صفقة الشيطان | جريمة قتل غامضة
جاري التحميل...
جريمة قتل غامضة
يعثر خليل على جثة في غرفته ... لكن الامر يبدو أكثر من مجرد جثة
هذا الذي يراه أمامه؟ ما إن داهمته الرائحة حتى سدد أنفه غريزيًا، إذ كانت رائحة كثيفة خانقة، تنفذ إلى أعماق الإنسان دون استئذان، وتثير في الجوف غثيانًا كاد معه أن يفقد توازنه. تراجع مذعورًا، فتعثرت قدماه وسقط أرضًا، وكان السقوط هذه المرّة سقوطًا في هوّة الصدمة قبل أن يكون ارتطامًا بالجسد. هناك، قرب زاوية الغرفة، كانت هناك جثة معلّقة من رقبتها بحبلٍ متين، جسدها متيبّس يتدلّى في صمت، ورأسها مائل على نحوٍ غير طبيعي. تجمّدت ملامح الخوف والذعر على وجهها، فمها مفتوح كأنّه توقّف عند صرخةٍ أخيرة لم تكتمل، وعيناها جاحظتان تحدّقان فيه مباشرة، نظرة جامدة خالية من الحياة، ومع ذلك محمّلة بشيءٍ أقسى من الموت. تسلّل الخوف إلى صدره ببطء قاتل، فاختنقت أنفاسه وتيبّست أطرافه، ولم يعد قادرًا على استيعاب ما يحدث حوله. حاول أن يشيح بنظره عنها، غير أنّ عينيه ظلّت معلّقتين بذلك الجسد الساكن، وكأن قوة خفيّة تشدّهما إليه دون رحمة. ومع تصاعد التوتر، أخذ المكان يضيق من حوله، وبدت الجدران أقرب مما ينبغي، فاندفع يصرخ في كل اتجاه، مستجديًا حضورًا بشريًا أو حتى صدى يخفف وطأة الوحدة، غير أنّ الصمت ظلّ سيد الموقف، صمتًا فادحًا زاد المشهد رهبة واضطرابًا.
وأمام هذا العجز الكامل، لم يجد ملجأ سوى هاتفه، فأخرجه من جيبه بيد مرتعشة، كأنّه يتشبّث بخيط واهٍ في بحر مظلم. ضغط أرقام شرطة الطوارئ على عجل، بينما كانت كل ثانية انتظار تمرّ عليه ثقيلة كأنها عمر كامل.
— شرطة الطوارئ، من المتحدث؟
— أ… أ… أهلاً، — بدأ خليل بصوت متقطع، تحركت الكلمات بعنف في حلقه قبل أن تنسلّ إلى الهاتف، — هناك… هناك… ج… جثة… في المبيت الجامعي، في الغرفة… رقم ثلاثة عشر….
— أيمكنك تكرار التفاصيل ببطء، من فضلك؟.
— نعم… الغرفة… الغرفة رقم ثلاثة عشر… الج… الجثة… هناك… مستلقية… وعيناها مفتوحتان… تحدقان بي… لا أعرف كيف… لا… لا أعرف… — ارتجفت كلماته، وهربت منها الروح قبل أن تجد طريقها إلى الطرف الآخر، تاركة صدى الذعر يتسلل في أذنه.
— هل أنت في أمان الآن؟ — سأل الصوت، وكأنه يختبره قبل أن يتحرك، — هل الجثة لا تشكل تهديدًا مباشرًا لك؟
— … أنا… لا أستطيع… لم أستطع الاقتراب… كنتُ واقفًا… عاجزا — هتف، صوته يتكسّر، كأنه يصرخ في غابة مظلمة.
— حسنًا، سنرسل فريقًا فورًا. ابقَ في مكانك، وحاول ألا تتحرك حتى وصول المساعدة،
إنتهى الاتصال، وبقي خليل واقفًا في مكانه، عاجزًا عن الاقتراب أو الفرار، فيما ظلّت تلك العينان الجامدتان تحدّقان به، تاركتين في داخله شعورًا ثقيلًا غير مفهوم ، شعورًا مبهمًا لا يعرف مصدره، كأنهما تتوعدانه بالانتقام. لكنه لاحظ شيئًا أغرب… شيئًا أرعبه أكثر من كل ما سبق. الجثة لم تعد كما كانت؛ الملامح تغيرت بشكل لا يمكن تفسيره. لم تعد صامتة، ولم تعد ساكنة… بل ابتسمت له، ابتسامة لا تحمل سوى السخرية من خوفه، وكأنها تُرحّب به على طريقتها الخاصة