ضروبٌ من الضربِ - مذكرات كائن
جاري التحميل...
ضروبٌ من الضربِ
اضرب كمان عايز أتوب
في هذهِ الحياة نوعان من البشر: أحدهما متماهٍ معها بشكل تامّ، لا يشعر بالزّلزال عندما يصدحُ محذّراً، والآخر يرتجع ويتراجع، ويعيش حياتهُ يتعظ ويراجِع. > حفل ثقيل الدم - بيت الجدة - صيف 2012 راقبتُ عينيَّ أخي عن كثب، كانتْ خضراء أيضاً وتلتمع بشدة -بسبب الموقف طبعاً وحماسهِ وقتها- إلا أنني ما زلتُ لمْ أستطع أن أربطهما بعينيّ بابا الجميلتين، مع أن الجميع يشبهُ عينيه بعينيّ أبي، إلا أنا، فلا شبه ولا تقارب بينهما بالنسبة لي. لا أعرف، لكننّي شعرتُ بنفورٍ شديد، أعني، بالطبع، أنا أنفر من سليم منذ الأزل، هو كالقرد الأعوج بالنسبة لي لا أكثر ولا أقل. لكن، هذه الأيام، الأمور مُختلفة. منظرهُ الكبير، شعرهُ النامي في كلِّ مكان، فكهُ المتضخم، جسدهُ الطويل، أتساءل حتى كلما أنظر: "من يكونُ هذا؟" وقف أمجد يهنئهُ، هو منذ فترةٍ طويلةٍ كان يقف في نفس المكان، مكان الناجح بالشهادة الإعدادية -مع فرق الدرجاتِ الرهيب طبعاً بين أمجد المتفوق و... سليم، فقط!- والذي تُقام هذه الحفلة على شرفهِ. لكن، أمجد وقتها كان مُختلف، لمْ أشعر بهذا النفور منهُ. بدأتُ التركيز في وجههِ ثانيةً، مهلاً، هذا الزغب، هذا الشعر، هذا الفكّ، لربما أنا أنفر منهُ أيضاً في النهاية، لكنني أكتشف هذا في التو واللحظة. (الكائن ميس كان مُتَقلِّب المِزاج لا يرسو على برٍّ في تلكَ الفترة، كان؟ حسناً، لنقل، لربما، ربما الأمر استمر حد اللحظة... لا أدري؟ ما رأيكم؟>_<) بدأتُ أنأى بنفسي عن سليم وأمجد، شعور مرهِق بالانقباض يغمرني كلّما نجتمعُ سويةً، لا أدري أهذا نتاج البُعد... أمِ الكبر والنّضج؟ منظرهما وهما يكبران كانَ يبُثّ في قلبي شعوراً رهيباً، يعيد لي ذكرى سيئة ظننتُ أنّي نسيتُها... لمْ أكن أشعر بذلكَ مع خالي اللطيف جداً، أو حتى أبي لما عاد، فقط أمجد وسليم. وقف سليم على رأس الطاولة الملأى بالحلويات والأطعمة، الجميع حولهُ متمجهر، بينما دفنتُ نفسي في الخلف بين جدتي وخالي. كانت خالتي تروح وتجيء كثيراً، تنقل أصناف الطعام بينما أمي في المطبخ تعدهُ ليُوضع على المائدة. خالتي وأولادها لمْ يزوروا بيتهم منذ فترة، كانوا قد باتوا "مؤقتاً" عند منزل جدتي، فساعدتْ خالتي أمي في إعداد عدةَ الاحتفال. شعرتُ بإصبع نور يخترق كتفي، انزعجتُ ونظرتُ إليها، فرأيتُ نظرة استغراب عميق تُطلُّ من عينيها وهي تقول: "ما بكِ واقفةً هكذا تتفرسين الناسَ بحدقتيّ مفترس؟" قلتُ بانزعاج: "ما هذا الكلام؟ على فكرة عيناي ونظراتي من أبرأ ما يكون." -"من قال هذا؟ الحكيمُ المجنون لتقييم الجفون؟" ضحكتُ وأنا أقول: "حرق الله حريشكِ يا نور، من أين تجلبين الكلام؟" (شرح الكائن: حرق الله حريشكِ، إنّهُ تعبيرٌ يُقصد بهِ هزم الله أعداءكِ، وناصركِ، والحريش هو نوع من أنواع الحشرات. لا شكر على واجب ^^ أعني يجب أنْ تشكروني طبعاً.) اندفع الجميع إلى الطعام اندفاعاً، ولحظة أنِ انقضَّ كل فردٍ من العائلة على الطاولة وخطف حصّتهُ بسرعة، سمعنا زعيق الجرس العالي، وبضعة خَبطاتٍ متواترة على باب البيت، عاليةِ الصدى، فهتفتْ جدتي بسرعة: "خيرٌ إنْ شاء الله!" هرع خالي ليفتح، وأتمنى الآن من كل قلبي أَنَّهُ لمْ يفعل. ****** > الدبك على الوجوه 4 - حارة الضياع - صيف 2009 سندتُ ظهري إلى حائط العمارةِ الخارجيّ بعد كل هذا الركض، وأخذتُ أَلهث وكأنَّ أنفاسي تتسرّب رَغماً عني وأحاول أنْ أستردها، فلا أقدر. أخذ قلبي يعلو ويهبط، وعيناي الزّائغة التقطتْ أخيراً وجهَ لينا المُحمر، نظرتْ إلي بصمت، ودام هذا الصمتُ بيننا هُنيهة. لأول مرةٍ، مع شعور الانقباض الذي يلازمني في كل ضغطٍ عصيب، رأيتُ فيما يرى الرائي رؤوسَ العمارات في الحارة، تتقاربُ فتتشابك. نظرتُ إلى أعلى وأنا ممتقعة، أرى ذروةَ كل عمارةٍ تقترب أكثر فأكثر، وتنحني إلي أكثر فأكثر، حتّى ظننتُها تحتضنني و... وتخنقني! كدتُ أصرخ، لكننّي أخرستُ شفتيَّ بضغطٍ شديد من كفي على أسناني الأمامية حتى قاربتْ على التّكسّر. قاطعتْ كوابيسي الصّاحية لينا بصوتها وقد استردّ صفوتهُ ونبرتهُ الاعتيادية الهازءة نوعاً ما: "ميس! ما بكِ؟ وأين فريق النجدة خاصتكِ؟" صحيح! لقد نسيتُ تماماً وأنا أراقب هذا العمارات التافهة، أقنعتُ نفسي سريعاً بكونها لا يمكنُ أن تتحرك، ونظرتُ إليها باستغراب وقلتُ وأنا أشعر بحرجٍ طفيف يُشعِل صدغي: "لا أعرف أين هم! البيت على بعد خطوة حرفياً." صمتنا قليلاً، ثم قالتْ لينا: "ربما ذهبوا يستدعون النجدة من جمعيةِ حقوق الطفل العالمية." -"ربما ذهبوا يسألون شرطة نجدة الطفل في دولٍ أُخرى." صمتٌ آخر، وإذ بضجةٍ قصيرة المدى تنبثق فجأة من اللاشيء. حدقتُ أنا ولينا ببعضنا لفترةٍ دونَ كلامٍ، استمرتِ الضجةُ، خشيتُ أنْ أقول أيَّ شيء فأخدِش هشاشة مشاعر لينا في هذا الموقف، وربمّا مشاعري المُنقبضة أيضاً رغم أنَّ الأمر لمْ يمسَّني بشكلٍ مباشر. جاءَ صوت لينا طبيعياً تماماً وعيناها بدأتْ تلمع بحدّةٍ كما كانتْ أبداً: "تعالي، لنرَ الآن ما هذه الأصوات..." خشيتُ أنْ يكون أمراً آخرَ يتعلّق بأولئكَ الرجال الكبار، فترددتُ في الإجابة، فاستفسرتْ لينا: "ميس! هل، هل أنتِ خائفة؟" هتفتُ فوراً: "لا، أبداً، لنذهب." ربما خوفي من الاعتراف بالخوف تجاوز الخوف نفسهُ، وأمام لينا، كما أنهُ حجبَ عني عبثيّة الموقف المفرطة بكاملها، كيف تخطتْ لينا الصدمةَ سريعاً، وعادتْ إلى طبيعتها تماماً وهي التي تعرضتْ لِما تعرضتْ، بينما، أنا، التي لا علاقة لي فعلياً، ما زال بدني مُهتزاً وقلبي نابضاً خوفاً من ما حصل وما كادَ يحصل. تمشّينا الهوينى نحو جهةِ الضجيج، وتباينتْ أصواتُ صبيان صغار شيئاً فشيئاً، وما إنْ أطلَلنا على الحارةِ المجاورة حيث منبعُ الضجيجِ خلف العمارة، وقع بصري عليهِ. الولد المألوف ذو النّظرات البوليسيّة، مع مجموعةٍ من أولاد الحارة في نفس سنّهِ وطولهِ، يصطفون إلى جانبِ بعضهم كسلسلة، ويقفزون عالياً وهم يصرخون. إلى جانب الأولادِ المَرحينَ جداً جداً، كانتْ هناك بقايا كرةٍ على ما يبدو، مهملةً مرميةً في الأرض بلا أهلٍ يسألونَ عليها، مَبعوجةٍ من رأسها وكأنً شاحنةً لم تصدمها فحسب، بل حسِبتْ هذهِ الشاحنة طريقها يمر من فوق رأس الكرةِ المسكينةِ بالضبط، فدهستها ذهاباً وإياباً. سألتُ تلقائياً ودون أنْ أشعر: "ماذا يفعل أحمد... أعني هؤلاء، ماذا يفعلون؟" أجابتْ لينا بسخرية: "يدبُكون، فريق النجاة يدبُك." نظرنا إلى بعضِنا ثانيةً للحظة، ثم انفجرتْ أفواهنا بضحكٍ هستيريٍّ لا قدرة لنا على احتوائهِ. غطتْ جعجتنا ضوضاء الصبيان الراقصين، مما جذب انتباههم فتوجهوا برؤوسهم نحونا، ووقع بصر أحمد الواقف في المقدمةِ علينا، فامتقع وجههُ بشدةٍ. إذاً، كانَ أحمد يدبُكُ ويرقصُ هنا مع الشباب على واحدةٍ ونصف، ونور تشرحُ وتستنجدُ وتجيبُ وتحكي، وتتلقى الكثير والكثير من اللوم من ناحيةِ الكبار في الأعلى، لذا هم تأخروا، مفهومٌ جداً. ****** > حروب الخوف 2 منذ دوامِ القصف في منطقة خالتي، باتتْ هي مرتعدةً خائفة، لا تنام كالناس، ولا تعيش كالناس، ولا تأكل كالناس أو تشرب مثل الناس. ذاتَ مرة، كبس صوتُ الضرب على عائلة خالتي وهي في طريقها عائدةً إلى منزلهم البعيد، سمعوا صوت القصف صافٍ مباشرٍ في الشارع، حيثُ حدث الأمر وهم لما ينزلوا من السيارة إلى المنزل بعد. زلزلتْ هذهِ الحادثة العائلةَ بأكملها، ارتفع ضغط جدتي، وقالتْ تخاطب خالتي وهي ترتجف وتزبد: "ولاء، والله وبكسر الهاء، إنْ لمْ تأتِ لتقيمي عندي حتى تهدأ الأمور، فلستِ ابنتي ولا أعرفك! لا أريد أنْ أسمع كلاماً ك"لا أريد أن أُثقل عليكم" وهذا الهراء، فكري بابنكِ الذي بقيَ يومين يبكي ويصرخ من صدمة حادثة السيارة! فكري بأولادكِ! لمْ أرَ قبلاً ابنةً بعُندكِ حقاً." سكتتْ جدتي وقد بُحَّ صوتها واغرورقتْ عيناها بالدموع، فمالتْ خالتي تبكي وتقبل أقدام والدتها، ثمَّ جاءت تسكن عندها بعد أنْ جمعتْ بضعة ملابس لها ولأولادها. في الفترة التي باتتْ فيها خالتي وأولادها في بيت جدتي -زوج خالتي كان يبيتُ عند أهلهِ الذين عرفتُ لأول مرة بوجودهم:)- تقاربتْ علاقتنا أنا ونور جداً. بعد حادثة أحمد والدّبكة التي حدثتْ منذ فترةٍ طويلة، وعنادهِ ووقاحتهِ وهو يبرر فعلهُ بأنّهُ "رأى نور تلحق بهِ، فظنَّ أنها ستخبر الكبار عن الأمر وانشغل هو!" وبمعرفةِ هروبهِ الواضح وجبنهِ، تشاجرنا كثيراً، وتشابكت الأمور وتعقدتْ حتى بين الكبار -أهلينا- لذا انقطع أحمد عن اللعب معنا. وبعد شعوري بالنفور من الصبيان، تقربتُ بشكلٍ طبيعيٍّ من نور، حسناً، كنتُ قريبةً منها بالفعل قبلها، لكنَّ تقاربنا ازداد أكثر فأكثر. جَمعاتُ اللعب التي أخذتُ أتحسر عليها بسبب الحَربِ، عاودتُ قطعها أنا بيديِّ بالبُعد المقصود، فما زلنا أمام بعضنا البعض، نقابلُ بعضنا البعض، لكنّنا لا نتجمعُ ونتحدث ونلعب كما الأيام السابقة، وكأنَّ الذاكرة مسحتْ هذهِ اللحظات من رأسي، فباتوا أغراباً عني. أصبحنا نقضي أوقاتاً كثيرةً سويةً -أنا ونور- نقرأ، نتحدث، نرسم، ونلعب كثيراً. أُريها كتاباتي ورسوماتي، وتُريني رسوماتها وألعابها. شيئاً فشيئاً، صارتِ الأحاديث أكثر، وأعمق، نتحدثُ عن المشاكل في العائلة، سليم وأمجد وكم أنَّ دمهم ثقيل، مشاكلي مع صديقاتي، ومشاكلها مع صديقاتها. أوقاتُ اللعب الرائق تقلّصتْ، والأوقاتُ التي كنا نقضيها معاً وكانتْ لنا مَهرباً طفولياً بريئاً من العالم القاسي، باتتْ إعادةَ تدويرٍ لمشكلاتِ حياتنا، ولهذا الواقع الصعب الذي يغمرنا من كل جهةٍ، لا يدعُ لنا بصيصاً، ولو ضئيلاً، للهروب. شعرتُ بأشياءَ تتغير فيِّ، أَننّي أحزن كثيراً وأنقبض كثيراً، ثم أطير محلقةً في أعالي السماء فرحةً وسعادةً. أجالس نور فأحكي لها عن صديقاتي وانفصالنا ومشاكلنا وعلاقتي التي بردتْ وصارتْ سَقيعاً مع لينا، وقد أذرف دمعةً أو دمعتين، ثم أنفُضُ كلَّ هذا في ذاتِ اللحظة وأعددّ فضائلهم ومساندتهم الدائمةِ لي أمام نور أيضاً. تغيراتٌ كثيرة كانتْ تطرأ، وما عدتُ أفهم. حتى جاء اليوم، الذي وجدتُ أمي تهتف أمام صدمتي الشديدة: "ميس، حبيبتي، ابنتي، لقد كبرتِ!" ****** > العفريت الشبح - مدرستي منارة العلم - 2013 "تشارلي تشارلي، حوّل، هل تسمعني؟" أوه، عُذراً، ليستْ هذهِ، أعني... "تشارلي تشارلي، هل أنتَ هناكَ؟" لأشرح ذلكَ، يجبُ أنْ نتحدث عن سوزان. سوزان فتاةٌ قدِمتْ مؤخراً إلى مدرستنا، هادئة بشكلٍ كبير، لا تتحدث إلا للضرورةِ، ولا تشاركُ في أيِّ شيءٍ. سوزان هذهِ كانتْ تجلسُ وحدها، تنتحي رُكناً في الباحةِ، ترمي شعرها الأسود الطويل على جبهتها ليُشكلَ ما يشبهُ ستارةً لوجهها، وتجلس محدّقةً بالأرض طوال الفسحة... طوال النّصفِ ساعة الخاصة بالفسحة، وبلا مبالغةٍ مني، وبشكلٍ طبيعيٍّ جداً لا تشوبهُ شائبة، تجلس هذهِ الفتاة بلا حِراك، لا تفعلُ شيئاً، لا تأكل، لا تتحرّك، فقط تحدّق بالأرض، الأمر جدّ طبيعي أليسَ كذلك؟ من شدةٍ طبيعية أمرِها، دار حديث تصرفاتها على ألسنة فتيات الصف كلهنَّ، كانَ لا حديث لنا وقتها غير سوزان، وحركاتها... أعني انعدام حركاتها المريب. كنّا كلما نتحدث عنها، تقفز سما لتهتفَ بأمورٍ مثل: "أنا أرى غرابتها مثيرةً للاهتمام، ألا تودنَّ أنْ تعرفنَ ما سرها وقصتها؟" نجيب بصوتٍ أشبه أنْ يكون موحداً: "لا." تهمدُ سما عندها لتعاودَ الكرَّةَ عندما نفتح الحديث ذاتهُ ثانيةً: "فتيات، ألا نجرب الحديث معها؟" في مرةٍ قالتْ لها لينا بوضوحٍ زائد عن اللّزوم -حتى بالنسبةِ لي ملكةُ نهج فداحةِ الصراحة-: "إذا كنتِ تريدينَ الحديث معها يا سما، فافعلي وحدكِ! إنَّ كونها غريبةَ الأطوار ليس عيباً بالضرورة، لكننا أيضاً لا نريد أن نفهم سرَّ هذهِ الغرابة بالضرورة!" سكتتْ سما قليلاً ولمْ تتفوّه بحرف، ولستُ أدري أكبتتْ انزعاجها أم لمْ تهتم، لكنَّها على كلِّ حال بادرتْ وحدها لتُكلم سوزان بعدها، ورأيناها -بعد التعارفِ والسلام- تتحدث معها بجديةٍ مُطولاً، ويا للمفاجأة! كانتْ سوزان ترد وتتحدث بإسهابٍ أيضاً! (أظن أننا -في النهاية- كنا مهتمينَ جميعاً فعلاً بقصة سوزان، لكنَّ الكبرياء لهُ رأي آخر! سامحكِ الله يا لينا فوَّتِ قصةً كانتْ يُمكن أنْ تُحكى هنا والآن!) كانتْ سما تحادثُها ثمَّ تأتي للجلوس معنا، عيوننا ترمقها وهي تمشي متمهلةً إلينا، تُلقي هي نظرةً على الفضول المُتسلل من أفكارنا والمفضوح عن طريق عيوننا النّهمة، فتختمُ سما فمها ولا تتفوّه بكلمةٍ عن سوزان، على مبدأ، أليسَ هذا ما أردتموه؟ لن تأخذوا منّي حرفاً واحداً عنها إذاً! فجأة، غيّرتْ سما رأيها، أو قررتْ أنْ تُنهي عقابها الصامت لنا، فقَدِمَتْ بسرعةٍ من ناحيةِ سوزان نحونا، بعد الحديث معها كالعادة، وكانَ وجهها مُحمراً يشتعل حماساً، وما إنْ وصلتْ حتّى هتفتْ: "فتيات! تقول سوزان أنَّها تقدرُ على استعمال السِّحر وتسخير الجنّ!" فَغَرنا جميعاً أفواهنا غير فاهمين، فعاودتْ سما تقول: "ألم تسمعنني؟ يُمكن لسوزان أنْ تسخر الجنّ وتتواصل معهم، هيَ تستطيع التواصلَ مع عددٍ منهم بالفعل!" أول من تكلم كانَ أنا، قلتُ باستنكار: "وهل صدقتِها يا سما؟ سما! الأمور هذهِ ليستْ لعبة ولا يُمكن أنْ تتمَّ على يد طالبة إعدادية عادية." هتفتْ ريم: "نعم، ألا تذكرينَ كِذبة الشبح وكيفَ كانَ الأمر مُدبر، ربما تكونُ هذهِ كِذبةً أُخ..." قاطعتها سما: "لا، الأمران مُختلفان. الأشباح؟ هي فعلاً غير موجودة، أما السّحر والجنّ، فهما أمران وجودهما مُحتّم." قالتْ لينا: "وما دليلها على ذلكَ؟ هل رأيتِ شيئاً يدلُّ على أنَّها تستطيع ذلكَ فعلاً؟" التمعتْ عينا سما أكثر فأكثر وتألقتْ، ثمّ أخذتْ تصبّ كلامها علينا صباً حماسياً شديداً: "كلمتُها كثيراً، هي لمْ تُوضح الأمر أو ماهيتهُ كثيراً، إلا أنِّني استطعتُ سحبَ المعلوماتِ على غفلةٍ منها، حتّى أنَّ جمعاً بسيطاً من الفتيات تجمهر حولها يسمع ما تقدر بالضبط على فعلهِ، لمْ يَكن جمعاً غفيراً، إنّما جميعهنّ أبدينَ رغبةً بالمعرفة، وربّما يتناولنَ الأمر في أحاديثهنَّ مع صديقاتهنَّ." ثمَّ مالتْ إلى الأمام قليلاً لتقترب من آذاننا الصاغية كأبواقٍ، وعيوننا المشدودة ككُراتٍ جاحظة: "إنَّها تستطيعُ أنْ تتواصل مع جنيٍّ معينٍ، يردُّ عليها دائماً، حتّى أنّها وعدتنا بإثباتِ ذلكَ، وأخبرتنا أنَّ اسمهُ هو تشارلي." ******