غرفه رقم 7 - اليوميات
اللغة: العربية
الرئيسية ربح

غرفه رقم 7 - اليوميات

جاري التحميل...

اليوميات

يحيى يكتشف أن الغرفة التي يراها تتغير، وأن الرجل الصامت ينظر إليه. --- تفصيل سريع: يحيى يشتري دفترًا أزرق ويبدأ بتدوين ملاحظاته عن سكان غرفة ٧. يطلق أسماء وهمية على من يراهم: "أبو ياسر" و"سلوى". يكتشف أن الغرفة تتغير يوميًا: لون البحيرة في اللوحة يختلف، السجادة من بني لرمادي، المصباح ينتقل من مكان لآخر. ثم يلاحظ الرجل الصامت لأول مرة. يجلس في الزاوية على كرسي خشبي، لا يتحرك، لا يأكل، لا يشرب. كل من يدخل الغرفة يمر بجانبه كأنه هواء. يحيى يحدق فيه طويلاً. الرجل لا يرمش. عيناه على الحائط. على الثقب. على يحيى. في الليل، يسمع طرقًا خفيفًا من داخل الجدار. ثلاث طقات.

تحميل الفصول...
المؤلف

غرفة رقم 7

الفصل الثاني: اليوميات --- الساعة العاشرة صباحاً، ويحيى يجلس في مقهى قريب من شارع محمد علي، يشرب قهوته الثالثة وينظر إلى الدفتر الأزرق المغلق أمامه. العجوز في الشقة ٤٠٥ لم تخرج من بابها منذ أن دخلته. مرّ أمام شقتها مرتين، سمع صوت الراديو القديم يذيع أغاني أم كلثوم، ثم نشرة أخبار، ثم إعلاناً عن مسحوق غسيل. حياة عادية خلف باب عادي. كأنها لم تقل له ما قالته. كأنها لم تحذره. لكنها قالت. “الغرفة اللي بتشوفها مش فاضية زي ما إنت فاكر. هي اللي بتختار مين يشوفها.” يحيى يرفع الكوب إلى شفتيه، يكتشف أنه فارغ. يضعه في الصحن بصوت عالٍ. النادل يلتفت نحوه، يحيى يشير برأسه: واحد زيادة. هو لا يحتاج قهوة. هو يحتاج أن يفهم. يفتح الدفتر. يقرأ ما كتبه البارحة. الكلمات تبدو غريبة الآن، كأنها كتبها شخص آخر. شخص كان لا يزال يصدق أن ما يراه مجرد صدفة، أو هلوسة، أو حلم يقظة. الغرفة تتغير. الرجل الصامت ينظر إليّ. يكتب تحتها: ١٣ نوفمبر ذهبت إلى الفندق اليوم. نعم. ذهب. الساعة الثامنة صباحاً، بعد أن غادر الشقة بدقائق، وجد نفسه واقفاً أمام مبنى فندق "المدى". اللافتة الخشبية ما زالت معلقة فوق المدخل، لكن الحروف باهتة، والخشب متآكل من الجوانب. الباب الزجاجي مغلق بسلسلة حديدية صدئة، وعليه إعلان ورقي قديم: "للإيجار". رقم الهاتف غير مقروء. وقف هناك عشر دقائق، يداه في جيبه، يتأرجح بين كعبه وأخمص قدميه، يتظاهر بأنه سائح تائه. لكنه لم يكن تائهاً. كان يعرف بالضبط أين يريد أن يصل. الطابق الرابع. غرفة رقم ٧. لكن كيف يدخل؟ الباب مقفل. المبنى مهجور. ربما هناك باب خلفي، ربما نافذة مكسورة، ربما... "بتدور على حاجة؟" التفت. رجل في الستين، بزة رمادية رثة، قبعة صوف زرقاء تغطي شعره الأبيض. كان يحمل مكنسة ودلو بلاستيكي. يحيى تمتم: "لا. كنت بس..." "الفندق مقفل من عشرين سنة"، قال الرجل. لم يكن سؤاله يحتاج جواباً. "أنا بكنس قدامه بس عشان الناس متزحلقش في ورق الشجر. صاحبه مش مهتم، بس أنا مهتم." "إنت شغال هنا؟" "كنت بواب هنا من سنة ٩٠ لحد ما قفل. دلوقتي بس بكنس برّا. على قد ما أقدر." يحيى تردد. ثم سأل: "غرفة رقم ٧... إيه اللي حصل فيها؟" الرجل توقف عن الكنس. نظر إلى يحيى من تحت قبعته الزرقاء. عيناه كانتا زرقاوين أيضاً، لكنهما باهتتان، مثل لافتة الفندق، مثل حكاية قديمة رُويت مرات كثيرة حتى صارت بلا طعم. "مين سألك عليها؟" "أنا بسأل." الرجل أدار وجهه. بدأ يكنس مرة أخرى، بحركات بطيئة، متعمدة. "غرفة زيّ أي غرفة. فيها سرير ودولاب وحمام. اللي دخلها دخل، واللي خرج خرج." "واللي ما خرجش؟" الكنسة توقفت. الرجل رفع عينيه إلى المبنى. إلى الطابق الرابع. إلى نافذة مسدلة الستائر، ستائر بيج، أو بيضاء، يحيى لا يتذكر. قال الرجل بهدوء: "أنت بتشوف حاجة؟" يحيى لم يجب. الرجل أدار ظهره. مشى ببطء نحو زاوية المبنى، يجر المكنسة خلفه كذيل حزين. قبل أن يختفي، قال دون أن يلتفت: "الباب السفلي من ناحية الحارة أهه مكسور من زمان. متقلقش، محدش بياخد باله." يحيى وقف مكانه. دقيقتان. خمس. ثم مشى نحو الحارة. --- يكتب يحيى في الدفتر: الباب كان مفتوحاً فعلاً. دخلت من درج الموظفين. الدهان متقشر، الرايحة عفن وورق قديم. كل دور كان أشد ظلمة من اللي قبله. في الدور الرابع، وقفت قدام باب غرفة ٧. ما فتحتش. وقفت بس. دقيقتين. يمكن خمس. كنت بسمع صوت قلبي، كنت بحاول أسمع أي صوت تاني. مفيش. الباب خشب ثقيل، لونه بني غامق، عليه رقم ٧ نحاسي، لكن النحاس اتأكسد وطالعه خضرة. مدت إيدي. لمست الخشب. بارد. مثل جدار شقتي بالظبط. مكنتش عايز أفتح. لا عارف ليه، ولا عايز أعرف ليه. بس أنا مشفتش الرقم ٧ على الباب. أنا شفت رقم ٤٠٢. أنا مش عارف إزاي. أنا شفته. جريت. يغلق الدفتر. النادل يضع القهوة الرابعة أمامه. يحيى ينظر إليها دون أن يراها. في رأسه، صورة الباب الخشبي البني، ورقم ٧ النحاسي المتآكل، ورقم ٤٠٢ الذي لم يكن موجوداً إلا في عينيه. أو في عقله. أو في غرفة ٧ نفسها، التي تختار من يشاهدها، وتقرر ما يرى. --- يعود إلى الشقة عند الخامسة عصراً. الممر خالٍ. باب الشقة ٤٠٥ مغلق، لا صوت للراديو اليوم. العجوز إما نائمة، أو لا تريد أن يسمعها أحد. يحيى يدخل شقته. يغلق الباب. يقف في المنتصف. الغرفة كما تركها. السرير غير مرتب، الدولاب الخشبي مزاح قليلاً عن مكانه، الشريط اللاصق الأسود لا يزال يغطي الثقب. لكن هناك شيء مختلف. الدفتر الأزرق. هو وضعه في الحقيبة هذا الصباح. أخرجه في المقهى. كتب فيه. أعاده إلى الحقيبة. الآن الدفتر على المكتب. مفتوح. على صفحة جديدة. صفحة فارغة. إلا سطر واحد، في أسفل الورقة، بخط ليس خطه: “انتظرناك.” يحيى يقرأها مرة. مرتين. خمس مرات. الكلمتان لا تتغيران. لا تختفيان. لا تتحولان إلى شيء آخر. هي هناك، بخط أسود جاف، يميل قليلاً إلى اليمين، كأن كاتبها كان في عجلة من أمره، أو ربما يده ترتجف. أو ربما كان ينتظر حقاً. يحيى يرفع عينيه عن الدفتر. ينظر إلى الحائط. الشريط اللاصق لا يزال في مكانه. لكنه ليس كما كان. طرفاه منزوعان قليلاً، وكأن أصابع رفيعة قد رفعته ثم أعادته. أو ربما هو من رفعه وهو نائم. ربما هو كاتب السطر. ربما عقله يلعب به أكثر مما يعتقد. لكن الخط ليس خطه. هو يعرف خطه. خطه مربك، حاد، كأنه يحاول أن يختصر المسافات بين الكلمات. هذا الخط مختلف. بطيء. متأنٍ. كل حرف رسم برعاية. “انتظرناك.” ناكتب؟ يحيى يمزق الصفحة من الدفتر. يطويها. يضعها في جيب سترته. ثم يجلس على السرير، وظلّه لا يزال واقفاً عند الباب. --- في الليلة السادسة، لا ينظر من الثقب. يطفئ النور السابعة مساءً، يتمدد على السرير، يغمض عينيه، يتظاهر بأنه نائم. لكن الأرق لا يخدع بالتمثيل. الساعة العاشرة. الحادية عشرة. الثانية عشرة. يسمع خطوات من الشقة المجاورة. خطوات ثقيلة، رجل كبير. ليس أبو ياسر، خطوات أبو ياسر أخف. هذا رجل أضخم، أو ربما غاضب. يسمع صوت باب يفتح، ثم يغلق. صمت. ثم طرق. خفيف. ثلاث طقات. من داخل الجدار. يحيى لا يفتح عينيه. الطرق يتكرر. أسرع هذه المرة. ثلاث طقات، ثم ثلاث، ثم ثلاث. دقات منتظمة، كأنها شفرة مورس، كأنها رسالة لا يعرف كيف يفك شفرتها. يحيى يفتح عينيه في الظلام. السقف رمادي، كأنه ليس سقفاً، كأنه شاشة سينما خاوية. الطرق يتوقف. ثم يبدأ من جديد. ليس من الجدار. من باب الشقة. يحيى يجلس في السرير. ينظر إلى الباب. الطرق خفيف، مؤدب. مثل طفل صغير يدق الباب بأطراف أصابعه. يحيى لا يتحرك. يهمس: "مين؟" لا جواب. فقط الطرق. ثلاث طقات. انتظار. ثلاث طقات. يحيى ينزل من السرير. يمشي حافي القدمين، يحاول ألا يصدر صوتاً. يضع عينه على ثقب الباب. الممر خالٍ. الطرق يتوقف. يحيى يظل واقفاً، عينه على ثقب الباب، ينتظر. لا أحد. يعود إلى السرير. ينظر إلى السقف. الساعة الثالثة فجراً، ينام وفي أذنه صوت ثلاث طقات، وفي ذاكرته سطر واحد: “انتظرناك.” --- في الصباح، يقرر أن يتصل بمروان. مروان زميله في الجريدة، وصديقه الوحيد الذي لا يزال يرد على مكالماته بعد الانفصال. ليس لأنه يحبه كثيراً، لكن لأن مروان لا يسأل أسئلة صعبة. مروان يسمع، يقول "آه"، "فهمان"، "طب تمام"، ثم ينهي المكالمة ويعود لحياته. يحيى يحتاج هذا اليوم. يحتاج أذناً تسمع دون أن تحكم. يرفع السماعة. يطلب الرقم. مروان يرد من الثانية: "يحيى! وحشتني يا حبيبي. إنت فين؟" "في الشقة الجديدة." "عابدين صح؟ إيه رأيك؟" يحيى يتنفس بعمق. ثم يقول: "عايزك تجي النهاردة. في حاجة عايز أوريك إياها." تردد على الطرف الآخر. مروان يعرف هذا النغمة في صوت يحيى. نغمة "أنا لقيت حاجة". "تحقيق جديد؟" "مش عارف. يمكن." "تمام. الساعة سبعة. أعدي بعد الشغل." يحيى يغلق السماعة. ينظر إلى الدفتر الأزرق. لم يشتر دفتراً جديداً. مزق الصفحة التي كتب عليها الغريب، لكنه لا يزال يشعر بوجودها في جيبه. كأنها تثقل السترة. كأنها تهمس له كلما مشى. يخرج الصفحة من الجيب. يقرأها مجدداً. “انتظرناك.” يكتب تحتها بقلمه هو: مين؟ ثم يطوي الصفحة ويعيدها إلى جيبه. --- مروان يأتي السابعة وعشر دقائق، معه اثنان فول وطعمية. "مش لاقي أكل حلو في المنطقة دي، قلت أجيب معايا. أكيد إنت مش مهتم تاكل." يحيى يبتسم. مروان يعرفه جيداً. يفتح كيس الأكل، لكنه لا يأكل. مروان يأكل نيابة عنه. "طيب، أوريني الحاجة اللي عايز توريها." يحيى ينظر إلى الحائط. إلى الشريط اللاصق الأسود. يقول: "في ثقب هنا. في الحيط. يطل على غرفة فندق." مروان يتوقف عن المضغ. "غرفة فندق؟ الفندق اللي جنبنا ده؟" "مقفل من عشرين سنة. أنا عارف." مروان يضع سندوتش الفول في الصحن. يمسح يديه. "طيب أريني." يحيى يقف. يمشي نحو الحائط. يمد يده. يزيل الشريط اللاصق. "هنا. شوف." مروان يقترب. يحني رأسه. يحدق في الثقب. ثانية. اثنتان. ثلاث. يرفع رأسه. "فاضية يا يحيى." يحيى ينظر من الثقب. غرفة ٧ ممتلئة. أبو ياسر يقرأ جريدته، سلوى ترتب السرير، الرجل الصامت يجلس في زاويته، عيناه على الحائط. على الثقب. على يحيى. "لا. مش فاضية. في ناس كتير." مروان ينظر إليه. نظرة طويلة، فاحصة، نظرة من يرى شيئاً لا يعرف كيف يسميه. "يحيى، أنا شفت الحيط. مفيش غير حيط." يحيى يبتعد عن الثقب. ينظر إلى مروان. يريد أن يقول: أنا مش مجنون. يريد أن يقول: أنا براهم زي ما بشوفك دلوقتي. يريد أن يقول: ساعدني. لكنه لا يقول شيئاً. مروان يضع يده على كتفه. "إنت كويس؟" "أيوه." "نفسيتك وحشة من بعد فاتن؟" "لا." "بتنام كويس؟" يحيى لا يجيب. مروان يتنهد. "خلاص. أنا مش هقولك روح لدكتور. أنا بس عايزك تعرف إنك مش لوحدك. لو محتاج حاجة، أي حاجة، كلمني." يحيى يومئ برأسه. مروان ينهض. يضع باقي الأكل في الثلاجة. يفتح باب الشقة، ثم يتوقف. "يحيى؟" "آه." "إنت عارف إن فاتن لسه بتحبك، صح؟ مش ديما الشخص بيبعد عشان بيقلك. أحيانا بتبعد عشان نفسه." يغلق الباب. يحيى يبقى وحده في الشقة. ينظر إلى الحائط. إلى الثقب. إلى غرفة ٧ التي لا يراها أحد غيره. يجلس على كرسيه. يفتح الدفتر. يكتب: ١٤ نوفمبر مروان ما شافش حاجة. أنا مش عارف إيه الأسوأ: إني الوحيد اللي بشوف غرفة ٧، ولا إني الوحيد اللي مش شايف إنها فاضية. الرجل الصامت لسه هناك. بيبص لي. مش بيعمل حاجة تاني. بس بيبص. والباب في الفندق. شفت الرقم ٤٠٢. أنا عارف إنه مكانش موجود. أنا عارف إني بدأت أخلط بين الحقيقة والخيال. أنا عارف إن فاتن كانت صح، وإن مروان قلقان. بس أنا عارف كمان إني مش بهبد. في حاجة هناك. وحاجة كمان: في حد هنا في الشقة معايا. مش بعته. مش شيفاه. بس بيعرف يكتب في دفتري. وبيدق على الباب. مين إنت؟ يترك القلم. يقرأ ما كتب. كلماته تبدو صادقة، تبدو حقيقية، تبدو... الورقة تحت يده ترتجف. لا. ليست الورقة. يده هي التي ترتجف. يضع يده اليسرى فوق اليمنى. يضغط. لا فائدة. منذ متى وهو يرتجف هكذا؟ منذ متى وهو يكتب وهو يعلم أنه يكتب لأن الكتابة فقط هي ما تمنعه من الصراخ؟ يغمض عينيه. يتنفس بعمق. العد إلى عشرة. عند السبعة، يسمع الصوت. ليس طرقاً. ليس همساً. ليس خطى. صوت قلم يكتب على ورق. يفتح عينيه. الدفتر لا يزال أمامه. لا أحد في الغرفة. الباب مغلق. الستار مسدل. لكن على الصفحة التي تلي الصفحة التي كتبها، هناك سطر جديد. “أنا إنت.” يحيى يقرأها. يعيد قراءتها. يقرأها حتى تذوب الكلمات وتصبح مجرد خطوط سوداء على ورق أبيض. “أنا إنت.” يرفع عينيه. ينظر إلى المرآة المعلقة على الحائط المقابل. المرآة عادية. تعكس الغرفة، تعكس السرير، تعكس الكرسي، تعكس الرجل الجالس أمام المكتب. لكن الرجل في المرآة لا يكتب. الرجل في المرآة يبتسم. يحيى ينظر إلى المرآة. الرجل في المرآة ينظر إليه. يحيى يرفع يده. الرجل في المرآة لا يرفع يده. يحيى يفتح فمه ليقول شيئاً. الرجل في المرآة يفتح فمه قبله. يسمع صوتاً. ليس من المرآة، من داخل رأسه: “أخيراً شفتني.” يحيى يقفز من الكرسي. يسقط الدفتر. يصطدم بالحائط. عيناه لا تفارقان المرآة. الرجل في المرآة ما زال جالساً. ما زال يبتسم. ما زال ينظر إليه. ثم يقول، بصوت مسموع هذه المرة، صوت يشبه صوت يحيى لكنه ليس هو، أقدم، أبرد، أكثر صمتاً: “مش إنت اللي كنت بتتفرج عليهم؟ أنا كنت بتفرج عليك.” يحيى يصرخ. ليس صرخة طويلة. صرخة قصيرة، مكبوتة، تخرج من حلقه كأنها شرقة. يده تلمس الحائط وراءه. تبحث عن مخرج. عن باب. عن أي شيء. يجد مقبض الباب. يفتحه. يخرج راكضاً إلى الممر. يقف هناك، يلهث، ظهره على الباب المغلق. الممر خالٍ. المصابيح الزرقاء الخافتة تطن بصوت كهربائي منخفض. باب الشقة ٤٠٥ مغلق. يحيى يسمع دقات قلبه. يسمع نفسه يتنفس. يسمع الممر وهو صامت. ثم يسمع صوتاً خفيفاً من داخل شقته. صوت قلم يكتب على ورق. --- يمكث في الممر عشر دقائق. يمكن نصف ساعة. لا يدري. أخيراً، يفتح الباب. الغرفة كما تركها. الكرسي في مكانه، المكتب في مكانه، الدفتر على الأرض حيث سقط. المرآة عادية. تعكس الغرفة. تعكس الرجل الواقف عند الباب، وجهه شاحب، عيناه مذعورتان. الرجل في المرآة يرفع يده، يحيى يرفع يده. الرجل في المرآة يفتح فمه، يحيى يفتح فمه. كل شيء طبيعي. كل شيء كما يجب أن يكون. يحيى يمشي بحذر نحو المرآة. يلمس سطحها البارد. لا شيء. مجرد زجاج وخلفه فضة. ينظر إلى عيني انعكاسه. العينان لا تختلفان. نفس البؤبؤ الداكن، نفس الهالات السوداء من السهر، نفس النظرة المتعبة. لكن شيئاً ما مختلف. لا يدري ما هو. يبتعد عن المرآة. يلتقط الدفتر من الأرض. الصفحة الأخيرة. الصفحة التي كتب عليها الغريب. كان فيها سطر واحد: “أنا إنت.” الآن فيها سطر آخر: “افتكرتني؟” يحيى يقرأها. يعيد قراءتها. ثم يفعل شيئاً لم يتوقعه. يجلس على الكرسي. يضع الدفتر أمامه. يمسك القلم. ويكتب: مين إنت؟ ينتظر. لا شيء. يكتب مرة أخرى: إزاي عرفت إني هاجي هنا؟ ينتظر. الصفحة فارغة. لا جديد. يكتب: إنت الشيطان؟ إنت العفريت؟ إنت الوحش؟ لا جواب. يكتب، وأصابعه ترتجف: إنت أنا من المستقبل؟ إنت أنا الميت؟ إنت أنا المجنون؟ صمت. يحيى يترك القلم. يغمض عينيه. يسمع همساً. ليس من الجدار، من داخله. من مكان بعيد في ذاكرته، من طفولته، من وقت لا يتذكره جيداً. “إنت نسيتني. بس أنا مستنيك.” يفتح عينيه. الغرفة فارغة. الدفتر أمامه. السطر الأخير الذي كتبه لا يزال هناك: “إنت أنا من المستقبل؟ إنت أنا الميت؟ إنت أنا المجنون؟” وتحته، بخط مختلف، كلمة واحدة: “آه.” --- يحيى لا ينام تلك الليلة. يجلس على السرير، ظهره إلى الحائط، عيناه على الباب. الدفتر في حجره، مفتوح على الصفحة الأخيرة. يقرأ الكلمات مراراً وتكراراً، كأنه يحفظها عن ظهر قلب. “آه.” آه على ماذا؟ آه هو من المستقبل؟ آه هو ميت؟ آه هو مجنون؟ أم آه هي لكل هذا معاً؟ الساعة الثالثة فجراً، يسمع الطرق من جديد. ليس من الجدار، من الباب. يحيى لا يتحرك. يهمس: "مين؟" الطرق يتوقف. ثم يبدأ من جديد. ثلاث طقات. انتظار. ثلاث طقات. يحيى ينزل من السرير. يمشي نحو الباب. يضع يده على المقبض. يسأل: "إنت اللي في المرآة؟" لا جواب. فقط الطرق. ثلاث طقات. يحيى يفتح الباب. الممر خالٍ. لكن على الأرض، أمام الباب مباشرة، ورقة صغيرة مطوية. يلتقطها. يفتحها. بخط اليد نفسها، الخط البطيء المتأني، كلمة واحدة: “افتح.” يحيى يرفع عينيه. ينظر إلى باب الشقة ٤٠٥. مفتوح. ليس مفتوحاً بالكامل، فقط شق صغير، ظلام من الداخل. ومن الشق، عين زرقاء تحدق فيه. العجوز. تقول بصوت خافت، كأنها تخشى أن يسمعها أحد: "تعالى. بسرعة." يحيى يتقدم خطوة. ثم أخرى. يقف أمام باب الشقة ٤٠٥. الشق لا يتسع، لكن العين الزرقاء لا تبتعد. "إنت شفته"، تقول العجوز. ليس سؤالاً. تأكيد. "مين؟" "اللي في المرآة. اللي بيكتب في دفاترك. اللي مستنيك من زمان." يحيى يبتلع ريقه. "أنا... مش فاهم." العجوز تفتح الباب قليلاً. يكفي ليرى وجهها كاملاً. عيناها زرقاوان، بياضهما مشرب بالصفار، شعرها أبيض كالقطن. ترتدي ثوب نوم قديماً، قدمها حافية. "إسمعني يا ولد. أنا عايشة هنا أربعين سنة. شفت ناس كتير سكنوا في الشقة دي. ناس سكنوا وخرجوا. ناس سكنوا ومخرجوش. ناس سكنوا وفضلوا هنا... حتى بعد ما ماتوا." تتوقف. تنظر خلفها، إلى داخل الشقة المظلم. ثم تعود إليه. "غرفة ٧ مش غرفة عادية. هي زي... زي محطة. مكان بين الدنيا و اللي بعدها. الناس اللي بتشوفها مش عايشين. و مش ميتين. هم في... انتظار." يحيى يهمس: "في انتظار إيه؟" العجوز تنظر إليه طويلاً. عيناها الزرقاوان تتفحصان وجهه، كأنها تبحث عن شيء تعرفه، شيء تذكره. "في انتظار حد ياخد مكانهم." صمت. يحيى يشعر ببرودة تسري في عموده الفقري. "أنا... أنا مالي؟ أنا مجرد..." "إنت مش مجرد حاجة"، تقاطعه العجوز. "إنت شفتهم. إنت دخلت الفندق. إنت لمست باب غرفة ٧. إنت قرأت اللي كتبوه في دفترك." تتوقف. تخفض صوتها أكثر. "و إنت شبهه." "شبه مين؟" العجوز لا تجيب. تبدأ في إغلاق الباب ببطء. يحيى يمد يده. "إستني. مين اللي أنا شبهه؟" الباب يكاد ينغلق. من الشق الضيق، تهمس العجوز: "الراجل الصامت. اللي قاعد في الزاوية." يغلق الباب. يحيى يقف في الممر، وحده، والورقة لا تزال في يده، وقلبه يدق كالمجنون. “افتح.” يفتح باب شقته. يدخل. يغلق الباب خلفه. ينظر إلى المرآة. الرجل في المرآة واقف. لا يجلس. واقف. ينتظره. يبتسم. يحيى لا يهرب هذه المرة. يقترب من المرآة. يضع يده على الزجاج. يهمس: "إنت هو؟" الرجل في المرآة يضع يده على الزجاج من الجهة الأخرى. كفّاه متقابلان، يفصل بينهما سنتيمترات من الزجاج وسنوات من الأسئلة. يفتح فمه. الصوت يأتي من بعيد، من داخل المرآة، من داخل يحيى نفسه: “أنا إنت. أنا اللي كنت قاعد في الزاوية. أنا اللي مستني حد يشوفني من ٢٠ سنة.” يحيى يهمس: "إزاي؟" الرجل في المرآة يبتسم. ليست ابتسامة شريرة. ابتسامة حزينة، متعبة. “إزاي إنت عارف. ليه إنت اللي جيت، ده اللي أنا فاكر.” يحيى يتراجع خطوة. الرجل في المرآة لا يتحرك. “لسه فاكر حاجة؟ من زمان؟ من قبل ما تبقى إنت؟” يحيى يهز رأسه. "أنا مش فاكر حاجة." “مش مهم. أنا فاكرك. إنت مكنتش لوحدك ساعتها. إنت كنت معايا.” "ساعة إيه؟" الرجل في المرآة يرفع يده عن الزجاج. يشير إلى شيء خلف يحيى. يحيى يلتفت. خلفه، في الحائط، الثقب مكشوف. الشريط اللاصق على الأرض. يقترب. ينظر. غرفة ٧ مختلفة. أبو ياسر وسلوى ليسا هناك. السرير ليس في مكانه. الستائر البيج مسدلة. في الزاوية، حيث كان الرجل الصامت يجلس، لا أحد. الكرسي الخشبي فارغ. يحيى يبتعد عن الثقب. يلتفت إلى المرآة. الرجل في المرآة لا يبتسم الآن. ينظر إليه بجدية، بانتظار، بترقب. يسأل يحيى: "إنت كنت قاعد هناك؟ كل ده و إنت قاعد بتتفرج عليا؟" “مش بتفرج. مستني.” "تستنى إيه؟" الرجل في المرآة يرفع يده. يضعها على الزجاج مجدداً. “تستنى تفتكرني. تستنى تفهم. تستنى تجي.” يحيى يضع يده على الزجاء مقابل يد الرجل. "أنا جيت." “لسه.” يحيى لا يفهم. الرجل في المرآة يبتسم ابتسامة أخيرة. “إفتح الباب.” يحيى يلتفت إلى باب الشقة. مغلق. يلتفت إلى المرآة. الرجل اختفى. فقط انعكاسه هو. رجل في الرابعة والثلاثين، وجهه شاحب، عيناه محمرتان، يده لا تزال ممدودة نحو المرآة. يحيى ينظر إلى عينيه في الزجاج. يفتح فمه. يسأل بصوت مرتجف: "أنا بقيت إنت؟" انعكاسه لا يجيب. لكن من خلفه، من جهة الحائط، من جهة الثقب، من جهة غرفة ٧، يسمع صوتاً. صوت كرسي خشبي يتحرك على الأرض. وصوت همس خفيف، كأنه دعاء، كأنه نداء، كأنه اسمه. “يحيى...” --- نهاية الفصل الثاني
×
جاري التحقق من حالة حسابك...

لوحة أرباحك

أهلاً بك في برنامج شركاء الأرباح. يتم احتساب أرباحك بناءً على زيارات رواياتك المقبولة.

الزيارات المحتسبة 0
الأرباح المقدرة $0.00

تم الإرسال بنجاح!

"تم استلام طلبكم الخاص بالانضمام لبرنامج الأرباح بنجاح. الطلب الآن قيد المراجعة"

قيد المراجعة حالياٌ

"طلب الانضمام لبرنامج الأرباح قيد المراجعة حالياٌ. تستغرق عملية التحقق وتجهيز حسابك فترة تتراوح ما بين 7 إلى 14 يوم عمل"

الشروط غير مكتملة

عذراً، لتحقيق الربح يجب أن تمتلك في حسابك
4 روايات على الأقل.

يجب تسجيل الدخول

"يرجى تسجيل الدخول إلى حسابكم المعتمد للمتابعة وتقديم طلب الانضمام لبرنامج الأرباح"