عامٌ كبيسٌ- قصة جانبية 2 | مذكرات كائن
جاري التحميل...
عامٌ كبيسٌ- قصة جانبية 2
كلاشينكوف- الجزء الثاني من القصة الجانبية
أول عامٍ كبيسٍ- كلاشينكوف
تنويه*: القصة هذهِ رومانسية، استثناءً من الرواية الأصلية، ولا تؤثر مباشرةً في مسار القصة الأصلية، فلا فارق إنْ قرأتموها أو لمْ تقرأوها، لكنْ الأفضل أنْ تفعلوا طبعاً حتّى تزدردوا الفراشات ازدراداً، وحتّى لا أغضب.
******
لمْ تتوقّع أنْ يأتي وليد لمُقابلتها في المَكتبةِ ثانيةً، لكنْ، ها هو ذا أمامها، في ذاتِ الوضع، يعيقها عن تحضير دروسها.
زفرتْ عميقاً وتجاهلتهُ، لكنّهُ بادر وقال بقلقٍ:
"هل تحسنتِ اليوم؟ كنتِ مُتعبةً جداً البارحة."
قررتْ أنْ تنتهج الصراحة في ردها، فقالتْ:
"ألمْ تفهم يا هذا؟ هذهِ كانتْ مُحاولةً لطَردكَ على خفيف، ولربّما لاحظتْ السيدة رُقية ذلكَ."
قال بابتسامةٍ: "لمْ تلحظْ أُمّي أيَّ شيءٍ مما قلتِهِ، هي قلقتْ عليكِ فقط."
يا لهذا اللسان المعسول الكذّاب الأشِر!
قالتْ وهي تغلق الكتاب مرةً ثانية -يبدو أنَّ هذا دأبها في كلِّ مرةٍ-:
"اسمع، أدفع كامل عُمري لأعِرف كيف عثَرتَ على رقم أهلي وعنواني."
قال بهدوءٍ: "لا داعٍ لدفع كامل عُمركِ في سبيل شيءٍ كهذا، أنا فقط رأيتُ اسمكِ في ورقةِ إخراج القيد التي كانتْ معكِ، وسألتُ أُمّي، وأُمّي استفسرتْ وبحثتْ، وهكذا وصلنا إليكم عبر معارف مشتركين، المدينة غرفة وصالة كما يقولونَ."
ثمّ انحنى إلى الأمام وقال:
"أمّا عن عمركِ، فإنّني أدفع حياتي في مقابل منحكِ إياه، لي."
قالتْ بغضبٍ ظاهرٍ هذهِ المرةِ وبصوتٍ أقرب للتهديد:
"سوف ترى ما سأفعل إذا جئتَ ثانيةً، سوف أعلو بسقف أفعالي هذهِ بشدةٍ."
قال وهي تنهض: "وأنا أترقب ما لديكِ من مقالب، وأنتظر."
******
في المرةِ التّاليةِ، قامتْ سلمى بحركةٍ جارحةٍ وشريرةٍ، جارحةٍ للسان... لا، هذا ليس مجازاً، كانتْ جارحةً للسان وليد حرفياً.
كانَ وليد يشربُ القهوةَ بملعقتينِ من السكر، هي تعرف ذلكَ من خلال تقديمها المستمر للقهوة في المراتِ السّابقة.
هذهِ المرّة، أضمرتْ أمراً.
فتحتْ عُلبة الملح، وألقتْ بملعقتين كاملتين في قهوته المسكينة، أو هو المسكين.
تقدّمتْ وقدّمتْ القدح السادة، الخالي من الملح، للسيدة رُقية، وهي في كامل تركيزها حتّى لا تُبدل بين القدحين وتصبح الفضيحة أكبر، وبينما هي تُركّز، وتعطي القدح الثاني لوليد، قلبتْ يداها المرتجفة صحفةَ الأقداح، ووقعتْ كلُّها على الأرض.
توترتْ العائلة أجمع، ووليد ورُقية يهدئانِ الوضع، فشِلتْ خطتها، لكنْ من يدري، ربّما هذا لأفضل، ولن يأتوا ثانيةً لطلب مثل هذهِ الفتاة الخرقاء؟
تكرر التوبيخ ذاتهُ، بل أكثر، بعد أنْ رحلوا، وشعورها المزيف بالنصر ذاتهُ اجتاحها.
لكنَّ رُقية اتصلتْ ثانيةً، وطلبتْ موعداً جديداً، على أنْ يُتاح للعريسين الجلوس وحدهما قليلاً.
جاؤوا كما العادة، وسلمى لمْ تتعظ أو تتراجع، فقررتْ أن تُطبق خطتها السابقة بعد أنْ طفح كيلها، وكي تحول بينها وبين الجلوس وحدها مع هذا الكائن.
جاءتْ بالقهوة المُملحة، وحرصتْ على أنْ تُثبتَ يدها قدرَ ما تستطيع لكيلا تقع الكارثة ثانيةً، وبالفعل، ابتلعَ الفرخ الطعم.
ارتشف وليد القهوة وهو يبتسم ناحيةَ والدتها، وسلمى تراقب وجهه.
فجأةً، ولوهلةٍ خاطفةٍ لا تتعدى الثانية، تغير لون وجههِ وانقلب، فما لبث أنْ عاد إلى طبيعتهِ، يُكمل -يا للعجب!- شرب القهوة غير المعقولة، وبذاتِ الابتسامة.
شكّتْ في نفسها، راجعتها كثيراً، راقبتْ وجه رُقية لتتأكد من عدم خلطها للأقداح وتبديلهم، راقبتْ وجوه الجميع، لا شيء.
اضطُرتْ في النهاية لتمثيل التعب كيلا تجلس وحيدةً معهُ، أمّا عن مشاعرها بعد أنْ رحلوا، فأخذتْ أمواجٌ منها تتلاطم داخلها، تأخذها وتجلبها.
امتنعتْ عن الذهاب للجامعة لفترةٍ حتّى مع حاجتها المُلحّةِ لذلكَ بسبب الأوراق، وذاكَ خَوفاً من أنْ تلقاهُ هُناك، علَّهُ لا يجدها لفترةٍ، فيمل، ولا يراها، ولا يدوس بيتها ثانيةً.
******
يا إلهي! غابتْ كلَّ هذهِ المدةِ، وما زال وجههُ يطِلُّ عندما تخطو داخل المَكتبة، وها هو يتجهُ إليها خصيصاً.
همس وليد: "السلام عليكم."
كتمتْ سلمى غيظها وسكتتْ، فقال يجيب نفسهُ:
"وعليكم السلام، تفضل."
نظرتْ إليهِ بغضبٍ وقالتْ:
"لا، لا تتفضل."
جلس براحةٍ، ثم غمزها وقال:
"أنا أعرف ما تفعلينهُ، خصوصاً في المرّةِ الأخيرة."
لمعتْ بارقة أملٍ في صدرها وقالتْ وهي تتعلق بآخر قشةٍ:
"ماذا أفعل؟ أخبرني بالتفصيل."
-"أنتِ تختبرينَ إعجابي الصادق! سمعتُ عن هذهِ الطريقة التركية في الاختبار في فترةِ الخُطبة، وعرفتُها فور ملامسةِ الملح لحُليماتِ لساني."
قالتْ ذاهلةً: "ماذا؟"
-"أنتِ خبيثةٌ، واختباركِ لإعجابي -عن طريق تمليح القهوة- لن ينفع، لأنَّهُ حتّى خبثكِ هذا، يعجبني، وبشدّةٍ."
-"هل أنتَ ربما... أحمق؟"
قال وهو يستند براحةٍ: "ربما... ستكتشفينَ مع الزمن."
-"أيُّ زمن؟"
صمت، وكانتْ إجابتهُ واحدةً من تلكَ النظرات... الحانية الخاصة بهِ.
تنهدتْ وقالتْ: "إذاً لن تنفع القهوة المالحة؟"
رفع حاجبيهِ وقال: "لا."
هتفتْ بعصبية بعد أنْ تذكّرتْ شيئاً:
"ما بالكَ؟ أصادفكَ هُنا كلَّ مرةٍ، كل هذا لتقابلني؟ أنتَ تترصدني رسمياً! هل أتيتَ في أيام غيابي أيضاً؟ ها؟"
-"أنْ أسعى لأُقابلكِ في كلِّ مُناسبةٍ وبغير أيِّ حرام، أنا لا أُنكِر هذا، بل أصدح بهِ بقوّةٍ، وأمام العالم أجمع، فهذهِ اللحظات هي أفضل لحظات حياتي، حقاً."
سكت قليلاً، لاحتْ على وجهها حُمرةٌ خفيفة وكادتْ تندفع وتقول شيئاً، لكنّه سبقها بابتسامةٍ خفيفة:
"لكنّني، يا آنسة سلمى، لمْ آتِ هُنا لأغراضٍ دنيئة لا سمح الله، أنا لديَّ مآرب هُنا مثلكِ بالضبط. أنا أسعى لأُسجل في تخصص ثانٍ بعد تخرجي، لهذا آتي بأوراقي وأجيء، وأسير في ممراتِ البيروقراطية الورقية مثلكِ بالضبط."
قالتْ بتهكّم: "أهذا شغلكَ الشاغل؟ على علمي أنتَ مُهندس عظيم، وتعمل حالياً."
قال برقةٍ: "لستُ عظيم، العظمة لله، أمّا التخصص الثاني الذي أسعى إليهِ، فهو في صميم عملي ولأجلهِ، وأنا أوازن بين جداول مشاغلي على أساس هذا، فهُناكَ الكثير مما يشغلني ويملأ بالي، مثلكِ بالضبط."
-"مثلي؟"
-"أنتِ تملأينَ بالي."
انتهى المشهد بذاتِ الغضب الصادر من سلمى، وبذاتِ الوعيد لتزيد ثقل مقالبها، مع شيء -إذا تحدثنا صراحةً- من الخجل الطفيف في نفسها.
أمّا عن وليد، فقد شعر بنفس الهدوء وبمزيدٍ من الثقة.
******
واستمر الحال على هذا، يتأرجح بينَ مقالب ليلة الخطبة الخفيفة والمُستفزة من ناحية سلمى، والمحادثات الهادئة والمُستفزة من ناحية وليد في اليوم التالي في مَكتبة الجامعة.
ذاتَ يوم، قررتْ سلمى أنْ تُقحِم إخوَتها في مقالبها بخبثٍ، اتجهتْ إلى مجد وعرضتْ عليهِ الأمر، فقال مُتنصلاً بوجهٍ جاد:
"اسمعي، أختي، هذا شأنكِ فقط، بينكِ وبينهُ، عريسكِ، أنا لن أتدخل سَلباً أو إيجاباً، دعيني في دراستي فحسب."
قالتْ تسخر منهُ: "لا تقل عريسي، وأنتَ جبان! أهذا أخي الكبير الذي أستند عليهِ؟ الناقص فقط أنْ أستعين بأمجودة الصغير ذي السنتين بدلاً منكَ!"
-"لا تستعيني بي ولا أستعين بكِ في هذا، أخبريهم فحسب أنّكِ غير موافقة."
قالتْ مُتباكيةً: "هذا لا ينفع، لا ينفع! فعلتُ، فعلتُ مئات المرات، لكنْ لا أحد يستمع إليَّ!"
-"ربّما عليكَ أن تفكري ثانيةً وتوازني الأمور!"
سكتَ أمام امتعاضها ثمَّ استطرد:
"ولن يحدث أيُّ شيء في النهاية إلا بموافقتكِ، فالكلمة الأخيرة لكِ يا سلمى، ولكِ فقط."
بعد تفكيرٍ طويل عقب هذا الكلام، قررتْ سلمى أنْ تفكر أكثر، أي والله.
لكنّها هُنا ستفكر بجديةٍ في الأمر، وستتناول الرجل -وليد- بعقلانية ما دام يريدُها حقّاً، على أنْ تستمر في مناوشاتها المُعتادة، عاملةً بالمبدأ الأحمق الذي يقول:
"إذا جاءكَ شيءٌ في هذهِ الحياة، ارمِهِ بقسوةٍ، فإنْ عاد لكَ فهو إليك، وإنْ لمْ يعد، فهو إليكَ في هذهِ الحالة أيضاً!"
بعيداً عن ذلكَ الهراء، السبب الحقيقيّ لذلكَ، هو أنّها أحبتْ نفسها المُشاغبة التي تبيّنتْ الآن فقط، ومع هذا الرجل المسكين وحدهُ، حتّى أنّهُ ربّما لن يعلم عن نفسِها السابقة الأصلية، الحازمة والجادة، والحادة أيضاً.
هكذا، وعلى هذا المنوال، قررتْ لأمجودة الصغير -أخيها- أنْ ينخرط معها أيضاً، بأمرها.
ذاتَ مرةٍ، أمسكتْ أُذن أخيها ووشوشتْ فيها:
"أمجودة، أمجودتي، يا أحلى أمجودة، أنتَ تعلم كم تُحبكَ أختكَ، صحيح؟"
أومأ الطفل البريء قائلاً: "بلى."
قالتْ بخبثٍ مُغلفٍ بالملائكية: "ما رأيكُ بحلوىً مُقدمةٍ مني، هدية لكَ فقط "خص نص" (خصيصاً يعني لهُ وحدهُ)؟ دليل على أني أُحبكَ."
اقتربتُ منهُ أكثر وهمستْ بهسهسةٍ:
"على أنْ تتقدم من العمو هذا، الذي يأتي كلَّ يومين، ويقرفنا، وتقول لهُ: تف. ابصق على عمو يا أمجودة، حسناً؟"
قال بحماسٍ: "حسناً."
خلال زيارتهم التي لا تعرف عددها لأنّها لم تعد تعدّ، جاؤوا مع أختهِ هذهِ المرةِ.
راقبتْ سلمى الوضع بعينين لا تهدآن، وشفتين ملآتان بابتسامةٍ تكاد تفضح خطتها من كثرة الاستمتاع والحماس، والشماتة ربّما.
كانتْ عينا وليد مُتركّزةً عليها، بحياءٍ وحِشمةٍ شديدين كما هي العادة، وبابتسامةٍ، لكنْ، هذهِ المرّة، كانْ هُناكَ داخل حدقتيهِ تفاجؤٌ خفيف، وربما فرحٌ.
هل هذا الأحمق فرحان لأنّني أبتسم وأضحك في سري شماتةً بما سيحدث لهُ؟
جاءتْ اللحظة المُنتظرة، وفي خضمِّ زحمة توزيع "الضيافة"، حلوى البقلاوة والألماسية وشتّى أنواع الحلوى العربية، تقدّم أمجد بثقةٍ وقال أمام وليد:
"أريد أنْ أقول لكَ شيئاً يا عمو."
ابتسم وقال: "ماهو يا حبيبي؟"
قال بالحرف: "ابصق على عمو!" ولمْ يتف أو يبصق فعلياً كما هو مطلوب.
امتقعتْ سلمى، وندّتْ عن وليد ضحكةٌ وهو ينقّل نظرهُ بين أمجد وسلمى ويمسّد رأس الأول، وحال الهرج والمرج بين كلمات أمجودة، وآذان أغلب بقية الحضور.
في اليوم التالي، كانَ اللقاء المُعتاد بينهما في المَكتبة.
قالتْ سلمى بضيقٍ وكأنّها تُحدث نفسها:
"مقلب البارحة كانَ فشلاً ذريعاً، حتّى أمّكَ لمْ تنتبه لكلماتِ أمجد إطلاقاً! هذا جزاء من يعلق آمالهُ بأطفال!"
قال وليد وهو يصارع رغبةً مُلحّةً في الضحك:
"أتفق معكِ، لكنّ أمجد كان لطيفاً حقاً، لطيفاً جداً جداً، ليس هناك ألطف منهُ في هذا العالم، إلا شخصاً واحداً، فتاة بالأصح، تعرفينها أنتِ."
عبستْ ثانيةً وأشاحتْ بوجهها -المُحمر، بعارٍ كبيرٍ- وهي تقول:
"أمتنع عن إجابتكَ، بل عن الحديث معكَ أصلاً، فلتغادر، هيا."
-"لكن أتعلمينَ يا سلمى ما أراهُ فقط في كلِّ محاولاتكِ ومقالبكِ هذهِ؟"
-"ماذا ترى؟"
-"أنتِ."
زاد احمرار وجهها، وهتفتْ بسرعةٍ وهي تنكبُّ على كتابها:
"هيا، هيا غادر واتركني أحضّر درسي، ولا تضيع وقتي! اذهب إلى أعمالكَ، فالفراغ الذي أنتَ فيهِ هذا أتمنى نصفهُ، طبعاً! فأنتَ لا تعرف صعوبة الدروس ولا التدريس."
ضحك وليد بصوتٍ عالٍ، ثمَّ انسحب وهو يُراقب توهّج وجهها الداكن ويقول:
"حسناً، حسناً، سأرحمكِ اليوم، آنسة سلمى، وإلى لقاءٍ قريبٍ إن شاء الله."
******
استمر الأمرُ على حالهِ فترةً ليستْ بقصيرة، كلَّ يومين، هُناكَ مناوشاتٌ ومقالب في المساء، ليتبعهُ حديث مُقتضب طريف في الصباح التالي.
فجأةً، حُلتْ أمور سلمى أجمع، أوراقها تسيّرتْ وتيسّرتْ، تمّ تسجيل اسمها في الماجستير أخيراً، وأُعلِمتْ أنّها تقدر على البدء مُباشرةً مع الدكتور المسؤول.
حمدتْ ربها كثيراً، وارتاحتْ نفسها، وفي ذلكَ اليوم، قررتْ التوجهَ إلى المَكتبة بعد غياب يومين.
دخلتْ تمشي ببطءٍ، تبحث بعينيها عن أمرٍ ما...
جالتْ بعينيها سبعة مرات حتّى بعد أنْ جلستْ، لاشيء، لا أثر.
أقنعتْ نفسَها بأنّها لا تهتم، وأنّ نعم الله اليوم غمرتها بكرمٍ وفضل، فلن تُعكّر هذا المزاج بأمرٍ لا يستحق أصلاً، ولا تشغل بالها بهِ.
لكنّها، للأسف، عادتْ تدور بنظرها، تمسح أرجاء القاعة كافةً، ولا تجدهُ. ربما ملَّ وما عاد يأتي.
بعد قليلٍ، سمعتْ خطواتٍ خلفها، اقترب ظلهُ وتمدد أمامها وهو يركز في أوراقها بين يديها ويسألها:
"ألن تحضّري الدروس اليوم؟"
انتفضتْ قليلاً، وتمعنتْ في وجههِ وسألتْ:
"أين كنتَ؟ هذهِ أول مرةٍ لا أجدكَ."
حاولتْ أنْ تبدو مَرِحةً ضاحكة.
قال وهو يجلس في مقابلها:
"هذا سرٌّ، كان لدي بعض الأشياء."
امتعضتْ وقالتْ: "سر؟ أيُّ سرّ؟ إذا كنتَ لن تُخبرني فأنا لا أريد إخباركَ بما استجدّ."
سأل باهتمامٍ: "أخبريني."
-"لن أفعل إذا لمْ تفعل."
-"وإذا رفضتُ؟"
-أُغادر، هكذا ببساطة."
بدأتْ تجمعُ حاجياتها وهي مُكشّرة، لكنْ ببرود.
امتثل أخيراً فقال بندمٍ: "حسناً، حسناً، لا تُغادري... كنتُ أُسدي معروفاً لشخصٍ عزيز جداً."
جلستْ وقالتْ: "همم، لن أسأل أكثر إذاً، أمّا أنا، فقد تيسّرتْ أموري فجأةً بقُدرة قادرٍ الحمد لله."
تورّد وجههُ وابتسم ابتسامة العارف، وهنأها وهي تفكر بمعنى ابتسامتهُ.
قالتْ مُباشرةً: "أكان أنتَ؟"
سألها: "ماذا تعنين؟"
-"أأنتَ من فعلتَ ذلكَ؟"
صمتٌ... عاودتْ تسأل: "لكنْ كيف؟ لقد جربتُ شتّى الأمور حتّى أُسجل وما نجحتُ!"
قال بتسليمٍ: "أعرف أحداً ثقيلاً، لكنّني لمْ أقصد التأخر عليكِ يا سلمى لا والله، فقط تمّ الأمر عندما استطعتُ التواصل معهُ أخيراً."
صمتتْ لحظةً، ثمَّ نظرتْ إليهِ بامتنانٍ شديدٍ على غير عادتها وقالتْ:
"شكراً لكَ يا وليد، هذا حقاً أكثر مما أستحقّ."
-"هذا أقل ما تستحقينَ يا سلمى، لا تُشكريني، منّي عليَّ فقط بوجودكِ، وحديثكِ وضحكاتكِ."
تورّد وجهها، ثمّ ضحكتْ وقالتْ فجأةً:
"ألا تلاحظ أنّ هذهِ ثاني مرة أشكركَ بها؟ المرةُ الأولى كانتْ تلكَ المشؤومة!"
اعتدل وقال: "بمناسبة الحديث عن تلكَ المشؤومة، أود تقديم اعتذارٍ أيضاً."
تنحنح ثم أخذ نفساً وقال:
"حقكِ كل الحق أن تصديني طوال هذهِ الفترة، فأول مرةٍ لمْ تكن أفضل لقاءٍ بيننا، وأنا لمْ أتصرف بشكلٍ جيدٍ... في الواقع، لخبطتُ وأفسدتُ كلَّ شيءٍ، لكنني كنتُ متوتراً حقاً، وهذا ليس عُذراً، أنا آسف."
سألتْ باهتمامٍ:
لكنْ ما جعلكَ تُصر هذا الإصرار كلهُ على فتاةٍ لا تُبدي لكَ إلا الوقاحة والرعونة والغلظة؟"
ضحك وقال: "سلمى، لا تقولي ذلكَ، وحتّى غِلظتكِ هذهِ على قلبي بلسمٌ، أمّا عن سؤالكِ، فأنا لدي اعترافٌ بسيط."
صمت قليلاً ثم استطرد: "أنا سمعتُ عنكِ ورأيتكِ كذا مرةٍ في معهدكِ ذاتهُ، حيث كنتُ أدرس وأحضّر لدخولي هذا التخصص، بالطبع، الكلاشينكوف المعروفة.
عندما سألتُ عنكِ، فحضرتُ لكِ بضعة دروسٍ، كثيرةً في الواقع، أضمرتُ أمراً وقررتُ، لكنّكِ ترفضينَ الكثير من العرسان بشهادةِ أطرافٍ عدة، لذا..."
قالتْ وهي تضحك صراحةً، ولأول مرةٍ أمامهُ:
"أطراف؟ هاهاهاها...
فقررتَ أنْ تتقدّم بهذهِ الطريقة الغبية."
قال بحرجٍ: "نعم، وحقكِ قول هذا وأي شيءٍ آخر."
-"سماحاً يا وليد، سماح...
لا تكررها ثانيةً، هل تسمع؟"
-"لن أكررها، ولا شيء آخر، إلا رغبتي بقربكِ، والبقاء معكِ، وجديتي فيكِ، وفي إعجابي بكِ."
******
بعد فترةٍ، وما إنْ كادتْ تتم الخطبة، حتّى تُوفيَّ والد سلمى، الحاج عبد الحميد، بطريقةٍ مُريبةٍ ومثيرةٍ للشبهات، خصوصاً بعد عودة أخبار إحالتهِ للتقاعد قسراً إلى سطح القيل والقال المُتداول بين الجيران، بسبب ثبوت إدانتهِ سابقاً في بضعةِ أمور.
انتشرتْ الشائعات، لكنْ بخفوتٍ شديد بسبب ماضيهِ العسكري وملابساتهِ...
تُوفّي عبد الحميد مَقتولاً في زقاقٍ عشوائي، مضروباً على خلفيةِ رأسهِ بأداةٍ ثقيلة لمْ يُعثر عليها، ولمْ يُعرف القاتل، ولمْ تظهر ملامح أيِّ مُشتبه بهم، فقيّدتْ القضية ضد مجهولٍ، وأُغلقتْ إلى الأبد لعدم كفاية الأدلة.
بسبب ذلكَ، لمْ يحضر إلا القليل -منهم وليد وعائلتهِ- جنازتهُ، والصلاة عليهِ، ودفنتهُ، رحمهُ الله.
عاش بغموضٍ وهدوءٍ، ومات بذاتِ الغموض والهدوء.
هذا الذي حدث، حفر شوكة قهر في روح سلمى، وغرز آلاماً في فؤادها، وفي أفئدةِ العائلة بأكملها، وتوقفتْ أمور الخطبة والأفراح، إلى أجلٍ.
******
رحل السّند الأكبر، ورحل العود الهادئ، ورحل أعمق أجزاء قلبها، انتُزع انتزاعاً، وانسحبتْ عروقها من بطينات فؤادتها وفجواتهِ، فهو العروق والقلب والبطينات جميعاً معاً.
ساد السواد حياتها، توقفتْ دراستها، وطاردها طيفهُ الهادئ الحكيم.
وصّاها بالصبر والاحتساب، وائتمانِ أحزانها، آهاتها، وفواجعها عندهُ وحدهُ، ربنا، جلَّ وعلا.
تواردتْ وصاياهُ إليها بأنْ تستمر، أنْ تُحارب وتدرس، وتُثبت نفسها، هي استمرارهُ، وهو جذورها.
يعتصر قلبها الشوق، بل لا يفارقهُ لا والله، وكيفَ يفعل وهو المحفور في صدرها هياماً وحباً، وجوداً وحياةً؟
كيف يفعل، كيف تنسى، كيف يغيبُ عن بالها، وهو الذي لمْ يغب عن حياتها، ولمْ تُفارقهُ إلا اشتاقت إلى لُقياه، وما ابتعدتْ إلا تعطّشتْ إلى رؤيتهِ؟
ولولا وصاياهُ ذاتها، وإيمانها الراسخ، ورجاءها لهُ برحمةٍ وراحةٍ في الجنة هناكَ، في غياهبِ الرحمة، إلى جوار الرحمن، لما ثابرتْ، ولا استمرتْ، ولا فارقتْ أحلامها المُريحة في الليالي الحالكة، والتي لا ترى فيها إلا إياه!
******
جلستْ سلمى في المَكتبة بعد فترةٍ طويلةٍ، انقطعتْ فيها عنها، وعن الدراسة، وعن الخطبة، وعن وليد...
عن كلِّ شيءٍ.
كانتْ تتشح بالسواد، كلُّ شيء أسود فيها، ملابسها، حجابها، حتّى حذاءها.
وجهها مُتعب، وتحدّق بنظراتٍ شبه غائمة في كتابها القديم.
اقترب هو منها وجلس بهدوء وقال بصوتٍ خافت:
"السلام عليكم."
همستْ بهدوء: "وعليكم السلام، تفضل."
نظر إليها غير مصدقٍ، وبادلتهُ هي النظر بينما أرغمتْ شفتيها على الابتسام.
قال بحزن: "عظم الله أجركم، رحمهُ الله، رجل بألف واحد."
قالتْ: "شكر الله سعيكم يا وليد، لقد أحبّكَ بحق."
طأطأ وليد وقال بصوتٍ خافت:
"رحمهُ الله، هو فقط من فعل؟"
نظرتْ إليهِ في صمت لهُنيهة، ثم قالتْ بشجن:
"أمازلتَ تريد الزواج بي بعد كل هذا الذي حدث؟"
فكر قليلاً يحسب كلماتهُ، ثمّ سأل:
"ولماذا لا أرغب؟"
-"أعني كلَّ هذهِ الشائعات والاتهامات..."
-"الشائعات الأشِرة الحاقدة، تعنينَ؟"
قالتْ بهدوءٍ: "وإنْ يَكن، السمعة سمعة، تكونُ فاسدة حتّى لو برِأتْ، وتكونُ معطرة حتّى لو بعطرٍ فاسد."
قال وليد بتؤدةٍ:
"اسمعي يا سلمى، تخيلي لو هذا الفساد كلهُ الذي في العالم ينبع منكِ أنتِ، ينبع منكِ بحقٍّ، منكِ أنتِ فقط وأمام عينيَّ، فقط تخيلي، أتعرفينَ ما أفعل؟ أفصِلكِ عن جذر الفساد هذا وأحظى بكِ."
هتفتْ مُتعبةً: "يا سلام!"
-"أقول لكِ أيضاً، لو عُرض عليّ فساد العالم كلّهُ مجاناً، لاخترتُ فسادكِ ألف مرةٍ، وأصلحتهُ وأصلحتُ نفسي بهِ، بكِ ولا أختار غيركِ."
أشاحتْ بوجهها واحمرّتْ، رغم كلِّ شيءٍ، هي تعاتب نفسها على تفشّي هذهِ المشاعر في صدرها ثانيةً بعد كلِّ الذي حدث.
قالتْ مُتلعثمةً:
"كلامكَ غريبٌ جداً."
ابتسم وقال بلُطفٍ:
"نعم، لأنني أتحدث عن الحب وأنتِ لا تفقهينَ فيهِ شيئاً!"
استفزها، دوماً يفعل هذا، هو الوحيد الذي يُخرجها من نفسِها هكذا، ويجبرها على ردِّ الصاع صاعين.
قالتْ بتهكّم: "لا يا ظريف، أعني تشبيهاتكَ خارج النطاق وخارج كل صناديق العالم، مُبتكرة وغير مألوفة."
-"نعم، أنا مُبتكر، وإبداعي يكمن خصيصاً في اختياراتي، ولهذا وبسبب هذا، اخترتكِ مباشرةً!"
سكتتْ سلمى وحدقتْ إليهِ، لمْ ترد ولمْ تعرف أهذه سخرية أم نوع جديد من الغزل.
لكنّها عرفتْ شيئاً واحداً أخيراً.
هذا رجلها وهي امرأتهُ.
وأنتم تعرفونَ الباقي، أعزائي القراء.
******
تمّتْ