ثري مغرور وأحيانًا فاسد - السايكوباتي الذي بداخلي
جاري التحميل...
ثري مغرور وأحيانًا فاسد
.........
["كلّنا نقف على حافة الهاوية، ولكن بعضَنا اختار القفزَ كي يشعر بالحرية." - (2-1)]
"يا للهول! حفلٌ مُبهر، مليءٌ بالأفّاقين والمنافقين، وأجواء تليق بمدلل القصر."
"اخفض صوتك! هل تريد أن يسمعك؟ ألا تعرف أنه يكره أن ينعته أحدٌ بهذا اللقب؟"
"لا تقلق، صخب الموسيقى المرتفع يغطي على صوت الحقيقة..."
لم يتمكن الشاب من إكمال جملته إذ أسكتته اللكمة التي تلقّاها في وجهه. توقفت الموسيقى، واتجهت أنظار الجميع إليهم. الجميع يحدّق بـالشاب ذا الشعر القاتم والعينان المحيطيتان وهو ينفض الألم من قبضته، وعلى وجهه ابتسامة باردة تتلاءم مع شخصيته. خطف زجاجة النبيذ من أحد السُّكارى بجانبه واحتسى ما تبقّى بها، قبل أن يهوي بها على رأس الشاب، ثم، وكأنّ شيئًا لم يحدث، التفت ونظر إلى البقية:
"لم توقّفت الموسيقى؟ تابعوا الاحتفال، ولا تلتفتوا لصديقنا... سيلقيه رجالي في أقرب مستودع قمامة، المكان الذي يناسب أمثاله."
كانت قطرات الدم تكسو أرضية الرخام الأبيض، متنافرةً مع أضواء الثريّا المتلألئة، كأنها لطخة من الحقيقة في حفلٍ صُنع من الزيف والادّعاء. الشاب المُلقى على الأرض لم يُبدِ أي مقاومة، فقط كان يتنفس بثقل، ينظر إلى الأعلى بعينين يملؤهما العجز والقهر.
تحرك رجلان بخفّة خادعة، أمسكا بالشاب المُترنّح من أثر الضرب، وسحباه كجثةٍ بلا صوت. كانت عيناه تطوفان القاعة، كأنّما يبحث عن ضميرٍ حيٍّ بين جدران الزيف، عن يدٍ تمتد، عن وجهٍ لا يشيح.
انفتح باب القصر الكبير كفمٍ لفظ الشاب خارجه بقسوة، فارتطم جسده بالدرجات الرخامية، وارتجّ صدره بأنفاسٍ متقطّعة.
في الداخل، عادت الموسيقى تفرض نغماتها الصاخبة، لكن شيئًا ما في الألحان تبدّل... أصبحت حادّة نافرة، كأنها تصرخ في آذان الحاضرين بأن يرقصوا على جثث أخلاقهم.
اقترب شابٌ حادّ الملامح، ذو لحية خفيفة، وملابس تفضح ثراءه رغم بساطتها، وقال بملامح تفيض بالرفض والاستنكار:
"هل كان هناك داعٍ لكلّ ما حدث يا أليكس؟ مبالغتك في رد فعلك قد تتسبّب في إنهاء الحفل في مقر الشرطة... ثم إن الشاب... الشاب لم يقل سوى الحقيقة، كل من هنا منافقون يتقرّبون منك ليمتصّوا أموالك أو يلتمسوا إحدى المصالح!"
لم يتغيّر شيء في ملامح أليكس، رفع كأس مشروب آخر وشربه دفعة واحدة، ثم همس لمحدثه:
"في هذا القصر... لن يعلو صوتٌ فوق صوتي، حتى وإن كان صوت الحقيقة يا ديريك."
انسحب ديريك وهو يزمّ شفتيه ويهمهم بغضب من تصرّفات ابن عمّه، لكن لا شيء يمكن فعله.
في الخارج، كان صديق الشاب يجلس جوار جسده، يضع سترةً خفيفة على الجرح الغائر في رأسه، ويُخرج هاتفه بيد مرتعشة:
"الشرطة..."
.........................................................................
علت ضحكاتٌ مرتجفة في الزوايا، محاولاتٌ باهتة لإحياء وهج المناسبة. أليكس مرّ بينهم بثقة مثقولة كأنّ شيئًا لم يحدث، كأن سحق إنسانٍ أمرٌ لا يستحق التوقّف.
لكن باب القاعة الكبير ارتجّ فجأة بصوتٍ صاخب، لا يشبه صخب الموسيقى، ولا يشبه خطوات الراقصين.
صرخ أحد الحضور من الخلف:
"الشرطة!"
دخلت عناصر الأمن بخُطى ثابتة، وعلى وجوههم علامات الجديّة والصرامة. صمت المكان، وخمدت كل الضوضاء، حتى همسات الفضول انطفأت.
اقترب الضابط ووقف قبالة أليكس، رفع نظّارته، ونظر في عينيه مباشرة:
"سيد ألكسندر، أنت موقوف بتهمة الاعتداء على المدعو "أدريان لاري" والتسبّب له بأضرارٍ جسدية ونفسية."
ارتفع ثغر أليكس بتلك الابتسامة الساخرة التي لا تبرح تقاسيمه حتى في أحلك المواقف، وقال بهدوءٍ غريب:
"موقوف؟ يبدو أنكم لا تعرفون على أي أرضٍ وطأت أقدامكم."
لا همسات، لا ضحكات، لا حتى تململ. فقط صوت أليكس البارد المستفز يخترق هدوء الليل كنصلٍ مسموم. لكن الضابط لم يبدُ عليه التأثّر، أعاد نظّارته مكانها بخفة، ثم قال بصوتٍ رخيمٍ لا يخلو من الحزم:
"نحن نعرف تمامًا أين نحن، ونعرف تمامًا من أنت... لكن القانون لا يعترف بالألقاب، أيها السيد الصغير."
ثم أشار بيده، فتقدّم رجلان من الشرطة، واقتربا من أليكس بتردد ليضعا الأصفاد حول معصميه. لم يُقاوم، لم يتحرّك، فقط رفع يديه ببطء كمن يُسلّم لا كمن يُذعن. التفت إلى الحاضرين بنظرة جرداء، خالية من الانفعال وهتف:
"لا تُغادروا، فالحفل لم ينتهِ بعد... ساعة أو ساعتان وأعود. وددت أن أقول لكم استمتعوا، لكنني متيقّن من أنكم لا تعرفون كيف تصمدون من دوني."
بينما ارتفعت بعض الهمهمات الخافتة، وقف ديريك على مقربة، ينظر إلى المشهد بعينين متجمّدتين. لم يشعر بالخوف، لم يشعر بالشفقة، فقط الفراغ والسأم من رؤية المشهد المتكرّر الذي يعرف نهايته حق المعرفة.
خرج أليكس بصحبة ديريك ورجال الشرطة من قاعة القصر، يتقدّمهم الضابط بخُطى واثقة. صدى خُطاهم يرتطم بالجدران كرجع خيبة، وصمت المدعوين لم يدم وطغت الهمسات.
في الخارج، استقبلهم الليل بهوائه الثقيل، والنجوم التي بدت أقل سطوعًا. تجمّع خارج أسوار القصر بعض الفضوليين الذين يتلهّفون لمعرفة كلّ صغيرة وكبيرة تحدث بين جدران قصر عائلة مورساي.
قال ديريك بصوت منخفض وهو يسير جوار سيارة الشرطة:
"لِمَ علينا أن ننهي كل مناسبة بهذه الطريقة يا أليكس؟ أَلَمْ تسأم؟"
رد أليكس دون أن يلتفت:
"على العكس يا ابن العم... كلّما ازدادت المشكلات التي يفتعلها بطل الحكاية، تعلّق به الجمهور أكثر، وازدادت الحبكةُ قوة، واقتربنا أسرع من نقطة الذروة... استمتع يا ديريك."
فتح الضابط باب السيارة، ودفع أليكس بلطفٍ محسوب إلى الداخل، ثم انطلقت السيارة، وبقي ديريك متيبسًا للحظة ثم هزَّ رأسه بيأس واتجه للداخل ليسرع في تنفيذ ما عليه فعله.
.........................................................................
في مكانٍ أكثر هدوءًا، كان إيليان يجلس على كرسي مكتبه، ويراجع بعض الأوراق بتركيز. نظر إلى ساعة الحائط قليلًا، ثم تمتم:
"الواحدة بعد منتصف الليل... لقد تأخر. يبدو أنه لن يأتي الــ..."
لم يكد يُكمل جملته، حتى شقّ سكون الغرفة طرقٌ على بابها، أعقبه اندفاع أحد رجال الشرطة إلى الداخل. تنهّد إيليان ونظر إليه، ثم قال بيأس:
"بالتأكيد قد وصل صديقنا المعتاد... ماذا فعل هذه المرّة؟"
دلف الشرطي المساعد إلى الداخل، ثم أغلق الباب وأردف:
"لقد اعتدى بالضرب على أحد ضيوف الحفل الذي يُقيمه في القصر، وتسبّب له بجروحٍ غائرة في وجهه ورأسه. هل أدخله الآن، أم أنتظر ريثما يصل محامي عائلته؟"
ابتسم إيليان بيأس:
"لا داعي لانتظار محامٍ، كلانا يعرف ما سيحدث في نهاية هذا الأمر. أدخله وحده... يراودني فضولٌ حول كيف سينقذ نفسه هذه المرة."
خرج الشرطي، وما هي إلا ثوانٍ حتى دخل أليكس يسير بكلّ ثقة، لم يعرف القلق طريقًا إلى وجهه، وكأنّه جاء ليقضي وقت فراغه هنا لا لأنه متّهم بجُرم قد يُسجن بسببه.
"سيّد إيليان! ألا يوجد في هذا الكيان ضابطٌ آخر ليُحقّق معي للدرجة التي تدفعهم لجعل محقق مرموق يتولى التحقيق بنفسه بكل مرَّة؟"
ضحك إيليان ضحكة قصيرة، مُختلطة بين التسلية والغضب، ثم رفع رأسه إليه، ونظر في عينيه ببرود قائلاً:
"للأسف، يستعينون بي دائمًا لأنني أمتلك موهبة فريدة في استيعاب عبثك المتكرّر دون أن أفقد صوابي."
اقترب أليكس وجلس على الكرسي المقابل بكل أريحية، ثم أخرج من جيب سترته منديلًا حريريًّا، مسح به بعض قطرات النبيذ الجافة على يده، ثم قال بنبرة لا تخلو من طيف الاستهزاء:
"بِتُّ أرى وجهك أكثر من وجوه أفراد عائلتي... ألم تملّ بعد؟"
أغلق إيليان الملف أمامه بتنهيدة طويلة، ثم شبك يديه فوق الطاولة، وقال بوضوح:
"أليكس، هذه المرة الأدلة كثيرة، والدماء كثيرة، وعيون الشهود أكثر من المعتاد... لن يكون الأمر سهلًا."
اعتدل أليكس في جلسته وارتسمت على محياه تلك النظرة التي تسبق عادةً عاصفة من الحيل، وأجاب بسلاسة وكأنّ الأمر لا يعنيه:
"الأمر بسيط يا سيدي... الشاب حاول سرقتي، استغلّ زحام الحفل، ودفع يده في جيبي محاولًا التقاط ساعتي الألماسية الموضوعة به. وعندما كشفتُه، حاول الاعتداء عليّ، فضربه أحد الحراس على رأسه محاولًا إيقافه، ثم فجأة بدأ الشاب بالصراخ، ربما ليُربك من حوله أو ليهرب."
رفع حاجبيه بخفة، وأكمل:
"اسأل أيًّا من المدعوين، ستجد من يُؤكّد كلامي... من المفترض أن ديريك أحضر بعضهم وتبعنا إلى هنا، وأعتقد أنهم وصلوا ويتم أخذ شهاداتهم، هم والحارس، الآن."
تنهد إيليان، ثم تمتم بصوتٍ منخفض:
"بالطبع... الشهود دائمًا جاهزون حينما يتعلّق الأمر باسم أليكس مورساي."
تنهد أليكس وحار بعينيه للحظة قبل أن يثبتهما على وجه إيليان، ثم همس بغرور:
"لا تنسَ يا سيدي... أنا من يُمسك بالقلم في هذه القصة، وأنا من يتحكّم في شخصيّاتها... حتى وإن كانوا مجرد شهود."
وقبل أن يرد إيليان، فُتح الباب مجددًا، ودخل أحد رجال الشرطة ملوّحًا بورقة، ثم قال:
"سيدي، الشهود قد أدلوا بأقوالهم... كلهم يؤكّدون أنهم شاهدوا أدريان يمدّ يده نحو جيب السيد ألكسندر ويسحب ساعته، والحارس اعترف أنّه من ضرب الشاب."
لم يُظهر إيليان أيّ ردّ فعل، سوى أنّه أغلق عينيه للحظة، ثم فتحهما ببطء، وقال بنبرةٍ فارغة:
"أهنئك يا أليكس... نجحت كالعادة في كسر القانون! أنت حرٌ يمكنك الذهاب."
وقف أليكس وهو يُرتب ياقة قميصه بهدوء، ثم مال بجسده قليلًا نحو إيليان، وقال بنبرة تدنو إلى المُساررة:
"أنا لا أكسر القانون... أنا فقط أعرف كيف أروّضه."
ثم استدار وخرج كمن يغادر من عرضٍ مسرحي، تاركًا خلفه إيليان يُحدّق في الطاولة أمامه بشرود، وكأن شيئًا ثقيلًا وباردًا يجثم فوق صدره.
غمغم إيليان لنفسه، وكأنّه يكتب سطرًا من رواية يعرف نهايتها مسبقًا:
"ستسقط يا أليكس... ستسقط وسينكسر غرورك حين تتوقّف الجماهير عن التصفيق... ولكن، متى يتعب الجمهور؟"