فَارِسَةُ كَازُوهَارَا - اَلِانْــطِــلَاقُ نَــحْــوَ الْــمَــصِـيــرِ
اللغة: العربية
الرئيسية ربح

فَارِسَةُ كَازُوهَارَا - اَلِانْــطِــلَاقُ نَــحْــوَ الْــمَــصِـيــرِ

جاري التحميل...

اَلِانْــطِــلَاقُ نَــحْــوَ الْــمَــصِـيــرِ

.........

تحميل الفصول...
المؤلف

وقفت نيارا بثبات يليق بقائدة خاضت معارك أكثر مما تسمح به سنوات عمرها. عيناها كانتا حادتين، كأنهما تقرآن وجوه الجنود واحدًا واحدًا. إلى جوارها وقف ريز، أطول منها قامة، عريض الكتفين، وملامحه الصارمة لا تخفي قلقًا داخليًا يعرفه من خاض طريق القيادة.


قال ريز بصوت منخفض وهو ينظر إلى الصفوف: - هل تظنين أنهم مستعدون؟


أجابت نيارا دون أن تحوّل نظرها: - الاستعداد ليس خيارًا اليوم. هذا الاختبار سيُظهر من يستحق... ومن كان مجرد ظل في ساحة القتال.


تقدّمت خطوة للأمام، وارتفع صوتها واضحًا، قويًا، اخترق الضباب: - أيها الجنود! اليوم لا يشبه أي يوم مضى. أنتم هنا لأنكم صمدتم، لأنكم لم تنكسروا عندما انكسر غيركم. لكن ما مضى... لا قيمة له الآن.


ساد صمت ثقيل.


- ما أنتم مقبلون عليه هو الاختبار الأعظم. اختبار سيحدد من منكم يملك الحق في الترحيل إلى قلعة أستور البيضاء... القلعة التي لا يدخلها إلا من ثبتت قوته، وصدق ولاؤه، وصلابة روحه.


تحرّك همس خافت بين الجنود. أسماء كثيرة ترددت في العيون قبل الألسنة.


أكمل ريز بصوت أشد صرامة: - هذا الاختبار ليس استعراض قوة فقط. ستُختبر عقولكم، قراراتكم، وقدرتكم على العمل كفريق أو الوقوف وحدكم حين يُفرض عليكم ذلك. الفائزون... سيُكتب لهم مستقبل مختلف. والخاسرون... سيعودون كما كانوا، أو أقل.


رفع أحد الجنود رأسه، كان، شابًا نحيلًا بعينين متّقدتين. - ومتى يبدأ الاختبار؟


ابتسمت نيارا ابتسامة قصيرة، لا دفء فيها. - لقد بدأ منذ اللحظة التي وطأت فيها أقدامكم هذه الساحة.


---


في الجهة الأخرى من المعسكر، داخل مبنى حجري قديم تحيط به رايات التدريب، كان إلياس وإيلا يقفان أمام مكتب ضخم نُحت من خشب داكن. خلف المكتب جلس رئيس المعسكر، رجل تخطّى الخمسين، شعره مائل إلى الرمادي، ونظرته تحمل ثقل سنوات من الحرب والانتصارات والخسارات.


قال الرجل وهو يتفحّصهما: - قليلون في هذا المعسكر من يلفتون الانتباه كما فعلتما.


تبادلت إيلا نظرة سريعة مع إلياس. كانت أصغر سنًا من معظم المتدربين، لكن عينيها تحملان ذكاءً حادًا وثقة لم تُكتسب إلا بالتجربة.


- برغم صغر سنكما، تابع رئيس المعسكر، إلا أنكما من أكفأ من درّبناهم هنا. سرعتكما، حدسكما، وانضباطكما... كلها صفات لا تُعلَّم بسهولة.


انحنى إلياس احترامًا: - هذا شرف لنا، سيدي.


أسند الرجل ظهره إلى المقعد، وخفّض صوته: - ما سأقوله الآن... لا يخرج من هذه الغرفة.


شدّت إيلا قبضتها دون وعي.


- هناك حركة خيانة قائمة، قال. نشاط خفي، تحالفات في الظل. الحرب قادمة، سواء أردنا أم لا.


سكت لحظة، ثم نطق الاسم الذي جعل الهواء يثقل: - الملكة سيراث.


رفعت إيلا رأسها فجأة: - جلالتها في خطر؟


- دائمًا، أجاب. لكن الخطر هذه المرة أقرب مما نعتقد. نحتاج إلى من يحميها دون لفت الانتباه. من يملك الشجاعة... والعقل.


نظر إلياس إلى إيلا، ثم عاد بنظره إلى الرجل: - وماذا عنا؟


- مهمتكما بسيطة في ظاهرها، مستحيلة في جوهرها. ستخوضان الاختبار اليوم، وعليكما إثبات جدارتكما أمام الجميع. إن نجحتما... ستُكلَّفان بحماية الملكة مباشرة.


تنفست إيلا بعمق: - سنفعل ما يلزم 


ابتسم رئيس المعسكر ابتسامة نادرة: هذا ما كنت أتوقعه.


---


عاد المشهد إلى ساحة التدريب، حيث بدأ الجنود يتفرّقون إلى مجموعات. نيارا كانت تراقبهم بعين لا تفوّت تفصيلًا، بينما كان ريز يدوّن ملاحظات سريعة.


أنظري إلى ذلك، قال مشيرًا إلى مجموعة يقودها جندي يُدعى كالِم. لديهم تناغم.


والتناغم أول ما ينهار تحت الضغط، ردّت نيارا. دعنا نرى.


بدأت المرحلة الأولى: عبور الغابة الحجرية. مسارات متشابكة، أفخاخ مخفية، وقرارات تُتخذ في ثوانٍ.


تعثر دارِن، لكنه نهض بسرعة. صرخ أحدهم طلبًا للمساعدة، فتردّد آخرون. بعضهم تقدّم... وبعضهم اختار النجاة بنفسه.


الخوف لا يصنع فارسين، همست نيارا.


..


في الوقت نفسه، كانت إيلا وإلياس يستعدان لدخول الاختبار. تبادلا كلمات قليلة، لكنها كانت كافية ..


لا تتراجع، قالت إيلا.


ولا أنتِ، أجاب إلياس.


دخلا الساحة، والعيون تلاحقهما. لم يكونا الأقوى جسدًا، لكن شيئًا في حضورهما فرض الصمت.


..


توالت الاختبارات: قتال فردي، اتخاذ قرار أخلاقي تحت الضغط، حماية هدف وهمي وسط فوضى مصطنعة. سقط كثيرون. صمد قليلون.


نيارا كانت ترى أكثر مما يحدث على السطح. كانت ترى من يقاتل بدافع المجد... ومن يقاتل لأنه لا يملك خيارًا آخر.


ريز اقترب منها: - يبدو أن بعضهم تجاوز توقعاتنا.


- الحرب تفعل ذلك، . تُخرج أسوأ ما في الناس و أفضلهم اردفت نيارا
..
..
..
وقف ريز في قلب الساحة مع ارتفاع الشمس إلى كبد السماء، وقد تغيّرت ملامحه عمّا كانت عليه في الصباح. لم يعد ذلك القائد الهادئ المراقب من بعيد، بل صار صوت الحرب حين تقرر أن تتكلم.


رفع يده، فخمدت الأصوات شيئًا فشيئًا، حتى لم يبقَ سوى أنفاس الجنود المتقطعة.


قال بصوت جهوري: - انتهت المرحلة الأولى. وسقط فيها من سقط.


نظر حوله ببطء، كأن عينيه تمسحان الخسارة المكتوبة على الوجوه.


- بعضكم كسرته المواجهة الأولى. بعضكم ظن أن القوة وحدها تكفي، فاكتشف متأخرًا أن العقل أسبق من الذراع. وهناك... من فاجأنا.


ساد صمت ثقيل، تخلله أنين خافت من مصابٍ لم يُسعف بعد.


- لكن ما تبقى، تابع ريز، هو جوهر هذا الاختبار. القتال الحقيقي. مواجهة وجهاً لوجه، لا مجال فيها للهرب، ولا مكان فيها للأعذار.


تحرّك الجنود في أماكنهم. العيون اشتعلت، والقلوب خفقت بعنف.


- ستقاتلون، قالها بوضوح قاسٍ، واحدًا ضد واحد. حتى يثبت من منكم يستحق الوقوف حين يسقط الآخر.


بدأت المواجهات.


سقط أول جندي بعد دقائق، ثم ثانٍ، ثم ثالث. دماء على الرمل، صرخات مكتومة، انتصارات قصيرة لا وقت للاحتفال بها. بعضهم خرج مرفوع الرأس، وبعضهم خرج محمولًا على الأكتاف.


نيارا كانت تراقب، بلا تعليق، لكن عينيها توقفتا فجأة.


- ريز...


التفت إليها.


- هذه المواجهة القادمة... لم تكن في الحساب.


في منتصف الساحة، وقف إلياس في مواجهة إيلا.


ساد همس مذهول.


- إنهما معًا؟ - مستحيل... - تدربا جنبًا إلى جنب...


لكن ريز لم يرفع يده لإيقاف الأمر.


- الساحة لا تعرف القرابة، قال بصرامة. ابدأوا.


---


ثبت إلياس قدميه في الرمل. كان يشعر بثقل غريب في صدره، ليس خوفًا... بل معرفة. معرفة أن من أمامه ليست خصمًا عاديًا.


إيلا أمسكت بسكينها القصير، قبضتها مشدودة، وعيناها ثابتتان عليه.


لن أتراجع، قالت في سرّها. ليس اليوم.


اندفع إلياس أولًا. لم يمنحها لحظة تفكير. ضربة مباشرة، سريعة، استهدفت الكتف. تفادتها إيلا بانزلاق جانبي، وردّت بسكينها نحو خاصرته.


تصادم المعدن بالمعدن.


ارتجّت الساحة.


بسرعة! صاح أحد الجنود.


إلياس دار حولها، أنفاسه تتسارع. حاول أن يضغط، أن يدفعها للخلف، لكنها ثبتت.


ضرب، صدّ، تراجع، ثم هجوم مضاد.


السكين شق الهواء قرب عنقه. شعر بالبرودة تمر بمحاذاة جلده.


قريبة... أكثر مما توقعت.


إيلا لم تفكر. جسدها تحرّك قبل عقلها. ضربت، تعثرت، سقطت على ركبة واحدة، ثم نهضت وهي تهجم مجددًا.


إيلا! حذّرها أحدهم.


لكنها لم تسمع.


إلياس أمسك ذراعها، حاول إسقاطها أرضًا. قاومت، دارت حول نفسها، وغرست ركبتها في جانبه. تأوّه، لكنه لم يتركها.


سقطا معًا على الأرض.


غبار، صرخات، دهشة.


تدحرجا، كل منهما يحاول السيطرة. السكين انزلق بعيدًا، ثم عاد إلى يد إيلا في لحظة خاطفة.


جرحت ذراع إلياس. الدم سال.


شدّ على أسنانه.


لا... لن أنهيها هكذا.


نهض مترنحًا، واندفع مجددًا. ضربتها أطاحت بها أرضًا. سقطت على ظهرها، الهواء خرج من رئتيها دفعة واحدة.


نهض فوقها، لكن عينيه تردّدتا.


افعلها! صرخ أحد الجنود.


لكن إيلا رفعت سكينها فجأة، وغرسته في الأرض قرب رأسه، ثم دفعت بكل ما تبقى لديها من قوة.


تدحرج إلياس، وسقط على جانبه.


نهضا معًا، بصعوبة، أنفاس متقطعة، أجساد ترتجف.


كانت المواجهة قد صارت شيئًا آخر. لم تعد اختبارًا... بل إرادة خالصة.


ضربة أخيرة. اندفاع أخير.


إيلا صرخت، هاجمت، استخدمت كتفها، وزنها، كل ما بقي فيها. دفعته إلى الأرض.


سقط إلياس على ظهره، صدره يعلو ويهبط بعنف، أطرافه لم تعد تطيعه.


وقف الرمل شاهدًا.


ساد الصمت.


ثم رفع ريز صوته: كفى.


نظر إلى إيلا، الملطخة بالدم والغبار، ثم إلى إلياس الممدد، يبتسم رغم التعب.


-الفائزة... إيلا.


لم تهتف الساحة فورًا. كان الذهول أسبق من الصوت.


نيارا أغمضت عينيها لحظة.


لم اتوقع هذا .


نظر لها ريز ضاحكاً: 
كان هذا امتع قتال لليوم حقاَ


إيلا ترنحت، نظرت إلى إلياس، ثم جلست بجانبه، أنفاسهما تختلط.


كنتِ رائعه... همس.


ابتسمت بتعب: أنت ايضاَ.


...
..
كان المساء قد بسط عباءته على المعسكر، وانخفض صخب النهار إلى همسات متفرّقة. في إحدى الخيام الطبية، جلست إيلا قرب مصباح زيتٍ صغير، يترنّح ضوؤه مع كل نسمة. أمامها كان إلياس مستلقيًا على فراش بسيط، كتفه ملفوف بضمادٍ أبيض ما زالت أطرافه ملوّثة بآثار الدم.


مدّت إيلا يدها بحذر، شدّت الرباط قليلًا، ثم عقدته بإتقان.


هكذا أفضل، قالت بنبرة هادئة. الجرح سيلتئم، لكنك تحتاج للراحة.


ابتسم إلياس ابتسامة متعبة: الراحة؟ بعد ما فعلتِه في الساحة؟ أظن أنني سأسمع وقع خطواتك في أحلامي أيامًا.


رفعت حاجبها، وفي عينيها لمعة خفيفة: كان يمكنك أن تستسلم.


وأدعكِ تفوزين بسهولة؟ مستحيل.


ضحكت إيلا ضحكة قصيرة، كسرت ثقل اللحظة.


عنيد... كما توقعت.


طرق خفيف على عمود الخيمة، ثم أطلّ جندي شاب، كان اسمه دارِن، وملامحه تحمل حماسًا صادقًا.


آسف للمقاطعة، قال وهو ينظر إلى إيلا بإعجاب واضح. أردت فقط أن أطمئن... ما فعلتِه اليوم كان مذهلًا.


استقامت إيلا قليلًا: شكراً، دارِن. الجميع قاتل بشجاعة.


ابتسم الجندي، وأطال النظر أكثر مما ينبغي.


- الشجاعة كلمة قليلة عليكِ.


في تلك اللحظة، شعر إلياس بوخزة غريبة في صدره. لم يكن الألم من الجرح، بل شيء آخر... شيء لم يعترف به من قبل. ضيّق عينيه قليلًا وقال بنبرة جافة: - أظن أن المريضة انتهت من عملها. دعها تستريح.


التفت دارِن إليه، ثم إلى إيلا، وضحك بخفة: بالطبع. ليلة هادئة لكما.


خرج الجندي، وبقي الصمت لثوانٍ.


نظرت إيلا إلى إلياس متفاجئة: - ما بك؟


لا شيء، أجاب سريعًا، ثم أدار وجهه. فقط... لا أحب الضجيج.


ابتسمت ابتسامة خفيفة، وكأنها فهمت أكثر مما قال.


---


خارج الخيام، كان المعسكر يعود تدريجيًا إلى حياته اليومية. جنود يتجادلون حول نتائج القتال، آخرون يقلّدون ضربات إيلا في مزاحٍ صاخب، وبعضهم يبالغ في السرد حتى كأن المعركة تحوّلت إلى أسطورة في ساعات.


رأيتِ كيف أطاحت به؟ لا، رأيتُ كيف نهض مرارًا!


الضحكات تملأ المكان.


---


مع اقتراب منتصف الليل، دخلت نيارا وريز الخيمة. توقّفت إيلا فورًا، ووقف إلياس بصعوبة.


اجلس، قال ريز. لم نأتِ للتوبيخ.


تبادلت نيارا نظرة مع إيلا، ثم قالت: - حان وقت الإعلان.


ساد الصمت.


من سيُرحّل إلى قلعة أستور البيضاء، قال ريز، هم ثلاثة.


نظر إلى الأسماء واحدًا تلو الآخر: - إيلا... حارسة شخصية مباشرة للملكة سيراث.


اتسعت عينا إيلا، وابتلعت ريقها.


إلياس... جندي مرافق ضمن الحرس هناك.


شدّ إلياس قبضته، وشعر بثقل المسؤولية يتسلّل إليه.


وكالِم، تابع ريز، سيكون ضمن القوة المرافقة.


قالت نيارا بصوت خفيض لكنه حاسم: ما ينتظركم ليس شرفًا فقط، بل خطرًا دائمًا. القلعة البيضاء ليست آمنة كما يظن الجميع.


انحنت إيلا احترامًا: سأحمي الملكة بروحي.


نظر إلياس إليها، وفي عينيه تصميم صامت.


---


في زاوية بعيدة من المعسكر، حيث لا يصل الضوء إلا خافتًا، وقف رجل نحيل، طويل القامة قليلًا، ملامحه حادة كأنها نُحتت من ظل. كان يراقب الأضواء من بعيد.


تسلّل الماضي إلى عينيه كفلاشٍ خاطف.


الساحة... الغبار... إيلا وهي تنهض، تضرب، وتفوز.


قبض يده بقوة.


متغطرسة... همس لنفسه. لا تعرف شيئًا عن المعاناة.


في ذاكرته، كان يرى نفسه يسقط في اختبارات سابقة، يُهمل، يُتجاوز، بينما تُرفع هي على الأكتاف.


كان يجب أن أكون أنا، قال بصوت مبحوح. أنا من يستحق الفوز... لا هي.


ارتسمت ابتسامة باردة على شفتيه.


وسيأتي اليوم... الذي تسقط فيه.
..
..
..
كان المعسكر، في تلك الليلة، أقلّ شبهًا بساحة حرب وأكثر شبهًا بقلبٍ قرّر أن يتنفّس قبل العاصفة. أُضرمت النيران في دوائر صغيرة، وتعانقت ظلال الجنود على الرمال، وارتفعت ضحكاتٌ خفيفة كأنها تحاول أن تحفظ للغد شيئًا من اليوم.


ومع ذلك، كان سؤالٌ واحد يتردّد بين الوجوه:


أين رين؟


---


وُجد رين عند أطراف المعسكر، جالسًا على صندوقٍ خشبي، يراقب النار من بعيد. كتفاه منحنيتان، ويداه متشابكتان كمن يحاول أن يُمسك فكرةً تفلت منه.


اقتربت إيلا ببطء، وجلست إلى جواره دون أن تتكلّم. تركت للصمت أن يقول ما لا يُقال.


لم أدخل الاختبار، قال أخيرًا، كأن الاعتراف كان حجرًا ثقيلاً أُزيح عن صدره. ظننتُ... بعد كل تلك السنوات... أنني سأقدر.


سكت، ثم تابع بصوتٍ أخفض:


عندما رأيت الدم... تجمّدت. القتل ليس لي. لا أستطيع.


نظرت إليه إيلا بعينين هادئتين، لا عتاب فيهما.


الشجاعة ليست طريقًا واحدًا، قالت. بعضنا يقاتل في المقدّمة، وبعضنا يحمي الخلف. المعسكر يحتاج الاثنين.


ابتسم رين ابتسامة صغيرة، مهزومة لكنها صادقة.


سأبقى هنا، جنديًا احتياطيًا... في الخطوط الخلفية.


وستكون مهمًا، أكملت إيلا. لأن من يعرف حدوده... لا يخون نفسه.


في تلك اللحظة، مرّ إلياس خلفهما وهو يحمل قدحًا، فتعثّر متعمّدًا وكاد يسكب ما فيه.


ها! صرخ. كدتُ أقدّم قربانًا للنار.


ضحك رين لأول مرة منذ أيام.


واضح أنك لم تُشفَ بعد.


ولا أنوي، ردّ إلياس. الشفاء ممل.


---


مع تقدّم الليل، اشتعلت الحفلة على مهل. جنود يتبادلون القصص، آخرون يقلّدون وقفات ريز الصارمة فيضحك الجميع، ونيارا تراقب المشهد بابتسامةٍ نادرة، كأنها تسمح لنفسها باستراحة قصيرة من ثقل القيادة.


قال ريز وهو يرفع قدحه: الليلة لنا. غدًا... للقلعة.


تعالت الهتافات.


---


اقترب ريز من إيلا، وبجواره كالِم. كان كالم هادئًا، ملامحه ثابتة، لكن عينيه كانتا تفضحان انتباهًا خاصًا.


إيلا، قال ريز، هذا كالم. سيكون معنا في قلعة أستور البيضاء.


رفعت إيلا نظرها.


وفي ذهن كالم، توقّف الزمن.


عيناها بنيّتان داكنتان، كأنهما تحتفظان بأسرار الأرض. شعرها طويل، حرّ، فيه مسحة غجرية لا تُروّض. قوامها متوازن، أنوثتها هادئة، لا إفراط فيها ولا انطفاء. وجهها ليس كاملًا، لكنه آسر... يلفت دون أن يتوسّل النظرات.


كانت ترتدي فستانًا أصفر صيفيًا، بسيطًا، خارج الأزياء العسكرية المعتادة. التقط اللون ضوء النار، فبدا كأن الدفء اختارها مقامًا.


رائعة، فكّر كالم، ثم تدارك نفسه.


تشرفتُ بمعرفتك، قال.


وأنا كذلك، أجابت بابتسامة.


من بعيد، همس إلياس لنفسه وهو يراقبهما: واضح أنه سيجول حولها ... كثيرًا.


ردّت نيارا دون أن تلتفت: و ما الجديد الجميع يراها رائعه.


---


استمرّت الليلة بالضحك والقصص الصغيرة، بقلوبٍ تعرف أن الرحيل قريب، لكنها تختار الفرح مؤقتًا. كان شعور الأبطال خليطًا من فخرٍ وخوف، من حماسةٍ وحنينٍ مبكّر.


وفي أطراف المعسكر، ظلّت النار مشتعلة، كأنها تقول: اذهبوا... وسننتظر عودتكم.
..
..
..
انتهى ذلك اليوم مثقلًا بما حمله من وداعٍ وارتجاف قلوب، كأن الشمس حين مالت لم تكن تغرب، بل تُسدِل ستارها على فصلٍ كامل من الحياة.
حلّ الليل بظلامه الحالك، فابتلع الأصوات والدموع والوعود غير المكتملة، وسكن المعسكر سكونًا عميقًا لا يقطعه سوى أنفاس نائمة وأحلام قلقة.
نام الجميع على أمل الصباح، لا لأنه يحمل الفرح، بل لأنه يحمل الفراق...
ومع أول خيط نور قادم، سيكون الوداع حقيقة لا مفرّ منها، وبداية طريق لا يعرف أحد أين ينتهي.
.........
.......
....
...
..
.


كان الصباح مختلفًا، كأنّ المعسكر ذاته قد وعى أنّ هذه الساعة ليست كسائر الساعات. تمدّد الضباب الخفيف بين الخيام، وانساب الهواء ببرودته الناعمة كيدٍ خفيّة تلامس الكتف قبل الفراق. كانت الخيول تُجهَّز في صمت، تُشدّ سروجها بإحكام، ويتردّد صليل المعدن الخافت ممزوجًا بخطوات الجنود وهم يتحرّكون بنشاطٍ صامت، كأنّ الكلمات صارت عبئًا أثقل من أن يُحتمل في لحظة وداع.
ارتفعت الرايات، لا لتعلن نصرًا، بل لتودّع أبناءها.
وفي الوجوه، كان كلّ شيء حاضرًا دفعةً واحدة: فخرٌ لا يُخفى، قلقٌ لا يُقال، وحنينٌ سابق لأوانه لأماكن لم تغادرهم بعد.
وقفت إيلا عند بوابة المعسكر، وقد ارتدت عتادها من جديد. بدا الزيّ العسكري هذه المرّة أثقل، لا بوزنه، بل بما يحمله من معنى. جالت بنظرها في المكان؛ إلى الخيام التي شهدت تعبها وضحكها، إلى الساحة التي سال عليها العرق والدم، وإلى الوجوه التي صارت عائلة دون أن تطلب ذلك.
إلى جوارها، كان إلياس يربط درعه في صمت. كانت عيناه ثابتتين إلى الأمام، غير أنّ صدره لم يكن كذلك. فقد كان يدرك أنّ الرحيل الحقيقي لا يبدأ بالخطوة الأولى، بل بالالتفاتة الأخيرة.
أمّا كالِم، فكان يقف خلفهما قليلًا، يراقب المكان بعينٍ تسعى إلى حفظ التفاصيل: صوت الريح وهي تعبر بين الرايات، رائحة الخشب المحترق، وضحكاتٍ بعيدة تتلاشى ببطء، كأنها تعرف أنّها لن تعود.
ثم بدأ الوداع.
جنودٌ يتصافحون، وآخرون يتعانقون على عَجَل، كأنهم يخشون أن تنفلت دموعهم إن أطالوا الوقوف. كلمات قصيرة تُقال، وأخرى أطول تُحبس في الصدور.


«عودوا سالمين.»
«لا تنسوا الطريق.»
«القلعة البيضاء ليست كما تبدو...»


وقفت نيارا قرب البوابة، ظهرها مستقيم، ونظرتها تودّع دون أن تنكسر. قالت بصوتٍ هادئٍ نافذ:
- أنتم لا تحملون أسماءكم وحدها... بل تحملون ثقة هذا المكان.
وأضاف ريز، وهو يشدّ قبضته:
- من يعود، سيعود أقوى. ومن لا يعود... سيبقى أثره.
وفجأة، انشقّ الصف.
كان رين.
اندفع راكضًا، غير آبهٍ بالعيون، ولا بالرايات، ولا بالانضباط الذي تلقّنه سنواتٍ طويلة. كان يركض كما يركض القلب حين يخشى أن يفوته الوداع الأخير.
- إيلا!
التفتت، ولم تكد تستوعب الأمر حتى صار بين ذراعيها. احتضنها بقوّة، كأنّ الأرض قد تُنتزع من تحته إن أفلتها. خرج صوته مكسورًا: 


- لا ترحلي قبل أن تعلمي... أنكِ شجاعة. لا لأنكِ تقاتلين، بل لأنكِ تفهمين.


اغرورقت عيناها، غير أنّها ابتسمت وهي تشدّ عليه:
- كن قويًا هنا... فنحن بحاجة إليك.
ابتعد خطوة، ومسح دموعه بكمّ ساعده، ثم التفت إلى إلياس واحتضنه بدوره.
- أعدها إلينا سالمة، قالها بصوتٍ مختنق.
- سأعيدهم جميعًا سالمين، أجابه إلياس وهو يربّت على ظهره.
كان المشهد كافيًا ليغمر الصمت المعسكر برمّته. حتى الريح بدت كأنها خفّفت خطاها احترامًا لتلك اللحظة.
وحين صدرت أوامر الانطلاق، امتطى الجنود خيولهم. تقدّم الموكب ببطء، ثم تسارع، حتى صار خطًا ممتدًا نحو الأفق البعيد.
تركوا خلفهم الخيام، والساحة، والنار التي شهدت ضحكهم، والليالي التي صنعت منهم ما هم عليه. تركوا الذكريات كما تُترك الرسائل غير المقروءة، على أمل العودة يومًا.
كانت تلك بداية الرحلة... وبداية حربٍ لا يعرف أحدٌ كيف تنتهي.


...
..
في ظلٍّ بعيد، حيث لا تصل الأضواء، تحرّك الرجل النحيل. كان طويل القامة قليلًا، خفيف الخطوات، وعيناه تلمعان بحقدٍ صامت. راقب الموكب وهو يبتعد.
«اذهبي»، قال في سرّه، «اذهبي إلى حيث تظنين نفسكِ آمنة».
شدّ عباءته، وتسلّل خارج المعسكر فيما كان الجميع منشغلًا بالوداع. لم يلتفت إليه أحد. لم يلحظه أحد.
وفي قلبه، كانت خطة تتشكّل... 


أُغلقت البوابة.
وعاد الجميع إلي خيامهم ..
...
...
...
..
.
.
نرحلُ اليوم،
لننتصر غدًا،
فمن خرج ليحمي الأحبّة
لا يعودُ
إلا سالمًا...
لا يُهزم.


يتبع ......


..Ch2..


هاي يا جماعه انا مييو ازيكم من جديد بجد انتوا مش عارفين انا عماله اهبد الأحداث بطريقه 😭 ف تغاضوا اي اخطاء نحويه بجد و حرفيا البارت ده مكنتش عارفه اسمييه اي و بجد يعني حاجه قمه ال 😍 💔 
هوريكم الاسماء اللي انا كنت بفكر فيها 
1_الــــبـــدايــــة
2_ نــــحــــو الـــــمــــصــيـــر
3_بـــــدايـــــة و وداع
4_بـــــدايـــــة مُــــهِــمــه
5_نــــقــطــه تـــــحــــول 
...
بجد الموضوع محير و كلهم حلوين بالنسبه ليا انا بجد متفائله و بحاول انشر أفكاري بس مشكله ان الفكره جنونيه و تحفه و بتخيل المشاهد اجي اكتب 
.....
😭😭بجد مش عارفه 
المهم ابقوا قولولي انهي عنوان عجبكم
.
. 
.
See you ...
.
.


شخصيات  حسب الظهور : 
إيلا — 20عامًا — من كازوهارا
إلياس — 25عامًا — من كازوهارا
ريز — 30 عامًا — من كازوهارا
كالِم — 21---  من كازوهارا
الرجل المجهول — العمر غير محدد —  مجهول 
رين — 20 عامًا — من فيرونا
نيارا — 29 عامًا — من فيرونا( مرتزقه)


.....
               
×
جاري التحقق من حالة حسابك...

لوحة أرباحك

أهلاً بك في برنامج شركاء الأرباح. يتم احتساب أرباحك بناءً على زيارات رواياتك المقبولة.

الزيارات المحتسبة 0
الأرباح المقدرة $0.00

تم الإرسال بنجاح!

"تم استلام طلبكم الخاص بالانضمام لبرنامج الأرباح بنجاح. الطلب الآن قيد المراجعة"

قيد المراجعة حالياٌ

"طلب الانضمام لبرنامج الأرباح قيد المراجعة حالياٌ. تستغرق عملية التحقق وتجهيز حسابك فترة تتراوح ما بين 7 إلى 14 يوم عمل"

الشروط غير مكتملة

عذراً، لتحقيق الربح يجب أن تمتلك في حسابك
4 روايات على الأقل.

يجب تسجيل الدخول

"يرجى تسجيل الدخول إلى حسابكم المعتمد للمتابعة وتقديم طلب الانضمام لبرنامج الأرباح"