تحت نفس السما - البارت ٣
البارت ٣
سارة كانت مبسوطة بنجاح أختها اللي حققته، كانت فخورة بيها جدًا. ناس كتير أعجبوا برسمها، رسومات كلها إحساس، أكتر من إنها مجرد رسم عادي. لكن آيات… آيات ما كانتش حاسة غير بعدم فهم للي حصل. دخلت أوضتها، وحرّكت الباب وراها ببطء، قفلته… كأنها بتقفل على نفسها الدنيا كلها. كانت محتاجة الهواء والهدوء اللي حواليها يلمّ شتاتها الداخلي والخارجي. الزحمة، إعجاب الناس باللوحات، والصدمة اللي حصلت… كل حاجة كانت محفورة جواها.
“في لحظة واحدة، الواقع قرر يكشف عن وشه الحقيقي، ولما الأحلام تقابل الحقيقة، القلب بس هو اللي بيعرف مين كان مستني مين.” في المعرض في لندن، مكان واسع مليان لوحات، وناس كتير بتتمشى بين الألوان، تتفرج على الإبداع المنتشر في كل ركن. شركات كتير بتدور على وجوه جديدة، على فن مختلف، على إحساس صادق يلمس الروح قبل العين. وفي وسط الزحمة دي كلها، كان في اتنين… الوقت وقف عندهم. أبطالنا، اللي أول ما شافوا بعض، حسّوا كأنهم يعرفوا بعض من زمان قوي، مش مجرد حلم اتكرر، ولا خيال عدى في النوم. فيه حاجة أعمق من كده. آيات كانت مهوسة بصوته، بإحساسه، لدرجة إن حبها له سبق اللقاء، وصلها من لوحة، ومن حلم لحد دلوقتي مش قادرة تفهمه. بس هو… هو خلاص قرب يفهم. الوقت وقف في اللحظة اللي عينهم اتقابلت فيها لأول مرة. هو نطق اسمها من غير ما يحس. وهي، أول ما شافته، حست إن رجليها خانتها، وإنها من الصدمة ممكن تقع. شافته من غير قناع، من غير رسم، من غير شهرة. شافته هو… الشخص اللي حلمت بيه. وهو كان شايف قدامه بنت جميلة، مختلفة، بنت قدرت تنقذه من حفرة ماكانش فاكر إنه هيطلع منها. الاتنين واقفين قدام بعض، بصدمه، وما يعرفوش إنهم عارفين بعض من قبل ما يتقابلوا. آيات بدأت تستعيد نفسها، وقربت منه ببطء شديد. رجليها كانت تقيلة، كأن الأرض ماسكاها ومش راضية تسيبها. تلويندر كان واقف مش مستوعب اللي بيحصل، مش قادر يحدد إحساسه، مصدوم… تايه. قرر يكسر الصدمة. وسألها بهدوء شديد: — انتي اللي رسمتي الرسمة دي؟ ردّت عليه وهي باصة في الأرض، مش قادرة تواجهه، ولا عارفة تقول إيه. — أيوه… أنا صاحبة الرسمة. بصلها بعدم تصديق، صوته خرج مكسور شوية: — بس إزاي رسمتيني كده؟ أنا… أنا محدش يعرف شكلي. رفعت عينيها ببطء، إيديها كانت بتترعش من التوتر، وقالت بصوت واطي: — أنا مرسمتكش… أنا رسمت إحساسي. سكت. وبص حواليهم. الناس بدأت تتحرك، همسات إعجاب، خطوات خفيفة، بس هما الاتنين كانوا في حتة تانية خالص. سألها بهدوء، وعينيه مليانة أسئلة: — انتي عرفاني؟ هزّت راسها: — لا… بس حاسة إني شفتك قبل كده. ابتسامة خفيفة شدت طرف شفايفه، بس ما كانتش ابتسامة فرح، كانت ابتسامة حد خايف يفهم. قال فجأة، من غير تفكير: — أنا حلمت بيكي. آيات شهقت شهقة خفيفة، إيديها بدأت تترعش أكتر، وشها احمر، وعينيها دمعت من غير ما تحس. ومن غير ما تقدر تمنع نفسها، قالت بلهفة مش طبيعية، كأنها هي كمان مش مصدقة: — أنا كمان حلمت بيك. الكلمة وقعت بينهم تقيلة. صدمة. ولهفة. وخوف من اللي جاي. في اللحظة دي، صوت سارة قطع السكون. سارة كانت حاسة إن آيات مش طبيعية، بصت عليها، لقـتها متوترة، واقفة مع حد، والاتنين واقفين كأنهم يعرفوا بعض من زمان. — آيات؟ آيات لفّت تشوف أختها، وفي اللحظة دي، تلويندر قرر يهرب. يهرب من إحساس مش عارف آخره إيه. قال بهدوء: — آيات… واضح إننا لسه في أول الحكاية. ومشي… من غير ما يستنى رد. سارة وصلت عند آيات، لقـتها بتدور عليه بعينيها وسط الناس، رجعت تبص لأختها، ولقت عينيها مليانة دموع. — آيات، انتي كويسة؟ في إيه؟ ومين اللي كان واقف معاكي ده؟ آيات حاولت تبتسم، رغم توترها: — متقلقيش، أنا كويسة… مفيش حاجة. سارة بخوف أكتر: — طب مين ده؟ — آيات: لما نروح… هحكيلك كل حاجة. بدأت الناس تتجمع عند لوحات آيات، إعجاب واضح، أسئلة، وشركات كتير عرضت عليها تشتغل معاهم، لأن فنها لمسهم بصدق. برّه المعرض، تلويندر خرج بسرعة. وقف، قلبه بيدق بعنف. أخذ نفس طويل، وحط إيده على صدره. الإحساس اللي كان حلم… بقى حقيقة. بص للسما، وقال في سره: واضح إن الرحلة المرة دي… مش عادية. آيات وسارة رجعوا من المعرض. سارة كانت مبسوطة بنجاح أختها اللي حققته، كانت فخورة بيها جدًا. ناس كتير أعجبوا برسمها، رسومات كلها إحساس، أكتر من إنها مجرد رسم عادي. لكن آيات… آيات ما كانتش حاسة غير بعدم فهم للي حصل. دخلت أوضتها، وحرّكت الباب وراها ببطء، قفلته… كأنها بتقفل على نفسها الدنيا كلها. كانت محتاجة الهواء والهدوء اللي حواليها يلمّ شتاتها الداخلي والخارجي. الزحمة، إعجاب الناس باللوحات، والصدمة اللي حصلت… كل حاجة كانت محفورة جواها. قعدت على الأرض شوية، وحطت إيديها على قلبها. حاسّة إنه هيطلع من صدرها من كتر الصدمة، مش قادرة تاخد نفسها. دماغها مش قادرة تركز في أي حاجة غيره. الألوان، اللوحات، والناس اللي حواليها… كلهم اختفوا من قدام عينيها. لساعات قليلة بس، الزمن اتوقف. شافَته في المعرض. حسّت كل شيء فيه: حضوره، صمته، نبرة صوته، الحركة الخفيفة لعينيه، وضحكته… كأنهم اتقابلوا مليون مرة قبل كده. وبصوت واطي، كأنها بتهمس لنفسها: «إزاي… إزاي كل ده ممكن يحصل؟» دموعها بدأت تنزل من غير ما تاخد بالها. «أنا آه حلمت بيه قبل ما أشوفه… بس ما كنتش متخيلة إنه هيبقى كده بجد. كل حاجة فيه… أنا شوفتها في الحلم.» كانت حاسة بالحرج، بالحيرة، والخوف في نفس الوقت. إحساسها متلخبط، قلبها بيدق بسرعة، وكل حركة في جسمها كانت بتصرخ. وفجأة، سارة دخلت، ووشها ملون من كتر القلق على أختها. دخلت وقالت بقلق لما لقتها على الأرض، حالتها مش طبيعية، بتعيط بهستيريا: «سارة: آيات يا حبيبتي مالك؟ إيه اللي حصل؟ يا روح قلبي، اهدي… اهدي.» جريت وخدتها في حضنها بسرعة. آيات حاولت تهدى، بس الصوت اللي جواها كان أعلى من أي محاولة. بصت لها بعيون مليانة دموع وقالت بصوت واطي: «أنا شوفته… شوفته يا سارة. ده ما كانش مجرد حلم… ده طلع بجد زي ما رسمته.» سارة بصت لها بعدم فهم، بس كانت حاسة إن قلب أختها بيتحطم. قالت لها: «مين ده؟ قصدك على مين؟» آيات خدت نفس طويل، وحاولت ترتب كلامها، لكن الكلمات ما كانتش قادرة تخرج بسهولة. قالت بعيّاط وشهقة: «كان شخص غريب… غريب… مش غريب كده. أنا… أنا حلمت بيه وشوفته. هو إيه اللي بيحصل ده؟» سكتت شوية، ودماغها بتحاول تفهم… بتحاول تلم كل اللحظات اللي عدّت. «أنا… أنا بس كنت بسمع أغنية… ما كنتش فاكرة إنها هتقلب حياتي كده.» سارة مسكت إيديها برفق، حاسة بكل رعشة وصدمة في صوتها، بس مش فاهمة كل ده ليه. سابتها تقول كل اللي حاسة بيه وعايزة تطلّعه. «آيات: وإحنا واقفين هناك… كأننا عارفين بعض من زمان. و… ومش مجرد حلم. حسيت إيه؟ حسيت كل حاجة يا سارة.» هزّت راسها وهي مش قادرة تكمل كلامها، ودموعها نزلت أسرع وأسرع. سارة ضمّتها وسمعت كل كلامها قبل ما تنطق. آيات خدت شوية وقت واسترجعت نفسها شوية، وبصّت لأختها: «سارة… ده اسمه تلويندر.» سارة قالت بدهشة: «مين هو؟» آيات: «الشخص اللي حلمت بيه، وكنت برسم إحساسي بيه… الولد اللي بيغنّي اللي حكيتلك عنه.» سارة بتحاول تهديها: «طب إيه المشكلة يا آيات؟ صدفة جميلة، مفروض تفرحي. إنتِ بتحبي صوته ومعجبة بيه ومهتمة بأخباره، طبيعي يا حبيبتي تحلمي بيه. يعني عقلك الباطن خد اهتمامك بيه وإنك بتسمعيه كتير. كحلم فين المشكلة؟ ليه كل ده؟» سارة قالتها بكل هدوء. آيات: «طبيعي أحلم بيه وأنا ما أعرفش شكله… ولما أقابله يطلع هو…» سارة بتحاول تفوقها: «آه عادي، صدفة وبتحصل.» آيات، بهدوء أكبر: «وطبيعي هو يكون عارفني، ويحلم بيا من غير ما يشوفني؟» هنا الصدمة نزلت على سارة، وفهمت ليه أختها منهارة كده. آيات رجعت راسها، وبعينين مليانين دموع وبصوت خافت: «لا، مش صدفة… ده حلم. حلم بيا يا سارة. أول ما شاف صورته على اللوحة اتصدم، عشان محدش يعرف شكله. وأول ما شافني قال: آيات.» سارة هدّتها وقالت لها: «طيب قومي ارتاحي. النهارده كان يوم مرهق بالنسبالك، وزحمة، وأكيد اتضغطتي. قومي صلّي يا حبيبتي وادعي ربنا يريح بالك ويقدملك الخير. واهدي… وإن شاء الله كل حاجة هتبان.» سارة خرجت وسابت آيات. قامت ووقفت عند الشباك، بصّت على البلكونة. الهوا لمس وشها، وكل مرة كانت تشم فيها النسيم كانت بتحس بيه، وكأنه واقف جنبها. استغفرت ربها، قامت اتوضت وصلت فرضها، وحاولت تهدى… بس قلبها كان عايز يعرف: ليه؟ ليه هو حلم بيها؟ طب أنا صحيح حبيته كصوت، طبيعي يحصل لي كده… طب هو ليه؟ قعدت تكلم نفسها شوية، وفي الآخر ما وصلتش لأي إجابة. قررت تنزل تتمشى شوية، تفصل عن التفكير شوية، وتشوف حاجات جديدة. وبصّت للسماء وقالت: «واضح فعلًا إن دي بداية الحكاية.» آيات استأذنت أختها بصوت واطي: – هتمشي شوية وراجعة… محتاجة شوية هوا. أختها بصتلها نظرة فهمتها، ما سألتش، بس قلبها كان حاسس إن أختها مش بخير. نزلت آيات الشارع. الليل كان لسه بيبدأ يلمّ نفسه، السما لونها كحلي خفيف، والهوا بارد ببرودة خفيفة تخليك تحسّي بكل نفس. آيات كانت لابسة سويت شيرت واسع وغامق، وطرحة بيضا، وسكرت واسعة، وشنطة صغيرة متعلقة على كتفها. كانت ماشية… بس روحها واقفة مكانها. الشارع طويل وهادي على غير العادة، نور أعمدة الشارع خافت، عامل زي لوحات قديمة، وخطوات آيات كانت بطيئة… وكأنها خايفة توصل لنهاية الشارع، وخايفة أكتر تفضل ماشية من غير نهاية. وهي ماشية، صوتها جواها بيعلى: ليه… ليه أنا؟ ليه الصوت ده؟ وليه كل ما أقول صدفة… أحس إنها مش صدفة؟ وصلت لأول الشارع، الحديقة الصغيرة اللي دايمًا محدش بياخد باله منها. شجرها عالي، والنور فيها واصل ضعيف، والدنيا هناك هادية زيادة عن اللزوم… هدوء يخوّف. قعدت على الدكة الخشب، سندت راسها ورا، وغمضت عينيها. كانت بتحاول تفصل… تفصل من الصوت، من الإحساس، من القلب اللي مش راضي يسمع عقلها. وفي نفس اللحظة… هو كمان كان نازل. طول اليوم مش مبطل تفكير، ولا طيفها راضي يروح من باله. قرر ينزل، ومش عارف ليه رجله خدته في الاتجاه ده، ومش عارف ليه قلبه مش ساكت من ساعة المقابلة الأولى. كل اللي كان جواه أسئلة: ليه حسّيت كده؟ وليه هي؟ وليه حلمت بيها… وهي كمان حلمت بيا؟ دي عارفة شكلي، وهي أصلًا مش من بلدي، ولا جنسيتي، ولا من العالم اللي أنا حاطط نفسي فيه. فضل يمشي خطوة في التانية، لحد ما رجله خدته للحديقة. ولما قرب، لمحها. وقف مكانه، ثبّت، وقلبه وقع في رجله. وفي نفس اللحظة، قلبها دق بسرعة مش مفهومة، ونسمة الهوا خبطت وشها، وحسّت بوجوده. فتحت عينيها… ولمحته. الخضة رجعت تاني، نفس الإحساس، نفس الرعشة، نفس الصدمة. آيات قامت وقفت بسرعة، وقالت: – إنت… صوتها كان متلخبط، ومش عارفة تكمله. هو قرب خطوة: – تلويندر: أنا مش فاهم إيه اللي بيحصل، بس واضح إننا هنا لنفس السبب. سكتوا… ثانية كانت أطول من عمرهم كله. قالت وهي باصة في الأرض: – آيات:أنا نزلت عشان أفهم ليه. بصلها وقال بهدوء مكسور: – وأنا كمان. اتقابلوا تاني… مش لأنهم دوروا على بعض، لكن لأن الأسئلة اللي جواهم هي اللي جابتهم. سكتوا. ولا واحد فيهم كان عارف يبدأ منين. الهوا عدى بينهم خفيف، بس الإحساس كان تقيل… تقيل لدرجة إن الكلام كان صعب يطلع. آيات أخيرًا رفعت عينيها، وبصّت له نظرة فيها خوف وفيها إصرار: – «كده مش طبيعي… ولا صدفة». بلعت ريقها وكملت: – «وأي حاجة مش مفهومة، لو سبناها… هتأذينا». هو أخد نفس طويل، وكأنه أخيرًا لقى جملة تعبّر عنه: – «وأنا مش هعرف أكمّل ولا أمشي… غير لما أفهم». ثانية صمت… ثانية اعتراف غير مُعلن. آيات قالت بهدوء حاسم: – «يبقى لازم نفهم إيه اللي بيحصل». رد من غير تردد: – «فعلا لازم نفهم ايه اللى بيحصل». وقفوا قدّام بعض، مش عارفين الحقيقة، بس متأكدين من حاجة واحدة… إن اللي جاي مش هيبقى سهل، ومش هينفع حد فيهم يهرب. نهاية البارت. ✨🖤