الفصل السادس: عين مرزداخ | الليلة الاربعون
اللغة: العربية
الرئيسية ربح

الفصل السادس: عين مرزداخ | الليلة الاربعون

جاري التحميل...

الفصل السادس: عين مرزداخ

ثم نظر إلى الشمس بينما تغرب فى عين حمئة ، و كأنما يطالع مصيرا لطالما انتظرة منذ مولدة ومع اكتمال الغروب غادر سفح الجبل بخطوات ثقيلة ، سائراً نحو جناحة ، وفى طريقة إلى هناك وحد زمردة مستندة على الحائط بجوار باب غرفته ، قال بغطرسة بينما يقف على بضع خطوات منها:

تحميل الفصول...
المؤلف

ما الأسوأ من الخيانة؟
سؤالٌ كان يطرحه على ذاته مرارًا، حتى صار مُرًّا على شفتيه، كأنه ابتلع ثمرةً حامضة من شجرة الزقوم، ثم جرعها بشرابٍ من حميم، يحرقه من الداخل إلى الخارج، كما أحرقته تلك النار التي كانت أنيسته يومًا ما.

قبل يومين ...
في قمة جبال القمر، كان ليث يطالع أضواء القرية من بعيد، كأن عينيه تغزوان المساحة الشاسعة أمامه دون أن يتحرك ساكنًا.
تلك الأرض، بغاباتها وبحرها وبيوتها وناسها…
ملكٌ لأجداده، إرثٌ تخلى عنه والده بكل جبن،
معللًا أفعاله بالخوف على الغجر، بينما في باطن الأمر كان يرتعد من ياقوت.
ياقوت الذي بلغ من العمر أرذله، لكنه ما زال يحمل في جعبته الكثير؛ تلميذًا نجيبًا للشيخ الكبير، وابنه البِكري،
الابن الذي جعل سلالة ليث بأكملها تختبئ في جحور مغلقة، كالحشرات الصغيرة.

قال ليث لنفسه، وصوته يشتعل في صدره:
_ سوف أعبر البحر يومًا ما، وأحرر الملك من أسره.
سوف آتي بما لم يستطع به الأوائل،
وسيكون لي مُلكٌ… ليس لأحدٍ من بعدي.

ثم نظر  إلى الشمس بينما تغرب فى عين حمئة ، و كأنما يطالع مصيرا لطالما انتظرة منذ مولدة ومع اكتمال الغروب غادر سفح الجبل بخطوات ثقيلة ، سائراً نحو جناحة ، وفى طريقة إلى هناك وحد زمردة مستندة على الحائط بجوار باب غرفته ، قال بغطرسة  بينما يقف على بضع خطوات منها:
_ماذا تريدين يا ابنه الصياد؟ .

_ابنه الصياد هذه من سوف تجعلك الأن تقبل يدها وقدمها حتى لا تيعلق رأسك حكحلى يزين باب المغارة .

قالت تلك الجملة بتحدى وهى تعنى كل جملة ، فى ثبات غير مرتجفة او منفعلة رغم أن الاجواء متوترة وعيونه كانت ترقبها وكأنها تخترق كل شئ لترى ما يوجد تحت جلدها .

رد عليها بغضب:
_كيف تجرأين ايتها اللقيطة .

اقترب منها وامسك يدها اليمنى بقوة حتى كاد يحطمها بقبضتة ولكن سرعان مادفعته :
_انا أعلم كل شئ ، اعلم عن ان كليلة تطارحك الغرام كل ليلة واعلم انك تعشقها ولل تطيق ان يمسها الاشهب ، واعلم ان الاشهب قريبا سوف يتعرض للخيانة .

وضع اصبعها السبابة فى منتصف صدره قائلة:
_خيانة من اقرب شخص إليه .

ارتبك ليث قليلاً ثم قال:
_كل ما تقولينه الأن مجرد كذب لا أساس له ، خيالات لا تستحق ان يعيرها أى احد انتباهه.

ابتسم بينما تدور حوله كافعى تعتصر ضحيتها ببطء:
_خيالات !؟، وهذا العطر العالق فى ملابسك منها وظلها الذى مازال ممداا على جسدك أيضاً خيالات ؟، لا املك ان احاسبك على عشقك لها ، لو كنت مكانك لفعلت مافعلته واكثر ولكنى احاسبك الأن لانك انانى ، الايتسع هذا المخطط لثلاثة ؟، الايتسع هذا العرش لثلاثة ؟, الايتسع فراشك لثلاثة ؟.

قال بأستنكار:
_لقد كنتى حقا ايام جميلة ، لن انسى ابدا زياراتى المتكرره لخيمتكى كل ليلة وكم كانت شفتاكى لذيذة فى ذلك الوقت وهى تلمس شفتاى ولكن لم تكونى اكثر من تلك اللحظة ، متعة وتسلية فقط اما مسأله الارتقاء لأن تكون ملكة جوارى فهى بعيدة المنال . 

كانت فى تلك اللحظة اشد كراهيه لحبها له من اى وقت مضى ، كيف لاتزال تمنى نفسها بأن لا يحب سواها وان ينسى عاهرته المصون :
_بما انك  تتعمد مراراً ان تجرحنى فلن أترك لك مفر من الاختيار بينى وبينها ، حياتك وحياتها الأن فى كفه يدى وربما تسهو الجميلة أمامك وتسقطكما من راحه يدها فى ساعة غفله ،

توقفت عن الحركة حتى يرى عيونها عن كثب ليدرك كم أن تهديدها لم يعد مجرد تهديد ثم تتبع حركات شفتيها:
_بعد ليله واحده اما ان ترى عينى دماء كليله تنهمر على صخور هذا الكهف او ترى راسك وهى تفارق جسدك الجميل .

هل كان ذلك غزلًا مقنّعًا، أم وعيدًا صريحًا، أم حكمًا نافذًا لا يترك لليث فرصة للدفاع عن نفسه أو عن محبوبته؟
لم يجد وقتًا للإجابة.
فجأة، انشقّ الصمت على قرع طبول الترحاب، دقّات عميقة تهزّ الصدر قبل الأرض، تتصاعد مع وقع حوافر الجياد، وهي تقترب محطّمة سفح الجبل تحتها، كأن الأرض من كريستال هشّ يتشقق عند كل خطوة.
— لقد عاد الأشهب يا قوم!
هكذا نادى من يعتلي السفح، صوته ممزوج بالرهبة والفخر، معلنًا نهاية رحلة الصيد.
ظهرت الجياد أولًا…
جيادٌ سوداء ضخمة، أعناقها مشدودة، عيونها تقدح شررًا، تكسو صدورها جلود مدبوغة تتدلى منها أنياب وخرزات عظمية، وكأنها تحمل آثار المعارك لا زينتها.
أنفاسها تتصاعد كالدخان، وحوافرها تضرب الأرض بإيقاعٍ واحد، كأنها تعرف أن من فوقها ليس رجلًا عاديًا.
وفي القلب…
كان الأشهب.
يمتطي جوادًا  اسود بغرة بيضاء ، كأنه خلق من سديم وهاج ، عريض الصدر، طويل القوائم، بعينين حمراوين كالجمر.
كان اسمه «ليل»؛
خيلٌ لا يُروّض، ولا يقبل فارسًا سواه.
جلس الأشهب فوق سرجه كتمثال حرب:
كتفاه العريضتان مغطّاتان بفراء ذئب،
ذقنه الكثيفة مشوبة بالشيب اكثر من اى وقت مضى ،
وعيناه… عينان لا تبحثان عن رضا أحد، بل عن الطاعة فقط.
حين بلغ الجمع، شدّ لجام «ليل » بيد واحدة، فقفز الجواد واقفًا على قائمتيه الخلفيتين، مطلقًا صهيلًا شقّ الغبار حوله شقا .
ثم نزل الأشهب ببطء، بخطوات محسوبة، كأن ذرات الأرض تتنازع فيما بينها لحمله .
تقدّم ليث نحوه.
وللمرة الأولى منذ زمن، ارتسم على وجه الأشهب شيء يشبه الرضا.
فتح ذراعيه، وعانق ليث عناقًا ثقيلًا، عناق رجل لا يُظهر مشاعره إلا بالقوة.
قال بصوتٍ أجشّ:
— كبرتَ يا ابن الدم.
ثم مدّ يده، وأخرج من جرابه نابًا طويلًا، لامعًا:
— ناب ذئب الوادي الأحمر…
ذئب لا يُصاد إلا مرة كل جيل.
وأتبعه بفراء ناعم فضيّ، خفيف كأنه من هواء الصحراء قائلاً:
— وفراء ثعلب الفنك، 
هدية لزمردة… زوجتكِ المستقبلية.

قال صقر تعقيبا على عطايا الحاكم واجلال له:
_هذا قربان يليق حقا بأبنتى الحبيبة .

ركضت زمردة واحتضنت والدها بينما تبكى بدموع التماسيح ، مخبأة وجهها الحقيقى فى كنفه :
_ابى أريد أن اخبرك عن امر ما لا يحتمل الانتظار .

قال والدها:
_ما الخطب يا زمردتى ، من الذى تسبب فى ان تهبط دموعك الغالية على راحة خديكى.

كان قلب ليث يدق فى هذه اللحظة ولكنه حاول تدارك الأمر:
_لقد قالت لى إنها تريد الغزية ورد الزمان فى زفافنا ولكننى رفضت وحقيقة صحت بها ولم يكن يجب على أن ألعل ذلك ولكن ذلك كان بدافع ان اريها اننى لا حفل بتلك الامور ولا اريد أن ارى انثى غيرها امام ناظرى .

ضحك الاشهب بقوة حتى ادمعت عيناة :
_حقا إن هذا الشبل من ذاك الاسد . 
ثم تابع كلامه، وقد ارتسمت على شفتيه ابتسامة مائلة، لا تحمل ودًّا ولا مزاحًا:
— ولكنني لا أوافقك الرأي.
ومع ورد كليًا في هذا الاقتراح… إحضار ورد الزمان.
توقّف لحظة، كأنه يختار كلماته بعناية، ثم أضاف بنبرة مستفزة:
— ألا تريد أن يتمتّع والدك، وعمّك صقر، بحركاتها البهلوانية؟
تلك التي تشبه اندفاع الغزلان المتوحشة حين تُطارد…
جميلة، سريعة، ولا تعرف متى تسقط.
كانت الكلمات تتسلّل لا كحديث،
بل كإهانةٍ مقصودة،
اختبارًا لمدى صبر من يسمعه.

قال ليث بتملل:
_حسنا يا أبى لها ماتريد ، فهذه ليلتلها وانا سوف احرص ان تكون ليله لاتنسى تبقى معها ابد الدهر .

افترقوا جميعا كل إلى مهجعة ، وكل كان يجهز لحفل الزفاف بطريقتة الخاصة، اما ليث فكان يقلب كلمات زمردة فى عقله ، يحاول بحنكة أن يصل إلى مخرج ، فى لعبة القط والفأر لن يكون أبدا إلا قط يعتصر الفئران بين مخالبه ، اخرج محبرته من اسفل السرير ، وبدأ بكتابه رسالتين بالحبر السرى 
ثم بعد برهه طرق قزم باب غرفته ليفتح له ليث قائلاً:
اهلا يا كلبى الوفى زِمرداخ، مر وقت طويل منذ أخر مرة حملت فيها رسائلى .

رد بصوت  محشرج  من فرط الصمت :
_اهلا يا سيدى 

كان مرزداخ قزم أصلع، أذناه طويلتان مطوّقتان بسلاسل حديدية صدئة تصرخ مع كل حركة. ويملك عين واحدة مكسورة تتوسط رأسه ، كأنها نافذة على جحيمٍ داخلي لا يُطاق، وملامح مجعدة مشوهة من الألم والمرارة، حرم من الحياة ولم يدرك إلا الموت فى كل لحظة حتى بات صديقة  .

.فتح مرزداخ فمه فانفرجت اسنانة الصفراء ، ثم تقدّم ليث فوضع اللفافتين بينهما، عضّ القزم على الرسالتين بأسنانه، واحدة يشدها شريط أزرق باهت والأخرى معقودة بشريط احمر قاتم ، قال بعد أن وضع الرسائل:
_الرساله ذات الشريط الأزرق ستحملها  لسيدتك زمردة اليوم  والرسالة ذات الشريط الأحمر ستحملها  لسيدك الأشهب غدا ، والأن أغرب عن وجهى ايها الذميم.

ابتعد مرزداخ عن الغرفة شئ فشئ حتى تلاشى طيفة فى ظلمة الممر الصخرى، وبعد برهه كان قد وصل إلى باب غرفة زمردة ، طرق ثلاثة طرقات حتى فتحت له ، كانت تنظر له بأستعلاء ثم قالت بعد أن اعطاها الرسالة:
_ماهذا ايها القزم ؟!

كان مرزداخ يريد حقا فى تلك اللحظة أن يقتلع لسانها من جذورة ولكنه أكتفى بالرد:
_هذه رسالة عاجلة من سيدى ليث يا سيدتى ، طلب منى أن احملها لكى .

فتحت زمردة الرساله وبدأت تقرأها بصوت هامس: 

"حبيبتي للأبد زمردة،
أيقنتُ أخيرًا أنَّكِ الحقيقةُ الوحيدة العارية من الزيف، وأنّ ما سواكِ لم يكن إلا وهْمًا عابرًا، نزوةً مرّت بي كما تمرّ شرارةٌ خادعة، تلمع لحظة ثم تخبو، لا تُدفئ ولا تُقيم أثرًا.
أخطأتُ حين تأخّرتُ عنكِ، وحين تركتُ الجهل  يعمي بصيرتي، فخلطتُ بين قلبٍ يمنح بلا حساب، وجسدٍ يتزيّن بالحب ليقايض به على مآربه الخفيّة.
جودي عليّ من جديد، لا كعاشقة، بل كسيّدة تعرف قيمتها، وسامحيني على ضعفٍ لم يكن إلا لأنني لم أركِ كما ينبغي منذ البداية.
وأقسم لكِ بدم الأوّلين، وبالنار التي لا تكذب ولا ترحم، أنّ خلاصكِ لن يُؤجَّل إلى ما بعد الزفاف، وأنّ ما تطلبينه سيتم غدًا، قبل أن يُعقَد قراننا ، وقبل أن تُرفع الزغاريد.

قاطع قرأتها أنتباهها لوجود مرزداخ الذى لم يغادر بعد وكان يحدق بها بعينية المتسعتين بشكل مريب ، صاحت به قائلة :
_اما زلت هنا ايها المسخ ؟ ، هيا اغرب عن وجهى .

ثم استهلت قرائة الرسالة لتجد مايثلج صدرها:

ستشهدين ذلك بعينيكِ، لا خبرًا يُنقَل ولا حكايةً تُروى، بل فعلًا يُنجَز أمامكِ، ليكون موتها الدليل الذي لا يُجادَل، والبرهان الذي لا يحتاج قسمًا بعده.
غدًا، ستسقط آخر الأوهام، وسأقطع بيدي هذه ما تبقّى من ظلّها، يدٌ ثابتة لا ترتجف، حاسمة لا تتردّد، تعلّمت أخيرًا أين تُوجَّه، ومتى تُنزِل الضربة.
بعدها فقط، سأقف إلى جواركِ خاليًا من كلّ شبهة، مفرغًا من كلّ اسمٍ سواكِ، وأدخل الزفاف كما أردتِني: رجلًا اختاركِ على كلّ امرأة، وعلى كلّ دم.
كوني واثقة، فالذي ينتظركِ ليس وعدًا يُنكَر، ولا رجاءً يُخلف، بل قَدَرًا يُنجَز…
حبيبك ليث.

فى بئر قريب من الكهف كان مرزداخ قد سلك طريقة متجهاً نحوه ، حتى يتوارى عن الانظار هو والرسالة ذات العقد الاحمر حتى يحين موعد البوح بما فيها لسيدة الاشهب ، صباح الغد قبل  مأدوبة الزفاف .

*****

بعيداً فى القرية بنفس الوقت كان بدر قد شرع فى تنفيذ خطتة للتقرب من يارا منذ صباح اليوم ، قدم إلى منزلها وطرق الباب واخبرها أنه مرسول من الحكيم حتى يساعدها على اعمال الفلاحة ورعى الاغنام حتى يبرأ والدها من سقمه ، ولم يكن منها إلا أن تشكره ، وتطلب منه ان يصل الشكر للحكيم على كرمه معها ، وهاهو الأن يحرث الأرض ويستنشق الهواء القريب من بيتها حتى يمتلئ به صدره ، يكاد يحبس كل نفس يأخذة حبا فى الأرض التى تطأها بأقدامها ، فجأة يقتحم تلك السعادة موسى  جارا عربة السمك خلفة ، فيقول بدر ساخراً:
_اهلا بمفسد البهجات وهادم الملذات .

يترك موسى عربة السمك على جانب الطريق ويقترب من بدر :
_هل نسيت أنك صياد أبن صياد أيها الاحمق الاهوج الأرعن ، ام اثر الهوى على ذاكرتك .

قال بدر:
_اتركنى ياموسى ، وتوقف عن توبيخى فأنت أيضا تترك السوق وتتهرب من والدك لان هواك هو تعلم الطب من الحكيم هود وليس تجارة السمك او صيده، ثم ان البحر خال من السمك نحن نصطاد الصخور والطحالب منذ خمس سنوات .

قال موسى مستنكراً كلامه :
واحيانا نصطاد الاحذية لا تنكر ذلك .

اثناء تحاورهما وضع بدر فجأة يده على فم موسى كاتما صوته ليعم الصمت فجأة ، ثم قال بصوت منخفض:
_الشيخ الكبير يقترب من بيت يارا ، ترى ما الذى اتى به فى هذه الساعة من الليل.

كانا يريانه من بعيد، يحمل مصباحًا مضاءً بثلاث شمعات، يتقدّم بتمهّل نحو دار آل ريان.
وحين وقف أمام الباب، طرق ثلاث طرقات، كانت كل واحدةٍ منها تُسمَع من القاصي قبل الداني.
بعد وهلة، فُتح الباب، وظهرت يارا.
حدّقت فيه لحظة، ثم قالت بصوتٍ خافت امتزج فيه التهيّب بالدهشة:
— حضرة الشيخ؟

انفرج فم الشيخ قائلاً:
_اهلا يابنيتى ، سمعت أن والدكى ملازم لفراشة هذه الأيام ، هل لى أن أطمئن عليه .

دعت الشيخ للدخول دون ادنى تردد ، وسمعته يردد تلك العبارة بينما يسير إلى غرفة والدها:
_يا خفى الالطاف نجنا من ما نخاف .

رددها ثلاثة مرات وكانت المرة الثالثة وهو يرى عادل امام عينية غارقاً فى عرقه بعد أن سقته يارا الجرعة للمرة الثانية ، نظر الشيخ لبدنه ثم اردف:
_هل خرجتى من المنزل لتحضرى الحكيم إلى هنا؟

اومأت يارا برأسها ، ثم استهل حديثة:
_يالكى من ابنه صالحة وسوف تكونين زوجة صالحة مثل امك .

لم تعى يارا ماقاله الشيخ ، اليس الزواج والحب من المحظورات ؟ حتى لا يفك رباط الحجاب الذى يحمى الناس ، لكنه محى بكلماته ذلك التشتت:
_اعلم كم تعانين ويعانى والدك من هذا الأمر ، ولكن الله لا يكلف نفسا إلا وسعها ونحن من نكسب ونكتسب طوال رحلتنا ما ينفعنا او يضرنا ، لا أريدك الا أن تصبرى فقد شارفت على ايجاد الحل .

كان عادل بين الحلم و الحقيقة ، بالكاد يستطيع فتح عينية ولكنه يسمع كل شئ ، وادرك الشيخ وهو يقول لها :
_بلغينى عن الاحلام ، هل مازالت تراودكى منذ ان اعطيتك ذلك الشئ .

قالت يارا بينما تتنشق الهواء من حولها كأنما حلت الطمأنينة فجأة بعد ايام من الترقب:
_لم تزرنى أمى فى الاحلام منذ أن أعطيتنى إياه ولكن يا شيخى إلى متى سأظل أرتدية ، هل سأعيش هكذا لما تبقى من عمرى ؟

اتكأ الشيخ على عصاه وجذب لحيته  مبتسماً:
_لاشئ يدوم إلى الأبد يا يارا ، وغدا يتبين الخيط الأبيض من الخيط الاسود ، ارعى والدكى حتى يطيب والزمى الذكر وقرأة القرآن فهم حصنك المنيع .

بعد انتهاء كلماته واطمأنانه على عادل استأذن يارا بالانصراف وابلغها بأنه سيبعث جواد اليمينى احد اتباعه ليساعدها فى اعمال الأرض ولكنها بلغته بأن الحكيم أرسل شابا قوى البنية ليساعدها فى تلك الشئون ، تعجب الشيخ سرا ولكنه لم يبدى علنا مايشعر به ثم قال لها وهو على عتبه الباب:
_شيختكى كوثر تسأل عنكى ، لا تطيلى الغياب عليها اكثر من ذلك .

اغلق الباب من خلفة ،  وجلست يارا جار والدها مرة أخرى أما هو فتوجه نحو الأرض ليرى الفتى الذى أرسله الحكيم ، كل خطوة كانت موترة ، الصخور الصغيرة وكأنها تزاح تلقاء نفسها من امام اقدامه والريح تشتد رويداً رويداً ولكن رغم ذلك ضوء مصباحة يظل ثابتا كأنه شمس لاتنطفئ، قال من بعيد :
_من أنت أيها الشاب ؟ .

اجابة :
_انا موسى ياشيخنا الكريم ، موسى بن عدى ، والدى مزارع طاعن فى السن وانا فى خدمة الانسة يارا, توصيه من الحكيم هود.

ابتلع ريقة ببطء خوف من أن يلحظ الشيخ ارتباكه وسرعان ما قنع الشيخ برده وطلب منه أن يستوصى خيراً بالارض وساكنيها وغادر فى طريقة . 

بعد أن غادر الشيخ خرج بدر من اسفل عربه الاسماك بينما يقول:
_لقد كدت أن أختنق واكون  شهيداً تقتله رائحة السمك ، شهيد الزفر .

ضحك موسى مستهزأ ببدر فصفعة بدر على رأسه :
_لا تستغل سماحتى معك ، فسوف اصفعك حتى تتوقف عن ادخالى فى مواقف لا احسد عليها .

قال موسى:
_ومادخلى أنا ، أنت من أحببت ابنه المزارع وركضت خلفها كالابله . 

عقد بدر حاجبية ثم قال بثقة:
_ولن أتوقف حتى تصير زوجتى.

*******

فى بيت بدر كانت عهود ، جارة بدر تهتم بأمه لحين عودته ، كانت خمرية اللون شعرها بنى داكن و عينيها خلاصة من عسل مصفى ، اما جسدها فكان عريضاً بعض الشئ ولكن هذا لم ينقص من انوثتها بل زادها جمالاً ، كانت تسكب الماء على رأس نعيمة بينما تحدثها قائلة:
_اريد أن أعترف لكى يا خالتى بشئ ما ولكننى أخجل منك كثيراً.

صمتت لثانية ثم اكملت:
_سأقولها على أيه حال ، أنا أريد أن أتزوج بدر ، ولا أريد أن أكون لدونة ولكنة لا يرانى مثلما أراه .

كانت تحرك الاسفنجة برفق على جسدها مزيحة الاوساخ كما تحاول أن تزيل شعورها تجاهه كل يوم ولكنها تفشل ،  ثم اردفت:
_لقد حاولت أن ازيحة عن بالى ، ولكن كلما تقدم لى أحد الخاطبين وجدت نفسى اقول لا مراراً وتكراراً ، انا لا ارى إلا هو .

همهمت قليلاً ، كأنما أدركت أخيراً ما كان جليا، نعيمة لن ترد عليها ولو تكلمت ألف عام جوارها ، وفى تلك اللحظة ابتسمت عهود وبدأت بتجفيف جسد نعيمة بينما تتحدث بصوت خافت كأنما تخاطب قلبها:
_اتمنى أن لا يرى فى العالم امرأة أخرى سواى ياخالتى ، اتمنى أن يكون بدر بن نعيمة ويزيد لى .

بعد الانتهاء من تجفيف نعيمة ، البستها ثيابها ومشطت شعرها ثم راحت إلى المطبخ لأعداد طعام العشاء قبل قدوم بدر ، وبينما هى فى المطبخ تحرك فم نعيمة لأول مرة فى خلوة لايشاركها فيها احد ، همست بينما ترتعش :
_انهم قادمون.......
انهم قادمون..
		       
×
جاري التحقق من حالة حسابك...

لوحة أرباحك

أهلاً بك في برنامج شركاء الأرباح. يتم احتساب أرباحك بناءً على زيارات رواياتك المقبولة.

الزيارات المحتسبة 0
الأرباح المقدرة $0.00

تم الإرسال بنجاح!

"تم استلام طلبكم الخاص بالانضمام لبرنامج الأرباح بنجاح. الطلب الآن قيد المراجعة"

قيد المراجعة حالياٌ

"طلب الانضمام لبرنامج الأرباح قيد المراجعة حالياٌ. تستغرق عملية التحقق وتجهيز حسابك فترة تتراوح ما بين 7 إلى 14 يوم عمل"

الشروط غير مكتملة

عذراً، لتحقيق الربح يجب أن تمتلك في حسابك
4 روايات على الأقل.

يجب تسجيل الدخول

"يرجى تسجيل الدخول إلى حسابكم المعتمد للمتابعة وتقديم طلب الانضمام لبرنامج الأرباح"