رواية السايكوباتي الذي بداخلي - عودة الطفل المشاغب
عودة الطفل المشاغب
اللهيب كان أوّل من شهد الهلاك، وأوّل من دوّن النهاية. ذاك الذي يُلاحق الرماد في كل مسرح، لم يعد يميز الجاني من الضحية. وذاك الذي اغتيلت براءته على مرأى الجميع، بات يجهل إن كان هاربًا من الماضي المحترق... أم عائدًا ليشعله من جديد. جثث بلا ملامح، ودمى تبتسم وسط الخراب. وفي كل مرة، يظنّ الجميع أن هذه ستكون الأخيرة... يقهقه الجاني مصرحًا: "العرض لم ينتهِ بعد..."
[ "كان المصباح يركز الضوء على حقيقة مشوهة.. فرأيت أنه من الأفضل أن تبقى في الظلام"- (1-1) ]
"سيدي، لقد وجدنا هذا بجانب الجثة."
ترجَّل المحقق الثلاثيني من سيارته، واقترب بخطوات ثابتة وعينين لا ترمشان، وكأنه لا توجد أمامه جثة محترقة حدَّ التفحُّم. اختفت المعالم، وبقيت تعبيرات الذعر تتمسَّك بثباتها على محياها.
تناول الكيس البلاستيكي من بين أنامل المحقّق، وحمَلَق في محتواه طويلًا قبل أن يمدَّ يده الأخرى ويُخرِجه من الكيس. كان شيئًا غريبًا للناظرين، ولكنه مألوف لرجال شرطة هذه المدينة...
"مجدَّدًا! دمية قماشية ذات أعين زجاجية سوداء... إنه الطفل ذاته."
"أتقصد المجرم ذاته، يا سيدي؟"
أردف الشرطي بنظرات متعجّبة وجبينٍ مجعَّد، فأجابه المحقق بابتسامة ساخرة صحبتها زفرة مطوَّلة:
"لا... أنا أقصد ما قلت، الطفل ذاته. طفل يستدرج الضحية بدُميته الصغيرة، يُجهز عليه، ثم يتركه جثة هامدة، ويترك معه الدمية كتذكارٍ أخير، ثم يختبئ تحت سريره ويستمتع برؤيتنا نتخبَّط هنا وهناك."
"ولكن الطفل مهما أجاد اللعب، سيظل طفلًا يا إيليان. ألن نقدر على إنهاء لعبته السخيفة؟"
قالها رجل أقرب إلى العجز منه إلى الشباب، واقترب أكثر من إيليان الذي تجلَّت على وجهه ملامح الضيق:
"لن نقدر على إنهائها ما دمنا نلعب وفقًا لقوانين سنَّها الخصم، بالإضافة إلى أن الأطفال لا يمكن توقُّع تصرُّفاتهم يا أبي... أعذرني أقصد يا سيادة النائب العام."
تجمَّدت الكلمات في حلق النائب فرانك، وتيبَّست حدقتاه صوب الجثة. المشهد يُجزِع النفوس، رغم أنها ليست المرة الأولى التي يرى فيها شيئًا كهذا. فجميع المغدورين في هذه القضية قُضي عليهم بالطريقة ذاتها؛ تُضرَم بهم النيران لتنهشهم أحياءً، تاركةً جثثًا مشوَّهةً مطموسة الملامح، إلا من معالم الرعب المطبوعة على وجوههم.
رفع إيليان رأسه ناظرًا إلى مصباح عمود الإنارة، ليجده -كالعادة- معطَّلًا. زمَّ شفتيه وهمس كأنه يحادث نفسه:
"كل مسرح جريمة يحدث في مكان مختلف، ولكن دائمًا... دائمًا يكون الضوء فوق الجثة معطوبًا. مصادفة؟ أم إشارة...؟"
صوتٌ خافت تسرَّب من أحد الأزقة الجانبية، ضحكة صغيرة... ناعمة... إيقاعها ثابت، وكأنها آتية من مسجِّل صوت. حدّق إيليان فورًا باتجاه الصوت، وتسارع قلبه فجأة، شعورٌ غريب بالبرودة ضرب جسده وتسلَّل إلى عظامه.
"هل سمعت ذلك؟"
سأل وهو يلتفت إلى أبيه، لكن الأخير بدا كمن غرق في أفكاره ولم يُجِب.
تقدَّم إيليان بخطوات بطيئة نحو الزقاق، وكلما اقترب، ازداد الصوت وضوحًا. إذًا مصدره آتٍ من هنا، لا شك في ذلك، لكنه ينبعث من مكانٍ منخفض... منخفض جدًا.
وعندما وقف عند رأس الزقاق، رأى ذلك الشيء.
صندوقٌ خشبي موضوع بجانب سلة المهملات. جثا بجانبه، ومدَّ يده ببطء ورفع غطاءه. قطَّب حاجبيه بريبة بعد أن اندفعت من الصندوق دميةُ مهرجٍ، من أمثال تلك التي تُستخدم لإخافة الأطفال. لكن لحظة... هناك إيقاعٌ رتيب يتسلسل من قاعدة الصندوق، وكأنه صوت...
نزع الدمية من الصندوق بسرعة، فانفرجت عيناه بفزع وسبقت الكلمات خطاه وهو يندفع صارخًا بمن حوله:
"قنبلة! اهربوا جميعًا، هناك قنبلة!"
دوَّى الانفجار كصرخة جحيمية شقَّت الظلمة، أعقبه وميضٌ أعمى البصر للحظة، ثم عمَّ السكون... يمكننا نعته بسكون ما قبل العويل.
ارتجّت الأرض تحت الأقدام، وتناثرت الشظايا في كل اتجاه، وارتفع عمودٌ من الدخان الرمادي ليعانق السماء الكئيبة. طار جسد إيليان بقوة إلى الوراء وارتطم بالرصيف بحدَّة أشعرته بأن الهواء قد سُحب من رئتيه، ثم شعر بسائل دافئ ينساب من جبهته ليصبغ ملامحه بذاك اللون القاتم.. لكن رغم ذلك لم يفقد وعيه.
وعلى الرغم من أصوات الصراخ وصفارات الطوارئ التي بدأت تصدح بالأجواء، كان كل ما استولى على مسامع إيليان شيئًا آخر... أنينًا خافتًا، مبحوحًا، أقرب إلى حشرجة مفارقة الروح للجسد. استدار بعينين مرعوبتين فرآه...
ممدَّدًا على الأرض، سكونه يُشبه سكون الموت، إلا من تلك الرجفة الخفيفة في صدره. هرول إيليان زاحفًا رغم الألم الذي يفتك بجسده حتى بلغ جسد أبيه الذي اكتسى وجهه بالرماد والدماء، ركع بجانبه يرتجف:
"أبي... لا... لا تُغمض عينيك..."
فتح فرانك عينيه بصعوبة، كانت نظرته تحمل شيئًا غريبًا، شيئًا لم يره إيليان بعيني والده من قبل... الخوف، ثم تكسَّر صوت فرانك تحت وطأة الألم وهو يجاهد لإخراج كلماته:
"كان يجب أن أعرف أنه هو..."
"ما الذي تقوله يا أبي؟ لا تتحدث... لا تتحرك... سيارة الإسعاف قادمة، ستكون بخير، فقط تماسك."
سعل فرانك بشدَّة، فخرج الدم من فمه، لكنه استمر في محاولة قول شيء حتى انبعث منه صوت أقرب للهمس:
"نحن من بدأنا باللعب معه يا إيليان... نحن من انتزعنا منه دُميته، كان يجب أن أفكر بالعواقب..."
وغابت عيناه فجأة، كأنه انزلق إلى هاوية لا رجعة منها.
.....................................................................
المستشفى... مكانٌ يتميز بالجدران البيضاء كالكفن، والضوء الباهت رغم شدَّته، كل شيء هنا يليق بمكانٍ يُودَّع فيه المرء نصف قلبه.
جلس إيليان على المقعد، رأسه منحنٍ، الدم تجلط على وجهه ورأسه الملفوف بالضمادة، ويداه ملطَّختان بدم والده. لم يكن يرمش أو يبكي أو حتى ينطق بحرف، فقط يضغط بعنف على قبضته حتى ابيضَّت عظامه. خرج الطبيب أخيرًا، وكانت نظراته كافية لتقول كل شيء دون الحاجة حتى لسماع ما نبس به:
"أعتذر منك كثيرًا... لقد بذلنا ما بوسعنا، لكنه قد فارق الحياة... كان هناك قطعٌ بشريان رئيسي، ولم نملك وقتًا كافيًا لإنقاذه."
لم يرُد إيليان، لم يهز رأسه، فقط أغلق عينيه، وشعر بشيءٍ ثقيل يتهشَّم في داخله... كأنَّ حديدًا منصهرًا قد سُكِب على قلبه حتى أذابه.
وقف، ونظر من نافذة المستشفى إلى الليل المتخثِّر خلف الزجاج، وهمس لنفسه:
"إذًا تريدها حربًا؟ لكَ ما تريد."