سِلكُ الآمالِ المُنحني - مذكرات كائن
اللغة: العربية
الرئيسية ربح

سِلكُ الآمالِ المُنحني - مذكرات كائن

جاري التحميل...

سِلكُ الآمالِ المُنحني ~

خيبات وآمال وخيبات

تحميل الفصول...
المؤلف

نحلم ونحلم، ونرنو إلى الأعالي، فيتملكنا شبح الخيبة القاتل!


> الدبك على الوجوه 2 - حارة الضياع - صيف 2009

ترددتُ، لكنني في النهاية لم أتمكن من تمالك نفسي، نظرت إلى نبيل ولمستُ كتف نور، نظرتْ إلي فوجدتْ يد نبيل في وجهها وصوتي يفاجئها:
"أمسكي يده لحظة، سأحدث صديقتي."

لم تكد نور تستغرب حتى أفلَتُّ بقعة وقوفنا وهرعتُ نحو لينا، هتفتُ بسرعة:
"لينا؟"

رفعتْ لينا نظرها إلي، توسعت حدقتاها وانتفضتْ واقفة:
"ميس؟ ما الذي تفعلينه هنا؟"

قطبتُ وأشرتُ بإصبعي للأفق وقلتُ بحكمة:
"أترينَ هذا المكان هناك؟ أتيتُ من هناك... أنا أسكن هنا يا لينا إن لم تلاحظي من قبل. ما الذي تفعلينه أنت هنا؟"

توترتْ وهي تلقي بنظرها للباقي المنتظرين خلف ظهري، ونور تثقبها بنظراتها الحادة -هذا تعبير نور المسترخي الاعتيادي (Rest Face)، لكنني أوقن أنه أرعب لينا بشدة- فتأتأتْ مضطربة:
"أ..أنا؟ أنا جالسةٌ هنا عادي، لما.. لماذا هم معك؟"

ظهر على وجهي تعبير استغراب بادٍ بشكل واضح على ما يبدو لأن لينا احمرت خجلاً وقلت:
"تعنين هم؟ هؤلاء نور ونبيل -أولاد خالتي- وهذا قريبنا أحمد، الآن، أخبريني أرجوكِ معنى أنك "جالسة عادي" في منتصف الحارة، على قارعة الطريق حرفياً!!"

رمقتْ أحمد لوهلة ثم استرخت تعابيرها واعترفتْ بهدوء:
"ميس، أنا واقعة في مشكلة، ساعدوني بالله عليكم."

شدَّ قول لينا هذا أحمد ونور فاقتربا وأنا أقول:
"خير؟ ماذا حدث؟ أخبريني ما الأمر."

ترددت لينا للحظة، نظرتْ إلى الأرض وعبثتْ بقدميها، خيم صمت متوتر وأنا أحدق بلينا، فلتتحدثي يا فتاة، ما بالك! هممتُ أسأل:
"الأمر خط.."

قاطعتني ونظراتها متسمرة بالأرض وقدميها:
"هناك رجال مريبون في مدخل عمارتي."

انقبض قلبي فاستطردتْ بصوت خافت:
"كانوا ثلاثة، جالسين على الدرج الصغير هناك، وعندما شارفتُ مدخل العمارة، توجهتْ أنظارهم إلي، لا أذكر أنني رأيتهم قبلاً، حاولتُ استرجاع وجوههم فأنا أحفظ وجوه الجيران، ولكن عبثاً أن أذكرهم، وعندما وجدتُ نفسي أحدق بهم بشدة، ابتسم أحدهم وأفسح، أما الآخر..."

ارتعشتْ هي وعيوننا معاً واستطردتْ:
"أما الآخر، فمد يده في الخفاء وأنا أمر، في... في كذا مكان، ف... فارتعدتُ وهرعت راكضةً إلى الخارج."

قطبتُ بينما سألت نور:
"مد يده؟ هل تعنين.."

هزت لينا رأسها بهدوء، فعاودت نور تهتف وهي تعبس ووجهها يحمر:
"هيا بنا، لنقلنهم درساً."

قلت بانفعال: "ما تظنينا؟ أبطالاً خارقين ببدلات وأوشحة؟ إنها تقول رجال كبار!"

اشمأزت نور وقالت:
"عيبٌ عليك يا ميس! عيبٌ هذا الكلام! نحن؟ نحن نقدر أن نجعلهم يشدون شعرهم من الغضب والجنون!"

صرخ نبيل (يذكرنا بنفسه أنه موجود): "نعم!"
تجاهلتهم وقلبي ينبض وسألت لينا:
"وظلوا جالسين؟"

-"ظلوا، لم يتزحزوا شبراً واحداً وهم يوزعون ابتساماتهم السمجة بين بعضهم، لذا..."

ترددتْ للحظة ثم استطردت:
"لذا ظننتُ لو أننا، وبالذات أننا معنا أولاد، ذهبنا و..."
(نفس فكرة نور التي لا أظنها تنجح)

قطعت كلامها ونظرت لأحمد الذي ذعر وقال:
"ماذا؟ ماذا لو اُختطفنا؟ كما... كما قالت ميس، الأمر ليس لعبة."

ضربته نور وهي تقول: "ضعيف!"

كادا يشتبكان بالأيدي لكنني قلت بسرعة:
"هيا، هيا، يمكننا مناداة الكبار، الأمر سهل!"

ظهر رعب شديد على وجه لينا وقالت:
"لا، لا، سوف أوبخ هكذا."

توقفنا جميعاً عن الكلام وساد صمت ملغوم، لم أستطع أن أفهم -أثق بأن الآخرين مثلي- لمَ قد توبخ على شيء كهذا. استطردت لينا بسرعة وقد شعرت بوجود خطأ:
"أع... أعني ربما."

عندما أستعيد هذه الذكرى، أتساءل كثيراً عن كيفية عدم ملاحظتي التغيير الجذري في شخصيتها في هذا الموقف. لينا الهازءة الساخرة، الواثقة والمبادرة، تتردد وتذعر وتتأتئ هكذا؟ أفهم هول الموقف، وبشاعة ما حصل معها، لكن ذاكرتي تستحضر نظراتها الزائغة وفمها المرتعش كما لو أنهم صورة واضحة انطبعت في داخلي لا تشوبها شائبة. ما الظروف التي حولت مقلتيها الحادتين وفمها المزموم الرفيع، إلى هذا التيه القلق والمهتز؟ هل هي الصدمة فحسب؟ أم هناك أمور أخرى؟
وقتها كان همي أن أساعدها، ولم أعمل فكري بكل هذه التفاصيل كثيراً.

قالت نور وقد استعادت هدوءها:
"تُوبَّخين؟ ممن؟ لن يوبخك أحد! سوف نشكو هذا الوغد لأهلنا في الأعلى."
(ملافظ هذه الفتاة... حادة بشكل فظيع!)

التفتنا في وقت واحد إلى أحمد وهاجمتُ أنا هذه المرة:
"إذاً، فلتجعل لك فائدة ما ولتذهب وتشتكِ."

سأل ببلاهة: "على الطريق؟"

زمجرت نور وهتفت في وجهه:
"اذهب! اذهب إلى منزل خالتي سلمى وأخبرهم بالقصة! هيا! يالك من جبان!"

تمتم أحمد ببضعة كلمات (أرجو ألا تكون طلاسم تلقي علينا اللعنات لأن وجهه كان يوحي بذلك) واستدار ببطء فتوجه إلى طريق المنزل الغير بعيد.

قالت لينا بتردد وهي تراقبه مغادراً:
"لكن... يا ميس، أين سليم؟"

كدت أضحك من سؤالها الساذج وأقول لها: "تسألين عن سليم؟ سليم لم يحمِ نفسه كي يحمينا."

لكن نبيل الصغير هتف ببراءة:
"هل سنضرب الأشرار الآن ونكسّر عظامهم؟"
(بحق، أتساءل والله لأول مرة، لكن، ما بال طفولة أولاد خالتي هذه؟ هل هما طفلان حتى؟)

استشعرت نور بفراستها الفذة ربما ضرورة عدم تعرض طفل لأمور عنيفة،
(أزعم أنهم يتغذون على العنف بلا شك، لكن ما علينا)
فقالت بسرعة: "فلتأخذ نبيل معك يا..."

كانت تخاطب أحمد بالطبع، لكن الأخ كان "فص ملح وذاب".

التفتت إلي فقلت باستسلام: "رحل، فهد فهود السرعة والهرب."

تنهدت وقالت: "حسناً، أنا سوف أرافق نبيل إلى المنزل، وأنتما، لا تتحركا! سنعود بالمساعدة سريعاً."

وقفنا نراقبهما وهما يبتعدان وعلى ما يبدو نبيل يتذمر بشأن عودته ونور تزجره. قالت لي لينا فجأة بوجه بلا تعابير: "هل تودين رؤية أولئك الرجال؟"

لم أعرف بما أجيبها وكيف أريحها، لكنني فكرت وقتها أن فعل ما تريده هو الأفضل، وقد أخطأت التفكير والحكم، للأسف.
******

> تغيرات جذرية - مدرستي منارة العلم - أواخر 2011

بدأ العام الجديد في مدرستنا بداية كئيبة استكمالاً لفترات السواد تلك، الحرب على أشُدها والأوضاع المعيشية تنحدر للأسوأ، الكهرباء تغيب أكثر من أن تأتي، وتأتي ولا نكاد نلمحها، وهكذا دَواليك.

هذا العام، كبرنا أخيراً وتأهلنا لمرحلتنا الإعدادية، فقد الصف النصف الذكوري منه، حيث تتيح مدرستنا الصفوف المختلطة في المرحلة الابتدائية فحسب، أما في باقي المراحل، فإنها ترسو على الإناث فقط، وقد زاد عدد الإناث وتكاثر، واستقبلنا الكثير من الطالبات الجدد المقبلات للعلم.

هذا العام هلَّ كئيباً، أسيل انتقلتْ إلى مدرسة أخرى أيضاً، ودَّعتني وداع المسافر بعد زمن عند إعلاني السفر، لكنني -ولا فتاة أخرى من الشلة- قد ودعناها وداعاً نهائياً لا نرى وجهها بعده، لكنها فاجأتنا -وتفاجأت هي شخصياً حسبما أخبرتنا- بنقلها إلى مدرسة أخرى.

أسيل كانت العقل الراجح في هذه المجموعة والرأي السديد، كانت دوماً تسعى للإصلاح والود، تمد الأواصر ولا تقطعها، وتتكلم بالقول الحسن ولا تحب اللغط جِزافاً.

تذكرتُ كلماتها ونصائحها في خضم صعوباتي، ومواساتها لي تحت الضغط، إلى جانب تشجيعها الدائم ودعمها السخي، ومحاولاتها لمصالحة كل متخاصم. ورغم أن مدة تعارفنا لم تطل فانقطعت بفعل البعد، حيث تحدثنا قليلاً بعدما انتقلت ثم تمزقت الصلات تقريباً، إلا أن بصمتها في حياتي عميقة وبارزة، أتذكرها دوماً وأدعو لها كثيراً.

بقيت أسيل بالنسبة لي مجرد صديقة افتراضية على مواقع التواصل الاجتماعي عندما أنشأت حساباتي عليها لاحقاً، ومددت طلبات الصداقة إليها. إلا أنني لم ألتقِها بعدها أو أحدثها ثانيةً.
(وداعاً أسيل♡)
******

> ماذا يحدث 3 - بيتي البيتوتي -  أوائل 2012

جلستْ أمي أمامنا، تنظر لنا بوجه جاد وعينين متعبتين، وحل صمت طويل ما ظننته ينقطع.
كانت الكهرباء مقطوعة، فراقبنا وجوه بعضنا على أضواء المصابيح الصفراء الباهتة. 

مذ فترة ليست بطويلة، بدأتِ المياه بالغياب أخيراً، بلا ميعاد وبلا إنذار، فقط هكذا، يفتح أحدنا الصنبور، ليسمع صوت تكة بسيطة، ولا نسمع ولا نرى المياه المنهمرة تدفق كالعادة.

فتحت أمي فمها في النهاية وقالت بهدوء:
"يا أولاد، هذا الذي سأقوله وأحدثكم به، على اعتباركم كبرتم الآن، فما من داعٍ أن أخفيَ أي شيء عنكم، خصوصاً عن أمر يمسُّ مستقبلكم مباشرة."

أخذتْ نفساً وأكملتْ:
"هذا... أمر مهم جداً، أحتاج كامل انتباهكما، أرجوكما."

نظرنا إليها، ومع أنني توقعت بالضبط ما سوف تقوله، ومع أن خيبة أملي كانت قد تفشَّت في قلبي بالفعل، لكنني انتظرت قول أمي الفصل، وهيبة الموقف والكلمات تتخلل الهواء حولنا، فيشتد وتر التوتر، ويبقى خيطٌ للأمل نابضاً.

عادت أمي تقول:
"عاودنا مناقشة أمر السفر أنا ووالدكما، وأود أن نتناقش سوية أيضاً، إلا أنني لم أتمكن من الاتصال به في غضون الأيام الفائتة، الإنترنت سيء جداً."

قال سليم بهدوء مباشر:
"ألن نسافر؟"

تنهدت أمي وقالت: "أنا أريد الحديث عن ذلك، لا تقفز إلى النتائج."
-"لكن..."

احمر وجه أمي وقالت بغضب: "اصمت يا سليم! انتظر حتى أُتِّم حديثي على الأقل! قلت إننا سنتناقش! تظن أنني لم ألحظ أنكما تتنصتان على حديثنا؟ وحاولت التغاضي وعدم معاقبتكما، مع أنني نبهتكما على هذا الخِطء من قبل، أم..."

التفتت إلي فجأة وقالت: "أم عندك ما تضيفينه أيضاً، سيدة ميسم؟"
وأنا ما لي؟ لم أتفوه بحرف!

عبستُ ونظرت إلى الأرض، بينما عاد هدوء أمي وهي تقول:
"لا تدعاني أمتنع عن النقاش معكما ثانيةً، انتبها! المهم، أنا ووالدكما تحدثنا كثيراً، الأوضاع هنا مشتعلة لحد كبير، وهناك بعض العراقيل في عمل أبيكما هناك أيضاً، الأمور متزعزعة وغير مستقرة، لذا..."

أخذت نفساً وأكملت: "ارتَأينا أن الانتظار ربما يكون خطوة موفقة إن شاء الله."

أذكر أنني فكرت -وربما سليم أيضاً- "إذاً القرار قد اتُخِذ بالفعل، لمَ النقاش إذاً؟" لكننا خشينا أن نبوح بهذا.

اكتفيتُ بالقول بصوت خفيض:
"هل السفر أُلغي؟ أم تَأجل؟"

قالت أمي: "لا أدري، لا أحد يدري، العلم عند الله، لذا ما علينا فعله الآن أن نستخير الله كثيراً ونصلي، لعل الله يُحدِث أمراً، وكل خير إن شاء الله."

صليتُ ليلتها صلاة الاستخارة، دعيتُ كثيراً في سجودي، وفي داخلي، في الحقيقة، خيبة أمل شديدة.

ذرفتُ بعض الدموع، وتفاجأت أنني أرغب بشدة بهذا السفر، ثم تذكرت البعد والبين والشوق، وذرفتُ دموعاً أكثر.

لم أتوقف إلا عندما باغتني سليم فجأة ونادى أمي على وجه السرعة:
"أمي، ميس تبكي لأننا لن نسافر!"

سارعتُ بمسح دموعي وأنا أقول بصوت متذبذب من البكاء:
"ألا يمكنك أن تقفل فمك مرة واحدة؟"

على غير المتوقع، لم يضحك سليم، ولم يسخر مني، بل نظر إلي بشجن، وخيبة الأمل ترتسم على عينيه اللامعة أيضاً.
******

> ماذا يحدث 4 - مدرستي منارة العلم - أوائل 2012

كانت خيبتي شديدة وقتها، ظللت ساهمة أفكر ساعاتٍ وساعاتٍ، وأقلب الأمر في لُبي ولا أفهم. الوضع هنا عصيب، والفراق حتَّم علينا أطنان الشوق هذه التي تجثم على قلبي، إذاً، لم لا نغلق هوة البين هذه؟ والأحزان واللهفات؟ لمَ إذاً وقفنا في هذه الطوابير الممتدة امتداد الأفق، وتلاحمنا في زحمتها العنقودية، وطال الانتظار وطالت أوجاع الأقدام حتى نستخرج لنا جوازات سفر؟

غير ذلك، كيف أواجه الصاحبات في المدرسة اللائي قلت لهن بثقة لا تتزحزح بأنني مغادرة؟ كيف أواجه العبرات التي ذرفوها وأهدر صوتهم الذي تهدج بالوداع حتى عندما لم يكن معلوماً ميعاد السفر؟ كيف؟
هل أخبرهم أصلاً أم أتحفظ على الأمر؟

لم أستشِر أمي هذه المرة، ذهبتُ إلى المدرسة في اليوم التالي، وقررتُ أن أصفعهم بالحقيقة ثانيةً، وبشكل مباشر.

قررتُ الكلام في فترة الفسحة هذه المرة، والباحة هادئة نسبياً -بما أن وقت فسحتنا بات مختلفاً عن وقت المرحلة الابتدائية مذ دخلنا الإعدادية- فالأجواء كانت رائقة وهادئة.

انبريتُ أقول وأنا أمسكُ شطيرة الجبن خاصتي:
"يا فتيات. هناك خبر جديد في أمر السفر لديّ."

التفتت أنظارهن نحوي، ومنهن من كفتْ عن طعامها ومنهن من توقفتْ عن المضغ في المنتصف، ينتظرن ما سأقول.

أخذتُ نفساً وقلت: "يبدو أننا لن نسافر بعد كل شيء."

هتفت ريم فوراً وأشرق وجهها: "حقاً؟ سوف تبقين معنا؟"

ابتسمت قليلاً رغم حزني وقلت:
"هكذا هو الأمر فيما يبدو."

قالت حمد بقلق: "ماذا حدث؟"
-"لا أدري، لكن والديّ قررا بعد نقاش طويل أن يتريّثا."

قالت سما: "بالتأكيد هذا الأفضل لكم."

ترددت ثم تابعت: "مع أنني أرى في السفر ضرورة كما يقول والداي، لكن الأمر ما زال..." ثم صمتُّ فجأة.

قالت لينا بهدوء: "إذاً عندما أخبرتِنا، لم تكوني متأكدة؟"

قالت ريم: "أيعقل يا ميس؟"

ارتبكتُ وقلت: "لا أدري، ربما كان مجرد تخطيط من ناحية والديّ ولم يوفق."

قالت سما بدهشة: "هل كانت مجرد افتراضات إذاً؟ كدت أتمزق حزناً يا ميس، سامحك الله!"

قالت ريم بسرعة: "لكن الحمد لله، أنت ستبقين معنا، هذا هو المهم، أليس كذلك يا فتيات؟"

قالت حمد بتفكير: "نعم، الحمد لله، لن نحزن على فراقك، لكن تأكدي من الأخبار في المرات المقبلة يا ميس."

قالت لينا: "لا بأس، فتيات..."

قالت سما بسرعة: "نعم، عليكِ التأكد دوماً بدل أن توقعي قلوبنا هكذا! يا فتاة، أسيل غادرت حزناً على فراقك."

بدأتُ أقول: "لكن أسيل لم تنتقل بسبب..."

قاطعتني لينا وهي ترمقني بنظرة غريبة:
"أهم شيء أنك ستبقين معنا ولن تسافري."

ساد صمت غريب متوتر، شعرت بالحزن لإخباري لهن بغير الحقائق، وشعرت بخيبة أمل لأننا لن نسافر، لكنني ما ظننتُ ولا توقعتُ ردة الفعل هذه من أعز صديقاتي! يعاملنني وكأنني كذبت عليهن عمداً، ويظلمنني وأنا ما قصدتُ إلا خيراً. أما عن صراحتي وفجاجتي في قول الخبر، فهذا هو نهجي ومسلكي، وأما عن الأخبار، فأنقلها لهن أولاً بأول لكي لا أخفي شيئاً عنهن! السخرية والافتراء منهن شرخ قلبي، لكنني عدتُ للتعامل بشكل عادي معهن، وفيما بيننا، بينما بقي شيء كبير في نفسي لم أستطع تخطيه، وتحديداً تجاه لينا التي -منذ البداية- أججتْ الموقف برمته.
******

> تغيرات مصيرية 

تزايد شُح المياه، وكل الموارد تقريباً من غاز وبنزين وحتى المستلزمات اليومية من طعام أو شراب، أساسيات الحياة تضاءلت وأخذت تختفي رويداً رويداً، عدا طبعاً عن غياب الكهرباء المستمر والمتزايد، حتى أصبحت من النوادر.

المياه باتت تنقطع بشكل طويل ومتردد، ولحسن الحظ، فإن هناك خزان ماء مخبأ في منزلنا كان قد وضعه أبي قبل أن يسافر، نستعين به في أوقات الانقطاع العصيبة.

كان الخزان يصَفِّر من المياه أحياناً، فإن استخدامنا الزائد يودي بالمياه كلها، لا يذرُ منها قطرة، فنضطر إلى وقف استخدام المياه إلا للضرورة، أو الاستعانة بزجاجاتٍ معبأة دورياً بالمياه، والتي لا يخلو بيتنا منها.

كانت هذه الأوضاع سيان في المنازل أجمع، منزل جدتي، منزل خالتي، منازل صديقاتي، ومنزلنا.

في ذلك الوقت، كانت الضربات والقذائف محدودة في أماكن معينة من المدينة فحسب، تقترب لكنها بعيدة، ينتشر صوتها لكن لا تمسنا مباشرةً.

فجأة، بدأت حمد تغيب كثيراً عن المدرسة، تزايد غيابها لعدة أيام، لم نفهم ما يحدث، حاولنا الاتصال بها مِراراً وسؤالها عن حالها، إلا أنها كانت تجيب إجاباتٍ مقتضبة لا تسمن ولا تغني، ولم تُفهِمنا أبداً ما يحدث.

كنا نعرف أنها تسكن في منطقة بعيدة، وأنها ربما أقرب إلى مناطق المشاكل والضربات، مما أوقع المزيد من الرعب والرهبة في قلوبنا.

وذات يوم، قَدِمت حمد أخيراً إلى المدرسة، أذكرها تماماً، وجهها ممتقع مُصفَر، فمها فاقد للونه الزهريّ، وبدنها يرتجف ارتجافاً عنيفاً.

قالت لنا بعد صمتٍ طويل من ناحيتها
(ولم نكن لنسأل قبلها كي لا نضغط عليها):
"الضرب زحف إلينا، والقذائف سوف تطالنا لا محالة!"

(أعتذر عن قسوة هذه الفصول والظروف، لكن هذه الفترة كانت صعبة بحق في حياتي، ما زال حَيلِي منفتحاً عريضاً لمزيد ولأطنان من المزاح، لكنني يجب أن أعطيَ هذه الفترة الكبيسة حقها من الوصف والمهابة.

انتظروني، سأعود الكائن المِهزار قريباً إن شاء الله :)
******
		       
×
جاري التحقق من حالة حسابك...

لوحة أرباحك

أهلاً بك في برنامج شركاء الأرباح. يتم احتساب أرباحك بناءً على زيارات رواياتك المقبولة.

الزيارات المحتسبة 0
الأرباح المقدرة $0.00

تم الإرسال بنجاح!

"تم استلام طلبكم الخاص بالانضمام لبرنامج الأرباح بنجاح. الطلب الآن قيد المراجعة"

قيد المراجعة حالياٌ

"طلب الانضمام لبرنامج الأرباح قيد المراجعة حالياٌ. تستغرق عملية التحقق وتجهيز حسابك فترة تتراوح ما بين 7 إلى 14 يوم عمل"

الشروط غير مكتملة

عذراً، لتحقيق الربح يجب أن تمتلك في حسابك
4 روايات على الأقل.

يجب تسجيل الدخول

"يرجى تسجيل الدخول إلى حسابكم المعتمد للمتابعة وتقديم طلب الانضمام لبرنامج الأرباح"