الفصل الثالث:المصيدة | الأزرق الميت (الجزء الثانى من الليلة الأربعون)
اللغة: العربية
الرئيسية ربح

الفصل الثالث:المصيدة | الأزرق الميت (الجزء الثانى من الليلة الأربعون)

جاري التحميل...

الفصل الثالث:المصيدة

انتظر سليمان هود بفارغ الصبر ولكن كان ناقوس القلق كان يطرق قلبه فى كل لحظة ، يرجوا فقط أن تكون الفتاة بخير وأن لا تنحدر حالتها إلى ما لا يحمد عقباه ، بعد فترة من الانتظار ، اتى الحكيم ومعه الاعشاب واعطاها له ، و على الفور وضع الفتى الاعشاب فى الحقيبة القماشية المعلقة على كتفه ، واعطى ظهرة للحكيم وبدأ عدوه ، وكأن بساط الريح حمل قدمية دون أى سحر .

تحميل الفصول...
المؤلف

"يموت الإنسان حقا عندما يتوقف عن الدفاع عما يؤمن به، وعن من يحب"

أشرقت شمس ذلك اليوم الموعود، والعيون شاخصة نحو الشرق تظنها تشهد ميلاد ضوء جديد، ولا تدري أن بعض الشروق ليس بداية، بل خاتمة صامتة لشيء كان يُدعى أملًا.
لم تُغمِض جفون موسى طوال الليل، ظل مستيقظًا كتمساح رابض على حافة نهرٍ موحل ينتظر اللحظة التي ينقض فيها على قدره.
كان الظرف ملازمًا له لا يفارقه، كأنه جزء خفيّ من صدره، يخفق معه، يقلبه بين أصابعه أحيانًا ويحدّق في الشمع الأحمر أحيانًا أخرى، ويتساءل أيُّ مصيرٍ يسكن بين تلك الطيات، وأيُّ نارٍ خبأها الحكيم في جوف كلمات لم تُقرأ بعد. 
طارده الفضول كما يطارد السبع فريسته، وكادت أصابعه تتمرد عليه وتمزق الظرف إربًا إربًا، لكن شيئًا في داخله، خليطًا من الخوف والطاعة والكبرياء، كبّل رغبته وأجبره على الصبر.
أقنع نفسه أن كل سر، مهما طال اختباؤه، لا بد أن ينكشف يومًا، حتى تلك الحروف المخبأة خلف طبقات الورق المختومة بشمعٍ أحمر يشبه قطرة دمٍ تصلّبت في انتظار سقوطها.

ايقن شئ هام بينما تعبث الأفكار برأسه ، هو يشبه الورقه المطوية بالداخل تماماً ، ولكنه لن يفتح إلا بيديها لتقرأ ما بداخله ، نهض من سريره، وسار بقدميه العاريتين نحو ساعته الرملية يتأملها في صمت، يراقب انسياب الحبيبات كأنها عمرٌ يتساقط أمام عينيه. كان يعلم أن ما إن تسقط الحبة الأخيرة، حتى يحين الوقت للذهاب إلى الإسكافي، حيث ينتظره ما كُتب له... أو ما سوف يكتب به . 
**
وعلى شاطئ البحر ، كان يسير سليمان وحيداً ، وكأنه يهيأ نفسه نفسياً لما سيحدث ، وترتد به الذاكرة إلى كل الاوقات الحلوة التى باتت الأن أمر من الحنظل ، وتزداد مرارتها كلما شعر بخطيأته الكبرى تنهشه من الداخل ككلب مسعور ، ولكن هل الحب فعلا خطيأه ، ام أن ذنبه الاكبر لم يأتى بعد وأن ما يثقل قلبه الآن ليس سوى مقدمة للعاصفة؟ .

كان يدرك أن قدميه اللتين تغوصان الآن في نعومة الرمال لن تسيرا غدًا في نعيمٍ كهذا، بل ربما تُقادان إلى صَليِّ السعير، حيث لا بحر يطفئ النار، ولا ذكرى تخفف العذاب.
قبل عشرين عاماً كان هنا مع والده فى نفس البقعة التى يقف فيها الأن تحديداً ، كأنه يسمع صوته من جديد ، ولكن لا يدرى بأى نبره ، اهو اشتياق لولده ام ندم لا يفوقة ندم على انجابة .

***

_سليمان ، احترس فالصخور هنا حادة يابنى واخبرتك ألف مرة أن لاتمشى حافيا . 

كان ذلك صوت والده كما يتذكره ، لقد كان حنونا معه ولم يحب فى هذه الحياة أحد بقدرة ، كان أبنه الوحيد بعد أن توفت أخته الصغرى وامه تأثراً بالطاعون ،دائما ما احب أن يغنى له لينسيه مرارة اليتم ، وكثيراً ما قال له الشعر الذى كان يحبه ، وقتها كان شخص أخر غير نفسه الحاليه ، يتذكر أنه يشعر بالطمأنينة ، وبراحة البال التى لاتراوده لم تراوده إلا صدفة بعد ذلك ، حينها ألتفت لوالده قائلا بينما يركض:

_لاتخف على يا أبى فأنا قوى مثلك ولن تأثر بى حفنه من الصخور الصماء .

بينما كان يركض وخلفة صهيب والده ، رأى من بعيد جثة ملقاة على شاطئ البحر لفتاة صغيرة ، فركض نحوها بسرعة مناديا والده .

_ابى ، تعال بسرعة هناك جثة.

لحق به صهيب واقترب من الفتاة التى كانت تبدو فى التاسعة او العاشرة من عمرها ، ثيابها كلها مبتله و جلدها كان متشقق من فرط ما تشربه من مياه مالحه ، وشعرها كان ملتصقا بوجنتيها ، ازاح صهيب عنها شعرها فبوغت بيدها تمسك معصمة بينما تنظر له بعينيها المعتمتين ، لقد كانت حيه ترزق وليست صريعة كما تبين لسليمان , تراجع سليمان حينها للخلف ساقط على صخرة مدببه كادت ان تخرق اسفل ظهرة ، ثم صاح بقوة الف ريختر معبراً عن مدى المه ، ولكن بعد أن انتهى صياحه وجد والده يكلم الفتاة قائلاً بصوت حنون:
_ما اسمك يا ابنتى ومن أين أتيتى .

كانت الفتاة عاجزة عن الكلام ، كأنها نسيت كيف تلضم الحروف لتكون الجمل ، اكتفت فقط بالنظر له بينما يرتعش جسدها من شدة البرد الذى استحوذ على عظامها ، خلع صهيب عنه شاله وأعطاه لها ، وكأنه يعانقها بالطمأنينة ، ثم أردف:
_لا تخافى نحن معك ولن نتركك ابدا حتى تعودى سالمه غانمة إلى أهلك ، أنا صهيب وهذا ولدى سليمان ، سامحية على صراخة فقد ظن أنكى ميته.

حاولت الفتاة أن تنهض ولكن كانت قدماها لاتحملانها ، لذلك حملها صهيب على ظهرة وسار بها على طول الشاطئ متجها إلى منزله بينما كان سليمان الطفل المشاكس ذو العشرة اعوام يخرج لها لسانة ، كان يفكر أن افعاله الصبيانة الحمقاء ستدفعها إلى الكلام ، ولكن جميع محاولاته لاستفزازها بائت بفشل زريع ، وبعد وهله نامت من فرط التعب و الاعياء واسندت رأسها على كتف صهيب الايسر ، انتهى بهم المطاف إلى بيتهم الذى كان قريباً من مسجد القرية ، ولكنهم لم يسلموا طوال الطريق من عيون اهل القرية الفضولوية والسنتهم التى انتجت الف حكاية فى الثانية والف تأويل لمهيه هذه الفتاة ، هل هى من بلد أخر أو عالم أخر ؟ , ام جنية ولها قوة سحرية ، ام شيطانة ، كان اختلافها يخيفهم قبل أن يعرفوا عنها شيئا .

عندما دخل صهيب وسليمان البيت ، وضعها صهيب على فراش سليمان ، وراح يغطيها حتى يدفأ جسدها قليلاً إلى أن يجلبوا اخت الشيخ ياقوت لتغير لها ملابسها وتضمد جراحها ، كان جسدها يتلوى كأنه يحترق ببطأ ، فوضع سليمان يده على جبهتها ببطأ قائلاً لوالده:
_أنها تعانى من الحمى يا ابى ، فحراره جسدها مرتفعة للغاية .
وضع صهيب يده ليطمأن على حرارتها فوجد أن سليمان محق ، ادرك أنه يجب أن يتصرف بشكل سريع فطلب منه أن يجلب بعض الاعشاب لعلاج البرد من الحكيم هود ، لم يكن سليمان يحب ذلك الرجل وكان يخاف منه كثيراً ولكنه اماط ذلك الخوف عن طريقة ، سعياً لأنقاذ الفتاة ، فيكفى هذا البيت الموت الذى شهده حتى الأن . 

خرج من باب الدار وبدأ يعدو كأن غولا يجرى خلفة إلى أن وصل إلى هود ، طرق الباب فخرج له ذلك الملتحى الاغبر ، مبتسماً بينما يقول:
_اهلا ب بن صهيب ، اين والدك ايها الصبى ولما اشعر بعجلة فى انفاسك وكأنها سبقتك إلى هنا .

قال له سليمان عاقدا حاجبية :
_انا هنا لأن أبى مريض و طلب منى أن أتى إلى لك وأحضر اعشاب للبرد .

نعم ، لم يجد إلا كذبة بيضاء لا بد منها حتى يتهرب من الافصاح عن امر الفتاة ، فمنذ اللحظة التى رأى فيها نظرة الناس لها وكلامهم عن مظهرها قرر أن يحرسها كأنها لؤلؤ مكنون .

رد هود بصوت منخفض :
_حسنا ، انتظرنى هنا وسأحضر لك بعضا من الزعتر والبابونج، مع قليل من الثوم لزيادة المناعة والكركم .

انتظر سليمان هود بفارغ الصبر ولكن كان ناقوس القلق كان يطرق قلبه فى كل لحظة ، يرجوا فقط أن تكون الفتاة بخير وأن لا تنحدر حالتها إلى ما لا يحمد عقباه ، بعد فترة من الانتظار ، اتى الحكيم ومعه الاعشاب واعطاها له ، و على الفور وضع الفتى الاعشاب فى الحقيبة القماشية المعلقة على كتفه ، واعطى ظهرة للحكيم وبدأ عدوه ، وكأن بساط الريح حمل قدمية دون أى سحر .

فى طريقة مر أولا على اخت شيخ القرية كوثر ، كانت فى ريعان شبابها فى ذاك الوقت ،وجهٌ يشعّ بنقاء الفجر، وبشرة قمحية يلامسها ضوء الشمس فتزداد دفئًا، وعينان واسعتان فيهما سكون الماء وعمقه معًا. شعرها الأسود ينسدل على كتفيها في نعومة الليل، وإذا ابتسمت بدا كأن القرية كلها أضاءت من حولها
لم تكن جميلةً فحسب، بل كان في حضورها وقارٌ هادئ، كأنها خُلقت لتكون طمأنينةً تمشي على الأرض. وكل من رآها أحسّ بشيءٍ من السكينة، حتى في أكثر الأيام اضطرابًا،فهكذا يكون وجه حفظة القرأن وكأن الشمس تلتمس من وجوههم نور لتضئ به الدنيا ، قال سليمان لكوثر بعد أن طرق الباب وفتحت له :
_ اعتذر على الازعاج يا خالتى كوثر ، ولكن الأمر لايحتمل الإنتظار .

لطالما وبخته على نعته لها بالخالة ، فهى تريد دائما أن تشعر بسعر سنها ، ولكن هاهو يعيدها مره أخرى وكأنها تنفخ فى قربة مثقوبة .
ظهر على طيات وجهها بعض من الضيق ،بينما تقول له:
_ما الأمر ايها الفتى الشقى .

اكتفت بتلك الكلمات دون توبيخه هذه المرة فيكفى ماتعرض له المسكين حتى الأن وهو لم يبلغ سن الرشد بعد ، لقد كانت امه صديقتها ، لذلك بعد موتها اعتكفت كوثر وراحت تقرأ الاجزاء القرآنية تباعا وتهديدها لروحها واقسمت أنها لن تتوقف أبدا إلى أن يأذن الله ، فهذا ما تستحقة منها الطاف ، كم كان اسمها جميلا وكان لها حظ من ذلك الأسم فقد عاشت وماتت دون أن تؤذى أحد لا بقول او بفعل ، وما اجمل أن يمر الإنسان على هذه الدنيا بلطف  خفيفا كخف الريشة لا ذنوب تثقلة بل جبال من حسنات ترفعة درجات ودرجات .

سرد لها سليمان أمر الفتاة ، بينما كانت فقط تنصت دون ابداء أى تعبير على وجهها ، غير أنها قالت فى نهاية حديثة:
_اسبقنى بالاعشاب إليها ، وسوف أتى خلفك مباشرة .

استهل طريقة إلى الدار حتى وصل أخيراً ، وعند دخوله إلى الدار ، كان يشعر بأن هناك شئ مختلفاً ، مع كل خطوة يخطوها نحو غرفتة ، وكأنه يغرق ببطأ شديد ، و تتشبع رئتاه بالماء حد الاختناق ، ومع الخطوة التى وصل بها إلى والده وجده يضع لفتاة البحر كمادات حتى يهدأ من روعها ، لقد كانت تهلوس وتنطق كلام غير مفهوم ، كأن شفتيها تلفظ سرا حجب قصراً من عقلها .
_انهم قادمون ، انهم قادمون .

قال سليمان بينما يمد الاعشاب إلى صهيب:
_ها هى الاعشاب يا ابى ، هل سوف تكون على مايرام ياترى؟

كان صهيب لايحمل إجابة لهذا السؤال ، يخشى أن يجيب بنعم فيرى فاجعته تتكرر امام عينية مرة أخرى ، نفس الصورة نفس الاحداث ، وكأنه كتب عليه العذاب السرمدى ، تلك الفتاة كانت تذكرة بفقيدتي قلبه ، وقلبه لم يعد يحتمل أن يرى نكبه أخرى أمامه ، الطاف و حورية ، كانا بمثابة الشريان التاجى الايسر والايمن اللذان يضخان الحياة إلى قلبه ، وموتهما قطع عنه الحياة ولولا أنه لديه سبب ليعيش من اجله ، لتوقف قلبه حسره منذ زمن بعيد ، فأحيانا يكون ماتبقى لنا من حب يوازى ماتبقى لنا من أيام فى هذه الحياة ، وإذا عظم الحب وكان صادقاً ، سوف تخلد ذكراك  حتى وان عانقت الأرض جسدك .

اكتفى فقط بعد صمت دام لدقيقة واحدة بأن يقول متنهدا:
_ادعوا الله لها ، فهو من يشفى المريض يا سليمان أما نحن فمجرد أسباب .

كان على حق ، رغم أن اجابته كانت صعبة الفهم بالنسبة إلى سليمان ، وليس صعوبة فى الكلمات بل صعوبة فى مشقة أن يقاسى هو الاخر نفس الأمر
لقد فقد لطف حياته مبكراً ، والمرأ منا لايكون شئ بدون امه ، فمع موت الام ، يأسرك اليتم ويستحوذ عليك شئ فشئ ، فلو كان الامر هينا لما اوصى رسول الله على الام ثلاثة مرات ، هى من تعطى معنى للحياة ، بل هى الجانب الحلو من الحياة .

مع ذكرى الطفل الصغير والولد صاحب العشرة اعوام والرجل البالغ ، تفرقت دموع سليمان بكل زمن وظل الالم نفس الالم ، لاسنين تمحوه ولا الم اخر يسبدله ، عندما كان سليمان واقفا وحدقاته تعكس صورة الفتاة ، لم يكن يدرى ماهيه مستقبله 
وحتى لو علم الغيب ، لاختار الواقع  دون أى تردد .

***
تقطع ذكرياتة ،مع صوت الشيخ هابيل ، الذى اتى من اقصى القرية بحث عنه ، لقد غاب كثيراً فى الماضى حتى نسى حاضرة ، لا يدرى كيف ومتى ولكن اذان الظهر كان قد حل ، ولم يتبقى على لحظته الفاصلة سوى بضع ساعات ، ترك سليمان شاطئ البحر متوجها نحو القرية بصحبة هابيل ، حتى يأم الناس فى صلاة الظهر ، بينما كانت اخر حبه مطر قد تهاوت فى ساعة موسى الرملية معلنة عن حلول الموعد المنتظر .

ارتدى موسى ملابسه على عجل، كأن الوقت يطارده من خلف الباب.
تحسّس الظرف بطرف أصابعه ليتأكد من وجوده، ثم شدّه بإحكام إلى خصره، كمن يخبئ سرًا أثقل من أن يُحمل في اليد.
دفع الباب وخرج، والخطوات تقوده إلى بيت الإسكافي؛ ذلك المنزل الصغير الذي اعتاد أن تفوح منه رائحة الجلد المشدود والخيوط المبللة بالصبر.
وحين بلغ المكان، وجده كما لو كان مشهدًا معدًّا سلفًا له وحده.
كان شمعون جالسًا أمام عتبة بيته، ساكنًا لا يتحرك، عيناه معلقتان في الأفق البعيد، كأنما ينتظر وحيًا يتنزل من السماء، أو إشارة خفية تُجيبه عن سؤال طال صمته.
لم يبدُ عليه العجب من قدوم موسى، وكأنه كان يعلم أن الطرقات ستقوده إليه، مهما طال الطريق.

قال شمعون بصوت جهور:
_اهلا بالغالى ، اهلا .

لم يكن يملأ وجهه إلا كل مكر وخبث ، وكأنه شيطان متجسد فى هيئة بشرى .

رد عليه سليمان التحية ثم اتبعها بتسليم الجواب له:
_ها هو الجواب القادم لك من الحكيم هو يا عم شمعون .

فور رؤيته للجواب اتسع ثغرة ، وبرقت عيناه أكثر من زى قبل ثم شرع فى تمزيق الصرف مخرجا بيده اليمنى تلك الورقة  التى تحمل الكثير فى طيتها .

بدأ فى القرأة ، حتى تغيرت معالم وجهه بأكملها تحت انظار موسى الذى تسأل فى قراره نفسه عن فحوا ماكان له يوماً حاملاً ، ولكن تبددت امال  فى أن يدرك شئ مع احراق شمعون للجواب فور أن أنتهى من قرائتة ، تساقط جزيئات الورق المحترقة على الارض حتى صارت رمادا تدفعة الرياح .
قال شمعون بينما يلملم شعرة الابيض المبعثر على رأسة :
_بلغ سلامى إلى الحكيم هود وأخبره أن ما يريده الحاكم سوف يكون .

لم يفهم موسى من تلك العبارة شئ ، من هو الحاكم ؟، هل هى شيفرة ما بين هود وهذا الرجل 
واذا كانت كذلك فعلى ماذا تدل ، كانت تساؤولاته غزيرة ولكنه وعد هود بالطاعة دون أى تردد وهذا ما سيفعلة .

*****
فى عصر اليوم ، تحركت فتاة صغيرة تبلغ من العمر ١٢ عشر عام من بيت شمعون ، قاصدة دار سليمان طلبا للمساعدة. 
كانت تلك الفتاة دون أن تشعر أحد بيادق هود 
عند وصولها لباب الدار طرقت ثلاثة مرات ، حتى اتت لها عشق باسمة كالمعتاد بينما تقول:
_ كيف حالك يا سارة ، وكيف حال ابوك شمعون .

ردت عليها سارة بلسان متلعثم مثقل بنبأ غير سار:
_امى تحتضر يا خاله ، ونريدك جوارها عندما تفارق الحياة حتى تعديها لتدفن بشكل لائق .

بينما تتحدث عشق معها يكون سليمان قد عاد من جلسته مع الشيوخ ، فتستأذنة عشق للمضى نحو بيت شمعون لأن تحتضر  فلايملك إلا الموافقة على طلبها بينما يقول لها :
_احرصى على أن لا تتأخرى ياعشق فالشيخ يريدنا أن نحضر كلنا فى الحضرة التى ستقام بعد المغرب أمام منزلة .

وعدته بأنها لن تتأخر وارتدت عبائتها وبرقعها ، وسارت مع الفتاة ، بينما تمنى هو بينما تلمع عبوة السم التى أخرجها من تحت سريره فى يده ، أن يقفز إلى الغد سريعا حتى يكون كل هذا قد مضى 
،يقول لنفسه بينما يضع السم فى جيبة الايسر :
_ اين أنت يا ابى لتخبرنى ماذا افعل فى هذا المأزق ، اين أنت لتصفعنى حتى استفيق من غفلتى . 

لم يكن ينتظر جوابًا؛ فليس فى هذه الحياة من يحتمل ما كان يحمله فى صدره، لا بشر ولا حتى الجبال الشاهقة.
أحبها حدَّ القتل، وجهل نفسه حدَّ الضياع… فسقط بين الاثنين، قاتلًا بلا بوصلة، وعاشقًا بلا نجاة.

رفع هامته  إلى الاعلى ، ودلف نحو باب الدار ، تارك الوقت فقط كمسافة تفصله عن طامته الكبرى.

*****
وفى بيت ال ريان, كانت يارا تجهز نفسها ، وكذلك يفعل والدها ، كانت واقفة امام المرآة تهندم ثيابها وعلى الرغم من سكون عينيها وهدوء ملامحها إلى أن التأجج داخلها بلغ اقصاه ، تظل الاسئلة تلاحقا عن ما سوف يحدث لها ، وما هو العبور ، كانت اذنها تتابع خفقات قلبها ، التى تزداد تسارعا من حين إلى أخر ، حتى أنها رددت سورة الفاتحة والإخلاص لتتملص من توترها ، ولكن لم يهدت من روعها حقا إلا صوت قرأة والدها للقرآن ، لقد كان صوتة سكينة ، اضفت على روحها بعض من الراحة ، حتى أنه دعى لها بعد أن أنهى قرأتة ، أن يحفظها المولى من الشرور وأن يتم العبور دون أدنى مشكلة .

_يارا ، هل أنتى جاهزة يا ابنتى ؟.

اسدلت ستار وجهها وتقدمت مغادرة غرفتها بينما تهمس لذاتها :
_بسم الله توكلت على الله ولاحول ولا قوة إلا بالله .

التقيا أمام باب الدار ، وابتسم لها عادل مربتا على رأسها كأنه يبث فيها الطمأنينة دون أن  ينطق ببنت شَفَة، ،ولم يكن منها إلا أن إقتدت بنبى الله اسماعيل عليه السلام ، فى الصبر والطاعة ، حتى وإن كان الثمن حياتها ، فهى واثقة بأن الفداء قريب .

امسك يدها ، فهى طفلته الصغيرة مهما كبرت وسارا سويا  فى الدرب المؤدى إلى دار الشيخ ياقوت ، وفى تلك تلك الاثناء كانت سارة و عشق قد وصلتا إلى بيت شمعون .

دفعت سارة الباب الخشبي العتيق، ثم أشارت لعشق بالدخول معها.
كانت خطوات عشق تسري فوق الأرض كأنها تمشي على صدرها هي، لا على التراب؛ كل خطوة تُحدث في داخلها رجفة خفية، لا تعرف لها سببًا.
لم يكن في الدار صوت بكاء كما توقعت، ولا أنين امرأة تحتضر… فقط سكون كثيف،مصاحب لانين خافت يتنقل بين الحجرات ، وشعور غريب لازمها مع مرور العتبة .
مع دخولها توقفت لحظة، ونظرت إلى سارة.
كانت الفتاة تسير أمامها ببطء، رأسها منخفض، ويديها متشابكتين أمام صدرها، طابقة على روحها من البوح بأى  لمذة . 

قالت عشق  فخرج صوت عشق خافتًا، كأنه يخشى أن يوقظ شيئًا نائمًا في الجدران.:
أين أمكِ يا سارة؟
لم تأتها إجابة.
ولكن جذب أنتباهها ستارة داكنة في آخر الممر، تتحرك قليلًا… رغم أن النوافذ مغلقة، تقدمت و
كلما اقتربت، شعرت بأن قلبها يخفق بطريقة غير مألوفة، كأنه لا يدق في صدرها، بل في المكان نفسه، وهى تشعر به ينقبض وينبسط فى كل لحظة .
مدّت يدها بتروى لتزيح الستار.
فتوقف الهمس.
وتبقت أصوات متداخلة، منخفضة، غير واضحة، كأنها تأتي من تحت الأرض.
لكن ما إن لمست أصابعها القماش حتى انقطع كل شيء دفعة واحدة.

ابتلعت ريقها، وأزاحت الستار.
الغرفة  كانت شبه معتمة.
شمعات قليلة موزعة بعشوائية، ضوؤها يرتجف كأنها على وشك الانطفاء.
الفراش في المنتصف… خالٍ، اقتربت ببطء ، واضعة يدها على الوسادة ، التى كانت دافئة كأن احدا كان هنا منذ لحظات ، تراجعت خطوة ، التفتت تبحث عن سارة ، ولكن الصغيرة اختفت تماما كأنها كانت خيال من صنع عقلها الباطن . 

نادت عليها مجدداً.
_سارة اين أنتى ؟
صوتها هذه المرة خرج أعلى قليلًا، لكنه بدا غريبًا في أذنها، كأنه ليس صوتها، ثم صدر صوت من الارضية الخشبية اسفلها وكأنها تتحرك ببطء ، كان صوت صرير كويل ، ممتد ، لايصدر إلا عن خطوات بشرية ولكنها لم ترى أحد.

استدارت، فرأت الباب الخارجى يغلق ، دون أن تلمح يد تدفعة ، ثم انطبقت الضلفتان على بعضهما في هدوء مخيف. كانت تحاول أن تقترب من الباب ولكنه كان يبتعد عنها  ومع يأسها بقيت في منتصف الغرفة،متسمرة فى مكانها بلا حراك . 
والظلال على الجدران بدأت تطول…
كأنها تقترب منها.

امتزجت الظلال ، لتكون كيان واحد ، يبدو كأنه رجل عجوز ، فدفعها ذلك للصراخ :
_من أنت ؟.

لم يرد عليها ، وفجأة اصبح وجهه ملاصق لوجهها ، و سحب الضوء من كل زوايا الغرفة ، حتى بات جسدها نفسه معتم ، ولم يصدر لها أى صوت بعد ذلك .
		       
×
جاري التحقق من حالة حسابك...

لوحة أرباحك

أهلاً بك في برنامج شركاء الأرباح. يتم احتساب أرباحك بناءً على زيارات رواياتك المقبولة.

الزيارات المحتسبة 0
الأرباح المقدرة $0.00

تم الإرسال بنجاح!

"تم استلام طلبكم الخاص بالانضمام لبرنامج الأرباح بنجاح. الطلب الآن قيد المراجعة"

قيد المراجعة حالياٌ

"طلب الانضمام لبرنامج الأرباح قيد المراجعة حالياٌ. تستغرق عملية التحقق وتجهيز حسابك فترة تتراوح ما بين 7 إلى 14 يوم عمل"

الشروط غير مكتملة

عذراً، لتحقيق الربح يجب أن تمتلك في حسابك
4 روايات على الأقل.

يجب تسجيل الدخول

"يرجى تسجيل الدخول إلى حسابكم المعتمد للمتابعة وتقديم طلب الانضمام لبرنامج الأرباح"