زوبعةٌ ساكتةٌ | رواية مذكرات كائن
جاري التحميل...
زوبعةٌ ساكتةٌ
الذكريات الأولية، أسرار حياة الكائن!
ذكرياتي الأولية سر سعادتي! > مكتبة شعثاء - بيتي البيتوتي - أواخر 2009 وقفتْ أمي أمام الباب بينما تكتم غيظها بجهد جهيد، جهيد لدرجة كبيرة، تحدق بمشهد طريف بالنسبة لكم أيها الناس، مستفز بحق لأي أم تحترم نفسها، حيث كانت محتويات المكتبة الزجاجية الثمينة جداً -والتي تقبع شامخة في زاوية الغرفة المقدسة- تغطي الأرض كاملة، كعروس مزدانة برقع ملونة تمثل الكتب، وأنا ولينا -ابنة الجيران- نتربع كأميرات في المنتصف بثقة. زفرت أمي، ثم تحدثت من بين أسنانها كاتمة بركان زئير، إذا ما خرج أسمع الحارة بأكملها : "ما هذا (كز شديد على الأسنان، مع صوت طقطقة خفيف) يا ابنتي؟" بادرت ابنة الجيران بذكاء خارق : "نقرأ يا خالة، قالت لي ميس (دلع ابنتها المذكورة) بأن لديها كتب رائعة، وأقسمت ورميت عليها أمانة أن تدعوني لأراها، وها أنا ذا." وابتسمت ابتسامة سمجة، ليس بالنسبة لي (أنا الابنة المسكينة) بل بالنسبة لأمي. نظرت إلي، نظرة جهنمية أحرقتني حتى قبل أن تنطق حرفاً، نظرة أوقعت في قلبي رعباً، فأدركت حجم المصيبة. بادرت أقول بتأتأة سريعة: "هيا، لنعد هذه الكتب إلى أماكنها ما دمنا لا نستخدمها..." حدجتني بنظرة أعنف، فبلعت ريقي واستطردت: "أعني حتى لو كنا نستخدمها فلنعدها." وقفت لينا فجأة، التقطت عدة كتب وقالت بثقة فاخرة: "هؤلاء سوف يأتون معي..." بعد نظرة لوجه أمي المتقد كما هو، أخفضت صوتها وقالت: "أعني سوف أستعيرهم." أمسكت يد لينا بسرعة وسحبت من يديها الكتب، نظرت هي لي بغضب ومدت يديها تسترجعهم بسرعة. هنا، لم أشعر إلا بكفي -غير قاصدة- يحط على كتفها بأقوى ما قد تطاله يد طفلة. شهقت لينا، وبدأت شلالات دموع تدفقت فجأة تنهمر من عينيها بلا هوادة. سمعت صوتاً مجلجلاً ليس قادماً من عالمنا :" ميسم." وعرفت أنها نهايتي الحتمية. ****** > عبثيات لينا لا تجاورني في المسكن فقط، بل هي في حارتي ومدرستي وصفي وحافلتي الخاصة بمنطقتي أيضاً. أنزل من البيت باتجاه موقف الحافلة، تكون السماء صافية والشمس تطل على قلبي الغض من زاوية ورقة الرسم، والعصافير تزقزق بشكل رقم 3 إلى الأسفل، فأجد لينا واقفة تبتسم لي ابتسامتها ذاتها. أركب الحافلة وأوجه رأسي إلى زجاج النافذة لأرسم على الضباب المتراكم ما طاب لي من الأشكال وأراقب العالم من خلالها، فأجد إصبع لينا ملاصقاً لإصبعي يمسح ما رسمت. أجلس على مقعد الدراسة متلهفة لتكوين صداقات مع هذه وتلك، أجد لينا صاحبتني، لا تجلس إلا جانبي تأبى أن تتركه كصمغ قوي جداً، لينا هنا لينا هناك، لينا في كل مكان. في البداية أحببت لينا، كانت فتاة متحمسة نحو كل شيء، تضحك بلا حساب وتحب اللعب جداً. لكن لينا عنيدة، وأنا أعند بصراحة، لذا شخصياتنا غير مقدر لها أن تتفق (هذا فهمته لاحقاً طبعاً). في البداية كانت لينا تصر أن أرافقها إلى منزلها، تقول بلهفة وعيناها تلمع: "سأريك لعبتي دمية (الباربي) الأصلية جداً، اشتريت نسخة محدودة نادرة جداً." قالت لي أمي:"ادعيها هي وألعابها المحدودة جميعاً إلى هنا عندما أعود من العمل، أخاف أن تذهبي في غيابي." أقول بضيق، وقلبي وعقلي مأخوذان بمرأى اللعبة في خيالي: "لكن أمي ما قد يحدث؟ إنها جارتنا، منزلها حرفياً على بعد عضة الباذنجان!" -"إنها عضة كوسا! وهو مثل يعني أن الأمر على وشك الحدوث ولا علاقة لها ببعد المكان، ولا أي لا، ليس في غيابي." كان العمل أهم شيء في حياة أمي، أبي مسافر منذ سنتين أو ثلاث تقريباً، يبحث عن فرصة أفضل لحياة عائلتنا كما تقول أمي، بينما أخي يبحث عن كل فرص الضياع واللهو في الشارع! تقول أمي عندما أبدي اعتراضي على ما أراه تفرقة في المعاملة: "أخوك أكبر، وهو لا يلهو إنه يعود في موعده كل يوم!" -"أولاً، سليم أكبر مني بعامين فقط.. عام وسبعة أشهر بالتحديد، وأمي، أنا أكون في المنزل هنا أحسب له، وهو يعود كل يوم متأخراً ساعة وثلاث عشرة دقيقة بالضبط." تشيح بوجهها، ثم تعيده محمراً وهي تقول: "لو كنت تركزين في دراستك وواجباتك هكذا ما كنت فارقت المرتبة الأولى!" لقد كانت تضحك في سرها، أمي الخبيثة، وأنا ألتهب. جاءت لينا أول مرة إلى منزلي في يوم قاتم ممطر، جاءت متأخرة ساعة بالضبط عن ميعادها. قبلها أنا وأمي تجادلنا طويلاً فيما إذا كانت سوف تأتي أم لا، أنا مازلت أصر أنها ستأتي، وأمي تظن العكس. تقول أمي :"انظري إلى النافذة، مع هذه الشلالات سوف تأتي صاحبتك؟" -"أمي، هذه لينا، تفعل ما تضمره. هي عنيدة جداً." -"لا أرى أعند منك هنا." تنبثق ملامح عابسة على وجهي، تزداد عبوساً وحدة مع تدخل أخي الظريف: "أراهن أنها لن تأتي، وإلا عليها أن تتلحف بكل مظلات العالم!" طن الجرس بعد دقيقة، فتحت أمي الباب، وكانت لينا هناك، تبدو كإسطوانة مع كمية ملاحف كثيرة تلتف حولها ومظلات تتعلق من كلتي يديها. صاح أخي: "لدينا "صوبيا" أخرى هنا!" في تشبيه أرعن مقزز لشكل لينا بالمدفأة القديمة. نهرته أمي بشدة، عبست لينا وهي تدخل وتسأل بقرف -قاصدة أخي، أظرف كائن في العالم- : "ومن هذا؟" تجاهلت كل شيء، وهرعت إليها وقلت:"أين الدمية؟" قالت لينا:"أية دمية؟" ثم بدأت تخلع أطنان الملابس وهي تقول ببساطة:" آه، لقد نسيتها." تذكرت لينا كل هذه الملابس، وتذكرت أن تجلب مظلتين، وما لبثت تذكر هذه الحادثة وتعليق أخي السخيف، ولم تتذكر جلب الدمية الأصلية جداً معها حتى هذه اللحظة. ****** > الركلة الصاروخية - بيتي البيتوتي - 2009 سمعت أصواتاً صاخبة أمام الباب، حفيف ملابس وطرق كثير ودبيب أقدام، المنزل بأكمله غارق في العتمة، وغرفتي الصغيرة تحوي وحدتي وتدفئها بوهج نور صغير لمصباح على شكل بطة مستلقية على بطنها من فرط الإرهاق. أصغي بتمعن، الصوت يقترب ويزداد صخباً، أشعر بضيق في صدري، شعور مقبض يعتري جسدي الصغير بأكمله، النور الواهن المتسلل من النافذة على مد بصري يحاول عبثاً تبديد ضيقي، أنظر نحوه عبر الرواق الصغير، الصوت القادم من الناحية المقابلة ما زال يعلو وأنا أركز نظري على هذه النافذة العالية ذات الضوء الأصفر الخجول. فجأة، أسمع تكة الباب، يهتز القلم في يدي، أحاول إمساك الورقة من الدفتر وسحبها سريعاً، يخرج صوت انتزاعها من سلك الدفتر كأعلى صوت في الفضاء حولي، بينما يطل رأس أخي ذي الوجه الأغبر في لمح البصر. يقول بنصف ابتسامة وهو يمسح العرق عن شعره فيزداد التصاقاً برأسه المدبب: "ماذا تفعلين؟" بادر بسرعة وهو يهب نحوي: "ميس تدرس فور أن تعود من المدرسة هكذا؟" قلت باستهزاء وأنا أخفي الورقة بيدي: "أرسم منظرك المنفر على شكل مثلث على عصا." عبس لوهلة ثم مد يده يسحب ورقتي، طار القلم من يدي بينما أتشبث بكل حياتي بتلك الورقة، جاهدة بكل ما أملك من لطف أن لا تتمزق. بدأ سليم يقرأ بصوت عال :"ولأنني أفتقدك وأنت قلبي وسندي..." وتعابير وجهه تتقطب باستغراب، هنا، سارعت بمناولة المخدة لوجهه عسى يتوقف، أبعد رأسه بسرعة وتشبث أكثر بالورقة، بينما تناول بيده الأخرى شعري. تأوهت، وخففت قبضتي قليلاً من على الورقة، سارع سليم بوجه محمر وأنفاس متلاحقة يستطرد :" أرغب بأن أراك كل يوم.." صرخت بغضب شديد:"توقف، في التو واللحظة!" وقبل أن أغرس أظافري في خده، تراجع بعنف مصراً على التشبث بالورقة، وهنا سمعت الصوت، صوت تمزق الورق، ومن المنتصف راسماً خطاً معوجاً، فاصلاً ورقتي إلى نصفين مشوهين يحملان كلماتي المبعثرة. وقفت لوهلة بينما يتطاير النصف الثاني -فالأول ما يزال بيد سليم- ويقع على الأرض بتؤدة. زمجرت، وأقسم أنني بين وعيي ولاوعيي الطفولي الغاضب لمحت نظرة ذعر على وجه أخي، وشفتاه تهم بالحركة لترديد الشهادتين، لكنني أغمضت عيني وبكل ما لدي من قوة دفعت ساقي اليمنى مفرودة في الهواء، لتستقر قدمي في مكان ما أنا شخصياً لم أستشعر ماهيته، لكنه جعل سليم يتكوم على الأرض متأوهاً كحطام جبل، يحرك رأسه يمنة ويسرة وكان هناك على خديه النحيلة -يا للعجب!- دموع!! ****** > مسرح المخبولين - مدرستي منارة العلم - أوائل 2009 جلسنا نحن الستة، أنا ولينا وأربعة فتيات أخريات، على حافة حوض الزرع محبطات. نظرت حولي، باحة المدرسة هادئة خالية من الطلاب الراكضين والصخب مترامي الأطراف الذي يغطيها عادة. وقفت ريم فجأة وقالت: "هذا ليس خطأنا، إن فشلوا هم في العثور على الكنز لا يحق لهم إقصاؤنا عمداً عن توزيع الأدوار!" ردت حمد :"قالت الآنسة إن الأدوار يجب أن توزع حسب الأكفأ، لكن ترك زمام الأمور لتلك الفتاة الكيدية، نور، خطأ جسيم!" ردت ريم بسرعة :"لكنني أكرر أن هذا ليس خطأنا، إن كانوا قد غاروا من فوزنا فليس الفائز بالمخطئ." قالت سما وعلى وجهها ارتسم تعبير يتسم بالعمق: "ابن آدم إذا ما نثر العسل تجمع حوله الذباب!" صححت لها لينا :"تعنين النحل، النحل هو من يصنع العسل." عادت حمد تقول :" لنطلب إعادة توزيع الأدوار، المسرحية هكذا ستفشل دون الكفاءة." سألت لينا سؤالاً منطقياً جداً: "هل تعرفين يا حمد معنى كفاءة؟" -"لا... لكنني سمعت الآنسة تتحدث..." اقترحت أسيل :"لنشتك عليهم للآنسة، ونحكي لها القصة من طق طق إلى السلام عليكم." أردفت ريم:" لا يجب أن نذكر أمر الكنز! إنه سري للغاية هل نسيتن؟" عادت أسيل تقول :"إذاً لنبادل العين بالعين! لنصنع مسرحية أخرى أفضل من خاصتهم وأكثر إتقاناً!" ساد صمت متفكر، فقطعته سما قائلة: "المسرحيات تكثر هذه الأيام." سألتني أسيل مباشرة فجأة: "ما رأيك يا ميس؟" نظرت إليها بتمعن، أنا لم أنطق منذ بدء الحديث، تصرفات نور وشلتها تستفزني، لكنني ظفرت بدور صغير في مسرحية الصف في النهاية، حاربت كثيراً لأظفر به، لكنني لا أجد الجرأة في مشاركتهن الاحتجاج وأنا جزء من الأمر، ولا أريد أن أخسر هاته الفتيات من أجل الدور. قلت بتردد :"هل أمتنع عن التمثيل معهم في تلك المسرحية؟" سارعت لينا تقول :"لكنك تحديت تلك الفتاة وكتبت اسمك في النهاية بعد جدال طويل وجهد جهيد، لا أظن أنك يجب أن تتخلي عنها." أومأت الفتيات بالموافقة، فلمعت عينا حمد وهي تقول: " في الواقع علينا أن نقلب الوضع لصالحنا، فلتكوني جاسوستنا يا ميس. لاحظي وراقبي طريقتهم في التدريب والتمثيل، ودعونا نتفوق عليها في مسرحيتنا." ساد صمت قصير قطعته أنا بصوت واثق (يعلم الله فقط من أين جاءت هذه الثقة): "أنا سأتحمل مسؤولية كتابة مسرحيتنا الخاصة والتي ستكون أفضل من خاصتهم." شعرت بالارتياح لقولي هذا، ذلك لشعوري بأنني أعوض خيانتي المفترضة لرفض جماعتي المسرحية المنحازة، فالشعور بتأنيب الضمير لإصراري على المشاركة بها قبل أن تعلن الفتيات هذا الاحتجاج خلف شرخاً كبيراً في نفسي. (بعد التفكير بالأمر أشعر أنني هولت الموضوع حينها، والآن أهوله ثانية معكم أيها الناس بالكلام الكبير الذي أكتبه عن مسرحية أطفال!) شجعتني أكثر -فوق ثقتي بنفسي العجيبة- الموافقة السريعة من الجميع وتأييد كتابتي للمسرحية، حيث قالت أسيل بخجل طفيف ونيابة عنهن: "نعم! أعلم أنك تكتبين قليلاً عادة، نثق بك ونسلمك أمور مسرحيتنا." أردفت سما :" إذا احتجت أي حكم أو أمثال، أبلغيني فقط." ولم أبلغها بشيء بالطبع. عندما عدت إلى المنزل، كان دفتري وقلمي ينتظرانني في نفس البقعة من طاولتي حيث أكتب كل يوم تقريباً في تلك الفترة. كنت مولعة بالكتابة إلى حد كبير، أكتب أغان، قصصاً قصيرة، والكثير والكثير من رسائل الاعتذار إلى أمي عن الكثير من الأخطاء، وأشياء أخرى. نظرت طويلاً إلى الورقة الفارغة أمامي، لا شيء. عندما أعتكف للكتابة عادة، منظر هذا الفراغ يستجذب بعض الأفكار المتطايرة هنا وهناك في عقلي، يستجمعها بعد أن كانت شتاتاً فتتسطر جملاً على صفحة دفتري، لينقلب فراغ الورقة زحاماً شديداً من حروف وكلمات وخربشات كثيرة، ويستحيل لهيب عقلي كصفاء ونقاء لون الورقة الأبيض. لكن الآن، دماغي فارغ كما هذه الورقة أمامي، أحاول أن أخلق أفكاراً، أحاول أن أبني أساسات قصة، لكن لا شيء. هرعت إلى رفوفي وبدأت أنتقي بعض القصص وأنظر في أغلفتها، أتفحص العناوين وأحدق فيها بعمق، لكن لاشيء. رن هاتف المنزل، سارعت بالرد وكأنني أتوق إلى أي تواصل أو تغذية سمعية وكلامية علي أمسك زمام فكرة ما، جاء صوت لينا خافتاً :"هل توصلت إلى أي شيء؟" قلت بخيبة أمل :"لا." -"أمي تقول أننا يمكننا أن نتحدث عن التضحية في سبيل الوطن." -"تعنين الاستقلال وحروب التحرير؟" -"شيء كهذا ربما." بعد أن عادت أمي سألتني بفضول وهي تطل برأسها من خلف مكتبي: "ماذا تفعلين؟" رويت لها ما حصل وقلت أنني أكتب مسرحية. ابتسمت أمي وهي تقول: "عن ماذا ستكون؟" -"شيء ما الوطن، التضحية في سبيل الوطن ربما." فكرت قليلاً ثم اقترحت (وقد شعرت فيم يبدو أن الموضوع الذي طرحته لينا قد يكون كبيراً علينا وعلى المسرحية ذاتها): "لم لا تكتبين عن العائلة؟" لم أجب فقالت: "ربما بر الوالدين، أو حب الأخوة أو حتى الأم أو الأب." بعد بضعة ساعات ذهبت إلى أمي بورقة كبيرة تتضمن الكثير من الخربشات، فلطالما قرأت لأمي ما أكتب، في أغلب الأحيان في الواقع. سألت أمي: "عن ماذا كتبت في النهاية؟" -"عن حب الوطن." أرجو ألا تكون أمي قد شعرت بخيبة وقتها، لم تعلق لكنني استشعرت نظرة غريبة تطل من عينيها، لكن موضوع حب الوطن بالنسبة لي كان أسهل من أن أكتب عن عائلتي، وعن أبي الغائب أمام العالم أجمع! (طلاب صفي فقط لكنني أهول الأمر) ****** > مسرح المخبولين 2 - مدرستي منارة العلم - 2009 الراوي (ريم): كان يا ما كان، كان رئيس القوات الفضائية قد قرر السفر في رحلة استجمام واسعة النطاق، وبالمرة قد يغزو كوكباً أو كوكبين، فيكون ضرب عصفورين بحجر واحد، عثر على أراض جديدة غنية بالموارد، ورأى بقعاً جديدة من العالم وتعرف واحتل ثقافاتها... جمع السيد "خشبشمك" (أرجو أنه يقرأ هكذا) حاجياته وانطلق، رافقه اثنان من عناصره، وارتأوا أن تكون وجهتهم بقعة غريبة من العالم اسمها الأرض، وبالتحديد بلادنا هذه... هبط قرب عمارة السيدة شفيقة البسيطة وابنتها، وقرر أن يبدأ مشروعه هناك بالضبط. الزمان، عامنا الحالي المكان، الأرض، قرب عمارة السيدة شفيقة قائد القوات الفضائية (أنا): "نعم، هذا هو المكان المثالي." العنصر العنيف (سما):" هنا يا سيدي؟ ياله من اختيار صائب! أجمل بقعة في العالم!" العنصر الأعنف (ريم):" لا تبالغ، أرض عادية لكننا في النهاية يجب أن نبدأ في مكان ما حتى لو كان شكله هكذا..." نهره القائد، صمتاً. وهي عائدة إلى بيتها، قالت السيدة شفيقة عندما لمحت الفضائيين يتمشون في حارة منزلها (تمثل دورها حمد) : "يالها من أشكال غريبة أشكال جيل هذه الأيام..." قالت ابنتها بذعر (لينا) : "هذا ليس بجيل هذه الأيام يا أمي، هؤلاء فضائيون!" اقترب قائد القوات الفضائية المهيب (أنا) مع عنصريه نحو السيدتين وقال: "مساء الخير!" شفيقة باستغراب :"ما بال لون بشرتك؟ وما هذا؟ عرف أخضر؟ هل أنت ديك مريض؟" تلمست الجورب الأخضر الذي يعتلي رأسي (على أساس أنه بشرتي الخضراء) وقلت: "هل تسخرين مني؟ اعتقلوها." بعدها، بلغ استبداد القائد أقصى مبلغ، يعيث فساداً في البلاد والعباد مع عنصره العنيف (سما) وعنصره الآخر الأشد عنفاً (ريم). سرقوا البيوت، وخطفوا الأطفال، وطردوا العوائل، بل وصل بهم الحال لهدم وتخريب الممتلكات العامة! برزت أسيل فجأة بزي عسكري وقالت بحزم بصوت خافت: "يجب أن نضع حداً لهذا." قال مساعدها (لينا) :" ما ظنك إن عثروا علينا ها هنا نختبئ ونحيك المكائد ضدهم؟ ماذا سيفعلون؟" قال المساعد الآخر (سما) :" لكن الوطن أهم من كل شيء، يجب علينا ألا ندعهم يستبيحون أرضنا هكذا." قال الرئيس (أسيل) :" بالضبط، سوف نبذل أرواحنا دوماً في سبيل طرد هؤلاء الغزاة." سما :" كما نعلم جميعاً، يظل الوطن بال، الوطن سمين!" لينا :" تعنين الوطن غال، الوطن ثمين بالطبع." حاربوا بشراسة، حاربوا بشرف، لكن الغزاة كانوا أقوياء، وأقوياء جداً. رويداً رويداً، بدأ يخفت الأمل وتتضاءل الأحلام بالحرية، يبدو أنهم لن ينجلوا عنا حتى تحصل معجزة! برزت المعجزة في رائد فضاء بسيط، حمد، كان قد سافر وصال وجال ودرس أحوال سكان الفضاء هؤلاء بتركيز شديد، حتى توصل إلى مفتاح الخلاص، باب النجاة، والحل الأكيد. تقدم بخطى ثابتة نحو رئيس الحرب ضد الفضائيين، بوعاء كبير مدور... أعني بخوذة فضاء على رأسه، وعلبة صغيرة بين يديه. تساءل الجميع ما هذا، ففتحت العلبة ولاح الحل، وكانت صدمة ما بعدها صدمة! (الأحداث السابقة حدثت في عمر صغير جداً.. حسناً، عمر صغير، لكن ليس "جداً" حقاً، بكل الأحوال كنت طفلة، وكلنا كنا أطفال، فاعذروا أي ابتذال.) (: