الفصـل الاول "ذكريـات" | رواية حينمـا يَلتئم الـجُرح
اللغة: العربية
الرئيسية ربح

الفصـل الاول "ذكريـات" | رواية حينمـا يَلتئم الـجُرح

جاري التحميل...

الفصـل الاول "ذكريـات"

تلك الكلمات خرجت من نور، صديقتها الوحيدة، وللأسف نفس تلك الكلمات تتكرر على مسامعي في كل مرة أفصح فيها عما بداخلي.

تحميل الفصول...
المؤلف

أعطيتك سيفي لأريك وفائي، فما لي أرى سيفي تملؤه دمائي؟

______________
مع إشراقة الشمس التي توشك على إضاءة الأفق، تظل هذه المنطقة الراقية يسودها الصمت المطبق، التي نادرًا ما تملؤها الأصوات رغم كثرة السكان أصحاب الطبقات العليا. في إحدى هذه البنايات نجد عمارة الدالي حيث النفوذ والسمعة الطيبة يجتمعان، تنبض كل زاوية بحكايات غير مكتملة.

نجد في الطابق الأول، حيث يهدأ الليل ويبدأ النهار، تقع شقة "محمد الدالي" بعد الرّدهة الواسعة الخاصة بتجمعات الشباب. هنا، بين جدران الشقة، يعيش "محمد" مع أبنائه "سالم" الابن الأكبر و"ليلى" الفتاة الصغيرة المدللة. يقوم "محمد" بـ تدليلها ليعوض دور الأم التي حُرمت منه ابنته وهي صاحبة الخمسة شهور.

ننتقل إلى الطابق الثاني حيث يقيم الابن الأوسط لعائلة الدالي "فارس الدالي" مع زوجته "هند"، ابنة العم التي كانت حبه الأول. يعيش معهم ثلاثة ذكور (عمرو، راجح، خالد). تتردد في هذا الطابق أصداء الحب القديم الممزوج بالذكريات والحنين والعاطفة التي لا تهدأ.

أما الطابق الأخير، فيسكنه الابن الأصغر لعائلة الدالي "أسامة الدالي" مع زوجته "سحر" وأولاده (وعد، ريم). في هذه الأرجاء يسود شعور القسوة والجمود، حيث لا مكان للحنان أو التواصل العاطفي. فـ"سحر" تعتبر مثالًا للجحود والقسوة.

في بيت الابن الأكبر "محمد الدالي"، يجتمع الإخوة الثلاثة بعد صلاة الفجر، وتمتلئ الكلمات الحزينة الأجواء.

قال "محمد" وهو يشعر بثقل الكلمات وكأنها تمزق قلبه:  
_"إزاي يعني مش موجودة؟ هتكون الأرض انشقت وبلعتها؟ 23 سنة بنلف في نفس الدائرة، مش عارفين عنها حاجة. عايشة ولا ميتة ولا بتعمل إيه في حياتها؟ أنا عاوز أموت وأنا مرتاح، مش خايف أقابل ربنا وأنا شايل ذنبها."_

كانت الكلمات ثقيلة لأنها معبأة بفقدان الأمل من وجود صاحبة الابتسامة العذبة.

نظر إليه "أسامة" بملل وهو يريح ظهره، وكأن أوجاع الماضي تُثار في أعماقه قائلًا:  
_"أنا مش عارف إيه اللي فكرك بالسيرة دي، بس إحنا بندور على حد غايب بقاله 23 سنة. أكيد الملامح اتغيرت أو يمكن بندور على حد ميت أصلًا. هي استغنت عنّا، وإحنا استغنينا. ليه بقى نفتح السيرة التقيلة على القلب دي؟"_

"فارس"، الذي يشاهد ويعاني في الصمت، يشعر بألم بسبب فتنة الأموال وطمع الأنفس القريبة.

نظر "محمد" إلى "أسامة" بنظرة ملؤها العزم والألم:  
_"زي بنتك، صح؟ اللي ما تعرفش عنها حاجة لحد دلوقت. انا هلاقيها بنفسي، هقلب مصر عليها، لو في بطن الحوت هجبها. بس خاف بقى من حساب ربنا، لأنه يمهل ولا يهمل يا أسامة."_

غادر "محمد" الغرفة تاركًا وراءه مشاعر من الفوضى والألم تتصارع بين الأمل والخوف.

____________

"يا وجد، يا حبيبتي، أنتِ لازم تقولي لأهلك على اللي بيحصل، مينفعش تفضلي ساكتة. سكوتك بيديله الحق إنه يتمادى أكتر، وأنا عارفة إن أهلك ناس متفهمين ويفهموا، ومحدش هيلومك. يبقى ليه بقى تفضلي عايشة في العذاب ده كتير؟" 

تلك الكلمات خرجت من نور، صديقتها الوحيدة، وللأسف نفس تلك الكلمات تتكرر على مسامعي في كل مرة أفصح فيها عما بداخلي.

بدأت علامات الملل تظهر على وجه وجد، فقالت بحزم:
_ "نور، لو سمحتي كفاية، بلاش تكرري نفس الأسطوانة المشروخة كل مرة. صدقيني مش هقدر أقول أي حاجة."

ثم حاولت تغيير مجرى الحديث لتخفيف الثقل الذي يتركه هذا الموضوع على قلبها، فاقترحت بابتسامة:
_ "إيه رأيك نروح نفطر بره ونعمل شوبنج؟"

نظرت نور إلى وجد بحنان، مدركة أن صديقتها تحاول الهروب من هذا النقاش الذي يتكرر كثيرًا. كانت نور دائمًا الشاهدة على معاناة وجد، ولهذا وافقت بسلاسة وقالت بابتسامة:
_ "معنديش مشكلة، بس على حسابك المرة دي."

ابتسمت وجد بسخرية قائلة:
_ "المرة دي؟ يا حبيبتي، إنتِ كل مرة بتاكلي على حسابي، انا هسمي بعد كده وأنا بأكلك علشان متنكريش زي القطط."

ردت نور ضاحكة وهي تجذب وجد نحو الخزانة لتبديل ثيابها:
_ "أيوه، قولي كده إنك بتبصيلي في اللقمة اللي باكلها، وأنا بقول مش بيبان عليا ليه! علشان حضرتك بتعدي عليا!"

________________

على الجانب الآخر، في إحدى الدول الأوروبية:

_ "مش متخيلة إن بعد ده كله إحنا مع بعض، أنا بحبك أوي يا أحمد، مش قادرة أتخيل حياتي من غيرك."

خرجت تلك الكلمات من فم ضي وهي تنظر بعشق خالص لهذا الرجل الذي امتلك قلبها وعقلها. على الرغم من أنه لا يمتلك الجمال المثالي المتعارف عليه في بعض المجتمعات العربية، إلا أنه يظل أوسم رجل في عينيها. ناهيك عن الاختلافات الشاسعة بين العائلتين المادية والاجتماعية، إلا أنها خاطرت بكل شيء من أجله.

نظر إليها أحمد بابتسامة دافئة، وقال بصوت عميق:
_ "ضي، بلاش الكلام ده. إنتِ عارفة إنك أغلى حد عندي. أنا مقدرش أعيش من غيرك. في حد يقدر يعيش من غير روحه؟ إنتِ روحي."

نظرت إليه ضي بعشق، غارقة في كلماته. إنه يجيد التلاعب بالكلمات بطريقة تجعلها تنسى كل شيء، وكأن العالم يتلاشى عندما يتحدث إليها. كان هو حبيبها الأول والأخير، إنها لا تريد أي شيء سواه.

ثم أكمل حديثه قائلًا:
_ "جهزي نفسك بقى علشان هننزل مصر أول الشهر الجاي، مش هنفضل هنا أكتر من كده."

تفاجأت ضي بكلماته وامتلأت عيناها بالرجاء، وهي تحاول أن تستوعب ما قاله:
_ "ليه يا أحمد؟ إحنا مرتاحين هنا، بلاش ننزل علشاني يا حبيبي."

تجمد أحمد في مكانه، ثم بدأ يتحرك بعصبية ويتجنب النظر إليها وهو يتحدث بحدة:
_ "مش عايزة تنزلي علشان طبعًا متسمعيش كلام يعرفك الفرق بين المستويات اللي بينا، مش عاوزة تنزلي علشان متشوفيش جوازات أصحابك، اللي واخدة ضابط، واللي متجوزة دكتور، وحضرتك متجوزة أحمد! مين أحمد ده أصلًا؟ ييجي أي أحمد جنب بنت الحسب والنسب ضي ! ومش عاوزة تقعدي معاهم علشان متحسيش بالنقص، صح؟ أنا تعبت من دي علاقة مش بتعمل حاجة غير تحسسني بالنقص اللي أنا فيه!"

قال كلماته بصوت يكاد ينكسر، ثم بدأ يكسر الأشياء من حوله بعشوائية، وكأنه يحاول تدمير كل ما يرمز لعجزه. ركضت نحوه ضي وعيناها تغرق في الدموع:
_ "أحمد، بلاش تعمل كده، إنت عارف إنك أغلى حاجة عندي، ومش مستعدة أخسرك. أنا حاربت الدنيا كلها علشانك، معقول هخسرك بعد ده كله؟ كل اللي بتقوله ده مش فارق معايا، إنت اللي فارق معايا، إنت وبس."

انهارت على الأرض وغطت وجهها بيديها وهي تبكي بلا توقف:
_ "أنا مش مستعدة أواجه العيلة ولا أصحابي، أنا مش قادرة، بلاش ننزل يا أحمد، أرجوك."

نظر إليها أحمد بعينيه المليئتين بالندم، ثم احتضنها بقوة، وكأنه يخشى أن تضيع منه:
_ "ضي، بلاش نخلي حد يدخل بينا. صدقيني لو فضلنا كده هنضيع من بعض. إحنا مش بنعمل حاجة غلط، إحنا متجوزين يا بنتي. هو أنا كاتب عليكي عرفي؟"

مرر يده على وجهها برفق، وكلماته أصبحت أهدأ:
_ "يلا قومي اغسلي وشك، ننزل ناكل حاجة. ضي، إنتِ أغلى حاجة عندي، أنا مش هقدر على خسارتك."

نظرت له ضي بخليط من المشاعر، منها العشق والامتنان. كيف لهذا الرجل أن يضيء حياتها المظلمة والمملة بهذا الشكل؟ رغم كل شيء، كان أحمد هو النقطة المضيئة في حياتها.
___________________

كانت «وجد» تتجول مع «نور» في إحدى المولات التجارية، عيناها تراقبان واجهات المحلات، لكن عقلها كان غارقًا في مكان آخر. كانت تشعر كما لو أن هناك صراعات لا تنتهي تعصف بداخلها. تجد من يوافقها في الرأي، وعلى النقيض، «العقل» الذي دائمًا ما يسخر منها ومن مبرراتها. كل فكرة كانت حربًا قائمة بين العقل والقلب. **"لا أعلم من منهم هو الصحيح، أو من منهم هو الصوت الروحاني الذي يأتي من الله لينتشلني من الضياع."**

قطع ذلك الضجيج الداخلي رنين الهاتف. انتفضت «وجد» قليلًا قبل أن تنظر إلى الشاشة.

"وجد، ليه مش بتروحي عند الدكتور؟" جاء صوت والدتها عبر الهاتف، قلقًا.

صوت والدتها كان يعكس الألم والخوف الذي تشعر به. "الدكتور كلمني، بيقول إن دي الجلسة الرابعة اللي تفوتيها. لحد امتى هفضل أقولك إن العلاج النفسي مشكلة زيها زي أي مشكلة عضوية ولازم نلاقي لها علاج؟ مش معنى كده إننا مجانين. إحنا هنكون فعلاً مجانين لو بطلنا نحاول وبطلنا نتعالج. المفروض إنك دكتورة وفاهمة كويس أنا بقول إيه. ليه مُصرة تتعبي قلبي عليكي؟ ليه مُصرة تعيشي في صراعات وأوهام في دماغك بس؟"

شعرت «وجد» بالثقل في صدرها، وكأن تلك الكلمات تضغط عليها أكثر وأكثر. والدتها كانت مرساتها في عالم متلاطم الأمواج، لكنها في الوقت نفسه تشعر بعبء.

"ماما، إنتِ عارفة إن مش بحب أروح هناك. كل اللي بيتقال كلام نظري، وأنا مش قادرة أطبقه على حياتي. ده بيحسسني بالعجز والنقص إن مش قادرة أسيطر على حياتي. الموضوع صعب بجد، ارجوكي حاولي تفهميني."

"ساعة يا «وجد» وتكوني قدامي علشان نتناقش في الموضوع. كلام الفون مش هينفع. خلي بالك من نفسك وسلميلي على «نور»."

أغلقت «فاطمة» الهاتف دون أن تنتظر وداعًا، و«وجد» علمت أن والدتها لن تغير تلك العادة أبدًا.

كانت على وشك وضع الهاتف في حقيبتها عندما اتاها اتصال آخر. شعرت بوخزة خفيفة في قلبها.

"مين بيرن تاني؟" سألت «نور» وهي تلاحظ التوتر الذي بدأ يظهر على وجه «وجد».
_______________

في إحدى المساجد، نجد "يوسف الشافعي" وهو يصلي لله 
بخشوع عميق، وكأن كل كلمة من دعائه تخرج من أعماق قلبه الحزين. رغم وصفه بالشدة، فإن صمته ووحدته يضيفان عمقًا على حنانه.

_"ما صليتوش ليه في الجامع يا حلوين؟"_

تلك الكلمات خرجت من فم "يوسف" بنبرة يختلط بها القلق والحزم لأصدقائه "نادر الخولي" و"مؤمن الصاوي"، أصدقاء الطفولة والشباب والشيب.

رد "نادر" بارتباك محاولًا التبرير:  
_"إحنا هندخل نصلي أهه، معلش كنا في مشوار اتأخرنا على الصلاة. سماح المرة دي يا شيخ يوسف."_

نظر لهم "يوسف" بملل من تكرار هذه الكلمة على ألسنتهم، ثم نظر إلى ملابسه التي لا تعكس التزامه أبدًا، فقد كان يرتدي بنطالًا من الأوفر سايز أسود وقميصًا أسود وأسفلها تيشيرت أبيض.

شعر "يوسف" بأن هذا اللقب أكبر من أن يليق به، فهو مجرد إنسان يفعل الخطأ ثم يتوب، وهكذا حتى لا يضل طريق الصلاح، باحثًا عن الغفران.

قال "يوسف" بجدية وهو يضرب على كتفهم بنظرة تحذيرية:  
_"طيب، يحلو منك ليه آخر مرة؟ علشان متزعلوش بعد كده من رد فعلي."_

_"خلاص، آخر مرة يا بابا، وهنشرب اللبن ونغسل سنانا قبل ما ننام."_

نطق بتلك الكلمات "مؤمن" وهو يسحب "نادر" للدخول إلى المسجد قبل أن يمسك بهم "يوسف".


_________________

تعديـل 

عزيزي القارئ، لا تدع البداية تبعدك عن الاستمتاع بهذه الرواية. فهي أول أعمالي، وسأعمل على تطويرها لتناسب ذوقك. آمل أن تجد في صفحاتها ما يلامس قلبك وأفكارك.
		       
×
جاري التحقق من حالة حسابك...

لوحة أرباحك

أهلاً بك في برنامج شركاء الأرباح. يتم احتساب أرباحك بناءً على زيارات رواياتك المقبولة.

الزيارات المحتسبة 0
الأرباح المقدرة $0.00

تم الإرسال بنجاح!

"تم استلام طلبكم الخاص بالانضمام لبرنامج الأرباح بنجاح. الطلب الآن قيد المراجعة"

قيد المراجعة حالياٌ

"طلب الانضمام لبرنامج الأرباح قيد المراجعة حالياٌ. تستغرق عملية التحقق وتجهيز حسابك فترة تتراوح ما بين 7 إلى 14 يوم عمل"

الشروط غير مكتملة

عذراً، لتحقيق الربح يجب أن تمتلك في حسابك
4 روايات على الأقل.

يجب تسجيل الدخول

"يرجى تسجيل الدخول إلى حسابكم المعتمد للمتابعة وتقديم طلب الانضمام لبرنامج الأرباح"