مذكرات الشيطان | مذكرات آدم : كلمات باللون الأحمر
جاري التحميل...
مذكرات آدم : كلمات باللون الأحمر
.........
*(ربما انت الان تسأل كيف كانت والدتي ....؟
كيف كانت المرأة التي تعيش مع ذلك الرجل ؟
كانت التجسيد المثالي للضعف وقلة الحيلة ، تضرب ، تشتم وتهان من والدي بشكل دائم.....
وكيف كانت ترد على ذلك ؟
تصمت وتبكي !!
اعتدت رؤية وجهها متورم او عليه علامات كدمات بسبب غضب والدي عليها ...
ما الاسباب وراء غضبه ؟
الاسباب كثيرة ، تأخرت في طهو الطعام ، ابدت رأيها ورفضت امر قد قرره ، غاضب من امر ما ولم يجد سواها لينفس عن غضبه ....
هذه الاسباب الواضحة او التي كان يستعين بها ....
لكن ما فهمته فيما بعد انه كان ضعيفاً ، مهاناً ، قليل الحيلة ...
وتلك كانت طريقته في اخفاء ضعفه .
علمت ان الاسباب الحقيقية هي انه كان يواجه العالم الخارجي بخنوع وضعف وكان ذلك يجعله يشعر بالنقص نقص عوضه بفرض سيطرته الكاملة على عائلته التي كانت الوحيدة التي يستطيع السيطرة عليها .
وكانت والدتي الشخص المثالي له لم يكن ليتمنى شخصاً ضعيف مثلها .
تتحمل وتصبر رغم اهانته او شتمه .....
اكاد اسمع تعليقك الساذج يا صديقي السطحي !!!
هل تقول لماذا لم تتطلق منه ؟
ولعلك بسذاجتك اجبت انها تصبر لأجل اولادها وتتحمل ولا تريدهم ان يبقوا وحدهم ....
هذا التفكير مثير للضحك حقاً ....
مشكلتها لم تكن اولادها فهي تستطيع اخذهم ان ارادت ....
مشكلتها كانت جبانة ، نعم جبانة وترتعد خوفاً من المجهول .
لماذا ؟
لانها كانت تعلم ان عائلتها لن تدعمها في قرارها ...
في البداية كانت تشتكي لهم بأستمرار حتى قررت التوقف .
لان ما كانت تفعله عائلتها عندما تشكو لهم ، يخبرونها ان تصبر وان تتحمل لعل زوجها يصبح جيداً ويعاملها بشكل افضل يوماً ما !
يخبرونها عن حياة المطلقة في المجتمع وكيف ينظر اليها ليختموا العظة بجملة....
الرجل رحمة ولو كان فحمة !!!
كانت تملك الخيار لكنها لم تختاره ...
تغلب خوفها عليها ...
خوفها من المجهول .
فضلت عذاب معتاد على معاناة مجهولة ، رغم انها قد لا تكون موجودة تلك المعاناة التي تخافها !
اختارت ان تكون ضحية وتعيش مظلومة مكتومة الارادة ، حتى اصبحت تلك هويتها .
استغربت الامر في البداية ....
لماذا لا تحميني والدتي ، لما لا تمنع والدي من ضربي .
لكن بعد ان فكرت ....
هي لم تحمي نفسها ، لا لأنها لا تريد بل لاقتناعها انها لا تقدر على ذلك .
كانت متيقنة باستحالة قدرتها على مواجهة والدي لذلك قررت، ان لا تقاوم ان لا تعارض ، ان تتبع اوامره دون نقاش ....
بذلك قد تسلم من جبروته وبطشه .
كرهتها بشدة ، كرهت ضعفها وخنوعها ، كرهت صمتها القاتل ، كرهت بكائها الدائم ، كرهت كل ما يخصها .
لم يكن كرهي لها لأنها لم تحميني بل لأنها كانت متقبلة دور الضحية الذي تعيشه ....
كانت يائسة لدرجة مثيرة للشفقة .
كم تمنيت ان اراها تقاوم ، تعارض ، تغضب ، حتى لو فشلت تلك المحاولات لا يهم .....
ما يهم انها حاولت الحفاظ على وجودها ،على كيانها في كونها زوجة لا عبدة ....
في كونها أم لا خادمة .
لكنها كانت تعيش دور الضحية التي تنتظر الانقاذ الذي لن يأتي ابداً .
هل تظن اني مريض ؟
لماذا؟
لأني اكره والدتي التي كان يجب ان اتعاطف معها واسعى لكي اساعدها واخفف معاناتها !!
لماذا علي فعل ذلك !!!
لقد اختارت هذه الحياة بنفسها ولم تحاول محاربة واقعها او تغييره!!
لا عدالة لمن لا ينتزع العدالة ....
تلك كانت القاعدة الاولى التي تعلمتها في حياتي ...
لا تطلب العدالة بل انتزعها رغماً عن الجميع .
ولذلك انتزعت عدالتي الاولى .....
عندما قتلت والدي .
نعم قتلت والدي ....لم اقتله بدافع الكره بل الارتقاء .
كنت اراه قدوتي والشخص الذي لا يقهر .....
هل انتابك التعجب والاستغراب ؟)*
دخل أحد أصدقاء النقيب شرف فجأة، كاسراً سكون الغرفة بخطواته الواثقة على الأرضية القديمة...
كان الرائد أحمد، وجهه يحمل ابتسامة ماكرة وفضولاً حاداً.
أخفى النقيب شرف الدفتر بتلبك واستعجال، انكمشت ملامحه، وشد كتفيه كمن يحاول أن يبتلع نفسه في المقعد.
الرائد أحمد، مائلاً برأسه قليلاً، وحاجباه مرفوعان بسخرية:
"ماذا أخفيت؟؟!!!"
شد النقيب فكه، وصوته خرج بصرامة:
"لم اخفي اي شيء ....
من اين اتيت بذلك الكلام !!!."
ارتفع حاجبا الرائد أحمد، ونبرة الشك تتسرب إلى صوته:
"أرني ما أخفيته!!!."
تحرك النقيب في مقعده بتوتر، وأدار عينيه بعيداً:
"لا أستطيع ذلك، إنها أدلة مهمة من قضية أعمل عليها....
ارجوك لا تحرجني سيادة الرائد لا استطيع اطلاعك على هذا الدليل ."
ابتسم الرائد ابتسامة باردة وهو يقترب أكثر، يخطو بهدوء حتى صار على مقربة من المكتب، يمد يده قليلاً وكأنه لا يقصد شيئاً، بينما يشتت انتباه النقيب قائلاً:
"تريد خداع محقق بهذه الشعارات؟
متى كنا نخفي الأدلة عن زملائنا في العمل!!!"
ثم رفع حاجبه، وأكمل ببطء، وكأن الكلمات سلاح لتنويم خصمه...
ثم انقض الرائد على النقيب بحركة مباغتة، وأخذ الدفتر وفتحه...
ارتبك النقيب، مد يديه بسرعة لاستعادته، لكن الرائد كان قد بدأ يتصفح، وفجأة اتسعت عيون الرائد قليلاً بينما يقول :
"يبدو دفتراً عادياً لماذا كنت تخفيه !!!"
ثم قرأ ما كتب في أول الصفحات، عيناه تتحركان بسرعة بين السطور، بينما يد النقيب تحاول انتزاعه بصعوبة.
رفع الرائد رأسه بابتسامة مشوبة بالدهشة، وصوته يعلو بحماس:
"يبدو أنه ليس دفترًا عادياً!....
لكن لماذا كنت تخفيه عني ؟!!!"
انتزع النقيب شرف الدفتر أخيراً، ووجهه متجهم، وصوته صار جاداً، يحمل نبرة تحذير:
"سيدي، أتمنى أن تبقي أمر الدفتر سراً... فأنا لم أخبر العميد بخصوصه."
أومأ الرائد أحمد برأسه بثقة مصطنعة:
"لا تقلق... "
النقيب بصوت فيه شك ونبرته تؤكد صرامة كلماته :
"لكن اعذرني انت اسوأ من يحفظ اسرار يا سيادة الرائد ، في كل مرة تخبر احد ما عن سر علمته ..."
الرائد بتنديد محاولاً تبرير موقفه :
"لكن انها بضع مرات قليلة فقط !!!
وكنت سكراناً ايضاً!!"
النقيب :
"وما الذي سيمنعك من قول كل شيء عندما تسكر المرة القادمة ."
الرائد بوجه بريء وصوت هادئ :
"اعدك ان لا اشرب طوال فترة عملك على هذه القضية ....
لن اشرب حتى تخبرني انك انتهيت من القضية .
لذلك أريد منك إعطائي نسخة مطبوعة منه لأقرؤها!"
تنهد النقيب، واستسلم بنبرة منهكة:
"حسناً، لا مشكلة...
لكن ما إن تنتهي منها، أريد منك إعادة النسخة أو التخلص منها."
ابتسم الرائد، ورفع يده وكأنه يقطع وعداً:
"بكل سرور أيها النقيب."
ثم خرج الرائد، وهو يحمل النسخة الخاصة به من الدفتر، خطواته تبتعد في الممر، فيما ظل النقيب واقفاً يراقب الباب بعد إغلاقه، وقرر في صمت ثقيل ألا يقرأ المذكرات في الفرع مرة أخرى...
انهى النقيب عمله ثم ركب سيارته متجهاً الى منزله ....
كان المساء ثقيلاً، والسماء خلف النافذة المعتمة تمطر بخفة، تصدر أصوات قطرات متقطعة على زجاج السيارة.
دخل النقيب شرف منزله بخطوات بطيئة، معطفه مبلل قليلاً، وعيناه تحملان مزيجاً من الإرهاق والقلق.
ثم طلب من زوجته ان يتركوه وحده قليلاً لانه يود انهاء عمل مهم ....
فتح باب مكتبه بهدوء، كان المكان مرتباً، مكتب خشبي عريض يتوسطه مصباح مكتبي بظل أصفر دافئ، ورفوف على الجانبين تحمل ملفات ومجلدات.
أغلق الباب بإحكام، جلس على الكرسي، وأخرج الدفتر من حقيبته ببطء.
فتح على الصفحة التي قاطعه عندها الرائد، وعيناه تتحركان على الكلمات بشغف حذر.
تنهد، ثم أخذ يقرأ بصوت عقله:
*(هل انتابك التعجب والاستغراب ؟
دعني أكمل لك باقي القصة لكي أزيل عنك ما أصابك من تعجب.
بعد أن قتلت ابن عمي عن طريق الخطأ... تغيرت معاملة الجميع معي.
أصبحت أرى نظرات الشفقة في أعين أمي وأختي، ونظرات الكره في أعين باقي العائلة.
كنت أسمع همساتهم التي ظنوا أني لم أسمعها...
إنه مجرم، لقد قتله عمداً، فليرحمنا الله مما سيصبح عليه في المستقبل.
على الأقل كان هناك من يصدقني... حتى وإن كان ذلك بدافع الشفقة.
لكن علمت أني أحمق فيما بعد...
وكان ذلك عندما تنصت على أختي ووالدتي...
أخبرتها أختي أنني قتلته متعمداً، لأن أبي أكد أنه لم يكن المسدس به مخزن طلقات، كان قد أخرجه...
وإذا كان هناك من وضع المخزن فهو أنا...
انتظرت أن تدافع والدتي عني، لكن...
اخبرت أختي انها محقة ، ثم قالت :
يا ويلي، إنه يفكر بهذه الطريقة وعمره 8 سنوات، ما الذي سيفعله في المستقبل؟ ليحمينا الله منه.)*
كانت ملامح النقيب تتبدل مع كل سطر، حاجباه ينخفضان، وعيناه تضيقان، وفمه ينقبض حين يمر بمشهد صادم.
رفع النقيب رأسه قليلاً، تنفس ببطء ثم اكمل القراءة....
*(علمت يومها أنه... قدري.
أن أكون وحدي في مواجهة العالم... وُلدت لأحارب وأنتزع حقوقي.
وبدأت بقطتنا التي كانت دائمًا تزعجني...
ربيع سنة 2003، وتحديداً عند غزو العراق من قبل الولايات المتحدة، وضعت القطة في كيس ثم...
صنعت منها لوحة دموية لم أنسها ليومي هذا.
صلبتها وبدأت انتزاع أحشائها...
كنت مستمتعًا بما أراه، لكن ما جعلني أنتشي كان صوتها... الذي كان يعبر عن مدى عذابها.
استطعت فهم كل ما تقوله...
وعلمت أن....
لغة الألم هي اكثر اللغات تعبيراً بلاغة.
الأحمر هو أجمل الألوان...
وأكثرها روعة وجاذبية.
هل تعلم ؟
الحقيقة ليست بيضاء... كما يعتقد الغالبية!!
بل حمراء قانية.
الحقيقة تصبغ من يواجهها...
باللون الأحمر.
وأنا كنت الحقيقة المرة التي كان لابد أن تظهر.
حقيقة حمراء ....لكن اقرب الى السواد في احمرارها .)*
رفع النقيب يده إلى جبهته، مسح العرق البارد الذي بدأ يتجمع، ثم استمر في القراءة بصوت داخلي مشحون.
*(بعدها أصبحت لدي عادة في تعذيب الحيوانات، من قطط وأرانب وكل ما أستطيع الوصول إليه منها. وأصبحت لوحاتي أكثر احترافية...
كنت أنظر إلى جثثهم المسلوخة الفارغة ودمائهم تقطر من أجسادهم المعلقة بلا روح...
لم يجعلني ذلك إلا أقوى.
علمت مدى ضعف الأجساد الحية...
أي دخيل عليها قد يهدد حياتها، كالسّكين على سبيل المثال....
او حتى شيء كفيروس لا تستطيع رؤيته حتى !!!
كنت أنظر إلى تلك الحيوانات وهي تبدو...
خائفة... تطلب الرحمة... ثم صراخ يؤكد لي أنها فقدت الأمل في الإنقاذ.)*
هز النقيب رأسه ببطء، وخرجت كلماته غاضبة من بين أسنانه:
"يا له من طفل مريض...
لا أكاد أصدق أنه طفل حتى!!
إنه وحش بلا رحمة وخطير، خطير للغاية، يحاول تبرير أفعاله بحجج واهية، ذلك المجرم الخبيث!!!"
تابع النقيب القراءة بغيظ مكتوم وحاجبين مقطبين، يضغط بأسنانه حتى بدت عضلات وجهه مشدودة.
*(كنت مستمتعاً حتى أمسك بي والدي...
ولأول مرة منذ زمن لم يضربني.
وقف مصدوماً بينما ينظر إلى جثة القطة المعلقة، والدماء المنتشرة في كل مكان...
ثم نظر إلي، وأنا أمسك قلبها بيدي اليسرى، والسّكين بيدي اليمنى، والدماء تقطر من بين أصابعي، وأنا أنظر إليه بثبات وعيوني ليس بها أي خوف أو... ندم.
شممت رائحة خوفه... تردده... صدمته من وحشية طفله الضعيف.)*
رفع النقيب حاجبيه قليلاً في اشمئزاز، لكن لم يتوقف القراءة....
*(كانت مجرد شكوك تأكدت عندما جاءت درجات الامتحانات وكانت سيئة كالعادة.
وكان على أبي أن يعاقبني...
بالضرب طبعاً.
لكن هذه المرة لم أصرخ... لم أبكِ... كنت أصدر أنيناً مكتوماً فقط لا غير.
شعر والدي أني أتحداه، ما جعله يغضب ويضرب بقسوة أكبر، لكن لم ينل مراده...
بل التفت إليه ونظرت بثبات لأثبت له أنني المنتصر.
توقفت ضرباته حينها ، رأيت الخوف في عينيه...
ذات النظرة التي كانت تبدو على الحيوانات قبل أن أبدأ بصلبها ، رغم محاولاته تصنع القوة رأيت ذلك في عينيه بوضوح.
علمت أنه بدأ يضعف... يتردد... يصبح أكثر جبناً.
لذلك قتلته... إنها العدالة.)*
انحنى النقيب قليلًا فوق المكتب، قبض يده على الورقة حتى كاد يمزقها....
*(هذا لم يكن انتقاماً لقسوته معي...
بل ارتقاء لي لأحل مكانه.
عندما يضعف الملك...
يتم اغتياله ليتولى الحكم الشخص الأقوى .
وغالباً ما يكون ذلك الشخص هو الخليفة الذي دربه الملك بنفسه....
خليفته الذي كان متعطشاً للسطلة وينتظر بصبر الفرصة كأنه صياد يراقب فريسته وينتظر الوقت المناسب.)*
جلس النقيب صامتاً لبرهة بعد أن أنهى السطر، أنفاسه ثقيلة، وعيناه معلقتان بالكلمات الأخيرة....
_______________
____________________
المستحيل... مجرد كلمة يرددها الضعفاء.
سيخبرك الكثيرون أن هذا أو ذاك مستحيل، لا بدافع الحقد أو الكره، بل لأنهم يعلمون أنهم عاجزون عن فعل الأمر، فيظنون أن لا أحد يستطيع فعل ذلك.
الضعيف... لا يدرك ضعفه، ببساطة.
-آدم-
** انتهى الفصل **
-يتبع....
أتمنى أن يكون الفصل قد نال اعجابكم .
اخبروني بآرائكم في التعليقات🌷❤
ما توقعاتكم للفصل القادم ؟
ماذا يخفي ادم ايضاً في هذه المذكرات ؟
ماذا ستكون ردة فعل النقيب ؟
هل سيكتفي النقيب بالقراءة فقط ام انه سيقرر التحرك وفعل امر ما ؟