نعمة أم نقمة - امرأة من عالم الجن
اللغة: العربية
الرئيسية ربح

نعمة أم نقمة - امرأة من عالم الجن

جاري التحميل...

نعمة أم نقمة

لو كُنت معهم ونظرت الى السماء ستجدها صافية، تزينها النجوم كأنها نُثرَت عمداً فوق رؤوسهم، أما القمر فكان مكتملًا، ينشر نوره الفضي على الأرض، في وسط كل هذا الجمال جلس الرفاق الستة حول النار، يتهامسون ويتبادلون القصص والضحكات الصغيرة، يطاردون ببعض الكلمات سكون الليل حتى قطع لبيد حديثهم:_ اصبح الطعام ساخنًا

تحميل الفصول...
المؤلف

خرج الرجال من "العاقير" يتقدّمهم مصطفى على الفرس "مارق". وبينما كانوا يركضون عبر الأراضي القاحلة تعالى نعيق الغربان في السماء ، تبادلوا النظرات بينما ارتسمت على وجوههم ملامح الانكسار كأن تلك الغربان نذير شؤمٍ سيلاحقهم. 
(مصطفى) 

_ لمَ هذا العبوس نحن لم نتحرك سوى خطوات، فكيف ستكون وجوهكم إذا اقتربنا من مصر؟ 
(لبيد) بسخرية :_مصر؟ وهل سنصل إليها أصلًا؟ 
( مصطفى) بحزم :_وإن لم نصل أليس من الرجولة أن نحاول؟ لن نعود خالي الوفاض وإن لم نعد فالموت شرفٌ لنا 
رفع صوته نحو الفرس مارق: _هيا يا مارق أسرع فأنا أريد أن أصل قبل أن تومض عيني. 
وقف (مارق) على قائمتيه الخلفيتين ولوّح بحوافره الأمامية في الهواء، ثم انطلق بسرعة خاطفة، انفجر الرجال بالضحك فقال حمزة: _أسرعوا خلفه وإلا وصل إلى مصر وتركنا في منتصف الطريق. 
بعد ساعات من السير حلّ الظلام. 
اشار (ليث) : _لنسترح هنا الليلة. 
أومأ (مصطفى) : _أوافقك الرأي. 
ترجّل الرجال بينما ذهب زيدان حاملاً فأسه بين الأشجار باحثًا عن حطب يابس يصلح لي اشعال النار وبعد وقت قصير عثر على شجرة متآكلة فقطع منها بعض الأغصان، وربطها في حزمة على كتفه لكنه حين استدار للعودة لم يجد أحدًا من اصدقائه خلفة فلقد شغله البحث إلى ان ابتعد عنهم كثيرا دون أن يدري، وهو يفكر كيف اتى الى هنا او أي طريق سلكه سمع صوتًا خافتًا يناديه، صوتًا قريبًا من قلبه مفعمًا بالحنين :_يا زيدان تعال إلى جدتك، ألم تشتق لعناقها؟ 
تسمر زيدان في مكانه وشحب وجهه في حين عيناه تتابعان الظل الذي بدأ يتراقص حوله بسرعة غريبة :_جدتي ثُرين أين أنتِ؟ وكيف وصلتِ إلى هنا قالها مذهولًا لا يصدق ما سمعه الآن. 
ألقى الأخشاب على الأرض وقبض على فأسه بحذر ثم تطلّع حوله ليتتبع مصدر الصوت الذي عاد مجددًا لكنه أقرب هذه المرة :_ألا تود معانقة جدتك التي تحبك أكثر من نفسها؟ 
( زيدان) وقلبه يخفق بشدة لكنه تمتم ببرود :_كانت ستنطلي عليّ الخدعة لو لم أكن دفنت جدتي قبل يومين. 
(الصوت) وهو يضحك مستهزاً :_دفنتها قبل يومين وسأدفنك اليوم. 
صاح (زيدان)وهو يرمي فأسه نحو مصدر الصوت بكل ما أوتي من قوة ثم ركض بجنون دون أن يلتفت خلفة و استمر يجري على هذا الحال حتى ارتطم بجسد مصطفى دون ان يدري كيف وصل اليه مجدداً 
امسكه (مصطفى) بقلق:_ما بك يا زيدان؟ 
أجابه وهو يلهث وقد انعقد الذعر في وجهه: _إنها هنا 
تغيّرت ملامح (مصطفى): _أتهزأ بي؟ كيف ذلك؟ 
_لا أعلم لكن يجب أن نهرب 
نظر (مصطفى) حوله ثم نادى بصوت آمر:_هيا يا رجال اجمعوا متاعكم بسرعة 
تسارع الرجال في جمع أغراضهم وفي ومضة واحدة امتطى كل منهم جواده ثم انطلقوا في عجلة عبر الظلام. 
(حمزة) وهو يلتفت إلى زيدان: _لقد كانت الخيول تركض منذ الصباح، كيف استطاعت النداهة أن تلحق بنا؟ 
(زيدان) :_لا أعرف لكنها نادت باسمي، نادتني بصوت جدتي ستقتلني إن توقفت. 
حاول (مصطفى) تهدئته قائلاً: _لا تخف نحن معك 
لكن زيدان رد بنبرة متوترة، بينما عرقه يلمع على جبينه: _وماذا ستفعلون؟ لن أترك فرسي حتى أصل مصر. 
( مصطفى) :_لا تكن مثل الأطفال قلت لك لا داعي للخوف. 
(زيدان) ما أسعدك فأنت لم تُنادى ولا تعرف كيف هو صوتها. النداهة لا تناديك لتخيفك فقط، بل لتُمسك بروحك وتخرجها من جسدك، تقول لي لا تخف اليست هذه هي الكلمات التي قلتها لبثينة (لا تخافي، لا تخافي) 
في لحظة غضب ثأر مصطفى و قفز من فوق فرسه (مارق) الى فرس زيدان مما ادى الى سقوط الاثنين ثم اندفع فوق زيدان يُوجّه إليه اللكمات المتتالية 
نزل حمزة ولبيد سريعًا، وجذبا مصطفى بعيدًا بكل قوة صرخ (مصطفى) بنبرة يحفها الألم أكثر من الغضب :_دعوني أقتله، اتركوني 
(حمزة) وهو لايزال ممسك بمصطفى: 
_وماذا بعد قتله؟ وماذا بعد أن نفقد أرواحنا جميعًا؟ هل ستعود العاقير؟ نحن خرجنا من أجلهم، فهل نبدأ بتحطيم أنفسنا منذ الليلة الأولى؟ 
ثم أشار بيده نحو زيدان وتابع :_احرص على ألا يزداد خوفك، وكن حذرًا حتى لا ينعكس هذا الخوف على الجميع، مصطفى كان يحاول مساعدتك، لكنك أسأت إليه بذكر ابنته الراحلة وهذا لا يليق. 
ثم أكمل بصوت أقل حدة: 
نحن نعلم من هو زيدان، نعلم أنك قوي وأشدّنا بأسًا، لكن ما رأيناه الليلة ليس زيدان الذي نعرفه، فهذا ما تفعله النداهة لا تأخذ الجسد، بل العقل فاستيقظ وارجع الينا كما عهدناك.. 
تطلع (زيدان) إلى حمزة بعيون مليئة بالندم، ثم مسح الدم عن فمه بظهر يده، وقال بصوت مكسور وكأنما يعود إلى ذاته :_سامحني يا أخي لقد أخذ صوتها عقلي فلم أدرِ ما قُلت أعدك سنأخذ بثأر بثينة، وكل من قُتلوا معها 
احتضن زيدانُ مصطفى بقوةٍ أما مصطفى فقد تركَ ذراعيه تتدلّيان بجانبه متيبسين وانزلقت دمعةٌ يتيمة من عينه دمعة رجلٍ جَلَدَته المصائب، لا يبكي إلا حين يفيض الكيل كان قويًّا في صمته، صلبًا في حزنه. وبعد لحظاتٍ رفع يده ليرد العناق. 
امتطوا خيولهم من جديد وعند تيقنهم أنهم ابتعدوا القدر الكافي عن تلك المنطقة قرروا ان يخيموا لكن لم ينم أحدٌ تلك الليلة فأجسادهم كانت جاثمةً، وعيونهم ساهرة، وعقولهم مشدودة إلى ظلالِ ما رأوه وسمعوه. 
أربعة أيامٍ طويلة مرّت عليهم كالدهر، دون نومٍ ولا راحة كانوا يقطعون الصحارى الممتدة تحت شمسٍ حارقة، يتعثرون في الرمال ويشدّون الحبال على ظهور الدواب حتى لا تنهار، تتبدل وجوههم بالغبار، وتتقشّر أقدامهم من شدة السير جلسوا مرارًا على الرمال الملتهبة يلقون بأنفسهم جوار صخورٍ باردة، يتقاسمون ما تبقى من ماءٍ عكر وطعامٍ يابس. لم يكن في الحديث متّسع ولم تكن المزاحمة على الراحة خيارًا، فالكلّ متعب والكلّ مشغول بما ينتظره. 
ومع كل هذا كانوا في حيرةٍ وغرابة لانهم لم يظهر لهم شيء مرة أخرى لا نداءٌ غامض في الليل ولا ظلّ غريب فلم تخرج لهم النداهة من بعدها ولم تقاطع طريقهم الوحوش التي حذّرهم منها شيوخ قريتهم. 
تلفتوا أكثر من مرة وتساءلوا همسًا: 
_ لماذا لم تلحق بنا؟ 
_ أم أنّ في مصر شيئًا يمنعها؟ 
لكنهم لم يتوقفوا بل ضمّوا خوفهم في صدورهم وظلّوا يذكرون الله بين أنفاسهم ويدعون :_ اللهم سلّم، اللهم سلّم. 
في اليوم السادس وطئت أقدامهم أرض مصر حينها أدهشهم اتساع الشوارع وكثرة البشر. القاهرة كانت تعج بالحركة، و كانت صاخبة ليس كما تخيلها القادمون من العاقير، الطرق مرصوفة بالأحجار والدكاكين على جانبي الشوارع، تفوح منها روائح التوابل والقهوة والدخان العربات تجرّها الخيول، والباعة يصرخون بمسميات بضائعهم. والمباني كانت عالية على غير ما اعتادوه، بعضها مطلي بالجير الأبيض، والبعض الآخر بأحجار رمادية والرجال يرتدون الطرابيش والعباءات الواسعة، والنساء يغطين وجوههنَّ بالنقاب المشابك. 
توقفوا أمام قهوة شعبية لم تكن مقهى بالمعنى الحديث بل مكانًا أشبه بالركن، يضع فيه صاحبه بضع كراسٍ خشبية وموقدًا صغيرًا للنارجيلة، ويقدم الشاي في أكواب زجاجية صغيرة جلسوا ليستريحوا قليلاً، وهناك اقترب مصطفى من رجل مسنّ، لحيته بيضاء كثيفة يجلس ويدخّن الشيشة وعيناه نصف مغمضتين سأله (مصطفى): _يا عم أين يمكننا العثور على قصر إبراهيم باشا؟ 
نظر (الشيخ )إليه بدهشة وقال وهو ينفث دخان النارجيلة: _أي إبراهيم؟ 
أوضح (حمزة) وقد علا صوته بالدهشة: _إبراهيم باشا حاكم مصر. ضحك الرجل ضحكة مغموسة بالأسى وقال:_ إبراهيم باشا تُوفي يا ولدي كان ذلك في 1848 الآن الحاكم هو عباس حلمي ابن أخيه. 
سأله (مصطفى) بسرعة ولهفة: وأين نجده الآن؟ أجاب الرجل وهو يضحك بسخرية:_ قتلوه البارحة في قصره ببنها 
سقط الخبر عليهم كالصاعقة ( لبيد) ساخرًا :_ كلما اقتربنا من الحل نجد أن الإجابة قد حذفت. 
رد( زيداان ) بنفاد صبر:_ اصمت ودعنا نذهب إلى البشوات، لعلهم يستمعون. 
لكنهم اصطدموا بالواقع حاولوا الوصول إلى كبار المسؤولين، طرقوا أبواب البكوات والولاة، لكن كل محاولاتهم باءت بالفشل بعضهم طردهم من عتبات القصور، وبعضهم اتهمهم بالجنون:_ (النداهة) أهي لعبة جديدة لاستدرار الأموال؟ 
مرّ شهر كامل وهم يواجهون التهكم والرفض والبرد والجوع، حتى تلك الآمال الصغيرة التي حملوها من العاقير بدأت تذبل. 
في إحدى الليالي، كانوا يصلّون في مسجد صغير بحي الجمالية، ارادوا النوم بعد انتهاء صلاة العشاء لكن إمام المسجد طردهم قائلًا: _المكان ليس للنوم إن كنتم فقراء فاذهبوا إلى الخان. 
استأجروا غرفة ضيقة من خشب في حوش شعبي، ليومين فقط بنصف المال الذي بقي معهم كان الهواء لا يدخل الغرفة إلا عبر نافذة صغيرة مكسورة، والفرش من قش يابس، لكنهم شعروا بالأمان المؤقت. 
قال (زيدان) وهو ينظر إلى السقف: _البقاء هنا لم يعد له فائدة يجب أن نعود. 
( ليث):_ والعودة الآن ايضًا بلا فائدة 
(مصطفى) :_زيدان معه حق الحل في العودة لا في البقاء فالعاقير تحتاج كل فرد من شبابها 

"ضياع"
_______________________________
مع أول شعاع للضياء، صرخ الديك من مكانٍ بعيد كأنه يُطلق أمرًا بالرحيل. استيقظ الخمسة دفعةً واحدة وجمعوا أمتعتهم على عجل وكأنهم يسرقون الزمن لم يتبادلوا الكثير من الكلام، خرجوا من الغرفة المستأجرة، وأغلقوا الباب بهدوء، وتركوا خلفهم مصر تخيم عليهم مثل ظلٍ ثقيل، وهم يدركون تمامًا أن العودة لن تغيّر شيئًا، لكنهم قرروا أن يعودوا رغم كل شيء. 
ركبوا خيولهم من جديد ومضوا خارج حدود المدينة. كانت الشوارع خالية إلا من عجوز يكنس أمام حانوته، ورائحة الخبز تتسلل من فرنٍ صغير على الجانب الأيمن 
مرّت الساعات ببطءٍ خانق، لا يسمع فيها إلا صوت حوافر الخيل وهي تضرب الرمل اليابس فجأة كسر الصمت صوت (لبيد) وقد همس بتعب: 
_أين نحن ؟ 
نظر (حمزة) حوله وهو يضغط على جبهته: _لا أعلم كنا نسير في نفس الطريق الذي اتينا منه لكن الآن لا شيء هنا يُشبه أي مكان. 
ضحك (زيدان) ضحكة مجنونة وقال وهو يمد يديه في الهواء : _لا تقولي إننا أضعنا الطريق، آه انتظروا دعوني سأبكي ها هي هاهوو 
( ليث) بجمود: _هل تظن الوقت مناسبًا للمزاح؟ 
زيدان لم يتوقف بل تمادى في الضحك وأضاف:_ولِما لا أضحك؟ إذا لم أضحك الآن فمتى؟ أمي ماتت وفقدتُ عائلتي ولم يتبقى الا اختي ولن استطيع الرجوع اليها لا شيء أمامي إلا الموت. ها هي هاهو... 
( ليث) :_كفى عبثًا ولا تقلد القرود. 
(مصطفى) :_هو لا يقلد القرود لأنه في الأصل قِرد..سنتجه شرقًا لعلنا نجد طريقًا أو مأوى. 
(زيدان) :_كما تشاء يا سيدي، ها هي هاهو. 
تنهد (مصطفى) بقوة ثم قال للجميع: _فلنواصل السير ولنتحلى بالصبر، فقط الصبر 
استمر السير عبر الصحراء لخمسة أيام إلى أن نفد الطعام والماء حتى الخيول تساقطت واحدًا تلو الآخر، ولم ينجُ إلا مارق، الذي كان يجر نفسه كأنه يموت مع كل خطوة. 
كانوا كأشباح تمشي تحت سماءٍ لا تذكرهم، في زمنٍ نسي أن يمنحهم حتى نقطة ماء. 
(حمزة) بصوتٍ متعب :_ هل سنموت دون قتال 
(مصطفى) وهو يفتح فمه بصعوبة وينظر للسماء: _يا رب أخرجنا من هذا.. أخرجنا. 
(لبيد) :_تركت ابواي في العاقير أنا وحيدهم و إن مت الآن من سيرعاهم.. 
( ليث) وهو ينظر إلى وجههم بثباتٍ رغم الجوع والعطش: _الله لن يتركنا.. والله لن يتركنا 
ألقى زيدان نفسه على الرمال بينما يتنفس بثقل ويشدّ من شفتيه القاحلتين: _أحتاج إلى الماء جفّت شفتاي ها هي ها هو 
لم يتمالك ليث نفسه رغم التعب الذي نخر جسده فانفجر ضاحكًا وزحف إلى زيدان وهو يضحك، ثم ضربه على مؤخرة رأسه وقال مازحًا: _لو لم أرَك تتنفس، لظننتك فردة حذاء مرمية في الصحراء. 
لكن زيدان لم يردّ فقط ثبت نظره على الأفق، ثم صرخ فجأة:_ لحظة.. هناك.. أرى شيئًا 
رفع ليث عينيه وأجاب بعد لحظة من التركيز:_ إنه كوخ.. هناك كوخ !!! 
(حمزة):_توقفوا عن الهذيان، أنتم تهلوسون من الجوع والعطش. 
( زيدان) وهو ينهض و يلوّح بذراعيه مشيراً نحو بقعة داكنة بعيدة: _أقسم لكم أنني أراه 
تبادل مصطفى ولبيد النظرات، ثم قال (مصطفى) وهو يحدّق في الاتجاه ذاته:_هو على حق هناك شيء 
انطلقت صيحة فرح من ليث، وقفز ليعانق زيدان، كأنهم وجدوا الخلاص أخيرًا. 
ركض الأربعة بكل ما تبقّى لهم من طاقة تتقاذف الرمال خلف نعالهم بينما تبعهم مصطفى بيسر يسحب جواده مارق وهو يقول: _اصمد قليلًا يا مارق. 
كان الكوخ بسيطًا مصنوعًا من أعواد خشبية مربوطة ببعضها وسقفه مغطى بالقش. 
طرق (ليث)الباب بلهفة:_هل من أحد؟ نحن على وشك الموت! 
لحظات مرت كأنها دهر، قبل أن يُفتح الباب ببطء، وتطلّ منه امرأة في أوائل العشرينات كانت تملك جمالًا نادرًا وسط القحط عيناها واسعتان كقمرين وشعرها الأسود طويل ينسدل من تحت وشاحها الأبيض ليليق مع بشرتها الناصعة كالحليب 
تطلعت فيهم لثوانٍ ثم ابتسمت ابتسامة خفيفة وقالت :_مر وقتٌ طويل منذ أن زارني أحد 
ثم أضافت: _ما الذي تحتاجونه؟ 
(ليث): _نحتاج الماء فقد نفدت مؤونتنا وخيولنا ماتت من العطش ولم يتبقي الا هذا الجواد 
(المرأة) وهي تهز رأسها بتفهّم :_تفضلوا بالدخول. 
كان الكوخ من الداخل يختلف عن خارجة أرضه مفروشة بسجاد مزخرف بدوائر بارزة بينما يغطى على اثاثة وملامحة الفخامة والرقي 
أحضرت لهم المرأة دلواً من الماء، ووضعته في إناء خشبي واسع، فتدافعوا نحوه يشربون بنهم وكأنهم لم يعرفوا طعم الماء من سنين. 
(المرأة) وهي تراقبهم ولا تتوقف عن الابتسام :_لا تقلقوا فالماء هنا لا ينفد. 
( مصطفى) وهو يمسح فمه:_اعذرينا فمنذ يومين لم نذق الماء. 
نادت (الفتاة):_طيدا! 
ظهرت سيدة في الثلاثينات من عمرها لتقول بخضوع:_نعم يا سيدتي. 
(المرأة):_اكرمي الضيوف يا طيدا واعتني بالفرس الذي بالخارج أيضًا. 
( طيدا)_أمرك يا سيدتي. 
(لبيد) _من تكون طيدا؟ 
( المرأة)_إنها خادمتي. 
(زيدان)_ما اسمك؟ 
(المرأة)_اسمي هاتور 
(زيدان): _ أرجو ألا أزعجك، لكن ما الذي أتى بكِ وبخادمتك إلى هذا المكان النائي؟ 
(هاتور): _أعشق الصيد وأحب الانعزال من حين لآخر فبنيت هذا الكوخ بنفسي، لي أقضي فيه يومين كل شهر بعيدًا عن ضوضاء البشر ..هنا اصفي ذهني وابحث عن فريسة تستحق المغامرة 
أحضرت طيدا الطعام محمولًا على حاملٍ دائري ضخم من الخشب المطعّم بالنحاس، وضعته في وسط الدائرة التي التفوا فيها 
كان الخبز لا يزال دافئًا، وإلى جانبه لحمٌ مشويٌّ تفوح منه نكهة التوابل المحمّصة. 
(هاتور) وهي تشير إلى الطعام: _تفضّلوا كلوا حتى تشبعوا. 
لم ينتظروا دعوة ثانية كأنّ الجوع الذي قاسوه في الأيام الماضية انقضَّ عليهم دفعة واحدة ليتناولوا الطعام بشراهة مقرفة 
مسح (حمزة) فمه بطرف كُمّه ونظر إلى هاتور متعجبًا:_ما نوع هذا اللحم؟ لم أذق أطيب منه في حياتي. 
(هاتور) :_لحم غزال ولقد اصطادته اليوم مع شروق الشمس. 
(حمزة) يبدوا أنكِ صيادة ماهرة 
استمرت هاتور تراقبهم إلى أن هدأت أيديهم عن الأكل، وألقى كلٌّ منهم تنهيدة الشبع لتسألهم بعدها: _من أنتم؟ وكيف وصلتم إلى هنا؟ 
( مصطفى) وهو يشير الى البقية : _ اسمي مصطفى وهؤلاء أصحابي لبيد وحمزة، وليث، وزيدان، خرجنا من قريتنا لنقابل حاكم مصر لكن في طريق العودة ضللنا الطريق وانتهى بنا الحال هنا. 
(هاتور) باستنكار: ــ لماذا أردتم مقابلته 
( مصطفى ) وملامح الحزن تطل من وجهة:_قريتنا العاقير تعاني من بلاءٍ غامض مخلوقٌ لا يُرى، ولا يُهزم يخرج ليلًا ويغتال البشر نسميه الندّاهة جرّبنا كلّ شيء لقتلة ولم نستطع ان نوقفه الى أن قرر شيوخ القرية إرسالنا إلى الحاكم لنرجو نجدته لكنّنا عدنا كما ذهبنا 
(حمزة) _إن لم نجد حلاً ستُباد قريتنا بأكملها 
(هاتور): ــ أعرف طريقة لمساعدتكم 
(ليث) في لهفة: ــ كيف؟ أخبرينا 
(هاتور) وهي تقف:ــ سأخبركم في الطريق... 
( مصطفى): _ترافقينا؟ أنتِ فتاة صحيح أنّكِ شجاعة لكنكِ مازلتِ فتاة 
(هاتور):_ ربما أكون فتاة لكني أعرف الصحراء، وأعرف من أين نبدأ وأرَ أنّ بلدتكم لا تحتمل تأخيرًا أكثر فإمّا أن تتحركوا معي، أو تحكموا عليها بالموت 
تبادل الأصدقاء النظرات فيما بينهم (مصطفى):_لا نملك رفاهية الرفض فالحاجة تبيح المحظور ونحن في حاجة. 
انتظرت (هاتور) حتى نالت أجسادهم قسطًا من الراحة ثم دعتهم بعدها للخروج من الكوخ _: لن ننتظر أكثر فالوقت ليس في صالحنا سأركب فرسي ديلا، وأنتم تناوبوا على الفرس الذي معكم ولا تخافوا، فأنا أعرف طريقًا مختصرًا يمكننا قطعه سيرًا على الأقدام 

"مجهول الرحلة" 
__________________
كانت الشمس قد بدأت تميل عن كبد السماء وسُحب العصر تكسو الأفق بلونٍ باهتٍ من ذهبٍ مشوبٍ بالرماد استنشقت هاتور الهواء تطلعت نحو السماء قليلًا ثم كبحت لجام ديلا وقالت:_ من هنا. 
سارت الفرس وتبعها الرجال على أقدامهم، مارق كان يسير إلى جانبهم، وحين يُنهك أحدهم يتبادل معه الراكب الآخر دون تذمّر أما زيدان فكان يتقدم أحيانًا، ثم يتأخر ليطمئن على من خلفه كان الوقت يمر ببطء على هذه الحال 
وحين بدأت الشمس تنزلق تمامًا خلف الأفق، وسقط الظلام تدريجيًا كستارٍ من الحبر، توقفت هاتور بعد ان ترجّلت من على ظهر ديلا، وقالت:_سنبيت هنا 
لم يعارض الرجال وفعلوا ما أمرت به حينها أشعل زيدان النار، بينما نصب الباقين خيمة لهاتور على بُعد خطوات قليلة من اللهب بحيث تكون بعيدة عن الرجال لُتمنح خصوصيتها، وقريبه منهم في ذات الوقت حتي لا تبقي بمفردها. 
لو كُنت معهم ونظرت الى السماء ستجدها صافية، تزينها النجوم كأنها نُثرَت عمداً فوق رؤوسهم، أما القمر فكان مكتملًا، ينشر نوره الفضي على الأرض، في وسط كل هذا الجمال جلس الرفاق الستة حول النار، يتهامسون ويتبادلون القصص والضحكات الصغيرة، يطاردون ببعض الكلمات سكون الليل حتى قطع لبيد حديثهم:_ اصبح الطعام ساخنًا 
قدّم لكل منهم رغيف خبز وقطعة لحم مما أحضرته هاتور، وبدؤوا في تناول وجبتهم على مهل غير أن اللحظة التي بدت مثالية قبل لحظات، سرعان ما انقلبت رأسًا على عقب 
خرج صوت ذئاب خافتًا تحمل أنينه الريح من بعيد لكنه ما لبث أن ارتفع وتكاثر، وتحوّل من مجرد عواء إلى معزوفة موت لم يكن ذئبًا واحدًا او مجموعة صغيرة بل بدا كأن قطيعًا كاملًا يتحرك في الظلام، يقترب ببطء لكن بإصرار. 
انتشرت بينهم نظرات القلق وتبدلت ملامحهم إلى الذعر وضِعت الأرغفة جانبًا، وبدأ البعض يتحسس خناجره، وآخرون أمسكوا بسيوفهم بإحكام 
لكن هذا لم يوقف القطيع بل دنى اكثر فأكثر حركتهم منسقة يتبعون قائدهم بخطوات متزامنة كما ان حشرجاتهم تقطّر منها الغل. 
لم تنتظر هاتور اقتراب الذئاب اكثر وركضت تجاههم 
(زيدان ) :الهروب ليس من هنا يحمقا 
ثبتت امام القطيع دون أن تقل شيئًا فقط أغمضت عينيها كمن يغوص في أعماق نفسه ثم تنفّست ببطء وبعمق ولما فتحت عينيها، لم تكن كما كانت. 
عيناها غزاها البياض بياضًا يشعّ بوهج غريب كأنما انعكس فيهما ضوء السماوات كلها حدّقت في الذئاب لا بنظرة خوف بل بنظرة سيادة بدت كما لو أن في كل عين منها ألف عين، ترصد القطيع كله دفعة واحدة ثم قالت بصوت هادئ لكنه أقوى من العواء:_من كان متعلقًا بهذه الحياة ويريد نفسًا آخر فليهرب 
كان وقع كلماتها أشبه بالضربة القاضية القطيع الذي بدا منذ لحظات على وشك الهجوم، بدأ يتقهقر ويتراجع واحدًا تلو الآخر وكأنهم رأوا فيها شيئًا أعظم منهم ..شيئًا يُرهبهم 
نظر (مصطفى) إلى رفاقه بدهشة ثم إلى (هاتور) التي كانت ما تزال واقفة في مكانها كأن ما حدث لا يعنيها 
وسأل نفسه:_من تكون هذه وماذا رأت الذئاب في وجهها حتى فروا ؟ لو لم تكن بهذا الجمال لقُلت إنها النداهة. 
استدارت (هاتور) ورجعت اليهم وكأنها سمعت أفكار مصطفى أو ربما شعرت بها ليتلاقى نظرهما للحظة أطول من أن تُفسّر ثم قالت بنبرة منخفضة لكنها حادة:_فيما تفكر؟ 
(مصطفى) بتلعثم _لا شيء.. لا شيء.. 
سكن السؤال في داخله قليلا لكنه لم يحتمل فسأل: _من أنتِ؟ 
(هاتور) بصوت مقتضب: _أنا هاتور هل نسيت؟ 
اعاد السؤال عليها من جديد: _لا لم أنسَ لكن من أنتِ وماذا فعلتِ لذئاب 
(هاتور) بعدم اكتراث: _سيأتي الوقت الذي أخبركم فيه بكل شيء لكن الآن سأذهب للنوم. انهت جملتها لتتحرك الي خيمتها دون توقف 
( لبيد ) وهو يحدّق في ظهرها:_هل هي النداهة؟ 
(ليث) مقاطعًا: _أيها الأحمق كيف تجرؤ على قول ذلك؟ لو كانت النداهة، ألم يكن من الأولى أن تقتلنا بدل أن تطعمنا؟ كما أنّ النداهة قبيحة أما هذه فجمالها لا يُوصف. 
(زيدان) تمتم وكأنه يحدث قلبه لا رفاقه: 
_إنك محق إنها ساحرة كل شيء فيها يأسرني نظراتُها، خطواتُها حتى صمتها إن قلبي لم يعرف مثل هذا الانجذاب من قبل. 
رفع عينيه إلى السماء ثم وضع يده على صدره وتابع بصوتٍ شجي: 
((ياراوي الفؤاد من الظمأ..........إرحم قلبًا يابسًا 
كُل القلوبِ أُسقيت................... إلا قلبي قاحلاً 
وذهبتُ أبحث عن شَربةٍ....... من يَدِ الجميلةِ أشرَبُ 
لو أنَّ قلبي أسقيَّ............ ما ظلَّ فؤاديَ مُتعَبُ)) 
(مصطفى) وهو يتأمل زيدان في دهشة: _أتعجب منك لم نرها سوى من ساعات قليلة وتقول فيها شِعرًا؟ نحن لا نعلم من تكون ولا ما تخفي 
( زيدان) 
_وهل يحتاج الجمال الى معرفة هو شعور يتسلل دون إنذار، ويستوطن قلبك قبل أن تدركه. 
(مصطفى) بسخرية: _حسنًا إن كُنت مغرمًا هكذا اذهب إليها وادعُها إلى العشاء، لمست الطعام لكنها لم تأكل 
(زيدان) _سأذهب كالبرق 
عندما وصل إلى خيمتها شعر بشيء غير مريح يتسلل إلى قلبه فتراجع قليلًا حتى اتت له الجرأة ونظر من خلال شق صغير وقعت عينه عليه، انصدم عندما رأى هاتور جالسة في الهواء قدماها ملتفتان حول بعضهما وتطوف غير آبها للجاذبية 
امامها وميض خافت من النور يحيط بها، وكأنها متصلة بشيء غير مرئي. 
انصت الى صوتها الذي كان يكلم احد لا يستطيع رؤيته: _هارن يجب أن أرى والدي أختي تحوّلت إلى وحش ويجب أن تستفيق وإن لم يكن هناك أمل في النصح فلا مفر من إنهاء حياتها. 
تابعت: _الشر في هذا العالم يشبه سلاسل ثقيلة تلتف حول رقاب الأبرياء و إن لم نحررهم من تلك القيود فما جدوى بقائنا؟ لقد أصبح الباطل حقًا والحق باطل ولن أقف مكتوفة اليدين أراقب (شدور) وهي تواصل ارتكاب الفواحش. 
(الصوت) :_أنتِ تعلمين يا سمو الأميرة أن الملك تهان قد حرم عليكِ لقائي، ومنعك من دخول مملكة الجن وإن علم أنني رأيتك، فلن يتردد في إحراقي فكيف سأوصل الرسالة إليه دون أن أخسر حياتي؟ 
احست (هاتور) بنظرات زيدان فتوقفت عن همساتها ونظرت يمينًا الى جدار الخيمة فالتقت عيناها بعين زيدان حينها انكمش الزمن لحظة لكنها لحظة أخرجت زيدان من جسده، وعلّقته في العدم. 
اختنق صدره ثم ترنّح وهوى على ظهره، كأن الأرض تخلّت عن واجبها في حمله، نهض بعد دقيقتين كالمذعور يلتفت حولة وكانها ستهاجمه في أي لحظة. 
كان (مصطفى) يتأمّل النجوم حين تناهى إليه صوت الأقدام المرتجفة التفت ناحية الصوت فوجد زيدان يتصبّب عرقًا. 
(مصطفى):_ما الذي أصابك؟ كأنك رأيت شبحًا؟ 
(زيدان) بتلعثم: _لقد.. لقد رأتني.. نظرت في عيني مباشرةً و والأخرى.. 
توقف فجأة ثم همس لنفسه:_ نادتني 
( مصطفى) وهو يرفع حاجبيه من الدهشة: _زيدان ما الذي تقصده بالأخرى؟ هل تتحدث عن هاتور و أين هي؟ 
(زيدان) وهو يبتسم ابتسامة مشوهة تحمل السخرية : _لا تقلق هي فقط تتحدث مع صديقها العفريت. 
شعر مصطفى بقشعريرة تسري في عموده الفقري، لكنه أخفى توتره، ورد بنبرة جادة: _هل ضربت رأسك؟ قُل الحقيقة فربما يمكننا مساعدتك قبل أن تسوء حالتك 
(زيدان) _أتظنني مجنونًا؟ والله لقد رأيتها بعيني تتحدث مع عفريت قالت إن لديها شقيقة قاتلة تنشر الموت حيثما ذهبت 
صمت لحظة ثم أكمل بصوت لا يسمعه احد الا مصطفى: _هاتور ليست مثلنا إنها جنيه وايضًا أشعر.. أشعر أنها شقيقة النداهة. 
(مصطفى)_هاتور؟ ما الذي.. ما الذي تقوله؟ 
(زيدان):_ لماذا لا تصدقني الم ترَ ما فعلته مع الذئاب، أنا لا أهذي لو أخبرنا الباقين ربما نستطيع الهروب قبل أن تنتبه. 
(مصطفى) وهو ينظر إلى خيمتها بوجهه متجمد: _لو كانت هاتور كما تقول فهي الوحيدة التي ستساعدنا. 
قاطعه بغضب :_تثق بها؟ بجنية؟ إنها تتلاعب بنا. 
قبل أن ينطق (مصطفى) فُُُتحت (هاتور) باب خيمتها وخرجت لمحها زيدان فتحرك بعيداً عنها كانت تمشي بهدوء غير طبيعي حتى توقفت أمام (مصطفى) 
(هاتور):_لماذا تراقبني وكأنك تراني لأول مرة. 
(مصطفى)_لا شيء فقط أفكر في الصدفة التي جمعتنا. 
رفعت حاجبها قليلاً: _صدفة؟ 
رد ساخرًا محاولًا استفزازها:_ زيدان؟ يظن أنكِ جنية، أليس هذا مضحكًا 
(هاتور): _زيدان خائف والبشر الخائفون يقولون أشياء كثيرة، لكنك لست خائفًا أليس كذلك يا مصطفى؟ 
(مصطفى): _الخوف لن يفيد إن كنتِ لستِ عدوتنا، فأخبرينا الحقيقة من أنتِ؟ حقًا. 
سكتت هاتور قليلاً وكأنها تزن الكلمات الذي ستنطق بها لتتابع: _أنا كما قال زيدان لست بشرية نعم أنا من الجن وشقيقة النداهة ..... 
		       
×
جاري التحقق من حالة حسابك...

لوحة أرباحك

أهلاً بك في برنامج شركاء الأرباح. يتم احتساب أرباحك بناءً على زيارات رواياتك المقبولة.

الزيارات المحتسبة 0
الأرباح المقدرة $0.00

تم الإرسال بنجاح!

"تم استلام طلبكم الخاص بالانضمام لبرنامج الأرباح بنجاح. الطلب الآن قيد المراجعة"

قيد المراجعة حالياٌ

"طلب الانضمام لبرنامج الأرباح قيد المراجعة حالياٌ. تستغرق عملية التحقق وتجهيز حسابك فترة تتراوح ما بين 7 إلى 14 يوم عمل"

الشروط غير مكتملة

عذراً، لتحقيق الربح يجب أن تمتلك في حسابك
4 روايات على الأقل.

يجب تسجيل الدخول

"يرجى تسجيل الدخول إلى حسابكم المعتمد للمتابعة وتقديم طلب الانضمام لبرنامج الأرباح"