شبح المؤامرات - الفصل 2
جاري التحميل...
الفصل 2
.........
نهض تيلاس من سريره بخطوات متثاقلة، وقد أثقل رأسه أثر الحلم الذي لم يفارقه منذ استيقاظه. كان عليه أن يلحق بجده لتناول الفطور، فغادر غرفته الصغيرة واتجه نحو الصالة.
بدت الشقة كما هي دائمًا؛ صالة ضيقة متصلة بمطبخ متواضع، تفوح منها رائحة الخبز الدافئ والشاي. على الجانب الأيسر من الصالة وُضع سرير بسيط إلى جوار خزانة صغيرة بالكاد تتسع لثياب قليلة، وفي المنتصف طاولة خشبية قديمة، متآكلة الحواف، يحيط بها كرسيان غير متشابهين، كأن كل واحد منهما جاء من زمن مختلف. فوق الطاولة كانت وجبة متواضعة: إبريق شاي وزبدية صغيرة يتلألأ فيها زيت الزيتون تحت ضوء الصباح الخافت .
وما إن خطا إلى الصالة حتى وقعت عيناه على ظهرٍ منحنٍ لرجل عجوز يقف أمام الموقد. كان جده يسخّن الخبز بهدوء، مرتديًا قميصًا أبيض وسروالًا أسود قديمين، باهتين من كثرة الغسل والاستعمال، كأن الزمن نفسه قد ترك بصمته عليهما.
كانت الشقة ضيقة وبسيطة؛
فجأة وضع الجد الخبز المعاد تسخينه فوق الطاولة، ثم نظر إلى تيلاس وقال بصوت دافئ:
«هيا، ألست جائعًا؟»
انتبه تيلاس من شروده ، وأجاب على عجل:
«بلى… سأذهب فقط لغسل وجهي.»
توجه نحو باب الشقة الخارجي، فدورة المياه لم تكن داخل الشقة، بل تقع خارجها في آخر الممر، مشتركة مع الجيران. مثل المساكن التي تتواجد في الأحياء الفقيرة في دول العالم الثالث التي تكون دورة المياه فيها مشتركة بين الجيران . سكن من هذا النوع بالكاد يسمى سكن .
خرج تيلاس من الشقة وانعطف يمينًا حتى وصل إلى باب صغير من القصدير، بالكاد يتسع لعبور رجل بالغ. فتحه، وما إن إنفتح الباب على مصراعيه حتى هاجمته رائحة كريهة لذعت انفه فقام فورا على عجل بغلق أنفه متقززًا وقال:
« يا لها من رائحة كريهة!»
ثم وقف امام المغسلة و بدأ يغسل وجهه ويديه، ثم رفع رأسه لينظر إلى المرآة ذات الحواف الصدئة أمامه. انعكست صورته الشاحبة، وعيناه الحمراوان تحملان قلقًا غريبًا. شرد ذهنه، وعاد إليه الحلم مجددًا.
ما ذلك الكتاب الأسود؟
فكر بخوف. إنها المرة الأولى التي أراه…
كان ذلك الحلم يتكرر كثيرًا، لكن هذه المرة كانت مختلفة. فذلك المخلوق الغامض، الذي لم يستطع تمييز ملامحه بوضوح، كان يحمل كتابًا أسود غريبًا، كأن الظلام نفسه ينبعث من صفحاته. إحساس ثقيل استقر في صدره، يخبره أن هذا التفصيل ليس عابرًا.
عاد تيلاس إلى الشقة وجلس أمام الطاولة، وبدأ يتناول الطعام مع جده. أثناء الأكل، وقعت عيناه على السرير الموضوع في الصالة، فانقبض قلبه وقال بحزن:
«جدي… يجب ان تنام في الغرفة ؟ وأنا سأنام في الصالة.»
تفاجأ الجد، ثم نظر إلى تيلاس بابتسامة حنونة، وقد ارتسم دفء خاص في عينيه، وقال بنبرة مازحة يخفي بها حقيقة الأمر :
«وما الذي تقوله يا فتى ؟ أنا أستيقظ كثيرًا في الليل لشرب الماء، وأحب أن أكون قريبًا من الحنفية… هل تنوي سرقة مكاني هاهاها.»
ابتسم تيلاس ابتسامة باهتة، لكنه لم يقتنع. كان يعلم في قرارة نفسه أن جده يضحي بصحته وراحته من أجله، تمامًا كما فعل دائمًا. خفض رأسه وقال بإمتنان :
«شكرًا لك.»
ابتسم الجد، واستكملا فطورهما في صمت، قبل أن يقول فجأة:
«بالمناسبة يا تيلاس، اختبار الالتحاق بالأكاديمية سيكون غدًا. هل أنت مستعد؟»
تفاجأ تيلاس قليلًا، ثم أجاب:
«نعم. سأبدل جهدي .»
قال الجد بثقة وفخر:
«أنا واثق أنهم سيقبلونك. ستذهلهم بإمكانياتك، فأنت حفيدي بعد كل شيء.»
ابتسم تيلاس وقال:
«لن أخيب أملك.»
فجأة، وقعت عينا الجد على التلفاز الصغير المعلّق في زاوية الصالة. نظر إلى ساعته بقلق، ثم قال بحماس:
«تيلاس! بسرعة! أين جهاز التحكم؟»
تفاجأ تيلاس وسأله:
«لماذا؟»
أجابه الجد على عجل:
«اليوم خطاب إمبراطور قارة الظلام! هيا بسرعة!»
« خطاب ؟ » متسائلا تحرك تيلاس وبحث حتى وجد جهاز التحكم فوق سرير الجد، فشغّل التلفاز القديم، وبدّل القناة إلى البث الخاص بقارة الظلام.
ظهر المذيع قائلًا:
«مشاهدينا الكرام، بعد قليل سيلقي إمبراطور قارتنا العظيم بروتوس بيهي خطابه بمناسبة الذكرى الأربعمئة لحكم عائلة بيهي العظيمة.»
كان البث من دولة نيتا، أعظم وأقوى دول قارة الظلام. ظهر حشد هائل أمام شرفة قصر فخم، أشبه بقصور العصور الوسطى، يتوسطه منبر ذهبي فاخر. كانت الحشود تهتف بحماس:
«يحيا بروتوس العظيم!»
تقدّم رجل من داخل القصر نحو الشرفة. كان طويل القامة، يرتدي درعًا أسود وعباءة حمراء تتدلى من كتفيه كأنها شلال دم. لحيته سوداء كثيفة، وحواجبه حادة كالسيوف، وعيناه سوداوان قاسيتان. كان يضع تاجًا أسود تتوسطه ياقوتة حمراء فوق رأسه ذي الشعر الأسود القصير. كان مهيبٌ بحق.
وقف أمام المنبر، ومسح الحشود بنظرة صارمة، ثم قال:
«يا شعب الظلام العظيم، أنا بروتوس بيهي. أقف أمامكم اليوم لأؤكد استمرار العهد الذي بدأته عائلتي قبل أربعمئة عام؛ عهدٌ لم يعرف التراجع أو الضعف. لقد أسست عائلة "بيهي" أركان هذه الدولة، وأنا هنا لأقودها نحو مرحلة جديدة من القوة. سأفرض العدل والنظام في كل أرجاء هذه القارة، وسأضمن سيادة قانوننا بسلطة السيف.»
توقف بروتوس ونظر إلى الحشود بجدية تامة، ثم تابع :
«واليوم، أعلن عن قرار استراتيجي: سنوقف جميع النزاعات العسكرية مع قارتي "النور" و"العلم". هذا القرار ليس نابعاً من خشيتنا منهم، بل هو خطوة مدروسة لنعيد توجيه قوتنا بالكامل نحو الخطر الحقيقي؛ قارة الشر والشامان. هدفنا الآن هو سحق نفوذهم وإنهاء فسادهم الذي هدد استقرار الأرض. أولويتنا هي الحسم، ولن نسمح لأي صراعات جانبية بأن تعيق طريقنا نحو تأمين مستقبلنا.»
انفجرت الحشود بصيحات هستيرية:
«فليحيا بروتوس العظيم!»
أنهى الإمبراطور خطابه، ودخل القصر وسط الهتافات الصاخبة.
كان تيلاس مذهولًا. التفت إلى جده، فوجد عينيه تتلألآن فخرًا. استغرب ذلك، فجده لم يكن يومًا مهتمًا بالسياسة، لكن نشأته على تمجيد العائلة الحاكمة جعلته يقدسها دون وعي.
قال تيلاس مترددًا:
«جدي… لماذا تحالفنا مع قارة النور وقارة العلم في هذا الوقت بالتحديد ؟ »
نظر الجد إليه باستغراب، ثم أجاب بخشوع:
«هذه أمور لا نفهمها نحن يا بني. نحن فئة كادحة، وما دام جلالته يقودنا، فسنكون بخير، وستتحسن دولتنا بحكمته.»
ارتفعت حواجب تيلاس السوداء بتعجب، لكنه لم يعلّق. في تلك اللحظة.
فجأة...
سُمع طرق مفاجئ على الباب:
«طق.. طق.. طق»
تفاجأ تيلاس ونهض متجهًا نحو الباب، وهو يفكر: من قد يكون؟
فتح الباب، ليرى أمامه شابًا طويلًا نسبيًا، متوسط البنية، ذو بشرة فاتحة وشعر بني مموج يصل إلى عنقه. كان يرتدي قميصًا أزرق وسروالًا رماديًا وحذاءً رياضيًا، وابتسامة عريضة تشق وجهه.
تفاجأ تيلاس وقال:
«زيف؟!»