الفصل الثامن: زفاف الدم والنار | الليلة الاربعون
اللغة: العربية
الرئيسية ربح

الفصل الثامن: زفاف الدم والنار | الليلة الاربعون

جاري التحميل...

الفصل الثامن: زفاف الدم والنار

بينما كانت اخشاب القارب ترتعش كأنها جلد انسان مرتعب ، ظهرت عيون تلك الاشباح  زرقاء مشتعلة تلفظ شعاعها على سط الماء وفور رؤية موسى لعين أحدهم عن كثب طلب من بدر التراجع حتى التصقا بحافة القارب ، فجأة ترك الخيال القارب ليهوى فى الماء تاركاً جزء من الثانية لهما لالتقاط أنفاسهما ، ظنا أن الامر قد أنتهى وعلى حين غرة تحطم قاربهما إلى الف قطة ، وغرقا سويا فى الاعماق السحيقة بينما تبتسم لهم تلك الاشياء ، كانا يصرخان وينازعان للصعود إلى السطح مرة أخرى ولكن دون جدوى ، وكأنما كممت افواههما ، اختلطت دموع تبدى قله الحيلة بأخرى تظهر اليأس  على خدهما واختفى كل شئ من ناظرهما فى طرفة عين .

تحميل الفصول...
المؤلف


هناك من لا تراهم أعينُنا، رغم أنهم أمامنا طوال الوقت، لأن كبرياءنا يترفّع عن الالتفات إليهم.
نراهم ضئيلي الحجم، فلا ننتبه… حتى نجد خناجرهم الصغيرة مغروسة في ظهورنا، دون أن ندرك متى بدأ النزيف...

فى بئر الاقزام ، كانت الارض تقطر دما ، من جثة مخفية فى غياهب الظلام ، وفوق رأس تلك الجثة كان مرزداخ و ميراج و اشمون الاقزام الثلاثة الذين تعاهدوا بالولاء لليث ، كان زمرداخ مبتسما بينما تلمع عينه الوسطى اما ميراج فكانت تخلع عن الجثة ثيابها و اشمون كان ممسكاً بخنجر فى يده يمزق قطع من لحمها ويلتهمه بشراهه كأنما يأكل الضبع الجيفة  خلف سيده ، قال زمرداخ :
_انتهوا منها ثم القوها من سفح الجبل.

خرجت ميراج من نفق ضيق فى البئر متجهه هى واشمون إلى قلب الجبل بينما صعد مرزداخ من فوهه البئر على درجات عتيقة بالكاد تحمله قاصداً السطح، وعينه تلتحم بنور الشمس الخافت ، كان المساء قد اقترب من الحلول ، وبدأت الاستعدادات فى الخيام وفى كهف الاشهب للزفاف الكبير ، ولكن قبل الزفاف ، كانت شعلة نار الاولين فى طريقها لتمتلك من ليث بعد أن أنتظر تلك اللحظة طويلاً.

فى غرفة الاشهب كان اللهب يرقص في الموقد الحجري ككائنٍ حيّ، لا يضيء الغرفة بقدر ما يراقبها ، يراقب مصير الوادى بينما يتشكل أمامه .
تقدّم الأشهب بخطوات بطيئة، عباءته تمسح الظل قبل الأرض، وعيناه معلّقتان بليث كما لو كان يزن روحه، لا ملامحه.
قال بصوتٍ خفيض، لكنه نافذ كالسهم:
— تعلم لماذا لم تمت النار يا ليث؟
لم يُجب.
اكتفى بالصمت… فالصمت هنا كان امتحانًا.
ابتسم الأشهب ابتسامة باهتة، وقال:
— نار الأوّلين لا تنطفئ، لأنها لا تُشعل بالحطب… بل بالعقول التي ترى ما لا يراه غيرها.
اقترب خطوة، وأشار بيده إلى اللهب:
— كثيرون حملوا الشعلة قبلك، فاحترقوا.
وقليلون فقط فهموا أن النار لا تُطاع، بل تُقَاد.
ثم انحنى قليلًا، كأنما يهمس بسرّ محرّم:
— حين كشفت خيانة النمرود، ورأيت ظلّ كليلة قبل أن تسقط، عرفتُ أن الذكاء فيك لم يعد سلاحًا… بل لعنة مستحقة.
رفع نظره إليه مباشرة:
— من هذه الليلة، لم تعد مجرد لاعب على الرقعة.
أنت جدير بحمل شعلة نار الأوّلين… من بعدي.
ساد الصمت.
وفي تلك اللحظة، اشتعل اللهب فجأة، أطول… أعمق… كأنه اعترف به.
وفي الخارج، كانت الطبول تُقرَع بصوت عال وكأنما تحضر ليث لبداية الحرب ونهاية حقبة يلعنها كل يوم فى نفسه ، اندمجت الشعلة بيده بعد ان صافح والده واصبحت روحة معلقة بها للأبد ، حينها ربت والده بحفاوه على كتفية قائلا:
_والأن أنت أبنى حقا، حاكم الوادى و سليل نار الاولين ، فقط ماينقصك أن تعلن تمكين حكمك اليوم و تفرض كلمتنا ، الموت لكل من يريد ان يتخطى حدود الوادى ، لايهم ساكن البحر ولكن المهم سلامة الغجر.

كان ليث يحتقر كل جملة نطقها الاشهب، هل يظن حقا أنه سيزعن لهذه المطالبات، اذا كان يظن ذلك فهو ليس سوى عجوز خرف ، اعتاد أن  يروى الخمر ويأكل الجيف ولا يريد أن يخطوا نحو المستقبل ، المستقبل لليث يكمن فى البحر والبحر له سحر يستأثرة سكان القرية لانفسهم تاركين بنى قومه يلهثون كمن امتلئت حلوقهم بماء اجاج يشقها 

نظر الاشهب له ثم قال بابتسامة:
_اراك كمن تحمل هما كبيراً على عاتقك.

دفعة بقوة مازحاً:
_ابتهج يافتى فاليوم هو يومك ، عروس فاتنة و مأدبة كبيرة بأنتظارك ، والأن اذهب إلى جناحك وابدأ فى التأنق ، أري أبنى أن يكون فى أفضل حله له فى يوم عرسة .

خرج ليث من غرفة والده ، قاصداً غرفة زمردة ، التى كانت جوار جناحة ، وكأن ظله كان سابقا له إلى مهجعها حتى أدركة ، طرق على بابها بخفة حتى فتحت له باسمة فقد سقى عطشها ونالت مرادها ، ما اعظم من لحظة انتصار بذلت كل ما لديك لتنالها:
_اشتقت لك يا  سيد اللهب وحاكم الغجر.

تشققت شفافة نطقا بما يجوب بخاطرة:
_هل أنتى سعيدة الأن يا حبيبتى ؟.

احتضنتة حتى غرق فيها ، ثم قالت بينما يداها تلاطف خصلة:
_وسأكون أكثر سعادة عندما تقبلنى واعلن زوجة لك أمام الشهود ، وليعرف القاصى والدانى أنى ملكك وانت ملكى .

نظر لعينها كأنما يوقعها فى شرك لا فرار منه واختارت أن تبيت فى عيونة بكامل ارادتها بينما يتبادلان القبل ، ثم ابتعدت عنه قائلة:
_الصبر يا حيبي فالزفاف قريب وعندما اكون زوجتك سيكون لى طعم اخر اجمل .

ضحك ليث ثم استأذنها للرحيل تاركاً أثرا لا يمحى على شفتيها ..

*****

فى البحر قريباً من الشاطئ كان بدر وموسى على متن زورقهما يلمان الشباك بعد يوم ثقيل لم يثمر عن صيد الا سمكة واحدة بحجم كفة اليد ، كان الثنائى فى حاله احباط ولكن موسى راح يغنى ليخفف وطأه الأمر :
ياصياد لاتخف من غدر البحار 
كن بعزيمة جليه كوضح النهار
ياصياد ،،،يا يا ،،يا صياد يا يا .

قال بدر ممازحا إياه :
_اقدر روحك وعزيمتك ولكن ربما غنائك هذا ما يبعد السمك عنا . 

صاح موسى بامتعاض :
_يالك من جاحد ناكر للجميل ، إن صوتى موهبه .

قال بدر بينما ينظر بعيداً هامسا:
_موهبه تستحق الدفن .

لسوء حظة سمعة موسى واقترب منه لضربة ضربا مبرحا وبينما يتشاجران وسيب كل منهما الأخر كأنما لم يسب أحد أحدا من قبل ، كان الزورق يتمايل يميناً ويساراً مثلما يميل الهودج على سنام الجمل ، ولكن هذا لم يكن كل شئ ، اذ بينما هما منغمسان فى الشجار  كان الضباب  ينسكب فوق المياه كغطاءٍ من رماد، حتى لم يعد بأمكان من على الشاطئ ان يراهما واستحال عليهما رؤية الشاطئ ، نهض الاثنين حين شعرا بخطر محدق ، كان المد يشتد  كأن شئ ما يسحب القارب إلى عمق الماء وفى جوف الضباب تتابعات تمتمات خافتة ، اشبه بفحيح الثعابين ، صاح الثنائى وكأنهما واحد:
_من هناك؟ ، من الذى يتحدث ؟

بدأت خيالات تظهر امام عيونهما ، خيالات عظيمة كأنها تجسيد لعمالقة من عصر قديم ، مد أحد الخيلات يده والتقط القارب وكأنه لعبة لاوزن لها 
بينما كانت اخشاب القارب ترتعش كأنها جلد انسان مرتعب ، ظهرت عيون تلك الاشباح  زرقاء مشتعلة تلفظ شعاعها على سط الماء وفور رؤية موسى لعين أحدهم عن كثب طلب من بدر التراجع حتى التصقا بحافة القارب ، فجأة ترك الخيال القارب ليهوى فى الماء تاركاً جزء من الثانية لهما لالتقاط أنفاسهما ، ظنا أن الامر قد أنتهى وعلى حين غرة تحطم قاربهما إلى الف قطة ، وغرقا سويا فى الاعماق السحيقة بينما تبتسم لهم تلك الاشياء ، كانا يصرخان وينازعان للصعود إلى السطح مرة أخرى ولكن دون جدوى ، وكأنما كممت افواههما ، اختلطت دموع تبدى قله الحيلة بأخرى تظهر اليأس  على خدهما واختفى كل شئ من ناظرهما فى طرفة عين . 

كان قلب بدر ينبض ، وكأنما يستعيد روحة من العالم الأخر ، عيونة كانت تجفل يحاول أن يفتحها ، وفى النهاية نجح ليجد أن ثيابة غارقة فى عرقة وجسده يؤلمة ولكنة نائم تحت نخلة فى أرض عادل ، لقد كان كابوساً ، محض كابوس  اعتدل فى جلسته مستنداً على زراعية فرأها قادمة من بعيد تحمل صحون فى يدها بها ماتيسر من الطعام ونقابها مشدود على وجهها ، نظرت له فشعرت بأنه منهك فقالت:
_هل أنت بخير يا سيد بدر .

نهض ليأخذ الصحون من يدها :
_اسمى بدر ، فقط بدر .

غضت بصرها خجلاً ، ولكن عينها طرفت تلك العلامات على يده ، كانت هناك زرقة تحت اظافرة لافته للنظر ما دفعها لسؤاله:
_ما بال يدك ، هل أنت على مايرام؟

رفع كفيه يطالعهما ، وكان فقط يتذكر لحظات من الكابوس :
_لقد حلمت بكابوس غريب، كنت أغرق فى البحر ورأيت خيالات غريبة ، خيالات بعيون زرقاء مشتعلة .

توقف قلبها للحظة ، فقد اتاها هذا الحلم مراراً من قبل ولكنها لم تفهمه قبل أن يخبرها الشيخ عنهم وعن حجابها ، يبدو أن هذه ليست مصادفة وبدر سيكون له شأن فى الخلاص من هذه المخلوقات ، لم تكن واثقة من هذا لذلك قررت أن تكتم بداخلها وتعلن اقل بكثير من ماتعلم امامه حتى يثبت احقيته بثقتها ، قالت له أن يقرأ الفاتحة دوماً قبل النوم وايه الكرسى حتى تحصنه من اى سوء ثم غادرته بينما تردد نفس عبارة الشيخ ياقوت:
_ياخفى الالطاف نجنا من ما نخاف .

وفى عمق القرية قريباً من الساقية القديمة كان موسى جالساً القرفصاء  يطالع بقرتة التى تحرك الساقية فى حلقات ، ممسكاً فى يده عودا من القش ينبش به التراب تحته كأنما يرسم احلامه ويمنى النفس بأن تتحقق قبل ان تتوقف البقرة عن الدوران ، او يجف الماء المنهمر من الساقية ، واثناء انغماسة فى الاحلام اتى واقع يريده بشده حسناء قلبه ومن يألفها ، عهود ، كانت تلقى دلو تحمله فى يدها فى البئر جاره حتى تظفر بماء يكفى لبيت بدر ، لم يكلفها أحد بتلك المهمة الشاقة ولكن الحب دون أن ندرى يجعلنا نحمل من نحب فوق ظهورنا حتى تنحنى ، استقام موسى فى جلسته ونظر لها ثم قال بصوت لايكاد يفارق حلقه:
_عهود ، هل تريدين المساعدة .

لم تلق له بال ، رغم انها من نفس دينة ولكن فى داخلها هى تهوى رجل واحد فقط ، اسمه بدر بن يزيد السماك ، اقترب منها ظناً أنها لا تسمعة ثم قال:
_هاتى احمل عنكى هذا الدلو الثقيل ، إلى أين تريدين أخذه ؟ .

اجابت كأنها مرغمة:
_إلى منزل ام بدر ، وشكراً لا احتاج إلى مساعدة .

اشتد غيظا وهو يراها ولهانه عند زكر إسم بدر ، أراد أن يكسر ذلك القلب بشدة كما قال له الحكيم :
_هل بدر موجود بالمنزل ؟

ردت بعفوية:
_لا لقد غادر منذ الصباح سعيا للرزق من الأزرق الكبير .

هنا كانت فرصته مواتيه لزرع السم فى عقلها :
_غريبة ، لقد قال لى امس انه ذاهب للفلاحة فى أرض أل ريان ، ترى هل غير رأية .

همهم ثم أتبع :
_لا، لايمكن ، هو لايذهب ابدا للصيد بدونى فأنا من اجدف بينما يلقى بالشباك.

بدى الشك يتصاعد فى ذهنها ، ترى لماذا كذب بدر, وما الذى يدفعه للعمل فى منزل ال ريان؟ ، كان يجب أن ترى بنفسها حتى تعرف ، ولكن هل هى مستعدة لجحيم الوعى الخانق  ، حملت دلو الماء وانطلقت نحو منزل بدر محاولة طرد ذلك الوسواس الخناس الذى يوسوس فى صدرها ، ولكن كلما خطت خطوة كان رنين كلمات موسى يطاردها كالكلب المسعور ، عند وصولها للبيت وجدت نعيمة ترجف على السرير ، هرعت اليها وراحت تدثرها وتزملها، كان الأمر غريب فالجو دافئ ورغم ذلك كان جسد نعيمة بارد كقطعة من الجليد ، بعد أن هدأت وتوقف جسدها عن تلك الرجفة ، أحضرت عهود كرسى وجلست جوارها تقرأ من القرأن أيات تلوح بالسكينة فى روح المكان ، رغم انها كانت يهودية إلا أنها احبت ان تقرأ الذكر ربما لأن قلبها مال له وربما لأنها حقا مؤمنة بما تقرأ ، بعد ساعة كانت نعيمة مغمضة العينين تنام فى عمق ، اما بدر فعاد من الأرض وثيابة مكسوة بفتات من طين الأرض .
دخل إلى غرفة أمه فوراً ثم قال :
_هل هى على مايرام؟

نظرت له عهود تحاول ان تمحى أى تعبير غاضب:
_اطمئن أمك فى عيني ولن أدع شئ يحدث لها .

كان بدر ممتنا لها ، غير قادر على أن يعبر عن ذلك فأكتفى بكلمات قليلة:
_لا أعرف كيف أشكرك ، انتى دائما بجوارى مثل أختى التى لم تلدها أمى .

لم يكن عليه حقا أن يتطرق إلى هذا او يدعوها أخته ، لقد سقط فى ذلة جعلتها تصرخ بداخلها 
وترددها بأصوات ممتعضة داخل نفسها ساخرة 
من نعته لها بالاخت.
_" هل تحلم الاخت بأنها تتزوج اخيها ؟ ، هل الاخت تفعل ما افعل لك ، أنا لست أختك أنا من سوف تستأثر بك وحدها " .

تجمدت شفتاها وهى تريد أن تصرخ بكل قوة وتبوح بما فى فؤادة ، وشئ فشئ اقتربت منه وقالت:
_انا .........

****
فى خيمة زفاف ليث وزمردة  ، كانت ورد الزمان ترقص فيبزغ سحرها ، جسد تعشق انحنائاته و يشعل صدورهم والوهج فى اعينهم .

لما بدى يتثنى، آمان ،آمان ، آمان ،آمان .

الحان وكلمات تناغم انعكاسها فى رقع لخطوات متجانسة ، تحت الخيمة التى يحتفون فيها بالزفاف 
وكأنما يحمل القمر قيثارة يطرب بها السماء فوقهم 
لم يكن ليث وزمردة قد حضروا بعض إلى الخيمة ولكن كان هناك بعض من الغجر قد سبقوهم إليها والأشهب كان يحضر نفسه فى غرفته وكذا ليث الذى كان يرتدى معطفة من جلد الاسد وبنطاله البنى و قلادته من انياب الذئاب البيضاء اما زمردة كانت فى جناحها محاطة بوصيفاتها ، صفية وميريت 
يحممونها ، ويصففون شعرها وكأنهم ينسجون خيوط بحر الدنيا ، ويكحلون عينيها كأنما يضيفون حلكة الليل إلى بحر من النجوم ، اكتملت زينة زمردة التى تجلا اسمها على كل قطعة فى جسدها ذاك المساء ، كان فستانها أبيضَ يلمع، كأنه منسوجٌ من نورٍ محفوظٍ في مشكاةٍ لا يقدر شيءٌ على إطفائه، مشدودَ الصدر كأنفاسٍ محبوسة، وذيله يجرّ غبطتها، تحمله أيدي وصيفاتها، كأنه تجسيدٌ لعقيقٍ مصونٍ عن عيون الإنس والجان.

بعد أن أنتهت من أرتداء الفستان تقدمت امام مرآه محتضنة داخل إطار ذهبى تتطلع مدى جمالها ،خطواتها محسوبة، أنفاسها منتظمة، لكن عينيها… لم تكونا هادئتين،وقفت أمام انعكاسها، حدّقت طويلًا، كأنها تبحث عن شخصٍ آخر خلف الزجاج، ثم رفعت ذقنها قليلًا، وابتسمت.

مرّرت أناملها على حافة الفستان وهمست بصوتٍ منخفض، لكنه حاد كحدّ خنجر:
"أجمل… أنا أجمل منكِ يا كليلة."

سكتت لحظة، ثم اقتربت أكثر، حتى كاد أنفاسها تلامس المرآة، وتابع صوتها، وقد اختلط بالانتصار شيءٌ من الهوس:
"حتى بعد موتك… ما زلتِ تقفين هنا، ولكنكى أبعد من أن تمسية مرة أخرى ، هو ملكى كان كذلك وسيكون إلى أبد الأبدين .

صمتت زمردة ثم ،تقدّمت ميريت خطوةً من خلفها، صوتها خفيض، لكنه واثق ، قالت وهي تتأمّل انعكاس سيدتها في المرآة:
ما شهد الغجر عروسًا مثلك… ولا زفافًا سيُروى كما سيُروى زفافكِ، بل سيحفظ فى الواح التاريخ 

اتبعت بينما تميل  قليلًا، وارتفع صوتها أكثر، لتلفت أذن زمردة للأنصات لكل حرف تنطقة:
لكن القمر… لا يكتمل وحده.
يحتاج لمسةً واحدة، لا تنسى.

مدّت يدها، وفي راحة كفّها عقدٌ من ناب الذئب الأحمر، داكن كدمٍ جفّ قديمًا، يلمع بوميضٍ خافت لكنه يأسر الارواح .
— هذا، يا سيدتي، ما يجعل سيد النار لا ينساكِ أبدًا.

التفتت زمردة لبرهه تطلع العقد ، ثم اولت ظهرها لميرت وقالت بغطرسة:
— البسيه لي.

تقدّمت ميريت خلفها، ويداها ترتجفان ارتجافةً خفيفة، لا يُدرى أهي رهبة… أم نشوة، وفى تلك الثوانى تباطؤ الزمن كان جلياً ، انخفاض نيران الشموع كان محسوس وكأنما الهواء يكتم افواهها ، لامست الوصيفة عنقها من الخلف كأنما تتحسس حرارة جسدها لأخر مرة وقبل أن تدرك زمردة شئ
كان ناب الذئب يشق عنقها من اليمين إلى اليسار ، حاولت أن تصرخ ولكن النفس منهية عن الهوى ، دمائها تتطاير على المرأة وفى الأرض كأنها حمل مذبوح ، وبالكاد القت نظرة أخيرة على قاتلها:
_رفعت ميرت الحجاب من على وجهها واول ماظهر هو تلك الابتسامة، تلك الابتسامة التى تكرهها، تلك الابتسامة التى ظنت أنها احرقتها واختفى اثرها من الحياة .

قالت بحشرجة هى الأخيرة لها فى هذه الحياة :
_كليلة؟! 

ثم سقطت على الأرض وفستانها يتجرع الدماء حتى تحول إلى اللون الأحمر .

ظلت كليلة تنظر لها بينما تفارق روحها جسدها ، بعين جاحظة لا تعرف الشفقة بل تبث الرعب فى كل ذرة بجسد من ينظرها ، وبعد أن تيبس جسد زمردة ، تركتها كليلة وطلبت من صفية أن تعطيها للأقزام بينما تقول:
_اجعليها تنضم إلى صديقتك ميرت التى لم تكن ذكية بقدرك ياصفية .

وخارجا فى خيمة الزفاف كانت ورد قد انهت فقرتها وخرجت من الخيمة ، بينما على صوت الالحان والضحك والرقص فى ردهات الكهف وقمم الجبال ، وفى غرفة الاشهب كان ليث قد اتى لوالده ،يقف أمامة مباشرة يخاطبة بينما ينظر له وجها لوجه:
_هل تتذكر عندما كان عندى عشرة اعوام يا ابى .

رد الأشهب بينما يبتسم:
_بالطبع اتذكر وكأنها البارحة ، كنت ولدا شقيا منذ صغرك وكان هناك دائما شئ لم أفهمه بك .

اقترب ليث ثم قال:
_ومازال بداخلى حتى هذه اللحظة، ذاك الحلم بأن نسود هذه الأرض ونهبط إلى البحر .

بدأت خطوات ليث تقترب شئ فشئ وكأنما الأرض تنكمش تحت قدمية حتى بات فى احضان والده وضمة بقوة  :
_ولكن كل حلم يحتاج إلى تضحيات ، هذا ماعلمتنى إياه ، وقد قررت أن أضحى ....بك.

اخترق نصل الفضة قلب الأشهب مع تلك الهمسة الأخيرة ، وفى تلك اللحظة كأنما صخور الجبال تبكى مع دموع سيدها الذى زفر جملته الأخيرة بينما يتحسس وجه ولده الحبيب بحسره :
_حتى أنت يا ليث؟

ادرك وقتها أن ليث دفعة لكل خطوة ، قتل اصدقائة وزوجتة ، وجعله يطمئن حتى سلم كفنة بيده .

بعد ان مات الأشهب اغلق ليث عينية وقال:
_الوداع ايها العجوز.

غادر ليث الحجرة بعد أن وضع الأشهب فى فراشة ، وسار نحو خيمة الزفاف بتروى .

وفى نفس الوقت كان صقر يغرق جسده بعطر اختزنة لهذا اليوم ، وبعد أن انتهى من تأنقه سار فى الردهه المؤدية لغرفة أبنته حتى يصطحبها لزوجها ، طرق الباب قائلاً:
_هيا يا جميلتى لقد تأخرنا كثيراً.

لم يجبة أحد فطرق الباب مرة أخرى ، وعندما استمر الامر فتح الباب ليجد جثة أبنته أمام ناظرية ، هرع إليها باكياً:
_زمردة ، زمردة ، ما الذى حدث أجيبينى يا ابنتى.

كان جاثيا على ركبتية محتضنا لجثمانها بين ذراعية ، والغرفة مضاءة بشمعة واحدة ، شمعة واحدة راح يموت نورها تدريجياً.

_لن اتحمل فراقك ، أنتى تعلمين أننى أحبك صحيح ، أرجوكى لاترحلى ، اليوم سوف أزفك ، انهضى معى فزوجك ينتظرك ، ارجوكى. 

من خلفة كانت تلك العين اللامعة تكشف ساتر الظل ، تقترب من خلفة ولكن دون أى هاله تذكر كأنها محموله على جدول من الهواء ، ظهرت عيونهم شئ فشئ من حولهم ولم يدركهم إلا مع أول قطمة أخذوها من رقبتة ، كانا ميراج و اشمون قد انهو مسيرتهم من البئر وصولاً إلى قلب الجبل ثم صعوداً من نفق ضيق اشبه بالخندق اوصلهم إلى فتحه أسفل هذه الغرفة .

سقط صقر قتيلا وراح الاثنين يتغذيان على روحه قبل أن يمزقا لحمه تمزيقا. 

وامام باب الكهف ، كان يمسك يدها مقبلاً اياها ، وهى كانت تطالع الخيمة بينما يقتربان منها ، تتغير الموسيقى إلى لحن جنائزى يلفت انتباه الحضور ، ويفتح ستار الخيمة من قبل مرزداخ استعداد لما هو أت .......


		       
×
جاري التحقق من حالة حسابك...

لوحة أرباحك

أهلاً بك في برنامج شركاء الأرباح. يتم احتساب أرباحك بناءً على زيارات رواياتك المقبولة.

الزيارات المحتسبة 0
الأرباح المقدرة $0.00

تم الإرسال بنجاح!

"تم استلام طلبكم الخاص بالانضمام لبرنامج الأرباح بنجاح. الطلب الآن قيد المراجعة"

قيد المراجعة حالياٌ

"طلب الانضمام لبرنامج الأرباح قيد المراجعة حالياٌ. تستغرق عملية التحقق وتجهيز حسابك فترة تتراوح ما بين 7 إلى 14 يوم عمل"

الشروط غير مكتملة

عذراً، لتحقيق الربح يجب أن تمتلك في حسابك
4 روايات على الأقل.

يجب تسجيل الدخول

"يرجى تسجيل الدخول إلى حسابكم المعتمد للمتابعة وتقديم طلب الانضمام لبرنامج الأرباح"