الهَول - مذكرات كائن
جاري التحميل...
الهَول
أهوال لا يكفي وصفها
تنسلخ الإنسانية من النفس حين تقابل الأهوال، وكأن الأخيرة مهواة لا تكاد تتسع لقدر يسير من الحياة، فيأتي هول عظيم لينسفها نسفاً.
> موسوعة خطابة 2 - مدرستي منارة العلم - أواخر 2008
على ما يبدو، كامل عقل واستقام.
بعد حادثة السطح، توقف عن العبث، أصبح يصغي في الدرس بهدوء، ويتفاعل مع الآخرين بشكل طبيعي.
كان قد أثار فضولي كثيراً بحادثة الصراصير تلك، فبت أراقبه كلما سنحت لي الفرصة، دون أن يشعر أحد بي طبعاً، تعلمون، لا أحب إثارة أي شكوك.
لاحظت أنه يجالس الجميع، لكنه لا يبرح جانب ولد معين، وكان ذلك، للمرة الألف، خالد.
بات صاحبه، يا للعجب! لكنني على أي حال كنت قد مللت متابعة أخباره في تلك الفترة.
ثم جاءت حصة القراءة المذكورة، والموسوعة الغالية، وخبر زواجي من خالد الذي فاجأني أنا شخصياً، وربما هو كذلك.
(للتو فقط ألاحظ أن جميع إحراجاتي في الحياة كانت أمام هذا ال"خالد" ذاته، لا أحبذ أن أعرف انطباعه عني، حقاً. :"")
لم يستدع الأمر شكاً بقيام كامل بتلك الفعلة، فقد أخرج من حقيبته بعد فترة شيئاً مخروطياً صغيراً يشبه البوق، ومشى بعنفوان حتى استوى أمام ناظري، وحدق في وسط عيني.
قالت لينا بلا مبالاة أمام بلادته:
"ما هذا في يدك؟ سوف تطبخ هنا؟"
ابتسمت، قال بثقة:
"بل سأغني."
هتفت: "لا، بالله عليك لا تفعل! اطبخ!"
أمام صدمتي التفت كامل فجأة إلى لينا وقال:
"طبخ؟ ما علاقة الطبخ؟"
قالت بذات اللامبلاة: "أليست هاته أداة طبخ في يدك؟"
-"يا للجهل! هذا مكبر صوت!"
(كبرت وعرفت أنه لم يكن كليهما. كان مجرد أداة مخروطية لصب السائل دون أن يتناثر في فوهة أخرى أضيق.)
ولماذا سيغني هذا الفطحل أمامي؟ هل أخبره أحدهم أنني معجبة متعصبة لصوته الشجي؟
عاد برأسه إلي وقال بصوت عالٍ جداً وهو يغمز:
"سأغني في زفاف ما."
كشرت، ونظرت نحوه، لم أبغ أن أمد يدي بعد الآن، قلت:
"ابتعد، فأنا ما عدت أضرب الفتيان."
ضحك وقال: "هذا من شيم الحب الجديد."
وهرب متوارياً بين الطلاب، وصوته يصدح من البوق الصغير المزيف، إنه يغني بالفعل!! ربتت لينا على كتفي مؤازرة، وقالت لي بثقة:
"لا تقلقي، كامل هذا سوف يفقد بوقه الأحمق قريباً، لن يدعونه يعبث هكذا في المدرسة لا شك!"
وبالفعل، صودر هذا الشيء بقسوة من كامل لاحقاً، ورغم أنه لم يثبت تورطه في مشكلة الصراصير حقاً وقتها، ولم نستطع أن نجد أدلة جازمة للزج بهذا المستفز في قفص الإدانة، إلا أنه استمر في حفر المشاكل حوله، ليوقعنا كلنا في جرف كبير، ثم يهوي هو واقعاً على رأسي!
ومهما وبخته، ومهما أمطرته لينا سخرية لاذعة، إلا إنه لم يرتدع عن أفعاله، ظل يلاحقني، وبات يلمح عن أمر الزفاف الأحمق بداية، ثم زادت جرأته، ومن ثم... بدأ يقر بالأمر علناً:
"ميس، خالد يرغب بالزواج بك!"
قلت في مرة بهدوء غير مسبوق:
"إذاً أنت تعترف بأنك من كتبت تلك الكلمات في كتابي؟"
قال بخبث: "من يدري؟"
الجميع اضطر للتدخل بعد إزعاجاته المتكررة، وفي هذه المرة كان الدور من نصيب ريم، حيث قالت بعد أن نفد صبرها:
"خالد يريد الزواج بميس، ما شأنك أنت؟ أأنت خطابة؟"
قال الألمعي بفخر: "لا، أنا صديقه."
كنت غاضبة جداً منه، ذلك إلى درجة أنني حكيت الأمر لأمي وقتها، ولم أحك لها إلا الأحداث مهمة في نظري. قالت لي أمي بلا تردد:
"اشتكيه للمعلمة، ذلك أفضل."
كانت نهاية السنة، والإزعاجات توقفت عندما جاءت الامتحانات النهائية، لم أرغب بأن أثير زوبعة ونحن على أبوابها، لذا تريثت ساكنة. لم أستطع تخيل شعور صديقه المفترض، بعد أن طالته هذه الإزعاجات بالفعل، ولكنني فكرت أن خالد، بشكل أو بآخر، يضمر موافقة ضمنية لما تقترفه يدان ولسان كامل، أو أنه هو -خالد- من أبلغه بذلك، بأن يفعل ذلك ويلاحقني. حقدت عليه وقتها، وتناسيت شخصيته الرزينة التي ربما يقولب نفسه بها لكي يتجاوز التهم. لم أتوقع ذلك، لكن نهاية المشكلة جاءت على يدي خالد، أو قدميه بمعنىً أصح، فقد انتقل من المدرسة في السنة التالية، فهمد كامل تماماً لا يُسمع له حساً.
******
> الدبك على الوجوه - حارة الضياع - صيف 2009
صخب غير مألوف يطغى على صوت التلفاز الخافت، والأرائك تتذمر من عدد الناس الذين يستوون على سطحها، لسان حالها يقول:
"ما كل هؤلاء الناس يا قوم؟ نحن لم نعتد حمل هذا الكم من البشر!"
نعم، هذا حدث مميز ويوم استثنائي. اليوم، بيتنا يستقبل العديد من الضيوف، وأثاثه البسيط يتمازج مع الرائح والجائي، حيث يسهو على العين تمييزه أصلاً.
فردت يدي لأعد الموجودين، واستوعبت أناملي عشرة أشخاص، حيث اضطررت لتعيين الاثنين الباقيين على أصابع قدمي. (مجازاً)
لدينا هنا الجميع، جدتي وأمجد، تصاحبهما طبعاً خالتي مع نور ونبيل، وأحمد وعائلته، نلقاهم للمرة الثانية بسبب إصرار أحمد على الحضور.
هذه الجمعة البسيطة كانت احتفالاً بإنهاء أمجودة الصغير شهادته الإعدادية بنجاح وتفوق عظيمين بحق، -هذه ليست سخرية أو مجاز، كانت درجاته خطيرة بالفعل ما شاء الله- لقد كبر أخيراً! آمل فقط أن يدركوا ذلك ولا يعاملونه كعادتهم كطفل في السابعة.
(آخر عنقود جدتي، معروف كيف سيكون دلاله.)
اتخذ الاحتفال مكانه في منزلنا، لا في منزل جدتي وقتها، لأن سليم الخفيف كان يؤدي بعض الحركات البهلوانية متنقلاً بين مقاعد الصف في مدرسته بشقلبة محدودة التخطيط (والذكاء معاً) يحسب نفسه قرداً الأخ، ويا للمفاجأة! حدث ما لم يكن بالحسبان أبداً، وقع فكسر ساقه. (من طلب الأذى ناله)
كان يجلس في الصالون ببؤس على كرسي، رافعاً قدمه على آخر. في البداية، خطر في باله أنه ما دام غير قادر على الحركة، فإنني بالتأكيد سأكون له خادماً مخلصاً رهن إشارته.
لكن، في الحقيقة، الإشارات الوحيدة التي صدرت كانت مني، حيث أنني لم أكن أشير إلا لقدمه وأنا أتندر بفعله الأحمق، وأغيظه أكثر فأكثر.
نظر إلي بعينين مسكينتين ذليلتين يملؤهما شجن عميق وهو يقول:
"إلى أين النية؟"
قلت وأنا أضع قبعتي: "نية ماذا؟"
زفر وقال: "نية التوجه، أراك ذاهبة."
-"للتصحيح، قل أراكم ذاهبين."
رمق الجمع الذي تجمهر تواً أمام باب المنزل، قلت له:
"لا تقلق، سنعود سريعاً بأشهى ما تحبه نفسك من الوجبات الخفيفة."
ثم ملت عليه وهمست بخبث:
"كانت فكرتي على فكرة، وماما وافقت."
استطردت ضاغطة على الجرح بصرة ملح:
"تركنا لك أمجودة، استمتع بالحفلة."
وهرعت أقفز على السلم، عذراً، هرعنا. (-؛
خرجنا من العمارة، فسارعت أمسك يد نبيل، لأن الأخت نور هنا مشغولة بتهديد أحمد، وصوتها الغليظ يقول :
"هل تريد أن تبقى مع حلف الضعفاء في الأعلى؟ أقسم أننا لن نمن عليك بقطعة واحدة من الطعام عندها."
قال أحمد بغضب: "ومن عينك متحكمة بهذا الأمر؟ تمنين ولا تمنين؟ ثم إنكن قلتن أنكن ستجلبن معكن الوجبات الخفيفة لسليم وأمجد، لم لا أكون معهم؟"
قلت بثقة: "نعم، لأن سليم مصاب الآن، في حكم المريض نحنو عليه، أما أمجد..."
استطردت نور: " مريض أيضاً، لكن عقلياً."
ابتسمت (هذه الفتاة لا تذر لنفسها صاحباً) وقلت:
"كنت سأقول أنه ناجح ومتفوق، هو لب هذه الحفلة، أما أنت، فسترافقنا حتماً، لتساعد في حمل الأشياء."
قهقت نور ثم حدجت أمجد بنظرة مخيفة وقالت:
"أم أنك لن تساعد؟، أقسم يا أحمد..."
أسكتها أحمد وهو يؤكد أنه سوف يساعد، لم تعجبني طريقة كلامه الممتعضة لكنني لم أعلق.
(فأنا مسالمة كما تعلمون.)
مشينا قليلاً، وإذ بجسد ملقىً على قارعة الرصيف في زاوية الحارة، بالأحرى كان جالساً منكفئاً على نفسه... أعرف هذه الهيئة جيداً، هيئة فتاة، دققت النظر ونحن نمر، لحظة... لينا؟؟!
******
> ماذا يحدث؟ - بيتي البيتوتي - 2011
غمامة سوداء ضخمة تتسرب إلى حينا، تأملت المساء البادي أمامي من النافذة، الجو هادئ، وكأن عاصفة عتيدة موشكة على الهجوم، والأحياء المتطرفة في الضواحي يلفها ظلام دامس، تبدو كما لو سرداب عميق يلف مدينتنا، فتقع في هاوية عميقة يفضي لها ذاك السرداب القاتم.
بدأ صوت الرياح يزأر، لا، بل إنه يصرخ، هذا صوت عويل لا زئير، الرياح تستنجد وتولول، وكأن حدثاً جللاً استشعرته السماء قادماً، فبدأت تنذر وتحذر...
تراجعت قليلاً، فليالي الشتاء القارسة هذه كانت معتادة بالنسبة لي، لكن أن تأتي عاصفة بهذه السيمفونية الحزينة والمحتاطة في نهايات الشتاء... هذا كان غريباً.
دوى صوت الرعد، ثم برق نور عظيم في كبد السماء، وفي ذات اللحظة، غرق منزلنا الصغير في ظلام دامس.
وقفت منتصبة جامدة، عيناي لا ترى شيئاً بعد أن ذهب البرق ونوره الذي اخترق الزجاج، مددت يديَّ وأنا أنادي:
"أمي؟"
سمعت هرولة حذرة قادمة من الرواق الصغير وصوت أمي يعلو محذراً:
"لا تتحركا! لحظة أجلب شمعة."
قال سليم بصوت متسائل: (كان لا يفهم ما يحدث، ولا أنا، لكننا جميعاً ربما خمنا ولم نرد الاعتراف بالأمر)
"ماذا حدث؟"
قالت أمي وقد وصلت للصالون وسليم في إثرها:
"انطفأت الكهرباء."
ارتعش بدني بينما سليم يقول:
"هل هناك مشكلة بالقاطع الكهربائي؟ هل ألقي نظرة؟"
تنهدت أمي وقالت:" لا داعٍ، فالكهرباء طفئت في الحي كله."
زأر الرعد ثانية، وأنار البرق وجوهنا المتساءلة، بينما أمي تبتسم محاولة تخفيف أثر الموقف.
قلت بصوت خافت: "عصر الظلام قدم وحل."
قالت أمي بعد هنيهة: "هيا، لا تبدو أنها سوف تعود قريباً، لنشعل المزيد من الشمع."
قفز سليم إلى المطبخ محضراً المزيد، بينما أقول لأمي:
"هل هي مقطوعة عند بيت خالتي أيضاً؟"
تنهدت وقالت: "كانت لا تنقطع عندنا، إلا أنها تنقطع في الأحياء الأبعد منذ فترة، ربما الآن طال الأمر وسط المدينة، أما خالتك... لنر."
أشعلنا الشمع، وانتقلت أمي إلى جانب الهاتف، ضغطت الأزرار سريعاً بأصابع خبيرة، وانتظرت لحظات...
عندها فقط، عاد النور ساطعاً جداً في أعيننا التي اعتادت الظلام، قلت متفاجئة:
"لقد عادت بسرعة." (نسبياً)
نظر لي سليم ونفخ الشمع مسرعاً كي يسبقني، تأففت وكدت أدق رأسه، إلا أنني سمعت صوت أمي: "ألو؟ ولاء؟ هل انقطعت الكهرباء عندكم لفترة وجيزة؟"
انتظرت قليلاً ثم قالت:
"أمازالت مقطوعة؟ منذ متى..."
انتظرت مرة أخرى وهي تنظر لنا، لم أفهم ما الأمر وقتها، لكن ربما... ربما فقط، استشعر قلبي التغيير الوشيك الذي سيطرأ على حياتنا، انقبض قلبي وأنا أفكر وأتفرس في ملامح أمي القلقة.
اكتشفت يومها أن الضواحي الخارجية البعيدة كانت تعاني هذه الانقطاعات منذ فترة ليست بقصيرة، لكننا هنا كنا لا نحس شيئاً، أما اليوم... الأمر تغير كما هو واضح.
لم يقتصر ذلك على الكهرباء فحسب، حيث أصبحت أمي تقلق وتخاف كثيراً، وتحذرنا من التجول الهائم بعد المدرسة، وتفرك أذن سليم الفركة السحرية بلا تردد إذا تأخر.
في المدرسة، كان الأمر سيان. انقلبت أحاديث الجميع وصبت في صلب هذا الأمر مباشرة، أسئلة مثل:
"هل تُقطع الكهرباء في بيوتكم؟ مذ أية ساعة؟ وكم تظل مقطوعة؟" بت أسمعها بكثرة.
بدأنا نعتاد الانقطاع المتقطع للكهرباء، ما إن تروح فجأة، حتى يسود الظلام ذاته وتسارع أمي وسليم يخرجان الشمع وينيرانه، ثم تطور الأمر إلى مصابيح صغيرة تعمل بتخزين الكهرباء. كانت الحارة بأكملها تجرد من الكهرباء في هذه الأوقات، ولولا أن "الصوبيا" أو المدفأة القديمة خاصتنا تعمل بالغاز، كنا قد قضينا هذه اللحظات نتجمد من البرد. كان الحديث هو الكهرباء في كل مكان، لماذا تنقطع، وما سر تزايد لحظات، ومن ثم ساعات انقطاعها يوماً عن يوم؟ كانت منطقتنا في وسط البلد في البداية تشهد هذه السويعات المقتضبة بينما عموم البلد تشهد ساعات وساعات، حتى تزايد الأمر رويداً رويداً عندنا، ووصلنا إلى معدل الانقطاع الطبيعي تقريباً، على الأقل في مدينتنا.
في يوم ما، جاءت حمد ممتقعة، كانت تقول أنها سمعت صوتاً مرعباً جداً، يشبه الرعد وما هو كذلك، بل هو أقوى وأقسى، صوت جهوري خباط، انفجر فجأة في منطقة بعيدة إلى حد ما، ومع ذلك زلزل منزلهم زلزالاً.
تساءلنا يومها عن ذلك، ولم نعرف السبب، ولم نجد الإجابة. عندما عدت إلى البيت وجدت أمي فيه على غير العادة، كانت ترتدي ملابس المنزل كما لو لم تغادره، نظرت إلي بسرعة وسألت متلهفة:
"أين أخوك؟"
فغرت فاهي مستغربة وقلت بتردد:
"لا أدري... لكن ما تفعلين هنا يا أمي؟"
عادت تقول: "لقد تأخر أليس كذلك؟"
-"لا تقلقي، هو لم يعد يتجو..."
وهنا فتح الباب، ودخل سليم المنتَظر بوجهٍ عجيب.
قال بهدوء -متجاوزاً التحية والسلام- وقد لاحظ تساؤلاتنا على وجوهنا:
"هناك زميل لي لم يأتِ اليوم، يقولون أن والده مات بقصف جوي البارحة على مكان عمله."
ساد صمتٌ بيننا، نظرت إلى أمي المتوترة، بدأت عيناها تغرورق بالدموع، زاد شعور الضغط في قلبي، أمي لا تبكي سدىً، حاولت التحرك لكن جسدي لم يتزحزح، كان أخي سباقاً فهرع لأمي يقول:
"أمي، من فضلك، أتوسل إليك، قولي لنا، اشرحي لنا، ما الذي يحدث؟ أرجوك أمي."
أخذ يمسد ظهرها، كنت أشعر أن سليم يعرف أمراً ليس في علمي، كنت أشعر أنه فهم الحكاية واللغز قبلي، وهذا أزعجني نوعاً ما، لكن صدمتي كانت في المشهد أمامي، فركت عيني غير مصدقة، كانت أمي منحنية، كتفاها متهدلة وظهرها منطوٍ، أنا... أنا لم أرها هكذا قط في حياتي، كانت دوماً عوداً صلباً منتصباً لا ينثني، لكن، ماذا يحدث؟
مددت يدي أربت بتؤدة على ظهرها، كان غضاً طرياً كظهر طفل، قالت بصوتٍ مرتعش وهي تضع يدها اليمنى على خدها وفي عينيها ألمٌ شديد:
"انظرا، الدنيا تختلف، العالم يتبدل، هناك... هناك أوقات عصيبة لا بد أن تمر، لن يكون وضعاً سهلاً لكنه سيمر، أريدكما... أريدكما ألا تخافا، ولكن يتوجب عليكما الحذر، نعم، يتوجب علينا الحذر."
قال سليم: "هل سيصل القصف والضرب إلى أحيائنا؟"
-"بني، يا بني، علينا أن ندعي، أن ندعي ونصلي كثيراً، هذا ما يتوجب فعله الآن."
ارتعشت وأنا أسمع هذه الكلمات، كانت منذ فترة غير قصيرة أقصى مخاوفي هي أشباحٌ مزيفة، أسرارٌ مفضوحة، صداقاتٌ متصدعة ومنافساتٌ مشاكسة... لم أفكر يوماً بهذه الأمور، كنت أراها على التلفاز في الأخبار بالطبع، بين الفينة والأخرى، لكن النفس البشرية الأنانية لا تزال تحسب أنها منزهة عن هذه الأهوال، وأن ما يعذب الناس هناك في البقاع البعيدة لن يطالها أبداً.
قلت بصوت مرتعش وعبرات غزيرة حارة تتناثر من عيني:
"قصف؟ ضرب؟ تعني أشياء تقتِل؟ تسبب موتاً حقيقياً؟"
سارعت أمي تحتضنني، تحاول أن تكبت صدمتي من هذه الأهوال داخلاً، لكنني ما زلت لا أصدق، أن هذه الأمور تسبب قتل الناس، موتاً حقيقياً للناس، وأنها تسمى حرباً في لغتنا... يا إلهي!!
******
> ماذا يحدث 2 - بيتي البيتوتي - أواخر 2011
أصبحنا نكلم بابا على الهاتف المحمول، الجيد بهذا الجسم الأملس المسطح أنه يرينا صورة أبي دون الحاجة للتحديق بصورٍ قديمة، يرينا إياها مباشرة ويسمعنا صوتَه المتكلم تواً. الأمر السيء أن هذا الأخ يحتاج الشبكة أو الإنترنت، وهو ما يتعذر تواجده عادةً مع الانقطاع المتزايد للكهرباء.
قلت مدة محادثاتنا مع أبي، فزاد قلقه طرداً.
عندما تتكرم علينا الكهرباء وتتواجد، وعندما تستقر الشبكة، كانت عينا أبي تجول بيننا وهو يهتف بقلقٍ غير خافٍ:
"الجميع بخير يا سلمى؟ أنتم بخير يا بابا؟"
نرد ونطمئنه، ونسلم عليه ونبعث له بالقبلات والقلوب.
تستأثر أمي بأبي كثيراً لنفسها، تغلق مكبر الصوت والكاميرا وتنتحي جانباً لتتحدث بصوتٍ خفيض، لكنها لا تبدو مبتهجة بهذا الاستئثار.
اعتدنا في تلك الفترة أن نسرب ما يتناهى من حديثها إلى آذان أحد منا للآخر، وفي كل مرة كانت لهجة الكلام ودلائله لا تبدو سارة، حيث بدا لنا أنهما يتشاجرا.
أمي وقتها كانت تغيب كثيراً عن العمل، لا أدري ما السبب، لكنها كانت تتحجج أمامنا بحججٍ شتى،
(ويبدو أنها تفعل ذلك أمامهم في العمل أيضاً)
وتقضي أوقاتاً طويلة في الأحاديث على الهاتف، إن كان مع أبي إن سمحت الأوضاع، أو مع خالتي أو جدتي أو حتى خالي.
كانت تحرص دوماً ألا نسمعها، إلا أننا، وبالذات سليم فقد كان مدركاً أكثر مني، كنا قد فهمنا أن الحياة في خضم الحرب ليست كسابقتها.
سمعتها تقول في مرة بصوتٍ خفيض، حتى الجدران لا تسمع حسيسه:
"أخشى عليهم يا ولاء يا أختي، أخشى عليهم من الهواء المارق، ما بالك بقذائف وقصف ودماء؟"
صمتت قليلاً ثم انبرت تقول:
"لا بأس، الأمور هادئة نوعاً ما في منطقة عملي، سأعود إليه عاجلاً أم آجلاً، أما هم..."
سكتت ثم قالت: "أحتاج الذهاب، لا يمكنني التقاعد الآن ولدي مسؤوليات و..."
ثم تنبهت إلى وجودي وطردتني.
كان سليم أبرع مني في التنصت (فليغفر الله لكلينا (":) فكان يتلوى ويتحايل كدودةٍ صغيرة تحرص على حفر طريقها في التربة، وقد راق لي التشبيه فهو كائن هلامي الشكل والملامح بالفعل.
جاءني مرة وعلى وجهه استقرت نظرة في منتهى الجدية، قلت بظرف:
"ما هو خبرك المهم هذه المرة؟ نبيل أوقع الزهرية ثانيةً؟"
نظر لي باحتقار وقال: " كفى عبثاً، أنا جِدي، أمي لا تتحدث مع خالتي."
هذا ما تفعله معي دائماً أيها الأحمق! تعبث وقت الجد!
لكنني لم أشاكس وقلت بانتباه:
"إذاً مع من تتحدث؟"
قال بتردد: "مع أبي."
انتفضتُ وقلت بحماس:
"ماذا تنتظر؟ لنسلم عليه."
أمسكني من كتفي وقال بصوتٍ خائب:
"لا يا ميس، هما يناقشان أمراً مهماً، يبدو..."
تردد أمام نظراتي المستغربة، رغبت أن أضربه لصمته المفاجئ لكنه لم يلبث أن قال:
"يبدو أننا لن نسافر بعد كل شيء!"
******