الليلة الاربعون | الفصل السابع: الكاذب يموت
الفصل السابع: الكاذب يموت
كانت الرساله تحمل اسم النمرود و ثلاثة اسماء اخرى لم يكن بينهم صقر ، وتحمل أسم أمرأة تساعدهم فى مكيدتهم للأستيلاء على سر نار الاولين وتطارح تلك المرأة النمرود الغرام كل ليلة والقوم نيام ، عاد الاشهب بخطواتة المعتادة إلى الطاولة حتى لايثير الشبهات ، وانتظر بفارغ الصبر أن يأتى الموعد المحدد فى الرسالة ليقابل ليث عند سفح الجبل حتى يرى الادلة بعينية، عند بزوغ شمس اليوم كان المجلس قد فض ، لم يتجه الاشهب نحو غرفته كعادته بل سار من ممر ضيق فى الكهف وصولاً إلى درجات تلتف حول الجبل قاصده قمته ، عند وصوله إلى مبتغاه ابصر ليث يقف وحده بينما وشاحة يتطاير خلفة ، اقترب الاشهب منه :
من تصدق روايته قبل أن يحكيها لأحد هو صاحب الحظ الأعظم، ومن يمتلك مفاتيح النفوس يمتلك كل شئ ، اما من لديه الحكمة والتدبير فيصبح ملكاً ليحكم كل من حولة ومن لدية نار الاولين لايستطيع أحد أيقافة ، وهذا كان مايطمح إليه ليث فى كل خطوة او خيار اتخذه ، حتى القرار الذى سوف يتخذه اليوم تحديداً. فى غرفة العرش كان الاشهب جالساً وحوله ثلة من اصدقائة على مائدة كبيرة وامامهم ماطاب لهم من طعام وشراب ، من بينهم النمرود و صقر ، النمرود كان يصغره بثلاثين عاماًولم يكن الشيب قد تملك منه ، عظمة لم يهن بعد ورغم ان جسده مثخن بالحروح اثر معارك الحلبه التى يشارك فيها بأرداته حبا فى الدم إلا أنه لاذال يحتفظ بحسن مظهره من وجهه إلى اصابع قدمية ، وربما كانت تلك زريعة جيدة تبدأ بها المؤامرة ، بجانب تلك الرسالة التى تخرج الأن من البأر محمولة فى يد ميراج ، إحدى الاقزام وتكون ابنه مرزداخ بالدم . _فالتخبرنى مجدداً يا نمرود ، لماذا مؤخراً أصبحت تعتزل رحلات الصيد ، هل شغلك صيد العاهرات عن صيد الضباع والثعالب. قال تلك الكلمات كبير الصيادين بينما يمزق لحم الضبع المشوى بكلتا يديه ضاحكاً سخرية من النمرود الذى رد قائلاً: _من الافضل أن اصطاد العاهرات الحسناوات على أن اشارك هذا الوجه رحلات الصيد كل ليله . ضحك جميع من يجلسون على المأدبة ثم شرعوا يغنون بصوت عال وبين ثنايا الضحك والغناء كانت ميراج صاحبة الخطوة الصغيرة قد وصلت إلى كرسى الاشهب وجذبته من ردائة قائلة بهمس : _سيدى هذه الرساله محموله لك من ليث ، يطلعك أن تقرأها على انفراد. حملق بها ، ثم ازعن لطلبها ونهض من مجلسة متخذا ستار بينه وبين اصحابه ، فك الرباط عن الرسالة ، وبدأ يقرأها شئ فشئ ، وعندما أنتهى بصق على الرسالة ومذقها تمذيقا حتى لم يتبقى منها إلا فتات تحملة الرياح ، كان كمن مات واقفاً فل تلك اللحظة ، هؤولاء يفعلون ذلك ؟ ، اصدقائة الاوفياء من يحيط نفسه بهم ويتشدقون فى كل ثانية بفخر واعتزاز عن انفسهم ، لم يصدق الاشهب كل ما قرأة فى الرسالة ولكن ليث أخبره فى نهايتها أنه يملك أدلة دامغة وإن لم تكن كافية ، فنار الاولين ستقتل الكاذب . كانت الرساله تحمل اسم النمرود و ثلاثة اسماء اخرى لم يكن بينهم صقر ، وتحمل أسم أمرأة تساعدهم فى مكيدتهم للأستيلاء على سر نار الاولين وتطارح تلك المرأة النمرود الغرام كل ليلة والقوم نيام ، عاد الاشهب بخطواتة المعتادة إلى الطاولة حتى لايثير الشبهات ، وانتظر بفارغ الصبر أن يأتى الموعد المحدد فى الرسالة ليقابل ليث عند سفح الجبل حتى يرى الادلة بعينية، عند بزوغ شمس اليوم كان المجلس قد فض ، لم يتجه الاشهب نحو غرفته كعادته بل سار من ممر ضيق فى الكهف وصولاً إلى درجات تلتف حول الجبل قاصده قمته ، عند وصوله إلى مبتغاه ابصر ليث يقف وحده بينما وشاحة يتطاير خلفة ، اقترب الاشهب منه : _منذ متى وانت تعلم ؟ كان سؤاله قاطعا ، متعطشا لإجابة تزيح هذا الثقل عن كاهله ، ولكنها زادتة ثقلاً فوق ثقلة _منذ ثلاثة اشهر ، فى البداية بدأ الامر بشك ، ثم تتبع ذاك الشك حتى بات يقين . نظر الاشهب إلى عيون ليث: _ماهو دليلك على هذا الاتهام الخطير لهم . ابتسم ليث قائلاً يستنكر كلمات الاشهب: _الاتصدق ولدك ايها الرجل العجوز ، حسنا إذا ، الدليل على جسد النمرود وصديقية يزن و جمير ، علامة استدعاء فاشلة لنار الاولين ، نار الاولين المحظورة حتى على ، هم يخفونها تحت ملابسهم حتى لا يفضح امرهم وقد علمت ذلك من النساء اللاتى يشاركن كل واحد منهم حمامه . اتسعت عين الاشهب ثم قال : _وماذا عنها ، انا لا أصدق . لوح ليث بيده قائلاً: _بل صدق يا ابى ، الخوف يتأكل كأنه خشب بالى تلتهمه الأَرَضَة ويجب علينا أن نقيم دعائمة قبل أن يهوى علينا جميعاً. همهم الاشهب ينظر إلى مائالت له الأمور غارقاً فى حيرة من وقع ماسمع : _سوف ارض امرها على نار الاولين ، اذا نجت فهى بريئة واذا لم تنجوا فسأكون سعيداً برؤية النار تلتهم لحمها قطعة قطعة . كان مصير الثلاثة رجال قد تحدد بالموت حرقا فى مساء اليوم ، اما كليلة فيبقى لها فرصة إذا نجت من اختبار الدم والنار ، دقت ساعة الموت وما كان يخفية الجبل فى جوفة يوما ما اتى اليوم الذى يعلوا فيه فوق هامات النجوم ورأس الشمس . **** بعيدًا في حارة اليهود بالقرية، كان موسى واقفًا أمام باب الحكيم هود، يحمل الحطب بين ذراعيه. كان قد قطع الخشب من غابة الصفصاف القريبة من القرية، غابة تعج بالأزهار والأشجار بمختلف أنواعها وألوانها. بعض هذا الخشب يصلح لصناعة الأثاث، والبعض الآخر للتدفئة وإشعال المواقد. أما الأزهار والأعشاب، فكان الحكيم يطلبها أحيانًا لصنع ترياق أو وصفة جديدة، أو لإعادة ملء قواريره الفارغة، كان موسى أيضاً يهودياً لذلك قبلة الحكيم تلميذاً له وكانت غاية موسى أن يأخذ لقب حكيم القرية وان يلتمس العلم من هود ، هذا لايعنى أنه لم يكن أيضا يريد الحب لكن لنقل أن الحب حكاية اخرى هو غير مذكور فيها . طرق موسى على باب الحكيم الذى لم يطل انتظارة ودعاه فوراً إلى الدخول بوجه بشوش لم يعتد موسى أن يراه كثيراً ، طلب منه الحكيم أن يجلس جاره بينما يسحق الاعشاب والزهورة وينقعها فى زيت الخروع ، قال موسى بصوت منخفض توقيرا لمعلمة : _شكرا يا سيدى الجليل . فرك هود حفنة من الورود بين يدية ثم نثرها على الخليط الذى صنعة بينما يقول: _ما الذى تحلم به يا موسى ؟ رد بصدق نيه : _اريد أن اقضى على المرض . _وكيف ياترى سوف تفعل ذلك ؟. قال هود تلك الجملة بينما يحمل قنينة من الزئبق القمرى فى يده اليسرى ويفتحها ليمزجها بخليط الاعشاب والزهور. ثم اردف مجيبا على صمت موسى : _بالعلم ، بالعلم يكون كل شئ ممكن ، تسبقهم خطوات بعلمك و تملكهم بعلمك وتتحكم فى الحياة والموت بعلمك ، واذا تحكمت بالحياة والموت تستطيع ان تنقذ من تشاء او تقتل على أى افه تهدد حلمك . كان كل حرف ينطقه الحكيم حلقة فى اذن موسى ، لم يكن يهابه ولكنه كان متعطشا لافكاره وفلسفته غير مدرك للطريق الذى يجعله يسير فيه دون أن يشعر . قال هود بعد ان وضع الخليط فى قنينة كبيرة واغلق فوهتها بقطعة من القماش الرطب : _اخبرنى هل تفكر فى اشياء أخرى بجانب الطب والحكمة ؟ قال موسى ببعض من الخجل : _بل أفكر بالطبع . ضحك هود قائلاً: _بالتاكيد فى الحب ، أليس كذلك ، هذا المرض الوحيد الذى ليس له عندى ترياق. بدى على موسى علامات الحزن كأنما فقد شئ عزيز علية : _كم اتمنى لو كان له ترياق أيها الحكيم ، فأكثر مايمزق الصدر هو أن تحب حبيبا لا يحبك ، بل وتراه أمام عينك كل يوم وتسمعة بإذنك يبوح لك بشئ لا تريد سماعة ، لتدرك السبب ، هو لم يحبك قط ولم ينظر لك قط بل أحب غيرك فى تلك اللحظة تشعر كأن هناك منشار داخل احشائك يمزقها وانت لاتقدر على النحيب أو الصراخ. ربت هود على ظهر موسى ليس للتهوين عليه ، بل لأنه وقع على شرارة لحقد اراد ان ينفث فيها الهواء رويداً رويداً: _اذا لم تتمكن من الحصول على ماتريد باللين احصل عليه بالقوة ، لاتدع شئ أو يقف فى طريق سعادتك. رد موسى: _نعم ولكن عهود تحب بدر ، تحبه وقلبها معلق به كما يتعلق قلب المتصوفين بالذكر لايفارق لسانها اسمه ، حتى وانا ارى انه لايحبها يكفى أنها تكن له تلك المشاعر لاشعر بقليل من الكراهية تجاهه والسوء تجاه نفسى . نهض هود من جلسته وقال: _هل اخبرتها أنه يحب شخص أخر غيرها ؟ . ذل لسان موسى : _لو أخبرتها أنه يحب زميلتها يارا بنت عادل لا ادرى ما يكون رد فعلها ، هل تظنها تتخلى عن هوسها ببدر وتنسى الحب . ابتسم هود ابتسامة مصفرة كأنما افعى وجدت ضالتها: _لن تنسى بسهوله ولكن قلبها سيحطم وعندما تسقط كسراته ستكون هناك لتلملم شتاتها و تأخذها بين احضانك ووقتها لن ترى غيرك . بدى على موسى البهجة واقتنع بفكرة الحكيم ، ولكنه سوف يختار الوقت المناسب لذلك ، يجب أن يمهد للأمر ويختار اضعف لحظات عهود ليلقى بهذا السهم عليها . وعلى الشقّ الآخر فى جبال القمر، كانت مغارةٌ تُدعى السعير قد اشتعلت بنار الأوّلين،لهيبها يزأر في جوف الجبل كوحشٍ محبوس، كأنها فرنٌ عظيمٌ خُلِق لا ليصهر الحديد، بل ليحاكم الأرواح،حتى خُيّل لمن يراها أن الصخور نفسها تكاد تميد من الغيظ وتصرخ ألماً. نودى فى كل بقاع الجبال بصوت يصل صداه حتى الوادى واشعلت المشاعل وصولاً إلى تلك المغارة ، كان الهمس مهيب والصمت لاذع يقتل اى كلمة قد تقال ، وامام بوابة الكهف ، مثل النمرود واعوانه وكليلة راكعين يطلبون العفوا بينما هم مكبلين بأصفاد الحميم التى تذيب جلودهم ببطأ شديد جاعله من كل ثانية جحيما بحد ذاتها . قال الأشهب بصوت جهور: _اليوم ءوف نحاكم الكاذبين ، من اؤتمن فغدر وخان وكان يدبر المكائد خلف ظهرى ويحسبنى فى غفلة . بينما يتحدث نظر إلى كليلة واكمل: _ويحاسب حكم النار الخائنين ، من سلمنا لهم قلوبنا ولم تسلم قلوبنا منهم . تقدّمت زمردة خطوةً واحدة، ببطءٍ متعمّد، حتى صارت في مرمى نظر كليلة. لم تقل شيئًا في البداية… فقط انحنت قليلًا، وارتسمت على شفتيها ابتسامةٌ باردة، تلك الابتسامة التي لا تحتاج كلمات. كانت عيناها تلمعان وهي ترى كليلة منكفئة، شعرها مبلل بالدموع، أنفاسها متقطعة كمن يغرق على اليابسة. قالت زمردة أخيرًا، بصوت خفيض لا يسمعه إلا كليلة: _أرأيتِ؟… قلتُ لكِ إن النار لا تحب العاشقين، بل الكاذبين فقط. شهقت كليلة محاولة الرد، لكن صوتها غرق وسط صراخٍ مفاجئ للنمرود. _أنا بريء! أقسم بنار الأوّلين… أنا بريء! اندفع للأمام حتى شدّت القيود جلده، فانبعث منها دخانٌ خفيف ورائحة لحمٍ محترق. صرخ ألمًا، لكنه تابع وهو يهتز كالمذبوح: _خُدِعت!… أقسم أني خُدِعت! لم أخن… لم أخن! وقبل أن يُكمل، بدأ جلده—عند أسفل عنقه—يتلوّن. خطوطٌ سوداء متعرّجة، كأنها جذور محترقة، راحت تزحف ببطءٍ فوق صدره وذراعيه. همهمةٌ مرعبة سرت بين الجمع. ثم ظهرت العلامة ذاتها على يزن وجمير. علامة الخيانة… علامة الاستدعاء الفاشل للنار . نظر الأشهب إليهم دون انفعال، وكأنه كان ينتظر ذلك منذ البداية. قال بصوتٍ حاسم: _النار لا تكذب. انهار النمرود على ركبتيه: _ارحمونى! سأفعل أى شيء… أى شيء! لكن زمردة كانت قد استدارت، غير معنيةٍ بسقوطه، وأمسكت بذراع كليلة تمرّر أصابعها عليه بقسوة وهمست: _هذا هو العدل… حين يتأخر قليلًا، لكنه لا يخطئ الطريق. ارتفعت الطبول. إيقاعٌ ثقيل… بطيء… جنائزي. تقدّم الحرّاس، وسحبوا الرجال الثلاثة نحو فم مغارة السعير.كان اللهيب يعلو ويهبط كصدر وحشٍ يتنفس. وقبل أن يُلقوا، تعالت أصوات الغجر، صفًا واحدًا، كأنها تعويذة قديمة: _الموت للكاذبين… الموت للكاذبين… الموت للكاذبين… دُفعوا دفعةً واحدة. اختفى الصراخ داخل النار، وابتلع السعير أجسادهم بلا أثر. وظلت الموسيقى الجنائزية تعزف… بينما النار وحدها، كانت تضحك. اما كليلة فسحلها الاشهب بيدية العاريتين من شعرها بينما كان نواحها موسيقى فى اذن زمردة واخر ما رأته كليلة بينما تلقى فى النار هو ضحكات متواصله ، اشد مراره من جهنم التى ستلقى بها ،ولكنها قالت صارخة بكل قوة: _سوف أعود، اقسم أننى سوف اقتلكى يا زمردة انتى ومن اعانكى على هذا . كان ليث ينظر لها من بعيد وكأنها لا تعنية ، تاركاً زمام الامر لزمردة والاشهب ، لايريد أن يرى من اثر النار على من كانت يوماً حبيبته ، او يسمع صراخها بينما تأكل روحها خلف هذا الباب الموصد ، بعد ان اغلق باب المغارة اقتربت زمردة من ليث تقول له: _اكثر ما يثيرنى تجاهك هو دهائك ، اربعة عصافير بحجر واحد ، تخلصت من كل من عارض الهبوط إلى الوادى وأيضاً كسبت حليفة وعشيقة لن تخونك أبدا فى ضربة واحدة . راح الغجر يتساءلون فيما بينهم هل سوف يتم الزفاف ام لا لكن سرعان ما اعلنها الأشهب: _اليوم اصبحت الفرحة اضعاف مضاعفة ، تخلصنا من مكر احاط بنا و سوف نزوج ابننا الباسل ليث على زمردة بنه خلى الوفى ، بل خلى الوحيد لنعزز الروابط بين الغجر ، موعدنا فى المساء تحت انغام الدفوف و تمايل ورد الزمان . هلل الجميع فرحين خاصة من الشق الأخير ، فقد كانوا يعشقون ورد الزمان ، وعيونهم كانت وفيه لجسدها اكثر من وفائهم للأشهب . اقترب الأشهب من ليث بينما يظهر على معالم وجهه خليط من الندم والحزن : _الأن أنت تستحق أن تعرف سر نار الاولين ، سوف أنتظرك قبل الزفاف فى غرفتى . ضحك ليث في داخله. كل شيءٍ يسير كما خُطِّط له، رقعة الشطرنج أوشكت أن تُغلق، ولم يبقَ سوى حركةٍ واحدة… ليموت الملك وكل ما كان عليه فعله هو التضحية بالملكة .