ثروة.. وجنون - الفصل الرابع
جاري التحميل...
الفصل الرابع
.........
على السفرة
جلست العائلة حول المائدة، أطباق الطعام مصفوفة في هدوء، لكن التوتر الخفي يطفو فوق الأجواء كأنه بخار ساخن.
الأب بصوت دافئ:
ـ "يا جماعة… بما إننا متجمعين كده، يمكن يبقى الوقت مناسب نتكلم عن موضوع مهم عمر… مش كده؟"
عمر اعتدل في جلسته، عينيه مستقرة على يارا بابتسامة واثقة:
ـ "فعلاً يا عمي… أنا شايف إننا لازم نحدد معاد الفرح. الموضوع طول، وكل حاجة جاهزة، مش ناقص غير الخطوة دي.
جذبت يارا طرف المنديل بين أصابعها، هربت بعينيها ناحية الطبق وكأنها تهرب من المواجهة:
ـ "بس… الظروف دلوقتي مش مناسبة قوي. يعني… شغل عمر لسه فيه ضغط، وأنا كمان مشغولة في شغلي."
الأم بإبتسامتها الحانية ـ "يا حبيبتي، الشغل مش هيخلص. دايماً فيه مشاغل. المهم إن حياتكم تبدأ مع بعض."
عمر تنهد بهدوء، صوته ثابت لكنه مبحوح:
ـ "أنا ظابط وقتي عشانك يا يارا… مستني اللحظة دي من سنين. ليه نأجل تاني؟"
رفعت يارا عينيها له للحظة نظرت بصمت لا تدري ماتقول ثم بإبتسامة صغيرة باهتة:
ـ "يمكن… محتاجين شوية وقت كمان. كل حاجة هتيجي في وقتها."
نظر الأب إليها بعين فاحصة، وبنبرة هادئة لكن حادة:
ـ "أنا حاسس إن ورا كلامك حاجة تانية. لو فيه سبب حقيقي، قولي يا بنتي. إحنا مش ضدك."
تخافتت أصوات الملاعق على الأطباق ، وساد الصمت. تحرك عمر على كرسيه بعصبية، وشردت نظراته قليلاً وكأنه يخاول إخفاء إحباطه.
ويارا شادرة فى أفكارها وسط هذا التوتر المفاجئ
"ليه مش قادرة أقول نعم؟ ليه كل مرة بيقرب الموضوع أحس بخوف؟ المفروض أكون مبسوطة… لكن أنا مش حاسة بحاجة غير الحيرة."
مدت الأم يدها بهدوء على يد يارا، ضغطت عليها برفق وقالت:
ـ "خلاص يا حبيبتي… كل حاجة في وقتها. يلا ناكل دلوقتي."
ولكن الهدوء البارد الذي عم المكان شغلهم عن إكمال طعامهم.
...........................
… عقارب الساعة تُعلن مرور الليل ببطء، وصوتها المتكرر يثقل على رأس يارا وهي تتقلب في فراشها. تضع الوسادة فوق وجهها، ثم تزيحها بعصبية، تنهض نصف جلوس، ثم تستلقي ثانيةً.
أنا ليه مش عاوزة؟ ليه كل ما يقولي نحدد، لساني يتلجّم وأختلق أي حاجة؟
تغلق عينيها وتتنفس بعمق، لكن صدرها يضيق.
هو عمر وحش؟ لأ… راجل محترم، وموجود في حياتي بكل تفاصيلها. طب إيه ناقصني؟
تتلمس أصابعها الحافة الخشبية للسرير، كأنها تبحث عن معنى.
يمكن خايفة… من إيه؟ مش عارفة. يمكن مش وقتها… طب مش هو ده الطبيعي؟ كل الناس بتتجوز وتكمل حياتها.
تضحك ضحكة قصيرة متقطعة، سرعان ما تخفت:
ممكن أكون بخاف من فكرة النهاية؟ ولا يمكن البداية؟ يمكن أنا مش جاهزة… أو يمكن عمري ما هكون.
تسند رأسها على يدها وتنظر في العتمة، الكلمات تتسلل لداخلها بلا إجابات:
أنا مش فاهمة نفسي… وكل ما أحاول أفهم، يزداد الغموض أكتر.
تسحب الغطاء على جسدها، تتكور كطفلة صغيرة، والدمعة في عينيها معلّقة لا تسقط.
.........................
كانت الغرفة ساكنة، والليل يزداد عمقًا، بينما جلست يارا على طرف سريرها تتأمل شاشة هاتفها المضيئة. فجأة، ارتجف قلبها حين ظهر اسم إمام على الشاشة. ترددت لحظة، ثم ضغطت زر الاتصال.
> إمام (بصوت مبحوح ضعيف، بلهجة لبنانية): "يارا… أنا محتاجك."
يارا (بقلق، بصوت مرتجف): "إمام! مالك؟ إنت كويس؟"
> إمام: "لا تسأليني هلق… ما بقدر فسّرلك عالتليفون… بس بترجاكي، تعي ع لبنان… خليكي جمب يمنى بهالفترة."
يارا (بحيرة وخوف): "طب في إيه؟ هي يمني كويسة؟"
> إمام (بتنهيدة مكسورة): "أرجوكي يارا… ما بديك تخبري حدا إنو أنا حكيتك… قولي لأهلك إنك اشتقتي ليمنى… وإنك بدك تزوريها. بس تعي… تعي بسرعة."
يارا (بصوت مخنوق): "إمام… إنت خوفتني."
> إمام (بصوت مكسور، شبه بكاء): "رح خبرك كل شي لما توصلي… بس هلّق… أنا ما عندي قوة… تعي وبس."
انقطع الاتصال تاركًا صدى صوته المرتعش يطن في أذنها. لأول مرة، بدا لها إمام هشًا… منكسرًا، كأنه يحمل سرًا ثقيلًا لا يقدر أن يحمله وحده.
وضعت الهاتف على صدرها، وعيناها تلمعان بدموع حائرة، لا تفهم السبب، ولا ما ينتظرها.
في الصباح، نزلت إلى الصالة، حيث جلس الأب يقرأ جريدته والأم منهمكة في ترتيب الفطور. حاولت أن تبدو طبيعية، لكنها لم تستطع إخفاء التوتر من ملامحها.
> يارا (بتردد): "ماما… بابا… أنا… فكرت كده… وحسيت إني وحشتني يمنى أوي… وعاوزة أسافر أشوفها فترة."
الأم، رفعت رأسها وابتسمت برقة: "يا حبيبتي، والله فكرة حلوة… فعلاً طمّني عليها، بقالها كتير مش بتكلمنا زي الأول."
الأب أومأ بهدوء: "تمام يا بنتي… يمكن وجودك معاها يفرّحها… وإحنا كمان نطمن."
اكتفت يارا بابتسامة باهتة، وهي تحاول أن تخفي الارتجاف في قلبها. شعرت وكأنها تخطو نحو مجهول غامض، وأن هذه الرحلة لن تكون مجرد زيارة عابرة لشقيقتها.
...................................
كان الجو مشحونًا في غرفة المعيشة، يارا تقف أمام عمر بعينين متوسلتين، بينما هو يلوّح بيده في عصبية.
> عمر (بحدة): "لأ يا يارا، لأ! مش معقول تسيبيني كده وتروحي! أنا لسه مكلملك من يومين على موضوع فرحنا، إنتِ بقى عايزة تسيبي ده كله وتسافري؟!"
يارا (بهدوء متردد): "عمر… متكبرهاش. دي يمنى… أختي الوحيدة. وحشاني أوي… ومش قادره أستحمل إني بعيد عنها كده."
> عمر (بعصبية مكبوتة): "طب وأنا؟! مش مهم أكون محتاجلك جنبي؟! إنتِ عارفة حياتي ماشية إزاي… الشركة، الشغل، … إنتِ بقيتي نصي التاني يا يارا. تسيبيني كده وتروحي؟"
اقتربت منه، وابتسامة صغيرة مرسومة على شفتيها، نظرة دلال بعينيها تحاول أن تهوّن من صلابته.
يارا (برقة): "يا حبيبي… إنت عارف إني مقدرش أعيش من غيرك يوم. بس اعتبرها زيارة قصيرة… هطمن عليها وارجعلك تاني. يعني مش هطول."
> عمر (يتنهد بعمق، يحاول يخفي ضعفه): "إنتي عارفة إنك بتعرفي تكسريلي قلبي بالكلمتين دول؟"
يارا (تضحك بخفة وهي تلمس يده): "ماهو لو مش هعرف أكسر قلبك… هعرف إزاي أخليه ملكي؟"
ظلّ يحدّق في عينيها للحظة، ثم استسلم أخيرًا، يزفر وكأنه يعلن هزيمته.
> عمر: "ماشي… روحي. بس على شرط."
يارا (بفضول): "شرط إيه؟"
> عمر (بحزم ممزوج بالقلق): " لما ترجعي هنحدد ميعاد فرحنا.. وكمان هتكلميني كل يوم… كل يوم يا يارا. ماينفعش أعد يوم من غير ما أسمع صوتك. موافقة؟"
ابتسمت يارا بخجل، وهزّت رأسها: "موافقة… أوعدك."
اقترب منها أكثر، وضغط على يدها برفق، عينيه لا تخلو من القلق:
> "إوعى يا يارا… إوعى تغيبي عن عينيّ."
بينما في داخلها، كان شيء غامض يرتجف، لا تدري إن كان خوفًا من المجهول… أم من نفسها.
...........................
هبطت الطائرة بهدوء فوق مطار بيروت، والليل يكسو السماء بظلام كثيف تتناثر فيه أضواء بعيدة كأنها لآلئ على صفحة البحر. وقفت يارا بين زحام المسافرين، قلبها يخفق بقلق لم تستطع تفسيره. لم تمضِ دقائق حتى وجدت رجلاً أنيقًا يرفع لافتة باسمها، عرّف نفسه بأنه السائق الخاص بعائلة إمام.
ركبت السيارة السوداء الفارهة، التي انطلقت عبر طرق واسعة تحفها الأضواء، وكلما اقتربت من وجهتها، زاد ارتباكها. حتى وقفت أخيرًا أمام منزل بدا لها أشبه بقصر؛ فناء واسع، جدران شامخة، نوافذ مضاءة تنبض بالفخامة والهيبة.
فتحت الأبواب بسرعة، وخرج إمام بخطوات متسارعة. كان وجهه شاحبًا، عيناه حمراوان، لكن صوته حمل دفئًا ممزوجًا بالهلع:
> إمام بلهفة، "يارا! الحمدلله عالسلامة… كنت ناطرِك من زمان، تعالي يمنى فوق، بدها تشوفِك."
لم يمنحها وقتًا لتسأل، أخذ بيدها يقودها عبر الممرات الطويلة حتى وصل إلى غرفة يغمرها ضوء خافت. هناك، رأت يمنى مستلقية على السرير، ذراعها مكسورة ومجبرة بالجبس الأبيض، وجهها شاحب، وعيناها منتفختان من أثر البكاء الطويل.
تجمّدت يارا للحظة، ثم اندفعت بسرعة نحو أختها:
> يارا (بصوت متحشرج، وهي تحتضنها): "يمنى! يا حبيبتي… يا روحي! إيه اللي جرالك؟"
ما إن شعرت يمنى بلمسة أختها حتى انهارت، ارتجف جسدها الصغير، وانفجرت تبكي بكل قوتها بين ذراعي يارا:
> يمنى (بصوت متقطع): "وحشتيني… وحشتيني قوي… كنت محتاجاكي أوي."
ضغطت يارا عليها أكثر، دموعها تسيل بلا توقف، وهي تمسح على شعرها كأنها تحاول أن تمحو عنها كل وجع.
وفجأة، التقطت بعينيها صورة لم تتوقعها: إمام واقف عند الباب، جسده متصلب، لكنه عاجز عن كتمان دموعه. كان يمسح وجهه بيده سريعًا، لكن خيطًا من الدموع انحدر في صمت على وجنته، ليكشف عن ألم عميق ظلّ يخفيه.
ترددت يارا لحظة بين دهشتها ووجعها، ثم أدركت أن ما يجمعهم في هذه اللحظة ليس مجرد مصيبة عابرة… بل سر ثقيل يختبئ وراء دموعهم جميعًا.
..................................
بعد بكاء طويل، خارت قوى يمنى، وأغمضت عينيها على كتف شقيقتها. كانت دموعها لا تزال تبلل ثوب يارا، لكن أنفاسها هدأت شيئًا فشيئًا حتى انسابت في نوم متعب، كأنها طفلة أرهقها الحزن. جلست يارا دقائق صامتة، تمسح على شعرها برفق، ثم وضعتها على الوسادة بحذر، قبل أن تنسحب ببطء إلى خارج الغرفة.
عند الباب، كان إمام واقفًا، ظهره مسنود إلى الجدار، عيناه شاردتان كأنه غارق في بحرٍ من الذكريات الموجعة. التفت إليها ببطء حين خرجت، فاقتربت منه بخطوات مترددة، وعيناها تلمعان بالقلق:
> يارا (بصوت خافت، متوتر): "إمام… بالله عليك، فهمني. إيه اللي حصل بالظبط؟ ليه يمنى حالتها كده؟"
تردد للحظة، صوته خرج مبحوحًا، يحمل ثِقلًا يصعب حمله:
> إمام (باللهجة اللبنانية): "وقعت… من عالدرج. انكسرت إيدها… وانجرحت كتير."
شهقت يارا بصوت مكتوم، قلبها يخفق بقوة، لكنها لم تتركه يكمل سكوته، بل همست بإصرار مرتجف:
> يارا: "طيب… ودموعها؟ ليه مكسورة بالشكل ده؟ إيه اللي ورا الحزن ده كله؟"
انخفض بصره، وارتعشت أنامله وهو يشبك يديه معًا. كأن الكلمات عالقة في حلقه، لكنه في النهاية تمتم:
> إمام (بحزن عميق): "كانت… حامل."
سقطت الكلمة كالصاعقة على أذني يارا، تجمدت عيناها، وجسدها ارتعش.،.. وضعت يدها على فمها، كأنها تحاول حبس صرخة صاعدة من أعماقها. دموعها انسابت بلا وعي، لكنّ عقلها ظلّ يصارع لفهم المشهد. لم تصدق أن أختها الصغيرة تحمل كل هذا الألم وحدها.
> يارا (بهمس مكسور): "كانت.. يعني البيبي مات… اه يحبيبتي يا يمني."
بينما ظلّ إمام واقفًا أمامها، ملامحه تنطق بعجز رجل لم يعرف كيف يحمي زوجته من السقوط في هاوية الحزن.
..................................
كانت الغرفة غارقة في سكون ثقيل، لا يُسمع سوى أنفاس يمنى المضطربة وهي تنام بجوار يارا. استسلمت يارا لوهلة للنوم، قبل أن يقطع السكون صرخة حادة اخترقت ليل القصر. فزعت يارا، انتفضت لتجد يمنى تتقلب في الفراش، عيناها نصف مفتوحتين، غارقتين في رعبٍ لا يُفسَّر.
— يارا وهي تهزها بخوف: "يمني.. يمني فوقي! أنا هنا جنبك.. اهدى يا حبيبتي."
لكن يمنى دفعت يارا بعنف، جسدها يرتجف، وصرخت بصوتٍ يملؤه الانهيار:
— "كلب حقير!.. بكرهك.. بكرهك يا إمام!"
تجمدت يارا للحظة، قلبها يدق بعنف، وكلمات يمنى تمزق صمت الليل كسكاكين. حاولت أن تحتويها بين ذراعيها من جديد، تضمها بقوة، تُهدئها:
— "هشش.. أنا معاكي، مفيش حد هنا غيري.. إهدي يا روحي."
لكن يمنى كانت غارقة في دوامة غضب وانكسار، تكرر الكلمات نفسها، بعينين تفيض دمعًا، كأنها تُخرج جرحًا عميقًا من أعماقها.
وفي تلك اللحظة، لمحت يارا من زاوية عينها ظلًا عند الباب… إمام واقف في العتمة، عيناه دامعتان، شفتيه ترتجفان كأن الكلمات خانته. لم يتقدم، لم يتراجع، فقط وقف هناك، كتمثالٍ يحمل وزرًا خفيًا أثقل كاهله.
.........................
هدأ صخب الليل تدريجيًا، وبكاء يمنى تلاشى شيئًا فشيئًا بين ذراعي أختها. ظلت يارا تُمرر أصابعها في شعرها حتى خفت ارتجافها، واستسلمت لدموعها الأخيرة قبل أن تغفو منهكة، كطفلة أرهقها الكابوس. لم يغمض ليارا جفن بعدها، عيناها معلقتان بالباب حيث كان يقف إمام، صامتًا، كأن الليل كله يلتف حول أسراره.
مع خيوط الصباح الأولى، أشرقت الغرفة بهدوء مختلف. استيقظت يمنى بملامح ساكنة، عيناها أقل تورمًا، وصوتها يخرج هادئًا، كأن شيئًا لم يحدث. التفتت إلى يارا بابتسامة صغيرة واهنة:
— "صباح الخير يا حبيبتي.. صحيتيني إزاي؟ أنا كنت نايمة كويس."
اتسعت عينا يارا بدهشة، كلمات أختها تنفي تمامًا الليلة الماضية، وكأن صرخاتها لم تمزق جدران القصر بالأمس.
ترددت قليلًا، ثم أجابت:
— "الحمد لله إنك أحسن النهارده يا يمني."
نهضت يمنى ببطء، رتبت شعرها بيد مرتعشة، قبل أن يتردد صوت إمام من الخارج وهو يطرق بخفة:
— "صباح الخير.. كيفك حبيبتي..ممكن أدخل؟"
دخل بخطوات مترددة، يحمل فنجان قهوة بيده. ابتسمت له يمنى بهدوء شديد:
— "صباح النور يا إمام.. مش هتتأخر عالشغل؟"
— "إي رح إطلع بعد شوي."
ثم التفتت نحوه بسؤال بدا طبيعيًا، لكنه نزل كالصاعقة على يارا:
— "هو بابا سليم جاي إمتى؟ مش قادرة أستناه، نفسي أشوفه."
ارتبك إمام للحظة، نظر سريعًا إلى يارا قبل أن يخفي ارتجاف صوته:
— "رح يجي قريبا.. إنت بس ارتاحي وما تفكري."
يارا شعرت أن قلبها يهبط في أعماقها. الليل حمل يمنى المنهارة، الممزقة بالصراخ والكراهية، أما النهار فأعاد لهم يمنى العادية، الهادئة، البريئة… وكأنها روحان متناقضتان تعيشان في جسد واحد.
...................................
غادر إمام البيت بعد أن ودّع يمنى بابتسامة مصطنعة، وترك خلفه هالة من التوتر. سكون ثقيل سيطر على الغرفة بعدما أُغلق الباب. جلست يمنى على طرف السرير، تحرك قدميها ببطء كأنها تحاول الهروب من فراغ داخلي، بينما جلست يارا قبالتها، عيناها معلقتان بها بقلق لم تستطع إخفاءه.
مدّت يارا يدها، أمسكت بكف أختها:
— "يمنى، قوليلي بصدق.. إيه اللي حصل؟ ليه اتكسرت دراعك؟ وليه كنتي منهارة بالليل؟"
ترددت يمنى، ثم تنهدت وكأنها تستسلم لسر ثقيل. رفعت عينيها إلى يارا بنظرات مشوشة، وصوتها خرج متقطعًا:
— " هو إمام قالك ايه؟ "
يارا قالت بحدة:
— "أنا مش. جايه لحد هنا عشان أسمع أكاذيب إمام.. انا مصدقتش ولا حاجه من اللى قالهالي.. احكيلي حصلك ايه بالظبط.. ليه جسمك كله مليان خدوش واثار ضرب فهميني حالا يايمني..
ارتجفت يمنى رعبا من صوت اختها الغاضب وهمست:-وطى صوتك يا يارا ارجووك.. الموضوع مش زى مانتي فاهمه.
يارا بغضب:- لأ ملوش معني تاني.. إمام بيضربك.. مش كده.. وكمان بيمنعك تكلمينا ف التليفون...
قاطعتها يمني بسرعه:- لا يا يارا والله.. هو مش بيضربني الموضوع مش كده..
ثم صمتت قليلا بإرتباك وخفضت بصرها، وأجابت ببرود يبعث القشعريرة:
— "إمام.. هو في علاقتنا.. بيحب يوجعني، يضربني.. يقول إنه بيحب العنف وأنا.. كنت ساكتة."
شهقت يارا غير مصدقة، بينما يمنى تكمل بوجه جامد، وكأنها تحكي شيئًا عاديًا:-
— "هو مكنش كده من البداية... بعد شهر من جوازنا مرة واحده لقيته بيقولى تحبي نجرب حاجه مختلفه.. ولما مكنتش فاهمه قصده وافقت لقيته جايب أدوات غريبة ومخيفه وقالى عاوزك تقاوميني لكن لو بداتى متستحمليش الألم قوليلي وأنا هبطل.. وأنا كنت بستحمل عشان خاطره يا يارا.. لأنى كنت بلاقيه سعيد لحد ف يوم عرفت إنى حامل.. وفكرت إنى أعمله مفاجأة بالليل وهو راجع من شغله لكنه منيش الفرصه.. المرة دي.. كان بيضربني جامد .. زودها. أنا وقعت من على السرير بقوة، دراعي اتكسر.. والجنين اللي في بطني.. مات."
كانت شهقات يارا وصدمتها واضحه من تلك التفاصيل المرعبه
يارا همست بخوف وغضب:- وفين عمى سليم من ده كله.. ومقولتلناش احنا ليه.؟!
يمني ودموعها تتساقط بقوة:- هى دى حاجه تتحكي يا يارا.. انتى عاوزاني أحرج إمام قدام باباه... وكمان بابا سليم ف شغله طول الوقت بيخرج الصبح بدرى ومش بنشوفه غير وهو راجع بالليل على اوضته علطول
خفق قلب يارا خفقه سريعه حين أتت سيرة سليم.. ولكنها قالت بسرعه لكى تتجاهل تلك النبضه المفاجئة:-هو انتي ليه بتدافعي عنه بعد كل اللى بيعمله فيكي ده.
هزّت يمنى رأسها ببطء، دمعة سقطت لكنها مسحتها بسرعة، وكأنها ترفض الاعتراف بألمها.
— "إمام ندم، بقى كل يوم بيبكي ويقول مش قصده.. هو مش وحش يا يارا، هو بس عنده طريقة غريبة في الحب. وأنا.. أنا مش عايزة أكرهه."
تجمدت يارا، شعرت أن الكلمات تخنقها، لكن ما صدمها أكثر كان محاولة أختها المستميتة لتبرير ما لا يُبرَّر.
نظرت يمنى بعيدًا، صوتها انكسر لحظة قبل أن تستعيد هدوءها البارد:
— "يمكن أنا اللي غلطانة.. يمكن لو كنت استحملت أكتر ماكانش ابني راح."
أمسكتها يارا بقوة من كتفيها، عيناها تلمعان بالدموع:
— "إنتي بتقولي إيه؟ ده مش حب، دي قسوة.. دايما العلاقه بتكون مودة ورحمه عشان دى هتبقا احلى لحظات فحياتك..مش لحظات تملاك بالرعب والخوف... وإنتي بالليل بتطلعي الحقيقة، كل الرعب اللي جواكي بيخرج. إنتي مش فاهمة قد إيه انتي متدمرة يا يمنى."
لكن يمنى أطرقت رأسها، تبتسم ابتسامة باهتة، كأنها لا تريد أن تصدّق ما تسمعه.خيم الصمت على الغرفة لثوانٍ ثقيلة بعد كلمات يمنى، قبل أن تفاجئ يارا بضحكة قصيرة، باهتة، بدت مفتعلة كأنها تخفي وراءها جدارًا هشًّا من الانكسار. مسحت دموعها سريعًا وقالت بمرح مصطنع:
— "يا بنتي بلاش الدراما دي.. أنا كويسة. على فكرة أنا اتعلمت حاجات كتير من بابا سليم، ده راجل عظيم والله. بيعاملني كأني بنته، حنون وطيب بشكل مش طبيعي، ساعات بحس إني محظوظة إنه موجود."
نظرت يارا إليها مذهولة، قلبها يزداد ارتجافًا، بينما يمنى تتابع بحماس غريب:
— "إنتي عارفة يا يارا، بابا سليم دايمًا يقولي إزاي أكون قوية، إزاي أركز في حياتي.. صدقيني أنا فعلاً اتغيرت معاه."
ثم مالت للأمام بعينيها الواسعتين المليئتين بالانبهار، وكأنها طفلة:
— "قوليلي.. بابا وماما عاملين إيه؟ وحشوني أوي. ماما لسه بتسهر قدام التلفزيون؟ وبابا.. لسه بيحب يقعد في الجنينة بعد العشا؟"
ابتسمت يارا ابتسامة باهتة، تحاول أن تجاريها في الحديث، لكنها من الداخل كانت تغلي. كلمات يمنى تترنح بين تبريرٍ مرير لحياتها، وبين هروبٍ إلى سليم وذكريات الأمان.
أجابت يارا بصوت دافئ مصطنع:
— "آه يا حبيبتي.. زي ما هم، مفيش حاجة اتغيرت. كلهم بيسلموا عليكي وبيفكروا فيكي."
بينما هي تحدثها، كانت أعماقها تغلي بقرار لا رجعة فيه: هذه المسرحية التي تعيشها يمنى لا يمكن أن تستمر. لا مفر من مواجهة إمام وكشف ما يخفيه، مهما كلفها الأمر.ظلّت يمنى تضحك وتتكلم بخفة كأن شيئًا لم يحدث، بينما يارا تحدّق فيها صامتة، تبتسم على استحياء وترد بجمل قصيرة، لكن عقلها كان فى مكان آخر.. قلبها يصرخ بغضب أنها ستحرر شقيقتها من هذا الحصار النفسي المخيف
...............................................
اكتبو رأيكم وتوقعاتكم فى التعليقات.. رايكم يشجعني اكمل..