اريستيا | الفصل الرابع ( اسيا )
جاري التحميل...
الفصل الرابع ( اسيا )
.........
جلست أتناول طعامي بعد رحيلهم وعندما إنتهيت ذهبت إلى غرفتي ، مررت أمام المرآة ذاهبة نحو السرير لأكمل نومي لكن توقفت فجأة وعدت بضع خطوات للخلف ووقفت أمام المرآة مرة أخرى ، اتسعت حدقتا عيناي وصرخت بصدمة على هيئتي ، شعري مبعثر وكل خصلة في ناحية وأرجل بنطالي مرتفعة إلى ركبتي تقريبا ! وملابسي بأكملها مبعثرة ، أتت أمي بسرعة على صوت صراخي قائلة في فزع :
"ما الأمر !! ماذا حدث ؟!!"
قلت لها :
"كيف لم تنبهيني أن هيئتي بهذه البشاعة!!"
نظرت لي بغيظ قائلة :
"كدتِ أن توقفِ قلبي من الخوف ! ألهذا السبب كنتي تصرخين !؟"
ضربت رأسي وقلت بخجل شديد من غبائي :
"كيف لم ألاحظ هيئتي هذه ! بالتأكيد يراني الآن حمقاء كبيرة !!"
قالت لي أمي بسخرية :
"لا تحملي هم ، بطبيعة الحال كل من يراكِ يعلم أنكِ حمقاء كبيرة"
نظرت لها بذهول لتكمل هي بجدية :
"لقد أخبرني ملهم والد تميم انه هو الفتى الذي تعرف عليكِ في الحديقة ، وبما أنه لم يخبر أحد بالأمر فأنتي الآن في أمان يمكنكِ الخروج من المنزل"
نظرت لها بفرحة شديدة غير مصدقة وضممتها بسعادة كبيرة لتقول ضاحكة :
"لما كل هذا الفرح وكأنك بقيتِ بالمنزل لمائة عام ، هذا فقط يوم"
قلت لها :
"وهل هذا اليوم بشيء صغير !"
قالت :
"نعم أنتِ محقة .. المهم ، سنخرج غدا"
قلت لها بحماس :
"الى أين الى أين ؟؟؟ إلى الحديقة ؟؟؟"
قالت :
"لا ، سنذهب إلى الطبيب ملهم ، والد تميم ، هناك بعض الأمور الهامة التي أريد أن اتناقش معه بها"
جلست على السرير بخيبة أمل قائلة :
"أريد الذهاب الى الحديقة !"
قبلت رأسي بحنان وقالت لي :
"أوعدكِ أن نذهب اليوم التالي"
قلت لها بسعادة :
"حسنا!"
قبلتها وإستلقيت على السرير لأخلد الى النوم لكن جاء ببالي فجأة حديثي مع تميم عندما قلت له
"لا تحلم ، لن يكون هناك مرة قادمة!"
ضربت بيدي السرير من حماقتي وقلت :
"انا من اخبرته انه لن يكون هناك مرة قادمة وانا من ساذهب بنفسي له غدا!! ، لا لن يحدث بالطبع لن أذهب ، كيف سأبدو أمامه إن رآني غدا !"
خلدت للنوم وانا على قراري أني لن أذهب غدا مهما حدث !
أيقظتني والدتي صباح اليوم التالي قائلة :
"آسيا! هيا استيقظي حضرت لكِ الفطور ، سنتأخر هياا!"
قلت لها بصوت ناعس وانا اتقلب الناحية الأخرى لأكمل نومي :
"لن أذهب معكِ يا أمي ، عندما أستيقظ سأذهب الى الحديقة قليلا حتى تعودي"
قالت وهي تسحبني من ذراعي لأجلس :
"لا ستأتين معي ، لن أترككِ وحدك "
قلت متأفأفة :
"يا أمي!! لا أريد الذهاب!"
قالت وهي خارجة من الغرفة :
"حسنا ! كما تريدي ، لكن إن لم تأتي معي الآن .. لن أذهب الى الحديقة غدا"
قمت بسرعة وأبدلت ملابسي وذهبت معها ، كانت وتيرة دقات قلبي تزداد سرعة كلما أمضينا في الطريق اكثر واقتربنا من بيتهم ، عندما وصلنا أمام المنزل كاد قلبي أن يقفز من مكانه ويفر هاربا لكن للأسف لن نستطيع كلانا أن نفر من هنا ، أتمنى ألا يكون بالداخل ، قاطع تفكيري صوت أمي وهي قائلة بإبتسامة كبيرة :
"لقد وصلنا ، لكن أريد ان أخبركِ بشيء ، لو كنتِ صممتي أن تبقي بالمنزل ما كان هذا سيمنع ذهابكِ إلى الحديقة غدا"
نظرت لها بعدم تصديق وقلت :
"ماذا!!! ، لقد أخبرتيني إن لم أذهب معكِ لن نذهب إلى الحديقة غدا!"
قالت وهي تحاول كتم ضحكتها :
"لا ، لقد قلت "لن أذهب" ليس "لن نذهب" لقد كنت أتحدث عن نفسي ، كنت سأعاقبكِ
بجعلك تذهبين وحدكِ لكن انتِ أسأتي الفهم ولأكون صريحة تعمدت عدم تصحيح فهمك حتى
أجعلك ترافقيني ، بما أني وعدتكِ بالذهاب غدا ما كنت لأخلف هذا الوعد أبدا"
نظرت لها بغيظ وقلت :
"تلاعبتِ بكلماتكِ لتجبريني على المجيء!"
ضحكت على شكلي الغاضب فهي تستمتع دائما بإغضابي ، قلت لها :
"حسنا إذا أدخلي أنتِ وسأنتظركِ هنا"
قالت برفض :
"لا ، بما أنكِ أتيتِ اذا ستدخلي معي"
صممت على رأيي فَاستسلمت لي ودقت الباب ، ابتعدت قليلا حتى لا يراني من سيفتح لها ، فُتح الباب ودخلت أمي وبقيت أنا بالخارج ، جلست على مقعد قريب وأغمضت عيني تاركة نسمات الهواء العليلة تداعب وجهي قليلا ، شعرت بوجود أحد خلفي ، التفت ورائي لأراه واقفا خلفي واضعا يديه في جيوب بنطاله ناظرا إلي في صمت ، قلت بإستنكار :
"لقد أخفتني!"
جلس على المقعد بجانبي وقال وهو ناظرا أمامه :
"واضح أنكِ لم تستطيعي البقاء بعيدا عني"
وقفت فجأة وتحدثت بوتيرة سريعة قائلة :
"الأمر ليس هكذا اطلاقا ، انا كنت نائمة لكن أتت أمي وايقظتني لاذهب معها لكن انا لم أكن أريد المجيء ، ولكن هي أصرت علي وقالت لي إن لم أذهب معها لن تجعلني أذهب إلى الحديقة غدا لكن اكتشفت عندما وصلت الى هنا انها تلاعبت بالكلمات لإجباري على المجيء ، لقد كانت تقصد انها لن تذهب معي لكن ستسمح لي بالذهاب وانا لم أدرك ذلك لقد أسأت الفهم لو كنت فهمت قصدها كنت لن آتي إلى هنا حتى أني لم أتناول فطوري قبل أن آتي ..لماذا أخبرك بكل هذا حقا لا أعلم!"
أنهيت كلماتي وهويت على المقعد واضعة وجهي بين يدي ، لكن رفعتها مرة أخرى عندما سمعت صوت ضحكه العالي لدرجة أن عينيه التمعت بالدموع ، نظر لي وقال ضاحكا :
"اهدئي اهدئي ، كنت أمزح معكِ" ثم أكمل حديثه بإبتسامة "أنا من أردت الخروج للجلوس معكِ"
نظرت له ولم أتحدث ، وقف وعاد الى منزله لم أفهم لماذا هل أتى إلي ليقول هاتين الكلمتين ويدخل مرة أخرى ؟! مرت بضع دقائق وسمعت صوت خطوات آتٍ من خلفي ، نظرت ناحية الصوت لأجده قادم ويحمل بين يديه بعض الطعام وكتاب ، جلس بجانبي مرة أخرى ومد يده لي بالطعام بإبتسامة حانية فقلت له بعدم فهم :
"ما هذا ؟!"
قال بنبرة صوت هادئة وإبتسامة لطيفة :
"لقد ذكرتي منذ قليل عندما كنتِ تتحدثِ أنك لم تتناولي فطوركِ قبل أن تأتي فأعتقد أنكِ جائعة لذا أحضرت لكِ بعد الطعام"
نظرت للطعام ثم نظرت إليه وبدأت الدموع تلتمع في عيناي وقلت له :
"أناا... أنت.. حقا لا أعلم ماذا أقول ، شكر...."
قاطعني سريعا :
"لا تقولِ أي شيء ، انا لم أفعل هذا لأتلقى شكرا ، وأيضا ما فعلته لا يستحق"
قلت له بإبتسامة :
"حقا أقدر لك هذا ، لكن أنا لست جائعة أشكرك للغاية"
قال برفض تام :
"لن يحدث ، يجب أن تتناولي فطوركِ" أكمل حديثه بمرح "وحتى لا تشعري بالإحراج سآكل معكِ بما أني لم أتناول فطوري أنا أيضا"
ضحكت بخفة ثم نظرت إلى الأرض وقلت :
"أنا .... آسفة"
لم أرَ ملامح وجهه حينها لأني لم أبعد نظري عن الأرض أسفل مني ، قال متسائلا :
"على ماذا ؟؟"
قلت بإحراج :
"على ما فعلته البارحة ، أنت محق ، لم تكن السبب بالطبع في ما حدث ، لذلك انا اسفة على تعاملي السيء معك"
لم أسمع أي صوت لدرجة أني إعتقدت أنه رحل ، رفعت رأسي لأجده ناظرا إلي بصمت بملامح لا توحي بأي شيء ، إعتدل في جلسته ونظر إلي مبتسما وقال :
"لا تقلقي ، لا أغضب من اصدقائي بسبب تصرف قاموا به بعفوية"
نظرت له بعينين لامعتين ورددت متسائلة :
"أصدقاؤك!؟"
قال بإبتسامة لطيفة :
"نعم ألسنا صديقين؟"
نظرت له بفرح ووجنتان ورديتان وأومأت برأسي موافقة فقال بمرح :
"جيد إذا دعينا نأكل لأني إن انتظرت أكثر من ذلك قد أموت جوعا!"
أومأت له موافقة بضحك وبدأنا في تناول الطعام بنهم شديد ، سقطت عيني على الكتاب الذي أحضره فتسائلت بفضول :
"ما هذا الكتاب ؟"
أجابني وهو يمسك بالكتاب :
"أخبرتكِ من قبل أن أبي لديه مكتبة تحتوي على الكثير من الكتب في جميع المجالات ، لذلك نشات على حب القراءة والإستطلاع وزاد مع الوقت حبي للعلم ، ومع كثرة قرائتي أصبحت أقرأ بمعدل كتاب كل يوم تقريبا " ثم أكمل وهو ينظر إلي مبتسما "أردت أن أقرأ كتاب اليوم معكِ"
أومأت له موافقة بحماس وبدأنا في قراءة الكتاب سويا بإستمتاع وبعد مدة من الوقت لا أعلم كم لكن ما أعلمه أنها مرت علينا كدقيقة لا بل ثانية .. عدت إلى البيت مع والدتي وانا في قمة سعادتي وذهبت لأنام آملة أن أراه في حلمي..
* * *