صفوة الفقراء - الأول
جاري التحميل...
الأول
.........
كان منظر المدينةِ يَسُرُّ الناظر إليه كما المعتاد؛ وكيف لا يُسَرُّ الناظر إثر رؤيته مَبَانٍ ضخمة وشاهقة الارتفاع ومنازل راقية التصميم والمعمار كتلك التي تَذخرُ بها مدينتنا، أو إثر رؤيته لتلك المتاجر والمحلات الكبيرة ذات السلع الغالية والنفيسة، أو إثر رؤيته لكل تلك الوجوه التي تزور هذه المحلات لتنفق ما معها ببذخ على سلعها أو تسير في الشوارع بأبهى زينتها في كل وقت وحين، كيف لا يسر وقد كانت المدينة تبدو كَجَنَّةٍ حديثة الطراز بلا مبالغة؟!
سأخبرك بالسر الذي يجعله لا يسر: أن تُرِيَهُ شاذاً عن القاعدة؛ فإذا كانت المدينة تلمع وتبرق بثرائها وحضارتها قبل ألوانها وأضوائها، دعنا الآن نُرِهِ فقيراً من فقرائها!
أَرَأَيت؟! لقد اشمأز وانصرف، وهذه من بديهيات الدنيا!
ولكن....إذا قَصَصتُ عليك قصة ذلك الفقير أَيَرِقُّ قلبك لحاله وتكون أنت شاذاً عن تلك البديهية الدنيوية؟ حسناً، على الأقل دعنا نجرب ونجري اختباراً بسيطاً لإنسانيتك وشفقتك، أَعِرنِي سَمعَك ودعنا نبدأ قصتنا.
كان صاحبنا شاباً بعمر الثلاثين، ذا شعرٍ كثيف بني اللون وناعم بدرجة معقولة، ووجهٍ طويل وعينين سوداوين بلون حياته، وجسدٍ نحيل من قلة الغذاء وكثرة الترحال؛ فهو لم يلجأ طوال حياته البائسة إلى الشحاذة كي يجد ما يسد رمقه، وإنما كان دائماً يحاول أن يجد عملاً مع أي شخص يقبل أناساً مثله؛ فتَارَةً تجده يعمل مع حداد، وتارة أخرى تجده يعمل مع بَنَّاء، والآن هو يعمل مع بائع طعام جائل ذي حالة مادية تحت المتوسطة بقليل، لكنه رجل كريم وصالح وأَحَبَّ صاحبنا كثيراً ورحب به ليعمل معه، وكان يقاسمه الطعام والأموال القليلة دائماً؛ فظل صاحبنا معه لما يقارب العَامَين.
عرض الرجل على صاحبنا عدة مرات أن يبيت معه في المنزل لكنه دائماً ما كان يأبى أن يفعل؛ فعرض عليه أن ينام ولو حتى في القبو لكنه أيضاً رفض، وأَصَرَّ دائماً على افتراش الشارع والنوم فيه؛ فكان ينام قريباً من منزل الرجل كل ليلة إلى أن يأتي الصباح فيخرج الرجل بعربته ويجول في الشوارع ويتبعه صاحبنا من على بعد، فلا يقتربان من بعضهما إلا قليلاً حتى لا يشمئز أحد من وجود صاحبنا فيرفض الشراء من الرجل!
ولا حاجة لذكر المزيد من التفاصيل عن حياة صاحبنا مع ذلك الرجل؛ فأنا أعلم أنك مللت الآن قبل أن أبدأ الحكاية حتى، نعم يا صديقي؛ فهذا مجرد تمهيد للقصة وليس بداية حقيقية لها، ولكن البداية الحقيقية هي موت بائع الطعام هذا في أحد الأيام وتركه لصاحبنا وحيداً مجدداً كما كان وكما يبدو أنه قُدِّرَ له أن يكون!
كما ذكرت لك في السابق، صاحبنا هذا كان عزيز النفس بدرجة تجعله يخجل من تجربة الشحاذة؛ ولذا فقد حزن حزناً عميقاً على موت هذا العجوز الذي كان وحيداً مثله أيضاً ولم يحب أبداً أن يطلب الشفقة والمدد من أحد وإنما رغب فقط في أن يستحق المال وليس أن يكسب المال، كان صاحبنا كثيراً ما يشعر بأن ذلك العجوز هو نسخة كبيرة في السن منه، وهذا أيضاً مما عزز علاقتهما عندما كان الرجل لا يزال حياً.
المهم، ما حدث هو أن صاحبنا عاد إلى ترحاله القديم الذي كان حالاً ثابتاً ومميزاً له منذ ما يقارب العامين؛ بحثاً عن عمل جديد لا يهتم لو كان أصعب أو أهون من سابقه، المهم ألا يبيت جائعاً بشكل لا يجرح كرامته وعزة نفسه.
لكنه للأسف لم يجد عملاً بسهولة هذه المرة، وشعر بأنه سيموت جوعاً قبل أن يستكمل البحث؛ ولذا فقد قرر أن يدفن عزة نفسه وكبريائه مؤقتاً تحت تراب الجوع، وجرب أن يتسول بعض الطعام والنقود خلال ترحاله، والله وحده يعلم كم كان هذا الفعل جارحاً لنفسه وكرامتها، ولكن كان عليه أن يختار ما بين التأقلم مع هذه الجراح لبعض الوقت وبين الموت بشكل نهائي!
لم يكن اختياره غير متوقع بالطبع؛ فقد جرب الشحاذة بالفعل وحصل منها على بعض النقود التي أُلقِيَت إليه بنظرات احتقار كانت كفيلة بقتله بشكل أسوأ من الجوع، واستمر على هذا الحال لبضعة أيام يمكن أن نعدها على أصابع الكف.
وفي هذه الأوقات العصيبة وتلك اللحظات الأليمة....رآها!