ذات القبعة الفصل٢
الفصل٢
انهيت كلماتي ثم انطلقت في إثره. مثل هذا الإنسان حرام أن يكون على وجه الأرض، حملت حجرا ثم راقبته حتى انزوى في زقاق خال و ما لبثت أن رميته به حتى وليت هاربة لا ألوي على شيء غير النجاة بنفسي. لهثت بقوة عندما وصلت للموقف و أنا أتمنى ألا يكون قد رآني لأن رده سيكون لاذعا، ذلك المنافق الخبيث الذي يخفي ما لا يظهر من سوء سريرته. لقد كان حتى وقت قريب "بلطجي " القرية و لم يترك منكرا إلا و فعله قبل أن يتوب على حد قوله بعد أن توفي صديقه بجرعة زائدة من المخدر و بعد أن جر أخي الحبيب "عماد" إلى نفس الطريق.
تجلس تحت الطاولة كما دأبت منذ وعت على نفسها تضع يديها على أذنيها في رعب لكن عينيها مفتوحتان لا تقوى على اغلاقهما، تشاهد صراع مميت لفريسة تحاول النجاة بنفسها من بين مخالب مفترس لا يعرف الرحمة، الصراخ عال جدا لا تقوى يديها الصغيرتين على سده. الدموع نزلت و الملابس تبللت و انتشر البلل من حولها. رمشت بعينيها تزيح ضباب الدمع الذي غطاهما مبصرة كيان يتقدم منها ثم يجاورها غير مبال بالبلل في الأرضية الباردة، خرج نفس مهتز مكلل بالراحة عندما جذبها لتخفي نفسها في داخل احضانه لتستشعر الامان أخيرا ثم تنام ... لتبقى دمعة معلقة برموشها تحكي قصة حرمان... ***** اليوم أكتب... لا لأوثق ما مررت به في حياتي بل على العكس، لكم اتمنى ان اصاب في رأسي و أنسى كل شيء و كل شخص مر في حياتي كي ابدأ من جديد ، حياة جديدة خالية من كل الم و حرمان. بيد أن سبب الكتابة الحقيقي هو الكتمان لا بارك الله فيه، احس أنني أحمل اثقالا فوق ظهري تحنيه و إن لم ابادر و أخففها على الأقل ستقصمه و لن اجد المرونة الكافية للمضي إلى الأمام. النفاق مرض خسيس دنيء يجب اقتصاصه من جذوره، يحطّم أمتن الروابط و يعصف بها يقتلعها من جذورها فالحذر كل الحذر منه...لكن...هل النفاق يورَّث؟! قال الرسول صلى الله عليه و سلم :"إن المنافقين كانوا في الدرك الأسفل من النار" ****** جهاد... ايقظني صوت الهاتف من غفوتي القصيرة فتمططت في مكاني استمع لصوت آذان الفجر. تمتمت بكلمات الحمد و الشكر قبل أن أفتح عيناي و أرى والدتي تدخل الغرفة بوجهها المبلل من اثر الوضوء، همست ب "صباح الخير" لتردها بإيماءة ثم تفرش سجادتها و تكبر للصلاة. نهضت من فراشي في روتين يومي قاصدة الحمام و التفت كي اوقظ أخي الصغير صاحب الست سنوات الذي ينام على الجانب الآخر من السرير. تمتم بكلام فهمت منه أنه يريد النوم أكثر فزجرته ليقف بسرعة بشكل مضحك و هو يترنح. ابتسمت له ثم دفعته بيدي الى الحمام قبلي كي يتوضأ. سلمت من الصلاة مسرعة لأنهض للمطبخ احضر الفطور جنبا إلى جنب مع أمي. وضعت الأطباق على المائدة تزامنا مع جلوس "عمر" الصغير متأففا و هو يقول: لو تركتني أكمل هذا العام دون دراسة و أدخل العام القادم مباشرة إلى المدرسة اليس جيدا؟ تأفف مجددا ثم اردف: خيرٌ من هذه الحضانة التي ترغمينني كل يوم على الاستيقاظ مبكرا من أجلها... لقد كبرت على الغباء الذي يحدث هناك يا أختي. تجاهلته بينما أجلس و أحشر لقمة في فمي لترد أمي مؤازرة له: معه حق كما تعلمين، لا جدوى من الدراسة هناك فكل انشطة الحضانة للأطفال الأقل من خمس سنوات ما عدا تحفيظ القرآن و هذا قلت لك أنني سأتكفل به و أكلم شيخ الجامع كي يدخله مع الحلقة... قاطعتها و أنا أصب كأسا من الشاي لأحتسيه ببرود. يا أمي... "عمر" يحتاج لتلك الانشطة لأنه يتعلم منها كيف ينطق و يكتب الحروف، كما أنّ تحفيظ القرآن هناك يتعلم معه بالتبعية التجويد و كتابة الآيات، و هذا أحسن من حلقة الجامع التي تكون معظمها تحفيظ فقط و غالبا سور كبيرة. كما أنه يجب أن يجاري أقرانه العام القادم. فها هو عمره يكاد يفوق الست سنوات و لم نستطع الحاقه بالمدرسة هذا العام و هذا بفضل من برأيك؟ صمت ممعنة النظر فيها متحدية أن تنكر ثم اردفت ببرود و أنا استقيم واقفة: هيا يا عمر ستتأخر و تحرم من لمجة الصباح في الحضانة. راقبته مستمتعة كيف يبتعد مسرعا كي يحضر حقيبته و كل هذا خوف من فقدان اللمجة. حولت عيني على أمي التي بدت شاردة و الواضح أنها غير متقبلة لحديثي و قراري في المجمل لكن هل تستطيع الاعتراض. هي هكذا منذ وعيت على الدنيا صامتة، مغلوب على أمرها و لا تستطيع اتخاذ قرار واحد و لهذا السبب بالذات كان والدي...آاح!!؟ هيا يا أختي كي نذهب...تأخرت. ابتسمت متقدمة و أنا أقاوم ألم ساقي الذي سببه الشقي عندما ركلني و لم أقاوم أن اردها له فشددت شعره ثم سحبته خلفي تحت صراخه و ضحكاتي العالية. . . اوصلت عمر للحضانة المجاورة لحيينا ثم انطلقت مسرعة إلى موقف الحافلات قاصدة المدرسة. أنا في الثانوية العامة هذا العام و ادرس في المدينة القريبة لقريتنا. حجابي على رأسي و ملابسي الفضفاضة تظهر مدى جديتي، ملامحي بسيطة كما طولي متوسط، لا شيء بي مميز غير ما أحمله تحت ملابسي من انوثة جذابة تطغى على تصرفاتي و طريقة كلامي رغم عدم تعمدي ذلك غالبا، دائما ما احصّل ملاحظات من أصدقائي خاصة "بسمة" التي تلقبني بالمائعة و كثيرا ما نتشاجر على اثر هذا الموضوع. لمحت في طريقي "فاتح" يخرج من المسجد فهمست بفحيح من حرقة دمي و ألم قلبي. لا عشت إن تركتك يا وغد. انهيت كلماتي ثم انطلقت في إثره. مثل هذا الإنسان حرام أن يكون على وجه الأرض، حملت حجرا ثم راقبته حتى انزوى في زقاق خال و ما لبثت أن رميته به حتى وليت هاربة لا ألوي على شيء غير النجاة بنفسي. لهثت بقوة عندما وصلت للموقف و أنا أتمنى ألا يكون قد رآني لأن رده سيكون لاذعا، ذلك المنافق الخبيث الذي يخفي ما لا يظهر من سوء سريرته. لقد كان حتى وقت قريب "بلطجي " القرية و لم يترك منكرا إلا و فعله قبل أن يتوب على حد قوله بعد أن توفي صديقه بجرعة زائدة من المخدر و بعد أن جر أخي الحبيب "عماد" إلى نفس الطريق. “عماد الذي كان حتى العام الفارط مثال الإنسان السوي الطيب الأخلاق. كان يدرس في الجامعة بتخصص جيد، و كما كل الشباب كانت له هفواته حتى حدث و بدأ ينجر إلى طريق الرذيلة شيئا فشيئا حتى صار خليفة سيء الذكر هذا بعد أن تاب. كرهته لهذا السبب فقد أخذ أخي الذي كان ظهر و سند و عزوة، كان الحبيب و القريب و العزيز، ورغم السنوات القليلة التي بيننا الا انه كان دوما الدرع الحامي لنا من والدنا الظا... قاطع أفكاري وصول الحافلة فجررت خطواتي حتى أصعد بإنهاك و أجلس على أول مقعد تراء لي. لم تكن الرياضة من المفضلات عندي و قطعا لم أضطر لممارستها إلا لماما. ضحكت بخفوت خجل عندما تذكرت ما فعلت، هذه ليست تصرفاتي أبدا و يبدوا أنني اتحول عندما يتعلق الأمر بعائلتي. بعد مدة وصلت إلى المدرسة و لحسن حظي لم أكن متأخرة. دخلت و بحثت عن بسمة في الأنحاء لكن لم أجدها، اتخذت ركنا قصيا و سرحت في جموع التلاميذ أمامي. انها بداية الأسبوع فالبعض فرح للقيا اصدقائه نشيط و البعض الآخر يبدوا كأنما قد جُرّ جَرّا إلى هنا. طالما مثلت لي مدرستنا دنيا صغيرة مطابقة في الصفات للدنيا الحقيقية، هناك الناجح فيها و الفاشل، السعيد و التعيس؛ الوحيد المنطوي و الملفت للنظر، الشرير و الطيب. اما وجه الاختلاف بينهما فله أوجه كثيرة، فالدنيا الصغيرة تحتكم لبشر ليسوا بالضرورة عادلين و بالتأكيد لا ينجحون دوما في تطبيق العقاب المثالي لكل مخطئ و القوانين هنا ليست كاملة و قابلة بالتأكيد للعطب؛ أما دنيتنا الكبيرة فيحكمها ربنا جل و علا هو العدل هو القادر هو القاهر فوق عباده لذا إن أخطأت فهناك عقاب ينتظرك و حسب جسامة خطئك، هذا ان لم تتدخل التوبة فيغفر الله لك، و هذه نقطة حاسمة فالرحمة عند رب العباد لا تضاهيها رحمة و القوانين الربانية مثالية لن تجد فيها اي خطأ لو امضيت حياتك كلها في البحث... صباح كل شيء جميل. صباح الخير. رددت عليهما منتبهة على وقوفهما أمامي مبتسمان، فأردف رحيم متسائلا: أين بسمة؟؟ متأخرة إن حضرت. أجبته و عيناي تبصران الباب الكبير للمدرسة ترقبان حضورها. كلمتها بالأمس و قالت إنها تحسنت. المسكينة لو رأيتها يوم الخميس، كانت بشحوب الأموات. لم تستطع حتى أن تكمل ساعات الدراسة. هتفت بأسف و أنا أنظر لرحيم الذي ركز عينيه على باب الدخول، غضنت حاجبي في استياء عندما نطق ايمن بغضب:- لديها أسبوع منذ غابت و يجدر بها أن تكون تعافت و إلا... صمت يجمع يده في قبضة تهديد. ابتسمت على شكله ثم زالت ابتسامتي عندما قطب حاجبيه بشكل غبي فيما يردف: لقد اشتقت إليها الحمقاء، أسبوع كامل لا أراها. راقبتُ رحيم عندما قطب على ذكر شوق أيمن و لم يخيب ظني عندما نطق: من الأفضل لك أن تنتبه لألفاظك. ضحك "أيمن" عاليا و يديه ترتفعان باستسلام بينما جمعت يدي الى صدري كي لا اضربه على رأسه الأحمق، التفت بانتباه الى رحيم عندما سمعت نبرته الجادة قائلا:- و الآن هل عندكم بضاعة أم اعطيكم مما عندي. صمت قليلا يحول عينيه من جهة لأخرى قبل أن يقول: المشكلة أن كل البضاعة عند "بسمة" و لا يوجد لدي إلا الاحتياط. لا بأس يمكن... قاطع رنين جرس الدخول اتمام جملتي فهززت رأسي منصرفة قبل ان يلاحظنا المراقبون و تفرقنا كل إلى صفه. اتخذت مكاني كالعادة الطاولة الثانية في المنتصف بحيث تجلس امامي بنتان و خلفي ولدان، انشغلت في حديث روتيني مع من أمامي حتى دخل الاستاذ علينا ملقيا السلام ثم شرع في شرح درسه آخذا كل انتباه منا. هذا عامنا الأخير و الكل جدي في دراسته يريد أن يحصل على علامة تؤهله لدخول جامعة جيدة ، باستثناء بسمة رفقة بعض المهرجين في الفصل بالطبع؛ لكنها لا تحتاج فهي متفوقة في الرياضيات و الهندسة و هذا تقريبا ما نحتاجه في شعبتنا. و أنا كفتاة جادة لي نصيب هام من الاجتهاد أيضا، اسعى لأدخل جامعة مرموقة تحسن مستقبلي المهني و العائلي على حد سواء، و لهذا اكتفيت من البداية "ببسمه" و "رحيم" و "ايمن" دونا عن أي اصدقاء و لهذا سببان هامان- قربي من أيمن- و – التجارة التي نديرها في الداخل و التي ساعدتني كثيرا في مصروف المنزل الى جانب معاش ابي و عمل امي في التطريز-. انتبهت على طرق الباب لتدخل بسمة أخيرا. اشتقت لها كثيرا، إنها غائبة منذ أسبوع و الفصل كان يبدوا ميت بدونها. استأذنت و هي تخطوا الى الداخل و ما لبثت أن جلست بجانبي حتى عاود نداءها الأستاذ طالبا منها أن تنزع القبعة، و ها قد بدأنا جدال جديد لن ينتهي إلا بحلين. يذعن الأستاذ أو تُطرد من الفصل.