رياحٌ وسفينةٌ | رواية مذكرات كائن
جاري التحميل...
رياحٌ وسفينةٌ
تجري الرّياح بما لا/ تشتهي السّفن
رياحنا تهب، والعالم يهب، وسفينتنا في الهباب!
> الشبح الشبح - مدرستي منارة العلم - 2008
نطقت سما أخيراً بالمعلومة وهي ترتعد:
"هناك شبح في المدرسة."
ذات يوم، ولنشرح ما حصل تماماً، جاءتنا سما مصفرة، وجهها ممتقع وعيناها زائغتان. كانت حصة رسم حر، وخرجت سما إلى الحمام، ثم عادت على حالها تلك، ولم تصدح بالخبر السعيد إلا بعد أن أمطرناها بالأسئلة، قالتها أخيراً، هناك شبح حر طليق وقد رأته بأم عينيها.
سألت ريم بلهفة: "وكيف يبدو؟"
ترددت سما وقالت:
"حسناً... لم أره كاملاً، بل استطعت أن أرى يديه."
قالت لينا باستهزاء: "وهل للشبح يدان؟"
قالت سما برعب: "نعم، أقسم أنني رأيتهما يتدليان من سطح مكتب الموجهة."
قلت كمن اكتشف سراً خطيراً:
"وماذا قد يفعل شبح على سطح مكتب الموجهة؟ قد لا يكون شبحاً، وقد يكون شخصاً عادياً مثلي ومثلك."
قالت حمد: "وما قد يفعل إنسان عادي هناك؟ فعن نفسي لن أصعد فوق سطح مكتب الموجهة أبداً."
قالت لينا: "ربما مل الشبح من ضجيج عصافير مدرستنا الأبرياء فقبع على السطح يتشمس."
قاطعت أسيل عبثنا قائلة بحكمة:
"قبل أن نستنتج علينا أن نعاين الأمر."
وهكذا، قررنا أن نخرج في ثنائيات لنحقق في الأمر.
وقع الاختيار الأول على حمد وأسيل، بقي فقط كيف تبرران خروجهما سوية.
قالت ريم: "لنخرج منفصلين، كي لا نثير شك الآنسة."
ردت أسيل بسرعة: "لا، العمل الجماعي أفضل."
قالت سما: "الاتحاد قوة والانفصال ضعف."
لم يعر أحد حكمها اهتماماً.
بينما حمد وأسيل تتجهان إلى الآنسة لتستأذنا، ظهر استنكار واضح على وجهها وهي تقول: "الخروج للحمام لا يتم إلا فرادى."
نظرت أسيل بسرعة نحونا ثم قالت:
"هناك أمر مهم جداً، يجب أن نخرج من أجله سوية، من فضلك يا آنسة."
-"لا أي لا."
قالت حمد بسرعة: "هل تتذكرين يا آنسة حادثة الصراصير الميتة في الحمام منذ فترة قصيرة؟ أسيل خائفة من الأمر وتريد الذهاب بشدة، لكنها خائفة."
احمر وجه أسيل بينما المعلمة تقول:
"وأنت حامية حماها مثلاً لترافقيها؟ الفارس المغوار خاصتها؟ إنه مجرد صرصور وميت فلا يحتاج مئة محارب وليس مخيفاً، لذا أقول لا."
شعرت بإحراج أسيل بينما تفتضح على العلن، وما بال من يخاف من الصراصير؟ إنها مخيفة بالفعل. قلت بصوت عال:
"لكن اثنين من الصبيان خرجوا إلى الحمام في نفس الوقت ولم تقولي شيئاً يا آنسة، هل لا بأس أن يخافوا هم ونحن لا؟"
همست ريم: "أحسنت."
بينما ارتبكت المعلمة وقالت:
"اصمتي أنت يا ميسم، وأنتما، هيا، اخرجا لكن عودا بسرعة." أخيراً!
عندما عادتا، لاحظت وجه أسيل الممتقع وهي تهز رأسها وتقول:
"إنه شبح، هذه الأيادي لا بد أن تكون لشبح."
هذا الحديث عن اليدين مجدداً!!
قالت حمد بعد أن هدأت:
"التالي، فلتخرجي يا سما مع لينا."
قالت سما بسرعة وهي تتلعثم:
"ماذا؟ أنا من رأيته أولاً، لم أراه مرة أخرى؟ ثم... ثم الخروج فرادى أفضل، الفرد وحده قوة."
قالت لينا هازءة: "ماذا حصل لقوة الجماعة؟"
قلت: "عموماً، الآنسة لن تسمح بخروج المجموعات ثانية، لنخرج تباعاً."
لم تعلق الآنسة على خروجنا وعودتنا واحدة تلو الأخرى بشكل يثير الريبة، وكثيراً، ظهر استغرابها على وجهها على شكل تكشيرة جانبية لكنها لم تعلق.
أخيراً جاء دوري، خرجت متلهفة لأرى بعد أن عاد الجميع مؤكداً الأمر. يا لخيبتي! فأنا لم أر شيئاً، بحثت جيداً حول المبنى الصغير الخاص بمكتب الموجهة، جاهدة ألا تراني من جهة الباب، أنوء بنفسي بين الفينة والأخرى لأرى السطح، لا شيء. وقفت قرب حوض الزرع، نظرت إلى يساري حيث يتجمع الطين الجاف داخل الحوض الطويل على حافة الباحة، حاولت أن أقف على الحوض لأرى أفضل، وإذ بأذني تلتقط صوتاً. نظرت حولي بذعر، أهي الموجهة؟ نزلت سريعاً، كدت أنزلق فأقع لكن ستر الله، حماني، وعدت أنظر لأعلى، هناك حركة لكنني لا أرى شيئاً. ثم لمحته، حيث خيل إلي منظر خيال على الأرض، بل هو حقيقي، يستطيل إلى يميني حيث باب المبنى الصغير، في بقعتي العمياء. هل ألتف حوله وأرى؟ لكن الموجهة سوف تراني. وأنا أتحقق، قفز شيء من خلفي فجأة، هب قلبي ذعراً لأدرك يدين ملطختين ببقع بنية غير مفهومة تغطي عيني، لم أتبين ماهيتها الغريبة وهي تتحرك أمامي بحركات خاطفة لتغطي عيني، لمحتها لمحاً قبل أن يغطي أفقي السواد، أهو شبح حقيقي؟ هل أصرخ؟
******
> وداع - 2010
سافر أبي، هكذا فقط، كما سافر في المرة الأولى، سافر ثانية.
عاهدت نفسي قبلها بمدة طويلة ألا أبكي، رددت ذلك كثيراً على مسامعي، حاولت أن أجهز نفسي، وأكبت مشاعري وأقيدها بإحكام، لكن العبرات أبت إلا أن تتجمع في عيني.
أعرف، أعرف أنه كما عاد سابقاً سنذهب إليه تالياً. أعرف وأثق بذلك، لأنه همس في أذني في المطار بينما يحتضنني وأنا أجهش بالبكاء في صدره، وجسدي يرتج بينما أكتم شهقاتي:
"عزيزتي، اللقاء قريب هذه المرة إن شاء الله، الغياب لن يكون طويلاً، أعدك."
المصير اللقيا، ومستقبلنا معاً كعائلة موحدة لا بد أن يأتي قريباً، كما وعد.
بعد أن سلم والدي على أمي وسليم وعانقهما بحرارة، سلم على خالي الذي رافقنا في السيارة، وشكره كثيراً ثم ابتعد، إلى الفراق، إلى صالة المغادرين.
لوحت بيدي بكل ما أوتيت من قوة، حتى أنني ضربت رأس أخي بالخطأ وقتها (إحم، للأسف كانت ضربة قوية جعلته يسند رأسه طوال طريق العودة، لكنني معذورة وقتها حمداً لله (":)
ومع ذلك، أيقنت من بين دموعي أن أبي سيفي بوعده.
هذه الخطوات التي خطاها، وهذه اللمسات التي داعبني بها، وهذه الهدايا التي اشتراها لي، والعيدية التي أعطاها لي في العيد، وهذا سريره، وهذا كرسيه، وهذه فرشاته، كلهم ضممتهم إلى قائمة ساكني قلبي، وسأحتفظ بهم حتى اللقاء، حتى أجد المزيد من الذكريات كي أودعها ذاكرتي وقلبي، إلى الأبد.
******
> المكتبة الشعثاء 3 - حارة الضياع / بيتي البيتوتي/ وأماكن أخرى - أواخر 2010
نزلت من حافلة المدرسة وحدي، مازلت لا أكلم لينا فكانت تنزل على بعد أمتار من موقفي، ولا تكلمني، ولا تجلس بجواري. كنت أمشي بانتعاش متصنع، أجبر شفتي على الابتسام فتظهر أسناني كاملة، زدت الضغط على فكي ووجنتي، فسمعت صوت بكاء طفل ركض من أمامي فجأة عندما شارفت الحارة، أمر غريب، هل رأى وحشاً؟
وأنا على هذه الحالة مشتدة الأعصاب، شعرت بنكزة في كتفي، كدت أضرب اليد التي نكزتني بردة فعل لا إرادية، لكن وجه أخي لاح لناظري وهو يسارع فيمسك يدي ويقول:
"ما بك؟ شكلك يخيف العفاريت!"
قلت بغضب: "الملافظ سعد، أنا أبتسم، ألا يحق لي الابتسام؟"
قال باستغراب: "أهذا ابتسام؟ ظننتك تكشرين وتفكرين بقتل أحدهم."
قلت بلا مبالاة خبيثة وأنا أشيح بوجهي:
"همم، ربما."
إذاً هو واضح جداً أنني أتصنع الابتسام، ربما أبالغ فيه.
مرة أخرى صادفت سليم وأنا أتمشى في الرواق الصغير في منزلنا، وعلى وجهه لاحت نفس التعابير من ذلك اليوم، سأل بذعر:
"ما بالك؟"
-"ما بالي؟ ما بالك أنت؟ وجهك ممتقع."
-"ربما لأنه ليس من الطبيعي أن أسمع صوتاً -يفترض أنه لأختي الفتاة الصغيرة- يكرر مراراً أنا سعيدة أنا سعيدة.."
قلت وقد اتسعت عيناي (كنت متفاجئة لا خجلة، حسناً أحرجت يومها، أنا أعترف):
"أسمعتني؟ لحظة، من هي الفتاة الصغ..."
قاطعني باستهزاء: "للأسف أجل، لكن لا تخافي أنا أعرف أمر جنونك، لكن احذري أن يسمعك الآخرون."
-"فلتحذر وتخف أنت مني، هذه نصيحة!"
اعتدت هذا، كي أزيح حزني أحاول إقناع نفسي أنني سعيدة، حتى لو كان ذلك غصباً! أغني، أبتسم، وأؤكد لنفسي شفهياً سعادتي المطلقة!
بعد سفر أبي الأمر لم يعد ينجح، فقد عادت النوبات التي كانت تعتريني قبل الامتحانات، وعدت أفقد أنفاسي وأحاول التشبث بها بكل روحي.
هذه المرة، الفتيات شعرن بالأمر، هناك شيء غريب يحدث معي، فكلمنني كثيراً، خصوصاً ريم وأسيل، وحاولن معرفة ما يحدث، لكنني لم أقو على الاعتراف.
عادت أمي لاحتضاني وأنا نائمة، ورغم سخرية سليم مني:
"هل عدت رضيعة يا ميس؟"
إلا أنني كنت أشعر براحة كبيرة في حضن أمي السخي، في دقات قلبها الهادئة المتناغمة، بينما أقرب رأسي من صدرها وأنا أعب دفءها وحنانها. ذات ليلة وبعد حديث طويل، سايرتني فيه أمي، وساندتني فقل مقدار الحزن في قلبي شبراً، ذكرتني أمي:
"هل أخبرت صديقاتك بأمر السفر؟"
اتسعت عيناي وقلت بتوتر:
"لقد نسيت الأمر تماماً."
-"لا داع للهلع، أخبريهن غداً."
الفتيات استقبلن الخبر بصدمة، صدمة شديدة في الواقع. وأنا لم أكذب خبراً، فقد رشقت الخبر رشقاً في وجههن كالقضاء المستعجل، كان مفاجئاً بشكل فج، لا تمهيد، لا مقدمات، لا شيء، فقط الخبر كما هو.
لأقول الحق فكرت قبلها محاولة أن أقول الأمر بروية، ثم استدركت نفسي وتذكرت سمعتي، أيقولون ميسم ابنة وليد قدمت ومهدت؟ لا وألف لا، عيب، الصراحة والفجاجة طريقي ونهجي أبداً.
سألن الكثير من الأسئلة، "كيف؟" "متى؟" "إلى أين؟"
وأجبت بهدوء وروية. الكل يسأل، إلا لينا، ولا أدري ما بها. عادة، عينا لينا الحادتان تفشيان بماذا تفكر، تظن اعوجاج فمها الرفيع وعينيها الذكيتين دلالة خبث، إلا أن ما بسرها ينطبع على صفحة وجهها مباشرة. أما الآن، فأنا ما عدت أفهم.
******
> قلق - بيتي البيتوتي - أواخر 2010
هذه الأيام، لاحظت أن أمي كانت لا تنفك تصول وتجول. كثرت أحاديثها على الهاتف، كانت تتحدث من قبل، لكن الآن، لقد زاد الأمر بدرجة ملحوظة. كنت أجلس في غرفتي أدرس، فوجدت أخي يقتحم الغرفة بغوغائيته العفنة (نعم، كان عصر الفلسفة الذهبي بالنسبة إلي! لا شغل لي إلا أن أتفلسف وقتها، حتى في كتاباتي!)
فيضرب قلماً ويوقع كراسة، نفخت بعصبية وقلت:
"ماذا تريد يا سليم؟"
قال بتردد: "شكلك يستفزني هكذا."
تجاهلته، فعاد ليقول:
"أأكل القط لسانك؟"
دفنت رأسي في الكتاب، فسمعت صوته اليائس يقول أخيراً:
"أمي تتحدث في الهاتف منذ ساعة تقريباً..."
أطل برأسي مستفهمة: "مع من؟"
-"دخلت الصالون منذ قليل فسمعتها تتحدث مع خالي، الآن مع خالتي، وتشير بيدها "اخرج!" في كل مرة كما لو أنها تكلم حشرة!"
ابتسمت بتشف، ثم استدركت نفسي فقلت:
"ما الأمر ياترى؟"
قال بحسرة: "التلفاز يصدح بالأخبار منذ أكثر من أسبوع، لا يمكنني مشاهدة ما أريده! تمنعني من ذلك!"
أها، إذاً هذا هو غرضه، ليس قلقاً لا سمح الله!
هرعت إلى هاتف غرفة أمي الداخلي، اتصلت ببيت جدتي فرفع أمجد السماعة: "ألو؟"
-"أل..."
إذ بيد سليم تختطف السماعة من يدي (كدت أقرصه قرصة لن ينساها في حياته لكنني تراجعت احتراماً للموقف) فيقول:
"أمجد؟ هل تحدث خالي إلى أمي منذ قليل؟"
أقحمت رأسي في يد سليم الحاملة للسماعة بينما صوت أمجد الواهن يقول:
"أجل، فعل على علمي، ولمدة."
قال سليم: "ما هذا الضجيج في الخلفية؟"
-"هذا صوت الأخبار، يعلم الله وحده كم ظل هذا التلفاز يعمل، لم يطفئوه منذ وقت طويل، ما يقارب الساعتين، أو أكثر حتى."
قال لي سليم وهو يغلق الخط:
"الأمر سيان عند أمجد."
اقترحت بسرعة: "لنكلم نور على هاتف غرفتها."
اتصلنا بها، وكان نفس الوضع، ما الذي يحدث؟
قالت نور بصوتها المتوتر السريع -والذي ورثته عن أمها-:
"فات برنامج الطبخ الذي تحبه، وفات المسلسل الذي لا تقدر على تفويته، ونبيل يزن على رأسها منذ ثلاث ساعات ليشاهد برنامجه السخيف، ولا تأبى أمي إلا أن تستمع إلى الأخبار."
قلت: "إلى ماذا تستمع الآن؟"
-"إلى صوت أمك، فهي تحادثها على الهاتف."
قال سليم بغيظ: "نعرف هذا يا أذكى الناس، نعني ماذا تقول الأخبار؟ ما الذي يشغلهم هكذا؟"
جاء صوت نور هائجاً: "اخرس يا سليم، لا تكلمني ثانية، (صمت لوهلة) لحظة وأعود." وأغلقت الخط.
نظرنا إلى بعضنا وانتظرنا، ولم تعد، ولم نجرؤ أن نخرج لنرى بأنفسنا الأخبار في الصالون، فبقينا هكذا، لا نعرف ماذا يحدث. ظللنا على هذه الحالة طويلاً، ولم يحل لغز العائلة هذا إلا بعد فترة...
******
> المكتبة الشعثاء 4 - حارة الضياع - أواخر 2010
نزلت من الحافلة كعادتي كل يوم، وإذ بصوت خطوات تتدرج خلفي وباب الحافلة يغلق. عرفت، لكنني فضلت أن أنظر ببطء، وكما توقعت، رأيت وجه لينا العابس وهي تراقبني بينما تنفث الحافلة تلوثها وصخبها في الهواء مغادرة. نظرت بعيداً بسرعة ثانية، وكدت أن أمشي فاستوقفني صوت لينا الجاف:
"متى؟"
قلت ببرود: "ألم تسمعين؟ قلت للباقي أنني لا أعرف متى سوف نسافر بالضبط."
أمالت رأسها قليلاً وهي تقول:
"ماهذا قصدي، متى عرفت أنك ستسافرين؟"
لم أفهم لماذا تسأل عن ذلك لكنني أخبرتها.
عبثت بقدميها في الأرض قليلاً وهي تحدق بهما، ثم رفعت رأسها وقالت:
"لماذا لم تخبريني؟"
-"لأنك حردت علي."
-"وماذا؟ تخبرين الجميع ولا تخبريني؟"
مططت شفتي وقلت: " لقد قلت ذلك أمامك على فكرة..."
قالت بسرعة: "بل أعني أن تخبريني على انفراد! منذ متى نعرف بعضنا نحن الاثنتين؟ ومنذ متى تعرفين باقي الفتيات؟"
قلت وأنا أشعر بنار في وجهي:
"أعرف الفتيات منذ سنتين، ما شأن مدة صداقتنا بالأمر؟"
-"تعرفيني منذ الطفولة! أنا صديقتك المقربة!"
قلت وقد علا صوتي (قليلاً):
"صديقتي المقربة التي لا تكترث عندما أعتذر مهما فعلت، والتي تتجاهلني عمداً، أليس كذلك؟"
-"هذه نقرة وهذه نقرة، أنت ضربتني، كان يجب أن أغضب."
-"دفعتك ولم أضربك، واعتذرت، أنا حقاً لم أقصد!"
سكت كلانا، أخذت أفكر، وألنت تعابير وجهي وأنا أنظر إليها وأقول:
"أنا آسفة."
نظرت إلي فبادرت أقول:
"أنت التي ساندتني عند حادثة كامل، وعندما تنمر علي، ساندتني دائماً."
ابتسمت لينا، واقتربت مني وحضنتني فجأة، ربت على ظهرها وأنا أبتسم بدوري، وهكذا فقط، تصالحنا.
******
> الشبح الشبح 2 - مدرستي منارة العلم - 2008
أدرت وجهي بسرعة، لأرى وجه ذلك الولد، كامل، الحائر.
شهقت، وأمسكت يديه المبقعة بالقذارة بسرعة قبل أن يهم فيضعهم على فمي، قلت بصوت عال:
"كامل!"
قال بذعر: "صه!"
ألقيت نظرة على جهة باب الموجهة، الدنيا رائقة هناك ولا أحد خرج، لوز اللوز، لنكمل.
حدجته بأقسى نظرة قد تبدر من عيني وأنا أقول:
"ماذا تفعل هنا؟ أو بالأحرى، ماذا كنت تفعل على سطح مكتب الموجهة؟"
قال لي وقد لاحظ ازدرائي من يديه:
"لا شأن لك أبداً. هل فهمت؟"
تجاهلته واستطردت أقول:
"وما بال يديك؟ هل هذا... طين؟؟"
أبعد يديه بسرعة وهم بالهرب، فسارعت أحكم قبضتني على مجمع ثوبه، زيه المدرسي، وأنا أقول:
"أخبرني، ما الذي كنت تفعله؟ تتظاهر بأنك شبح لتخيف الناس؟"
أخذ يهتز محاولاً التملص، لكنني تمسكت برقبته بكلتي يدي، فلتت منه كلمة:
"اتركيني يا متوحشة!"
هناك إجماع عام على كوني متوحشة!
على أي حال، أفلته وأنا أراقبه شزراً وهو يفر عائداً إلى الصف، وقتها صادفني ولد آخر ماراً في نفس اللحظة، ولم يكن إلا خالد، يجفف يديه بمنديل.
ارتبكت، هل حضر الأمر منذ البداية؟ وقف أمامي فجأة، وقبل أن ينطق وفي محاولة لأخبئ توتري قلت (دون أن أفكر وضوحاً):
"ماذا تفعل كل هذا الوقت في الحمام؟"
لم أستوعب ما قلته إلا عندما سمعت صوتي يردد السؤال الأخرق، تسللت ابتسامة إلى وجهه، ثم فلتت منه ضحكة (رغماً عنه كما هو واضح..) فشعرت بحرارة شديدة في وجهي، ورأسي وكلي، وقلت (وكأنني شعرت أن طيني لم يبتل بما يكفي فقلت لأزيدنه بلة):
"يا لطلاب آخر زمن! آخر همهم الدراسة!" وأفلت راجعة بخيبتي.
لم أحك عما حدث لأحد، ولم يفعل خالد أيضاً على ما يبدو... لكن الأمر الذي تداولناه بيننا، واستنتجناه بعد تحليل وتحقيق وتفكير، أن المتسبب بحادثة الصراصير الميتة هو كامل!
اتهامنا بني على شخصيته المحبة للمشاكل بشكل عام، وعلى غرابة وجوده على السطح يومها دون سبب واضح، وعلى ذعره حينما كشفته.
برزت مقدمات ستة روؤس على سطح المكتب ذاته، كنا نراقب المكان ممددين أجسادنا بقدر ما استطعنا، مستغلين غياب الموجهة ذات يوم لنعبث كيف شئنا، أعني، بالطبع لنحقق بالأمر أكثر.
أشارت حمد إلى طرف التقاء السطح بسور المدرسة الطويل المجاور لحوض الزرع وقالت:
"انظروا! هناك حوض زرع آخر مختلف عن الأسفل."
قالت سما: "أف! كان يحاول أن يجمع الصراصير من هناك!"
لمعت عينا ريم يومها وهي تقول:
"أتظنن أن كنز المدرسة السري مدفون هنا وليس في الأسفل؟"
قالت لينا بتأفف: "أشعر أن هذا الكنز الخطير سيكون ورقة نقدية من فئة الخمسة بعد كل هذه السرية والبحث."
وقد كان، عثرنا على الكنز الأزلي الذي توارثت أسطورته أجيال وأجيال بعد نحو سنة، عندما استطعنا أن نتحقق من الحوض العلوي بدقة، كنز ثمين جداً، كما ترون، يتكون من خمس عملات، كما قالت لينا بالضبط، قال كنز قال. (وقتها لم نخبر الباقي بماهية الكنز، كي لا نكون لقمة سائغة تلاك هنا وهناك بسخرية، مما جعل الغيظ يفتك بنور وشلتها الحمقى على كنز بخس لاحقاً.)
بسبب هذا الموقف تحديداً، لم أسلم من كامل هذا، ومع أنه لم يهاجمني مباشرة وفوراً، إلا أنه اتخذ طريقاً ملتوياً أضر بصديقه الوحيد وقتها، لكن ماذا نقول، الذيل الأعوج لا يستقيم أبداً.
(اعذروا مزيداً من الفلسفة التي لن تتكرر.)
******