رواية لعنةُ العاشق - خطوة نحو المجهول
جاري التحميل...
خطوة نحو المجهول
خطوة نحو طريق مجهول يزيد حياتها بؤساً
استيقظت مذعورةً والعرقُ يتصبّب منها، وقلبها يخفق بخوفٍ شديد.
أهو حلمٌ أم حقيقة؟!
فتحت شقيقتها روناهي عينيها ببطء، وقالت بصوتٍ متهدّج:
— ما خطبكِ؟ هل رأيتِ شيئاً؟
نظرت هيفين إلى أختها، واقتربت منها، ووضعت رأسها قرب رأس روناهي ثم انفجرت باكية.
عانقتها شقيقتها، وربّتت على كتفها بحبٍّ ودفء، محاولةً أن تطمئن قلبها المرتجف.
جلست في الصالة شاردة الذهن، تتساءل في أعماقها:
أيمكن أن تُعدّ متزوّجةً من رجلٍ لا يجيئها إلا في أحلامها؟
كانت الأم تراقب حال ابنتها بحزنٍ عميق، لا تدري ما الذي ألمَّ بها ولا ما الذي تغيّر فيها فجأة.
اقتربت روناهي وقالت بصوتٍ مرتجف:
— أمي تبكي في المطبخ… أرجوكِ، اضحكي وامزحي معنا. لو رأيتِ حالها! لم تأكل شيئًا منذ أن صرتِ كئيبة، وتبكين وأنتِ نائمة…
رفعت هيفين رأسها وقالت بذهول:
— ماذا؟ لِمَ؟
أجابت روناهي بصوتٍ فيه عتابٌ وألم:
— ماذا تعنين بـ لِمَ ؟ أمكِ منهارةٌ عليكِ… على حالكِ وما أنتِ فيه.
وقفت هيفين، مسحت دموعها بصمت، واتجهت إلى المطبخ.
رأت أمها جالسةً على الكرسي، منكسرة النظرات، كأنها لم ترَ سوى وجع ابنتها، ولم تلمس في الأيام الأخيرة إلا بؤسها.
علمت هيفين أن بين الأم وطفلها صلةً خفيّةً يعجز العقل عن تفسيرها
رابطةٌ لا تُرى….لكنها تُحسّ في أدقّ تفاصيل الألم والفرح.
كيف لأمٍّ أن تشعر بوخزة الحزن في قلب ابنتها قبل أن تنطق به؟
وكيف تلتقط ارتجاف روحها وهي صامتة؟
أيُّ سرٍّ كونيٍّ هذا الذي يجمع نبضين في قلبٍ واحد،
ويجعل الدموع تنتقل من عينٍ إلى أخرى دون كلمة؟
مرّت ساعاتٌ ثقيلة ثم أمسكت هيفين هاتفها واتصلت بـ فاتن.
رنين…
رنين…
— ألو؟
— هلا وغلا حبيبتي، كيف حالكِ ؟
قالت هيفين بصوتٍ متوتر:
— روحي، اتفقنا على أن تزورينني اليوم… تأخرتِ انشغل بالي عليكِ.
سكوووت…
— فاتن؟ لماذا لا تردّين؟ أين ذهبتِ؟
جاءها الصوت متعجّباً:
— متى اتصلتُ بكِ واتفقنا يا هيفين؟ لا أذكر شيئاً من هذا!
تجمّدت هيفين في مكانها وضجّ قلبها خوفاً، وركبتاها ترتجفان.
— أرجوكِ يا فاتن… اتصلتِ بي ليلة البارحة وسألتِني عن الكهف… وعن الزفاف الذي لا يسمعه سوانا… وقلتِ إننا سنلتقي لنتفق!
ساد صمتٌ قصير ثم قالت فاتن بقلق:
— اسمعيني… سأجهّز نفسي وآتي إليكِ انتظريني.
أغلقت هيفين الهاتف وبقيت تحدّق في الفراغ.
أيعقل أنني أهذي وأتخيّل أموراً لم تحدث؟
أم أن هناك سرّاً غامضاً ينسج خيوطه من حولي وأنا أجهله؟
بعد مرور ربع ساعة تقريباً …
أسرعت هيفين إلى الباب فتحته بلهفة، وأمسكت بيد فاتن تسحبها نحو غرفتها.
أغلقت الباب بإحكام ثم بدأت تروي لها ما حدث في الليلة الماضية، وصوتها يرتجف بين الكلمات.
صفنت فاتن طويلاً ثم رفعت نظرها إليها وقالت ببطء:
— أيمكن أن يكون معتصم هو من اتصل بكِ؟
ارتعشت هيفين وهمست:
— فاتن… أرجوكِ لا تخيفيني.
اقتربت فاتن وسألتها بجدية:
— هل سبق أن تحدثتِ مع معتصم؟
ترددت لحظة ثم قالت:
— في أحلامي… نعم. أشعر كأنه حقيقي كأنّه يلامس شعري برفق… ويقترب مني كنسمةٍ باردة فتسري في جسدي رجفة لا أعرف لها تفسيراً .
اتسعت عينا هيفين وقالت بصوتٍ خافت:
— وأنا رأيت زفافاً في حلمي… وكان العريس يوسف، الذي حدثتِني عنه من قبل.
تبادلت الصديقتان نظرةً مضطربة.
قالت فاتن بقلق واضح:
— لا أعلم حقاً ماذا يجري… لكن لا تخبري أحداً بما يحدث معكِ.
انظري إلى حالي… لا أحد يصادقني، لأنهم يظنونني مجنونة.
ساد الصمت بينهما ثقيلاً ….
نظرت هيفين إلى فاتن نظرةً تحمل شيئاً من التحدّي والتحقيق، ثم قالت:
— ما رأيكِ أن نذهب إلى الكهف… ونتأكد؟
اتسعت عينا فاتن بدهشة:
— الآن؟!
أجابت هيفين بثباتٍ يخالطه خوف:
— أجل… الآن. ما رأيكِ؟
ترددت فاتن لحظة ثم أومأت برأسها موافقة، كأن فضولها غلب حذرها.
خرجتا مسرعتين تتسلل إليهما رهبة الطريق قبل أن تطآه.
كان الهواء أثقل من المعتاد وكأن المساء يحاول أن يثنيهما عن قرارهما…
ومع ذلك ذهبتا وما كان يجدر بهما الذهاب.