صفوة الفقراء - الثاني
جاري التحميل...
الثاني
.........
رأى نجماً لامعاً وسط غُبَارِ الفضاءِ
وقمراً منيراً يَبرُزُ من ظُلُماتِ السماءِ!
رأى الحُسنَ والجمالَ، والبراءةَ والصفاءَ
في وجهٍ يَبرُقُ كما الشمس التي تُزَيِّنُ البيداءَ!
نعم، بالتأكيد كانت أنثى!
كانت جالسة على الأرض مرتديةً ملابس رثة كتلك اللي يرتديها، وكان جسدها هزيلاً أكثر من جسده حتى، لكن أكثر ما جذبه وجعله يمعن النظر إليها هو وجهها المستدير الصغير، وعيناها العسليتان الضيقتان، وملامحها الطفولية البريئة اللي تتعارض بشكل صارم مع حالة جسدها وهالات سمراء بارزة تحت عينيها، وشعرها القصير ذو اللون البني القاتم، كانت جميلة جداً بالنسبة إلى كونها متسولة كما يوحي كيس النقود الصغير الملقى بجانبها، وهذا هو ما ظل يخبر صاحبنا نفسه به متعجباً!
لقد رأى في ترحاله نساء جميلات كثيرات ولم يأبه لهن بالتأكيد، وما كان ليعتبر نفسه جديراً بأن يفعل أصلاً، لكن هذه حالة غريبة جداً لا يراها المرء كل يوم حسب ظنه؛ فقد كانت هذه المرة الأولى التي يرى فيها فتاة بهذا الجمال تشحذ فتات الطعام وقطع النقود القليلة، هو لا يأبه بحاله على الإطلاق فهو يعلم أن هنالك مثله كثير من الناس، لكن....لا يرى المرء كل يوم فتاة عذبة الملامح والجمال كتلك كل يوم تجلس بهذه الحال!
اقترب منها صاحبنا وقد بدا على وجهه العجب، وسألها وهو يزدرد لعابه: ما اسمكِ؟!
فسألته بدورها بلهجة باردة: ماذا تريد؟!
-الحقيقة أنني أعجب لحالك وحسب...أنتِ أجمل من أن يكون هكذا حالك!
عقدت حاجبيها، وشعر صاحبنا بأنه أخطأ فيما قاله فبادر إلى الاعتذار، لكنها أشارت إليه أن يجلس بجانبها قبل أن يفتح فاه حتى لينطق بكلمات الأسف!
وقد استجاب لها فجلس بجانبها، ولم يتحدث ولم تتحدث، وخيم عليهما صمت ذو رهبة جعلتهما لا يقدران على كسره، إلى أن قُطِعَ فجأة بقولها: أتستنكر علي أنني جميلة؟! أترى أن الجمال أيضاً ليس من حقي؟!
عقد حاجبيه وقال بلهجة آسفة: لا أقصد ذلك أبداً، إن حالي مثلكِ كما ترين ولذا فأنا لا أستنكر عليكِ شيئاً أبداً، أعرف في قرارة نفسي أننا نستحق أن نحيا مثلما يحيا أولئك الناس ولكن...أحياناً أشعر فقط...بأن هذا لا يليق بنا!
سالت دمعة على خدها وهي ترد: ربما لا يليق بنا أن نحيا أصلاً!
-كلا....لا تقولي هذا، أعلم أننا لم نأخذ فرصنا في الحياة كبشر...طبيعيين، ولكن لا يجب أن يجعلنا هذا نكره أنفسنا لهذه الدرجة!
=أياً كان ما تقوله!
-...هل فكرتِ يوماً أن حالنا هذا يجعلنا مميزين بشكل ما؟!
=مميزين؟! لا أدري ما هو مفهومك عن التميز ولكن يبدو بأنك تظن أنه جيد بشكل مطلق؛ ماذا لو أن كوننا هكذا يجعلنا مختلفين بشكل أسوأ من غيرنا؟!
-أفهم ما تقولين ولكن...أحاول دائماً أن أرى جانباً جيداً في كل ما يحدث؛ ربما رحمنا الله من آلام المشاعر والعلاقات بين الناس، ومن الجوع والألم، ونعم...الجوع والألم وجودهما بشكل معتاد يقضي على قيمتهما وسلبيتهما...إنني أسمع أحاديث وحكايات أثناء تجوالي تجعلني أحياناً سعيداً بحالي، لا أظن أن هنالك من جرب كل السعادة في الدنيا أو كل الألم فيها، ولا حتى نحن!
=...تقول بأن حالنا أسعد من غيرنا؟!
-نعم، على الأقل نحيا أحراراً!
=....في مكان وزمان آخرين كان يمكن لكلماتك تلك أن تكون منطقية أكثر!
-وماذا لو أنها...
=دعك من كل هذا، إننا نتحدث ونحن لا نعلم أسماء بعضنا حتى ولا نعلم ما إذا كنا سنرى بعضنا مجدداً أم لا، وأنت هنا...تعظني! وهذا حقاً يثير السخرية!
-لا بأس...
=فقط اصمت، أيمكنك ذلك؟!
قالت جملتها الأخيرة وقد بدأت دموعها تزداد، وبدأ صوت بكائها يعلو أكثر؛ فالتزم صاحبنا الصمت لبعض الوقت منتظراً إياها أن تقطعه بكلامها مجدداً، إلى أن حدث بالفعل وتكلمت: "اسمي هبة، ولم أشعر في حياتي بمعنى اسمي...وأنت؟!"
-عزيز، لكني شعرت في حياتي بمعنى الاسم!
=هه! وكيف لك ذلك؟!
-أقصد هنا عزة النفس؛ فأنا لا أتسول النقود حقاً وليس في هذا إهانة لك بالطبع، لكن الأمر أنني أحب أن أعمل لأستحق المال أو الطعام.
=إذن فأنت تعمل، وماذا تعمل يا ترى؟
-....في الحقيقة لا شيء حالياً؛ فقد مات رب عملي الأخير؛ ولذا فأنا أجول في المدينة بحثاً عن عمل آخر.
=وإذا غلبك الجوع، هل ستتسول قوت ليلتك؟!
-في الواقع لقد حدث هذا منذ بعض الوقت، لكن لم أتسول إلا بالقدر الذي يكفيني وحسب.
=إذن فأنت الآن ذاهب في طريقك لمتابعة البحث؟
-نعم، ولكن لا مانع من أن أستأنس بأحد مثلك لبعض الوقت، هذا لو أنكِ لا ترين مانعاً كذلك!
=....كلا، لا أرى مانعاً؛ فالوحدة أليمة، ومن الجيد أن يستأنس أمثالنا بأشخاص مثلهم إذا التقوا بهم، وبما أنك التقيت بي فلا بأس، استأنس كما تريد ثم امضِ لحال سبيلك إذا أردت.
أومأ عزيز برأسه موافقاً، ثم عاد الصمت ليغزو جلستهما، وفجأة جاء رجل ووضع بضعة عملات أمامهما وتركهما ورحل، وقد بدت عليه شفقة حقيقية على حالهما، وكأنه عرف حكايتهما من نظراتهما!
قال عزيز: لدي بعض النقود هنا، إذا كنتِ تحتاجين...
قاطعته: كلا....لقد كنت أعمل منذ بعض الوقت مثلك، وحدثت بعض الظروف السيئة و...هآنذا هنا!
-يبدو أن القصة نفسها وجدت طريقين إلينا!
=سأعترف لك بأن هذه مصادفة مرحة نوعاً ما!
-نعم، هي كذلك بالفعل!
وهكذا، عاد الصمت ليخيم على الأجواء، لكن عزيزاً قطعه هذه المرة: يبدو أنكِ حقاً لا تريدين الحديث، وربما لا تطيقين وجودي هنا أصلاً....
قاطعته: لا أريد أن أنظر إلى الماضي أبداً ثانيةً!
-وسأحترم ذلك، وربما سألتزم به أيضاً، لن نتحدث عن الماضي قدر ما نستطيع وأعدكِ بذلك!
=...لقد كنت تقول إنك في طريقك للبحث عن عمل، أليس كذلك؟
-نعم، إنما أجلس الآن معكِ لأرتاح من تجوالي وحسب...
=دعنا نبحث معاً!
انفرجت أسارير عزيز واتسعت ابتسامته أكثر، وظهرت بهجته وهو يسألها قائلاً: أتعنين ما تقولين؟!
=نعم، والآن هيا قبل أن أغير رأيي، لقد جلسنا بما فيه الكفاية وحان وقت التحرك قبل أن نموت جوعى، دعنا نبحث عن عمل أو نبتاع طعاماً بنقودنا!
قاما من مجلسهما، وشرعا يتجولان في المدينة معاً، ولكن الفارق هذه المرة بأن خطواتهما كانت أكثر سرعة ومتعة، ولأول مرة منذ وقت طويل جداً يشعر كلاً منهما أنه ليس وحيداً في هذا الكون، ويتمنى في قرارة نفسه أن يدوم هذا الشعور لوقت أطول وأطول، وأن يظل مع الآخر لمزيد من الوقت بأي سبيل، حتى لو لم يُظهِر ذلك للآخر!