|إعلان الحرب| سكن إضطراري
|إعلان الحرب|
نهض فجأة من مكانه متجهًا نحو المكتب والذي رتبه بحاجياته الموجودة بغرفة الصالون مؤقتًا لحين أخذ باقي أغراضه من غرفته القديمة المُحتلة في الصباح، أمسك بورقة مقواه وقصها على هيئة دائرية ليكتب بمنتصفها أسم 《نور》 وبكل غل ونظرة إنتقامية قام بعمل خط عرضي باللون الأحمر على أسمها ثم قام بتعليقه على باب غرفته من الخارج.
سكن إضطراري الفصل الثالث إعلان الحرب حل الصمت لدقائق وكأن صوت صرصور الحقل يصدح في الخلفية، بينما عقد 《ساهر》 و《نور》 حاجبيهما بإستغراب يطالعان 《لؤي》 بنظرات بلهاء منتظران توضيح مقصده، ليوضح وهو يزدرد ريقه بتوجس: - تتجوزوا! ها قد انفجرت مدافع الحرب العالمية الثالثة في وجهه، وذلك عندما نهضت 《نور》 شاهقة بصدمة بينما احتدت نظرات 《ساهر》 بسهام الغضب ليصيح فيه: - نعم! أنا لا يمكن أتجوز البت دي لو على جثتي! هدرت به 《نور》 وهي تلقي عليه نظرة شمولية محتقرة: - ليه وأنت فاكرني هموت عليك! ده أنت لو آخر راجل في العالم لا يمكن أتجوزك!. بعد مرور حوالي ثلاث ساعات وتحديدًا في الشقة أو بمعنى أصح ساحة النزاع، نرى 《ساهر》 الذي يجلس بمقابل 《نور》 وبجانبه خالها يتوسطهما المأذون، والذي سحب لتوه ذلك المنديل القماشي متفوهًا بإبتسامة بشوشة: - بارك الله لكما وبارك عليكما وجمع بينكما في خير أطلقت 《مودة》 صديقة 《نور》 منذ الإبتدائية زغرودة عالية لكنها أبتعلت نصفها عندما حدجتها 《نور》 بنظرة مشتعلة بالغيظ، بينما حاول 《لؤي》 الواقف بجوار 《ساهر》 كتم ضحكته قدر المستطاع لينظر لصديقه بنظرة طريفة ماددًا يده يسلم عليه وهو يهمس له: - ألف مبروك يا صاحبي نقل 《ساهر》 بصره بين يده الممدودة ووجهه الذي يظهر عليه تلك الإبتسامة السمجة بنظرات غاضبة مميتة ليحمحم 《لؤي》 بخوف يخالطه الحرج ثم يضع يده الممتدة في كف المأذون مسلمًا عليه وهو يتابع: - الله يفتح عليك يا شيخنا أتفضل ثم سار معه نحو الباب يوصله قبل أن يرجع لصديقه مرة أخرى. أقترب 《راضي》 خال 《نور》 من إبنة أخته وعانقها بسعادة وهو يهنئها: - ألف مبروك يا بنتي ربنا يسعدك .. الحمد لله إني أطمنت عليكي بدل ما أنا عايش بعذاب الضمير إني مقدرتش أخدك تعيشي معايا ألتمعت عينا 《نور》 بالدموع، لم تخبر خالها حقيقة تلك الزيجة كي لا تحمله همًا فوق همومه وتثقل عاتقه، وإنما أفهمته أنها أحبته وأرادت الزواج منه بكامل رغبتها، قبضت على كفه مجيبة: - لا متقولش كدة يا خالو ده بعد وفاة بابا وماما الله يرحمهم مفيش حد كان حنين عليا قدك .. وأنا مقدرة الظروف وحمل بنات خالي الخمسة اللي أنت شايله .. أوعي تشيل نفسك ذنب تاني أبتسم لها ببشاشة وهو يدعو لها بصلاح الحال، أسرعت متابعة حديثها تؤكد عليه بتوجس: - واه يا خالو زي ما أتفقنا لو كلمت مروة أختي بالصدفة أوعى تقولها على مكاني ولا إني أتجوزت .. أنا ما صدقت هربت من جوزها تغيرت قسمات 《راضي》 للسخط وأردف بنفور: - أخس عليه متجبيش سيرته .. بقى دي الأمانة اللي كنت سايبهاله! .. متقلقيش يا بنتي سرك في بير .. يلا فوتك بعافية. ____________________________ - أفردي وشك يا عروسة نطقت بها 《مودة》 وهي تحاول كبح ضحكتها لتزفر 《نور》 بحدة وهي تردد: - أنتي عايزة تغيظيني صح؟ عروسة أيه وزفت أيه في المصيبة اللي أنا فيها دي .. مش متخيلة إني هقعد مع البغل اللي مبطقهوش ده لحد حكم المحكمة! - بغل! قالتها وهي تقهقه لتدارك نفسها عندما حدقت فيها صديقتها بضيق ثم استأنفت بجدية: - بصلها من الجانب الإيجابي يا نور أديكي خلصتي من العيشة المرار اللي كنتي عايشاها مع أختك وجوزها .. وكلها فترة وإن شاء الله المحكمة تحكملك أنتي ألقت نظرة جانبية على 《ساهر》 الذي كان واقفًا بجانب باب الشقة يتبادل الحديث مع صديقه ويظهر على وجهه الضيق الواضح كما تظهر سحب الرماد من ألسنة اللهب المتصاعدة، لتسمع 《مودة》 تختتم حديثها وهي تسحب حقيبتها مستعدةً للمغادرة: - طب أنا همشي بقى عشان الوقت اتأخر .. هبقى معاكي على مكالمات بقى أتطمن عليكي. غادرت 《مودة》 وبعدها غادر 《لؤي》 بعد أن أوصى صديقه بمحاولة ضبط أعصابه وتجنب أي مشاكل معاها حتى صدور حكم المحكمة والذي تمنى أن يكون في صالحه، توقفا أمام بعضهما البعض في منتصف الصالة كلٌ يرمق الآخر شزرًا ليتأفف 《ساهر》 مغمغًا وهو يضبط وضع وسائد الآريكة لوضعها الصحيح: - مش عارف الواحد هيستحمل القرف ده أزاي ده أنا محتاج ولا شوال لمون أتسعت عيناها من وقاحته الفظة معاها في الحديث فأندفعت بلسانها السليط: - مين دي اللي قرف يا بغل أنت! ولا تكونشي فاكر إني هموت على القعدة معاك هنا! تشدقت بشفتيها متابعة بضيق جلّي: - لولا إني معنديش مكان تاني أروحه مكنتش قعدت في خلقتك يا بوز الأخص أنت! - ما تحترمي نفسك يا بت أنتي .. هو لسانك ده أيه مبرد! صاح بها وهو يضغط على نواجذه بحنق لتبادله بنظرة مزدرية من أعلى لأسفل دون أن تعقب عليه، جلس على الآريكة وهو يتأفف متمتًا بضيق: - أنا عارف المصيبة دي طلعتلي من أنهي داهية .. هعيش أزاي دلوقتي! .. حتى مفيش غير أوضة واحدة والتانية عاملينها مخزن و ... فجأة بتر حديثه، توسعت عيناها مدركًا ما قال ليلتف وجههما سريعًا يطالعان بعضهما بنظرات ذات مغزى ثم دون أي مقدمات أنطلقا راكضين نحو الغرفة! أقتحماها لتقفز 《نور》 على السرير بحركة أكشن درامية رافعة الوسادة في وجهه وهي تهدد: - عندك أنا وصلت الأول وأخدت السرير يعني الأوضة بقت بتاعتي يلا برا تغيرت قسماته وهتف بها بحدة ساخرة: - ده نجوم السما أقربلك! أنا قاعد هنا قبليكي وحاجتي في الأوضة أصلا وانتي اللي هتنجري على المخزن يكش يطلعلك فار يقرقض جتتك ونخلص - لا الفيران بتحب البغال اللي زيك! ناطحته بالحديث لتتغير تعبيراتها للإستغراب عندما وجدت عيناه تلتمع بمكر وتلك الإبتسامة الخبيثة تظهر على وجهه لينطق قائلًا: - خلاص لو مش حابه تخرجي من الأوضة براحتك أنا معنديش مانع أقعد هنا وأنتي موجودة لجأ لسلاحه الأخير فهي حتمًا لن ترضى بذلك الحل وستنسحب من الغرفة بهدوء دون أدنى مقاومة أخرى، أتسعت إبتسامته المنتصرة عندما برزت عيناها بصدمة ثم أقترب بتبختر متباهٍ ليجلس على السرير لكنه فزع عندما صاحت به: - أستنى عندك! توقف مكانه يطالعها ببريق منتصر لكنها جعلت نظراته الشامتة تلك تذهب إلى الجحيم، توسعت عيناه عندما وجدها تلتقط إبريق الماء سريعًا وتريقه بالكامل على جانب السرير المقابل له! وضعته على الكومود مرة أخرى ثم نفضت كفيها ببعضها وقد أنتقلت إبتسامته الخبيثة المنتصرة إليها، تمددت على الفراش وهي تضع يديها خلف رأسها مستندةً على خلفية السرير المبطنة تنبس بإبتسامة مستفزة: - ليلة سعيدة في المخزن يا أستاذ ساهر .. مع الفيران كز على أسنانه بغيظ وتكورت قبضته بعصبية، تمنى لو يستطيع لكمها في منتصف وجهها فيكسر أنفها، لا يحب العنف والدموية لكنه يحبذه كثيرًا في تلك اللحظة! سمعها تتابع ببرود: - اه وياريت تقفل النور وراك! رمقها بنظرة أخيرة من أعلى لأسفل وهم أن يغادر الغرفة لكنها لم تكتفِ بل أستوقفته قائلة: - ألا قولي يا أستاذ ساهر أستدار يطالعها ببرود وأعين محتدة لتتابع بإستفزاز سمج وهي تحاول كتم ضحكتها: - أنت مبتنامش بدري خالص؟ أمسك الوسادة وسددها بقوة مباشرة في وجهها لتصرخ بألم، ثم غمغم: - نامي .. نامت عليكي حيطة يا جاموسة ثم تركها وخرج لتزيح 《نور》 الوسادة بعصبية وتهتف بنبرة عالية: - يا بغل! ____________________________ سعل عدة مرات متتالية وهو يرفع تلك الكراكيب القابعة على السرير الموجود بالغرفة الآخرى، فصاحب المنزل -النصاب الهارب- كان موصدًا تلك الغرفة مستخدمًا إياها كمخزن لأي أغراض غير مستعملة أو قديمة تحتاج للتخلص منها، تخلص من نصف الأشياء الموجودة بالغرفة في سلة المهملات، وكوّم الباقي في ركن من أركانها ثم قام بتنظيف المكتب والسرير عل عجالة من الأتربة المتراكمة. تسطح 《ساهر》 بإرهاق على السرير وهو يحاول إيجاد أنفاسه الهاربة من المجهود الشاق الذي بذله في تنظيف الغرفة، ليهمس بتعب: - حسبي الله ونعم الوكيل فيكي .. يارب السرير يتكسر بيكي يا بعيدة .. بقى أنا على آخر الزمن يحصل فيا كدة .. قال وأنا اللي ما صدقت لاقيت شقة أرتاح فيها! نهض فجأة من مكانه متجهًا نحو المكتب والذي رتبه بحاجياته الموجودة بغرفة الصالون مؤقتًا لحين أخذ باقي أغراضه من غرفته القديمة المُحتلة في الصباح، أمسك بورقة مقواه وقصها على هيئة دائرية ليكتب بمنتصفها أسم 《نور》 وبكل غل ونظرة إنتقامية قام بعمل خط عرضي باللون الأحمر على أسمها ثم قام بتعليقه على باب غرفته من الخارج. بعد أن ثبت الورقة والتي هي بمثابة إنذار واضح لها بمنع دخولها تلك الغرفة أو حتى لمحها من بعيد ولو بالخطأ، وقف يرمق باب غرفتها المغلق بنظرات متوعدة ثم هتف بتأنِ: - ماشي يا نور أنتي اللي بدأتي الحرب .. أستحملي بقى!. ____________________________ شعرت بإضاءة الشمس وحرارتها تضرب جفونها، فأخذت تتململ بضيق وهي تتفقد المساحة الفارغة بجانبها بحثًا عن الوسادة لتضعها على وجهها، وعلى حين غرة عَطَست بقوة لتفوق من نعاسها جالسة على السرير وهي تتأوه بشدة: - اه يا جسمي مش قا.... قطعت العطسة الثانية عبارتها لتنظر حولها فتجد أنها نائمة في نصف السرير المبلل وقد تشربت ملابسها معظم المياه، فأدركت أنها قد أُصيبت بالزُكام، أخذت تنهض ببطء منتوية الإستحمام بماء دافئ عله يبخر رطوبة جسدها وهي تنوح بصوت مُختنف: - اه ياني ياما منك لله يا ساهر البغل .. انت السبب في البرد اللي جاني .. يارب أشوفك مزكم ومش لاقي علبة مناديل تلم رشحك سحبت منشفتها ثم اخذت ملابسها من حقيبتها المفتوحة على الأرض وخرجت من الغرفة منتوية التوجه للمرحاض. بينما في الخارج كان 《ساهر》 يدور حول نفسه بترقب وهو يطالع باب غرفتها المغلق منتظر خروجها ليبدأ تنفيذ أولى خطواته في إستفزازها، وها هو يسمع صوت مقبض الباب يُدار وتخرج 《نور》 من الغرفة وعندما وقعت عيناها عليه سحب منشفته سريعًا ففهمت خطته الدنيئة لتركض لاحقة به وهي تصيح بصوتها الأخنف الذي يجعلك تسقط ضحكًا: - عندك أنا اللي هدخل الحباب (الحمام) الأول .. أستنى يجحش أنت لكن قد سبق السيف العزل وولج 《ساهر》 سريعًا صافعًا الباب في وجهها فأخذت تضرب عليه بقوة صائحة: - ساهر أطلع حالًا .. بقولك أنا اللي هدخل الأول .. ده بيتي! - مهو بيتي أنا كمان سلامة الزهايمر قصدي الزهايبر هتف بها من الداخل مقلدًا إياها بسخرية وهو يشعر انه انتصر عليها وأستفزها، بينما زفرت هي بحدة وضيقت جفنيها بتوعد هامسة: - ماشي قابل بقى!. مرت حوالي نصف ساعة حتى أنهى 《ساهر》 إستحمامه، هو بالعادة لا يستغرق أكثر من عشر دقائق لكنه تعمد التأخر ليستفزها أكثر، نظر لنفسه في مرآة الحمام نظرة رضا أخيرة ثم سحب المنشفة ليخرج .. وليته لم يفعل! على الجانب الآخر أختبئت 《نور》 خلف حائط الرواق الصغير الممتد أمام باب المرحاض وهي تراقب خروجه بنظرات خبيثة وإبتسامة على إتساعها، وها قد حانت اللحظة الحاسمة عندما فتح 《ساهر》 الباب وهو يدندن برواق، لتخرج نبلتها وتسدد نحو البالونة المعلقة أعلى الباب لتنفجر عليه ويأخذ حمامًا أخر لكن تلك المرة ليس بالماء وإنما .. بالحليب! صرخ 《ساهر》 بفزع في بادئ الأمر لكن فزعه تحول لغضب جام تدريجيًا هادرًا: - نور !!! هقتلك !!! هنا قفزت من مكانها راكضة نحو الحمام سريعًا تغلقه هاتفةً من الداخل بضحكة ساخرة: - متقلقش اللبن مفيد للبشرة .. هاتلك بقسماطين وسقي بقى لحد ما أخلص. ____________________________ قرب أنفه من ساعديه يشتمهما للمرة الألف، ألتقط عطره ورش رذاذه مرة أخرى عليه بعد أن جلس بالمرحاض لساعة كاملة ينظف نفسه من رائحة الحليب، فلديه داء النظافة، وسواس قهري امتلكه منذ الطفولة، جعله يكره الفوضي وعدم النظافة ويعشق النظام والترتيب، هوايته المُفضلة رؤية كل ما حوله يلمع بدون ذرة تراب وذو رائحة نظيفة. سعل بشدة من رائحة العطر الخانقة والذي أسرف في رشه ليحمر أنفه، نطق بسخط يملأ نبرته: - منك لله يا بعيدة! زفر بحدة يخرج شحنة الغضب التي تملكته ثم جلس أمام حاسوبه يتفقد بريده الإلكتروني لينجز عمله، فهو يعمل من المنزل كمصمم جرافيك، يهوى تلك الوظيفة ويحلم بها منذ أن كان بالثانوية وقد حقق حُلمه، أنهمك في تصفح بريده وقبول طلبات العمل المرسلة من الشركة التي يعمل فيها ثم شرع في بدء المشاريع المطلوبة منه من إعلانات لشركات اخرى ولافتات وشعارات. قطع تركيزه بعمله صوت الهاتف ليرى أسم 《لؤي》 على شاشته فيجيب عليه: - أيوة يا صاحبي - ايه يا باشا طمني ايه الاخبار عدى يوم وانت صامت أفتكرت حد فيكوا قتل التاني نبس بها وهو يضحك ليقلب 《ساهر》 عيناه بضيق ويمتقع وجهه مجيبًا: - أتصدق أنك ظريف - خلاص بجد بقى عامل ايه تذكر 《ساهر》 كل المصائب التي فعلتها به وذلك بأربعةٍ وعشرين ساعة فقط! يشعر أنه لحين صدور حكم المحكمة ستكون قد قضت عليه فعليًا! هم يجيبه لكنه سمع صوت عطستها العالية تأتي من الصالة تقاطعه، زفر بنفاذ صبر ثم أخذ يقص عليه أحداث اليوم الأول الحافلة، صمت قليلًا ليتفاجئ برد فعل صديقه الذي أنخرط في نوبة من الضحك محاولًا التكلم: - ده .. أخيرًا جاتلك اللي هتربيك .. مع إن شكلها كيوت ميطلعش منها كل ده أتسعت عيناه بدعشة من نعته لها بالـ "الكيوت" وهتف في حدة غاضبة: - دي كيوت! دي أنثى البرغوت.. أتصدق أنا غلطان إني بحكي لبغل زيك تعجب 《لؤي》 من تلك السبّة وهتف بدهشة يخالطها ضحكة: - بغل! أبعد الهاتف عن أذنه وسب نفسه هو الآخر فقد طبعت عليه تلك المُصيبة التي أبتُلي بها، قربه مرة أخرى ليسمع 《لؤي》 يتابع بضحك: - شكلك كدة أتعديت من العدو أخذ 《لؤي》 يشاكسه بينما أختنق 《ساهر》 من حديثه ليغلق الخط في وجهه، أخذ شهيق وزفير متتالي يظبط به أعصابه ليستطيع إكمال عمله لكن صوت عطساتها المتتالية قد أفقده أعصابه ليخرج من غرفته وهو يضرب الأرض بقدميه، وقبل أن يصل لها لمحها تجلس على الآريكه وجسدها يرتجف من البرد وهي متلفحة بغطاء السرير وحولها كومة من المناديل الورقية المستعملة، نظر للفوضى التي أحدثتها بقرف ثم أتجه نحوها يحدثها بإقتضاب: - أنتي أيه الللي أنتي عملاه ده! مش في حاجة أسمها باسكت؟ ده منظر طالعته ببرود ثم سحبت منديل من العُلبة ووضعته على أنفها ثم زفرت فيه زفرة عنيفة كما لو أنها تحاول طرد العالم بأكمله من أنفها ليجفل 《ساهر》 ويبتعد خطوة للوراء رامقًا إياها بإشمئزاز، رفعت سبابتها في وجهه تحاول التحدث رُغم زُكام أنفها: - أسبع (أسمع) يا جدع أنت أنا بش (مش) فايقالك يلا زوق عجلك - وأنا مبحبش الهرجلة دي متعودتش أعيش في العفن ده .. أنا مش عارف أنتى أرتميتي عليا من أنهى داهية كانت تتجاهل حديثه الذي قالها وأنصرف لكن عندما ركزت بما قال أتشعت عيناها بسعادة لا مثيل لها ثم هتفت في عقلها: - اه يعني البغل المدلل بتاعتنا بيموت في النظام والنضافة؟ ده كدة فل أوي أنت وقعت في ملعبي يا سهورة!. ____________________________ كان ينتوي العودة لغرفته ليبحث عن تلك الورقة الضائعة والتي طلبها منه أحد زملائه في العمل وأكد عليه أن يمر إلي الشركة في الصباح ضروري لإيصالها، لكن صوت زكامها وتألمها جعله يُشفق عليها قليلًا وخصوصًا أن مظهرها يوحي بالتعب الشديد فعلًا، وجد نفسه يبتسم هاتفًا: - أحسن من حفر حفرة لأخيه .. مع إنك متستاهليش بس أنا قلبي طيب ثم غير طريقه نحو المطبخ، بعد عدة دقائق خرج حاملًا صينية بيديه يعتليها كوب من الينسون الساخن وشطيرة من الجُبن، وضعها على الطاولة أمامها فأنتبهت للصوت لتنهض بالغطاء الملفوف عليها كإصبع المحشي تنظر للصينية ثم سألت: - أيه ده؟ - هو أنتي عامية؟ أكل وينسون أطفحي عشان تخفي رفعت حاجبها بعند ثم هاجمته بحدة: - وأنت مين قالك إني عايزة منك حاجة .. ولا تكونش قلقان عليا نفى بنبرة إستنكارية بحتة وهو يقول: - لا قلقان ولا نيلة صوت عطسك صدعني .. وبعدن لو موتي ولا حاجة هتجبيلي مصيبة! تحولت قسماتها ليظهر عليها الغضب الشديد ثم نفضت الغطاء من عليها ونهضت مندفعة بحدة: - أنت بتفول عليا! - يارب يستجيب بس قالها ببرود ليجعلها تفقد أعصابها ولا تشعر بنفسها إلا وهي تمسك بكوب الينسون الساخن وتقذف ما به عليه والذي لم يستطع تفاديه كليًا إذ إنسكب نصفه تقريبًا على عنقه وأول صدره ليصرخ 《ساهر》 صرخة ألم رجت أنحاء المنزل بأكمله!.