: "وما الجديد؟؟!! بعد كل هذا لا تقنعينا أنّكِ متفاجئةٌ بحدثٍ كهذا يا سيادةَ الكائن؟؟؟" أقول بصبرٍ صبّار مُصبّر: "فلنهدأ فضلاً، دعوني أُكمِل فقط، أُكمِل ما سأنبري أقولهُ الآن..." الكهرباء مقطوعةٌ منذ زمنٍ، لا أراها في المدرسة، ولا أصادفها في البيت... ركّبنا بالطّبع المصادر التقليدية الاحتياطية للكهرباء كالمولّدة وغيرها -بمساعدة خالي، وتحت شلالات جدّتي الفياضة من القلق، وتلكَ الخاصة بأُمّي وخالتي أيضاً- لكنّهم، لسببٍ ما، ما عادوا يعملون، ربّما يزاولونني قاصدين، لكنّني، كالصقر المُنتصب الأشبّ، لا أُزاوَل ولا أُستَفزّ. لذا، بهدوءٍ تكتيكيٍّ عتيد، أخذتُ أخبط قدميَّ على درج عمارتنا وأنا عائدةٌ من المدرسة، ليس غضباً، إنّما أُمرّن قدميّ بالقفز الدرجيّ التبادليّ، (رياضة اخترعتُها حالاً الآن لأنّني لا أغضب.) وأكرمِشُ وجهي بأعتى لوحةٍ من التمازج البينيّ بين ملامحي المتعانقة، (أنا فنانة كما ترونَ، لا أغضب، هذا مُستحيل.) ولأنّني مسترخيةٌ جداً في ذلكَ الوقت، لم أحرّك يديّ حتّى من شدّةِ الاسترخاء والحُلُم، وأخذتُ أطرق الباب ب... إحم، بقدمي، ليس غضباً، إنّما استرخاء، كما تعلمونَ. فتح سليم لي الباب بوجهٍ باهت، وقال ببرود: "مابكِ؟ هل هناكَ إنسانٌ طبيعيّ يدقّ الباب بهذهِ الطريقة؟" فارَ الاسترخاء داخلي وغلى، وأنا أقول ببطء: "فلتحذر الحليم إذا غضب، يا سليم." نظر إليّ نظرة تفيض بالذعر، وارتعد هارباً إلى غرفتهِ. (لمْ يحدث، هو فقط تجاهلني... ماذا؟ هل أسمعكم تقولونَ: توقعنا هذا؟ عيب، عيب عليكم يا قرّائي!!) دخلتُ ببطء وأنزلتُ حقيبتي المدرسية الخفيفة جدّاً، فدوّى صوتُها خارقاً غطاء الصمت في الظلام البرتقاليّ، المُشوّبِ بلونٍ ذهبيّ خفيف يتسلل من الشمس على غيرِ هدىً. كما الظلام -مهما كان كاحلاً وعميقاً- لا يستمرّ طغيانهُ أبداً، حيث تخترقهُ حتماً أنوار دافئةٌ تنتشر رويداً لتصنع حديقةً مِضياءةً غنّاء، الصمتُ أيضاً لا ينفكُّ ينكسر. وهذا ما حدث في هذهِ اللحظة، فالصّمت الذي سادَ عقبَ دخول سليم إلى غرفتهُ، لمْ تذرهُ أُمّي هادئاً كما هو. كنتُ أسمع كلماتٍ خافتةٍ متواردة، بينهما فاصلٌ وجيز لا يُذكر، كانتْ تترددّ بصوت أُمّي القويّ والهادئ. ترددتُ للحظة، ووقفتُ أُرهف السمع وأتتبع مصدر الصوت، ماذا تقول؟ هل تتحدث مع والدي؟ أيعقل أنّهما... يتشاجران؟ شدّني الصوت -وربّما الفضول، أو الشوق حتّى- نحو مصدرهِ في الصالون، خطوتُ نحوهُ مُتهاديةً، وحاولتُ جعل خطواتي مَلحوظةً قدرَ الإمكان حتّى تُدركُ أُمّي قدومي، فلا تغدو رغبتي بملء أذنيَّ من صوتِ أبي تلصصاً. ارتفعَ الصّوتُ، ورغم أنّهُ كان مُلِحّاً جدّاً، إلا أنّهُ كان مُرتاحاً وربّما... مُغبَطاً. أنا أعرف طريقة حديث أُمّي بالضبط كيف تكون وهي غاضبةٌ، وهذهِ ليستِ الحالة هنا. اقتربتُ أكثر، ولاح لي محياها، مع موجاتِ اهتزازٍ طفيفٍ في صوتها وهي تتمتمُ برتابةٍ: (أجل، كانَ صوتها يجمع كلَّ ذلكَ معاً، أُمّي الخارقة): "آااالوو... آااالوو... آالوو... آلو." فجأةً، اتضحتْ لي الصورة كاملة. كانتْ تجلس -بل ترتمي بالأصحّ- على كنبةٍ في طرف الصالون، ظهرها مستندٌ إلى الخلف مُلتصقٌ بمسند الكنبة، ورأسها يميلُ إلى اليمين قليلاً، وعينها اليسرى ترفُّ بلا هوادةٍ، بشكلٍ يثير الرّعب في أعتى القلوب. كانتْ عين أُمّي الحوراء الحادّة تُشعُّ بياضاً تامّاً تحت جفنها الرّاجف، فأخذتُ أدققّ في منظرها وأرتعد، أدققّ وأرتعد، وأدققُّ وأرتعد... حتّى انتبهتْ هي إلى وجهي المُمتقع رُعباً، فأشفقتْ عليَّ ربّما لذا اعتدلتْ وقالتْ بابتسامةٍ: "أهلاً بابنتي، والدكِ على الخطِّ، لكنّ الشبكة تضاهي عفنِ الطعام الفاسد في ثلاجتنا (لقلة الكهرباء) في السّوء، لا أكاد أسمع منهُ كلمتين على بعض." قلتُ مشدوهَةً قليلاً: "أهلاً، أُمّي، أنتِ تبدينَ غريبةً، هل من شيء حدث؟" قالتْ بهدوء وبذاتِ الابتسامة وهي وتغلق الخطَّ في وجهِ أبي المسكين غير الدّاري بشيء: "لا تردّ، عنّكَ ما ردّيتَ، أف." من ثمَّ توجهتْ إليّ وقالتْ: "ألن تبدّلي ملابسكِ؟" -"نعم، بالتأكيد، على الفور." أُمّي غريبةٌ حقاً! لا أدري أهي غاضبة أم سعيدة. الوضع مُرعب، لذا، لأسارع بتنفيذ ما تريد اتّقاءً لأيٍّ كان يدور في رأسها، أو يضحزنها. (مزيج بين الضحك والحزن، كلمةٌ فاخرةٌ من اختراعي الخاص.) هرعتُ وقد عزمتُ أنْ أحاول التّواصل مع كوكب أبي المُنغلق المسكين لاحقاً، أو ربّما كوكبنا، في الحقيقةِ، هو المُنغلق. ****** > مُواجهة الذئاب النهائية - مدرستي منارة العلم - أواخر 2014 مشيتُ مُسرعةً في باحة المدرسة، أُركّز بصري على "الكانتين" (حيث تُباع مُختلف الوجبات الخفيفة والمُضرة جداً، إحم، لكنّني ما زلتُ أشتريها طبعاً، كلُّ شيء إلا أنْ أُفرّط بنظامي الصّحي القاتل. ^^) مررتُ، على ما يبدو، بجانبِ لينا الواقفةِ بظهرها، التفتتْ بسرعةٍ ونادتني، كنتُ قد أخذتُ دوري في طابور المُشترين الطّويل، فأشرتُ لها إشارةً سريعةً لتنتظر. ربّما امتعضتْ لينا من ذلكَ، وربّما خُيّل إليّ الأمر كلهُ. ظفرتُ أخيراً بمرادي، وخرجتُ ببسكويتةٍ صغيرة أُسكتُ بها جوعتي بعد أنْ نسيَتْ أُمّي أنْ تُحضر لي طعاماً، (نعم، كنتُ متّكلةً جدّاً في هذهِ الأمور، أعترف.) وما إنْ رفعتُ رأسي أبحث عن لينا بعد أنْ انقضضتُ أفتح البسكويتة الثمينة، رنّ الجرس مُنذراً بعودٍ سريعٍ غير أحمد للصف، يا لحظي ونحسي! عدتُ إلى الصف وأنا أرمق البسكويتة، فرميتُها في فمي بسرعةٍ حتّى لا أفقد علاقتي المتذبذبة بمعدتي أخيراً، وإذ بلينا تراقبني (أهذا ازدراء على وجهها؟) وهي تقول: "ناديتُكِ، ولمْ تردي عليّ." -"بقب أبخببكِ أبْ تتبببي!" (هذهِ: "لقد أخبرتكِ أنْ تنتظريني!" لكنْ مع فمي المُمتلئ السّعيد.) قالتْ ووجهها يتقلص: "لا بأس، أنهي طعامكِ ولنتحدث." وأنهيتُ طعامي، فجاء الأستاذ، ولمْ نتحدث حقاً. ركبتُ حافلة المدرسة، ولمْ تجلس لينا بجانبي ولمْ تتحدث معي، لذا ظننتُ أنَّ الأمر لا يستحقّ حقاً، لذا لمْ أحاول البحث عنها أو التساؤل عن ماهيّة هذا الحديث. وصلتُ، نزلتُ، مشيتُ الهوينى، حتّى سمعتُ الخطوات خلفي. كما اعدتّم، (كما أظن يعني) كانتْ هذهِ لينا، ترمقني عميقاً، نظراتها تتغلغل في روحي، ولا أستطيع إلا أنْ أنفر. قالتْ بصوتٍ جاف: "أخيراً، لنتحدث يا ميس، يجب أنْ نتحدث." ****** > يوم الشرخ - بيت الجدة - أواخر 2014 لمْ يكن من المعتادِ أنْ تُسمع ضجةٌ صاخبةٌ من بيت جدتي، خصيصاً بعد أنْ كبِر جمع الأحفادِ، (نوعاً ما) إلى جانب عِشق جدتي للهدوء والنّظام، وارتباط الجيران المخيفين بهذا النّوع من الهوس أيضاً. ومع كلّ الأفراح التي مرّتْ والاحتفالات -رغم ما رافقها من صِعابٍ طبعاً- إلا أنَّ هذهِ اللحظات السعيدة مرّتْ هادئةً، بأهازيج صامتةٍ لا تُغنّى ولا تُردد، أهازيج تُحفظ في الأفئدة فقط، بتضامنٍ آسفٍ عميق مع كلِّ ما يدور حولنا. أمّا الشّجارات، المشاكل، والمخاوف والأحزان، فيعصِفونَ بشدّةٍ لا تتوانى، تصاحبهم زحمةٌ من الأصوات الغاضبة، الهادرة، والنادمة أيضاً، ربّما لاحقاً. هذا الصخبُ يتسرّب من الشبابيك، يتناهى إلى مسامع الجيران، وإلى مسامعي أنا الواقفة في الحارة، في طريقي من بيتي غير البعيد إلى بيت جدتي. صادفتُ نور على باب عمارة جدتي الخارجيّ، تُطلُّ بوجهها وتفركُ يديها بتوتر، وعيناها الحادتان تجول في الشارع ذهاباً وإياباً. اقتربتُ منها، ولمستُ كتفها متسائلةً، حيث قلتُ: "نور، ماذا هنالك؟ أسمع أصواتاً عالية من بيت الجدة، تبدو... تبدو جدتي تصرخ، هذا ليس صوت جدتي، صحيح؟" نظرتْ إليَّ، عيناها العسليتان اغرورقتْ بالدموع، لا، كادتْ تغرورق بالدموع، لمْ أتخيل عينيها هكذا قبلاً أبداً. قالتْ بصوتٍ متهدّجٍ مبحوح: "بلى، إنّهُ صوتها، هناك شجار، لمْ أستحمل ذلكَ، أنا... أنا لمْ أرهنَّ هكذا سابقاً." تساءلتُ بسرعة: "من؟ لا، لا تجيبي، تعالي نصعد فقط و..." قاطعتني: "لا، لا أرغب بذلكَ، أنا غادرتُ كي لا أسمع." -"لكنْ، هيا، كي نفهم، تعالي نصعد ونرى." -"أنا فهمتُ يا ميس، ولن أصعد، إذا أردتِ أنتِ، فلتصعدي." تركتها واقفةً تشاهدني وأنا أتسلق السّلم الخارجي بتثاقل، وقلبي النّابض يسحبني ويثبتُ جسدي حتّى لا أتقدم، ومع ذلكَ، أتجاهلهُ وأتجاهل نبضهُ المُجمِّد، وشعور القشعريرة هذا الذي يجتاح جسدي، وأستمر، أستمر بالصعود. كلّما تقدمتُ، كلّما توضّحتْ معالم الكلمات التي تُلقى، بل تُرمى في الأعلى. أسمع صوت خالتي مُدافِعاً بكسورٍ صارخة في جوارحهِ: "أنتِ، أنتِ يا أُمّي من طلبتِ مني البقاء! أنتِ من أصرّ، وأنتِ من جعلتِني هكذا بلا سند، بلا ظهر أتسنّد عليهِ، فصلتِني عن زوجي و..." صرختْ جدتي، وأنا ما زلتُ أتقدم: "أنا أخبرتكِ أنْ تبعثي بمجد، أخوكِ، إلى هلاكهِ؟ أنا أخبرتكِ بأنْ ترافقيهِ إلى السوق الذي لا يشغلكِ غيرهُ؟ أنا أخبرتكِ أنْ تفعلي كلَّ هذا؟" تصاعد صوتُ خالي الهادئ بينما أقترب من الباب وأتلفّتُ حولي: "أُمّي، والدتي، هذا يكفي، هذا يكفي يا أُمّي، أصواتكنَّ تتسرّب إلى الخارج! لمْ يحدث شيءٌ حمداً لله، وأنا من أصرَّ أنْ يُرافقها ليس العكس، أنا من ملَّ وخرج، وأخطأ، أنا..." اعترضتْ خالتي وأنا أهمُّ برفع يدي لأطرق باب البيت: "اخرس يا مجد، اخرس فحسب! أنا من جررتكَ لهذا، هذا صحيح! لكنْ ما يُدريني أنّهم سوف يفتشون ال"ميكرو" الذي نركبهُ؟ ها؟ أنا فقط تعبتُ، تعبتُ وكُسر ظهري من حمل الأغراض، بل كُسر من هذا كلهُ! من خوفي على نفسي، وعلى أولادي، وعليكَ! أنا تعبتُ من عيشي في غيرِ بيتي، من عيشي من غير زوجي، من خوفي على طفلي بأنْ يُخطف ويُباع أعضاءً مُقطّعة في السوق السوداء، وفي العالم الأكثر سواداً والذي لا ترحم أحداً." (شرح مفردات: الميكرو هو حافلة النقل العام الصغيرة) توقفتْ يدي عندما سمعتُ نواحاً شقّ قلبي وكأنهُ شلعهُ، هذا نبيل لا ريب. تجاهل الجميع النواح، وقالتْ جدتي بصوتٍ قاسٍ: "اسمعي، اسمعي أنتِ ولا أريد سماع صوتكِ، أنتِ تعلمين أنَّ قصة خطف ابنكِ كانتْ مغالاة منكِ، لمْ يحدث لهُ شيء، وهو آمن هنا في بيتي، بيت جدتهُ، أمّا أخوكِ، أخوكِ الذي في خطرٍ حقيقيٍّ وأنتِ لا تهتمين، بل قربتِهِ من الخطر أكثر لأجل أنانيتكِ، ولولا ألطاف الله، وأنَّ هناكَ بعض الناس التي هربتْ، والميكرو الذي تحرك، والفوضى التي حدثتْ، كانَ أخوكِ بسببكِ قد..." سكتتْ جدتي فجأة، لا بد أنَّ خالي أسكتها. نقرتُ الباب بخفةٍ متوترةٍ، وفتح لي نبيل، وعيناه الكبيرتان تفيض دموعاً وهو يقول: "ميس، يا ميس، الجميع يتشاجر في الداخل." دخلتُ سريعاً وهو في إثري، أمّا خالي فقد كانَ يربّتُ على ظهر جدتي الجالسة، تضع يدها على رأسها، وجهها السّمح محمّرٌ بشدّةٍ، تهتزّ فتَخفض رأسها تارةً وترفعهُ تارةً، وكأنَّ الهموم أثقلتهُ فلمْ تعد تطيق رفعهُ مستوياً. أمّا خالتي، فكانتْ تقف منتصبةً جامدةً، لا تتحرّك، تحدق في اللاشيء، ونبيل يترددّ بجانبها، يقترب كأنّهُ سيلامسها ثمَّ يبتعد. وقفتُ مشدوهةً، كدتُ أتساءل، وكأنّهُ لدي الحق أنْ أفتح فمي أمام ما يحدث أصلاً، لكنّني أردتُ فقط أنْ أغلق الشرخ الذي أراهُ يتنامى أمامي، لمْ أتحمّل فكرة أنْ أقف مكتوفة اليدين هكذا. ربّما ليس لدي ذلكَ الحق بالفعل، لأنَّ خالتي سبقتني فقالتْ بصوتٍ بارد: "أنا سأغادر هذا المنزل يا أُمّي، وسأعود، سأعود لبيتي المقصوف، وليحدث ما يحدث، وهذا الذي سيحدث بأولادي وبي وبزوجي، هو، هو مسؤوليتكِ." من يدري، أنَّ بيتها المقصوف، كانَ قد قُدّر للسانها أنْ يتنبأ بما سيحلّ بهِ في المستقبل القريب؟ ****** > مُواجهة الذئاب النهائية 2 - حارة الضياع - أواخر 2014 وقفتْ لينا أمامي، كانتْ وقفتها متحديةً نوعاً ما. قلتُ بسرعةٍ: "عن ماذا أردتِ التحدث؟ أُمّي تنتظرني وأخافُ أنْ أتأخّر عليها..." (على فرض أنَّها عادتْ قبلي من عملها في ذاكَ اليوم، أمِلتُ أنْ تساعدني الظروف من الهروب من هذهِ المُواجهة فقط.) اقتربتْ لينا مني وهي تشير إلينا وتقول: "هذا." قلتُ بصدق: "لمْ أفهم." قالتْ لينا بهدوءٍ: "أنتِ... أعني، أنا، بتُّ ألاحظ تجنباً ملحوظاً لي." -"من يتجنبكِ؟" قالتْ بنفاد صبر: "أنتِ، أنتِ يا ميس! تتحدثينَ مع ريم بشكلٍ طبيعيٍّ جداً، وعندما أتفوّه بشيءٍ تعارضينهُ أو لا تردي! هذا ما أعنيهِ، أنتِ تتجنبينني." قلتُ بحيرةٍ: "ماذا؟ متى فعلتُ ذلكَ؟ إذا كنتِ تتحدثين عن حادثةِ الكانتين اليوم ف..." قاطعتني: "لا، لا أتحدث عن ذلكَ، لمْ أذكرها أصلاً، أنا أتحدث بشكلٍ عام." سكتُّ قليلاً أُفكر، ثم قلتُ لها: "حسناً، نعم يا لينا، بالفعل، هذا صحيح! فقد أصبح جِلُّ كلامكِ سخريةً محضةً، لمْ أعد أحتمل هذا، ليستِ الحياة كلها سخريةً كما تعملين." (قولي ذلكَ لنفسكِ يا أيتها الكائن! لمْ تقل لينا ذلكَ، لكنْ كان يجب أنْ تفعل، وإنْ فعلتْ، كنتُ سأتفهمها الآن تماماً.) قالتْ لينا بغضب: "لطالما كنتُ هكذا، بنفس تلكَ السخرية اللاذعة، وكنتِ لا تمانعينَ، أو ربّما تمثلينَ عليَّ أنّكِ لا تفعلينَ." وابتسمتْ بسخريةٍ مائلةً بشفتيها إلى جانبٍ واحدٍ. قلتُ بانفعالٍ: "من قال لكِ أنّني لمْ أكن أمانع، ها يا لينا؟ لذاعة سخريتكِ تطال كل شيء، حتّى أقرب الناس إليكِ! أنا لمْ أعد أحتمل." احمرَّ وجه لينا وهي تقول: "لا، هذهِ طبيعتي وأنتِ تعرفينَ ذلكَ، لكنّكِ منذُ البداية لا تحتمليني، لذا أكاد أتوسّل صداقتكِ، صحيح؟ أنتِ في حياتكِ لمْ تريني كصديقةٍ حقيقيةٍ!" -"هذا ليس صحيحاً، ليس صحيحاً أبداً! لو لمْ أركِ صديقتي لما كنتُ دافعتُ عنكِ كثيراً، ووقفتُ إلى جانبكِ في مواقف شتّى، أمّا أنتِ؟ تسخرينَ مني علناً، وتنأينَ بنفسكِ عندما أحتاجكِ كأنَّ مشاكلي لا تخصّكِ، من ثمَّ ماذا تفعلين؟ تتمنّينَ ألّا أحادث أحداً غيركِ!" -"ها، الآن فعّلتِ وضع المَنّ، أنتِ تمنّينني، أليس كذلكَ؟ إنْ كانتْ لدي بعض الظروف، هذا لا يعني أبداً أنّني كنتُ أطلب مساعدتكِ، وربما أنا أتحدث هكذا، بهذهِ الحرقةٍ، أترجاكِ لتتحدثي معي أكثر، لأنّني أرغب بكِ بجانبي طوال الوقت، ربّما لأنّني أعتبركِ صديقتي بحق! كفّي عن وضع اللّوم كلّهُ على عاتقي وكأنّكِ لا تخطئينَ! وكفّي عن حركتكِ الغبية تلكَ وأنتِ تضربينَ رأسكِ كثيراً عندما تنفعلينَ!" جفلتُ قليلاً ووقفتُ ألتقط أنفاسي بصعوبةٍ، وحملقتُ بوجهها المرتجِّ الذي يخرج أنفاسها ببطء، وهي تلهث وصدرها يعلو ويهبط، وأنا مثلها بالضبط. كنتُ ذاهلةً، من كلامها بالطّبع، لكنَّ كل ما كانَ يملأ عقلي الأحمق وقتها، هو كيف لمْ ألحظ أنّني أقومُ بهذهِ الحركة التي ذكرتها دوريّاً، عندما أنفعل بالذات، دون أنْ أنتبه حتّى؟ قلتُ بعقلٍ شارد مأخوذ: "لينا، فلتطلّقينني حالاً!" (هاهاهاها، ميس ومزاحها الظريف غير المناسب!) عبستْ لينا بشدّةٍ وهمستْ: "تمزحينَ وتسخرينَ في وقتٍ كهذا، ها؟ من يسخر على الفارغ والملآن الآن يا ميس؟" سارعتُ أُمسك ذراعها، وأحاول (مُتأخرةً) أنْ أتداركَ الموقف: "لينا، لحظة! أنا، أنا... كيف تريدنني أنْ أُسلّم لكِ هكذا، أعتبركِ صديقتي المُقرّبة، وأنتِ لا تفتأينَ تتندّرينَ بمشاكلي وأسراري؟ كيف أثقُ بكِ وأنتِ حتّى لا تثقينَ بي فتخبريني أسراركِ ومصاعبكِ؟" أفلتتْ يدها سريعاً، حدجتني بنظرةٍ أخيرةٍ وهي تقول: "أخبريني، ألن تسافري أخيراً؟" طأطأتُ وقلتُ: "بلى، غالباً." استدارتْ وهي تغادر وتقول: "إذاً اذهبي، فلنفترق على خير." وهذهِ كانتِ المرة الأخيرة التي أحدّث لينا قبل سفرنا. ****** > اتصال غير موفق 2 - بيتي البيتوتي - 2014 أمسكتُ الموبايل بيديَّ الاثنتين، كانتْ أُمّي ترمقني، تعابيرها شِبهُ مُتهكّمةٍ وكأنّها تتحداني: "لنرَ كيف ستتحدثينَ مع والدكِ في ظلِّ هذهِ الشبكة الخارقة!" كنتُ قد عزمتُ أنْ أتّصل بهِ مهما حدث، لمْ أتحمّل فكرة أنْ تحدثهُ أُمّي (وإنْ كانَ حديثاً مُتقطعاً مشوشاً مقطوعاً، وفيهِ كلُّ العلل) دون أنْ أسلّم عليهِ، فأسمع صوتهُ. جاء صوتُ أبي: "مرحباً، سلمى." استبشرتُ بصوتهِ الواضح (والدافئ) فقلتُ: "مرحباً، أبي، أنا ميس." جاء صوتهُ: "ميس حبيبتي، أه... أنا... اشتق..." (لا، هذهِ ليستْ أخطاء إملائية مني، وإنْ كَثرتْ في الفصول السابقة ولمْ تعترفوا -الأفضل ألا تفعلوا أيها القراء الأعزاء عليّ حتّى هذهِ اللحظة- بل هذا نقلٌ أمين مني لكيف جاء صوتُهُ بالضبط عبر الموبايل، أنا لا أكذب أو أزوّر حرفاً واحداً.) قلتً آملةً: "بخير، كلنا بخير، اشتقتُ لكَ كثيراً يا بابا، سمعتُ ماما وهي تحاول الحديث معكَ، كانتِ الشبكةُ سيئةً جداً لذا لمْ تسمع منكَ شيئاً، وأغلقتْ الخط." جاء صوتُهُ: "سمعتِ ماما وهي تلوّح بالموبايل معي؟ هذا... أنا... يا حبيبتي." زفرتُ وأنا أقول: "لا يا أبي، لمْ أقل ذلكَ بالطبع (بديهياً يا بابا!) كنتُ فقط أشرح وأقول أنّكَ..." قاطعني: "أين كنتِ تسبحينَ يا حبيبتي؟ في المدرسة؟" بابا!!!! بابا!!!!! ركّز أرجوكَ! -"بابا، أبي، لو كانَ لدينا في المدرسةِ رفاهياتٌ كالمسابح لما رغبتُ بالسفر بشدّةٍ إليكَ! أخبرني، كيف تلكَ البلاد التي تُقيم بها؟ مصر، بلد الأهرامات؟" قال والدي: "نعم يا حبيبتي، أتوقُ إليكم بشدّةٍ لتسافروا ق... إليَّ..." بدأ صوتهُ يتقطّع ويتشوّش، تش، تششششش.. قلبي كان يلتهب وأنا أهتف: "بابا، بابااا! ماذا قلتُ؟ ماذا تعني، أرجوكَ؟" أخذ صوتُ الرنين يطرق في أُذني وهو يتلاشى بخفوتٍ، تن تن تننن، تن تن تننن، آذناً -أو مُجبِراً- المُكالمة على أنْ تنتهي بهذهِ الشبكة المشؤومة! استفزني ذلكَ بشدّةٍ، فأغلقتُ الخط وأنا أزبد وأرعد، لكنّني أكبتُ كلَّ ذلكَ أمام أُمّي، حِفظاً لماء وجهي الجاري! نظرتْ لي نظرةً مُتهكّمةً وقالتْ: "كيف كانتِ المُكالمة؟" شعرتُ بشماتتها تطفو على سطح كلماتها، لكنّني تجاهلتُ ذلكَ مُركّزةً على هدفي وأنا أقول: "هل سنسافر إلى أبي قريباً؟" امتقع وجه أُمّي نوعاً ما بينما أستطرد: "لقد قال أنّهُ ينتظرنا، هل... بل أعني، متى سنذهب إليهِ؟" ****** > يوم الشرخ 2 - بيت الجدة - أواخر 2014 سكتَ الجميع، تركتُ الصالون وهرعتُ أتصل بأُمّي أخبرها ما يحدث، وفي ذاتِ اللحظة بالذات، طنّ جرس الباب، ودوّى صوتُ جدتي مُجلجلاً: "اسمعي يا ولاء، أنا أردتكِ أنْ تبقي معي خوفاً عليكِ، وقلقاً على أولادكِ، أمّا أنْ تحمليني مسؤولية عنادكِ وأنانيتكِ، فهذا ما لي قدرة عليهِ ولا على تفهّمكِ فيهِ، أنا لمْ أُرد يوماً أنْ أجرحكِ، ولا أنْ أقول شيئاً كهذا في يوم، لكنّكِ دوماً تضطرني لهذهِ الأشياء، إذاً... هيا، فلتغادر..." أسكتها خالي سريعاً وهو يقول: "لا يا أُمّي، لن أسمح لكِ أنْ تقولي هذا لأُختي، أرجوكِ، أتوسّل إليكِ، لا تفعلي، وأمام أولادها بالضبط." كانَ نبيل قد فتح الباب لنور، فدخلتْ مباشرةً وهرعتْ سريعاً لأُمّها التي انهارتْ مُقرفصةً على الأرض، تربّتُ عليها، ولسانها مُنعقد لا يتكلّم. ساد سقيعٌ عميق في البيت لفترةٍ، رغم جهود أُمّي وخالي التي لا تكل لتقريب طرفيّ الشرخ، إلا أنّهُ استمر، حتّى طال سليم وأمجد اللذين يكونا خارج مجال المجرّة في هذهِ الأمور عادةً. بعد فترةٍ ليستْ بقصيرةٍ، والتي استمر بها هذا التوتر السائد في النّفوس، طال القصف عمارة خالتي مُباشرةً. بقيتْ العمارة صامدةً في وجهِ أهوال القذائف والضرب، إلا أنها تضررتْ بشدّةٍ، لدرجة أنّها لمْ تعد صالحةً للعيش السليم، كما حالنا جميعاً. كانتْ محاولات الصُّلح بين جدتي وخالتي تجري على يدين أُمّي وخالي وسيقانهم، كما يقولون، بالذات بعد الأخبار المؤسفة باستحالة عودة خالتي إلى منزلها. أمّا نور، كانتْ هادئة، صامتة، لكنّني أرى، وبعين الخبيرة بنفس أختي، عواصف تندلعُ وتثور في داخلها، فتكتمها وتكبس على أنفاسها، لأنَّ الأطفال يشعرونَ ويكتمونَ أكثر من أنْ يتكلموا. في النهاية، تمَّ الصُّلح بين خالتي وجدتي أخيراً، رغم أنَّ الشروخ تظلُّ في النفوس، فلا تلتئم نهائياً أبداً، لكنّها أشياءٌ تُضمر في الأفئدة ولا تُحكى ولا تُنطق، فيغطّي الوجوه ارتياحٌ ظاهري مثالي، وسماحٌ يُرسم على الوجوه قسراً، حتّى يُوضع كقناع، ويعتاد المرء جبراً الأسف والغفران. عزمَتْ خالتي أنْ تنتقل بأقرب فرصةٍ لها، عندما تجد بيتاً جديداً -فها هو زوجها يبحث عن واحدٍ بنهم- وعزمنا نحن بأنْ نسافر. نظرتْ جدتي إلى أُمّي في مَجلس الصُّلح، وقالتْ بنبرةّ شابها الكثير من البكاء المرير المتواتر، وربّما النّادم: "سافري، يا ابنتي يا سلمى، سافري واذهبي إلى زوجكِ، انجوا بأنفسكم واتركوا هذهِ الحياة الموبوءة، هذهِ نصيحتي لكِ فيمَ استشرتِني فيهِ منذ فترةٍ." وبالفعل، ما لبثنا، بعد الحادثة، بضعة أشهرٍ نرتّب أمورنا، حتّى سافرنا، وكانتِ الوِجهة: مصر. ****** نهايةُ الجزء الأوّل ذكرياتي الأوليّة سرُّ سعادتي!