جزرةٌ كبيرةٌ | مذكرات كائن
اللغة: العربية
الرئيسية ربح

جزرةٌ كبيرةٌ | مذكرات كائن

جاري التحميل...

جزرةٌ كبيرةٌ [^:

سفر... سفر؟؟!! إلى أين؟؟ مصر؟

تحميل الفصول...
المؤلف

ولدت في أرض، فسكنتها، وها أنا أرحل.


> رسالة في غاية السرية!

اسم المرسل: ميسم (ميس ابنتك)
اسم المرسل إليه: وليد (أبي)
التاريخ: ....

أبي العزيز،
تحية معطرة بأطيب وأحن شذى ورد الياسمين والجوري أما بعد،
بداية، أحب أن أخبرك بالكثير والكثير من الأمور يا أبي، لكنني أوقن أن قطعة الورق هذه قد لا تتسع حقاً لما أود أن أحكيه، لذا، سوف أختصر قدر الإمكان وأخبرك بالمهم.

قد تظن أنني أكتب إليك حتى أنفس ضغوطي، لكن هذه الرسالة -في الواقع- هي محاولة مني لإيصال مشاعري لك بما أن هذا غير متاح الآن وجهاً لوجه، كما أن اتصالاتك قليلة وبالكاد تستمر لدقائق. أرجو فقط أن تطلبني عندما تتحدث إلى أمي يا أبي في المرة القادمة، هذه مجرد نصيحة.
أبي، أرغب أن أخبرك بأنك، كما كل الآباء لبناتهم، سندي الوحيد.

أنت يا أبي موجود معي دائماً، أعلم ذلك وإن لم تكن معي حقاً، إلا أنك تسكن قلبي ولم تفارقه لحظة.

أتذكرك دائماً، وأستحضر رؤياك ومحياك، أفتح صورك خفية، لا أعرف لم خفية لكنني لا أخبر أمي على أي حال، وأتامل مرآك، وهكذا اكتشفت أن عينيك خضراء، ولديك نمش خفيف جداً يتركز حولهما.

رسمتك كذا مرة، وأخفيت الرسومات في كتب عديدة لا أتذكر عناوين لها الآن، لكنني أخبئ هذه الرسومات أجمع في قلبي أولاً، مكاني الخاص والوحيد، والذي تشغل فيه حيزاً كبيراً، لذا، أطلب منك أن تخفض ضوضاء التلفاز هناك، لأنني لا أستطيع النوم ليلاً منها.

بعيداً عن المزاح، أنا أفتقدك يا أبي، وبشدة، أشتاق إليك، أشتاق إلى رؤيتك أمامي ليس عبر الصور، وإلى سماع صوتك، ليس بصعوبة عبر أسلاك الهاتف، بل إليك، إليك أنت مباشرة.
ولأنني أفتقدك وأنت قلبي وسندي، ولأنني أحلم بمرآك مئات الليالي، أرغب بأن أراك، بل أرغب بأن أراك كل يوم، وكل ساعة، وكل لحظة، وألا أفارق جانبك أبداً.

وفي الختام أقول، أعتذر طبعاً على الإطالة، لكنني، وبكل صدق، أرغب حقاً بأن تعود، يا أعز ما أملك وأغلاه، يا أبي العزيز وليد.
أنا الموقعة أدناه
ابنتك المحبة: ميس
******

> عبثيات عائلية

أول زيارة أتذكرها بوضوح محدود لمنزل عائلة أبي، كانت قبل عدة سنوات، فذكرياتي غائمة غير واضحة، لكن تفاصيل البيت الجديد وانطباعاتي الأولية عنه أتذكرهم بوضوح.
لطالما قضيت أوقاتاً طويلة في منزل جدتي من ناحية أمي، حفظت أحجار الأرض الملونة، وانطبع في ذاكرتي الأثاث العتيق المطعم بالأحجار الصدفية اللامعة.

كانت المحظورات عديدة هناك، في منزل جدتي، فغرامها الأوحد كان هذا المنزل وهذا الأثاث، وعليه، ممنوع الوقوف على الأرائك، ممنوع العبث بزخارف الحوائط التي تزدان باللوحات، ممنوع العبث بحوض السمك، أو ترويع الكائنات الرائعة الملونة داخله.

ممنوع ممنوع ممنوع، رغم ذلك كله، كانت راحتي كبيرة في ذلك البيت القديم الذي يطوق أغلب ذكرياتي، يتربع في أعالي الحارة وعلى بعد بضعة جادات (حارات) من منزلنا، محاط بأحواض ياسمين طري غض، تنبعث روائحه الزكية عندما تجتاز مدخل العمارة. أما هذا البيت، بيت غريب علي، جديد، بارد، لا أشعر فيه بأية راحة.

قالت عمتي مخاطبة أمي:
"فلتدعي ميسم وسليم يتعرفان بأبناء عمومهما وعماتهما يا سلمى."

قدمنا للعديد من الأولاد، أغلبهم من الصبيان الصغار، وكلام كثير أمثال:
"هذا ابن فلان، وهذه ابنة علانة.." 
لا أتذكر منه أي تفاصيل.

كل ما أذكره كان أنه لدي بنات عم ثلاث أسماؤهم هكذا حرفياً (وقد لفتت نظري غرابة الأسماء) :"بديعة، ووديعة، وسميعة."
ما سر هذه التسمية؟ هل هذه مزحة؟
تقول أمي (لاحقاً): " كانت هذه مشكلة كبيرة وقديمة -قدم مولدك بالمناسبة- في العائلة، عمك أراد أن يسمي ابنته الأولى على اسم جدتك، بديعة، فامرأته غارت، "ولم لا أفعل المثل لأمي؟" تقول، فجاء اسم وديعة، حماة عمك، توفيت يرحمها الله، أما سميعة فجاءت من خالة البنات الوحيدة، حيث لم ترض زوجة عمك باختيار اسم واحد، فسمت الصغرى على اسم خالتها والتي هي بمثابة والدتها، تطلقا بعدها مرة بسبب هذا الأمر ثم عادا وكأن شيئاً لم يكن، سبحان الله."

أما عن كونهم على القافية، فيبدو أنه صدفة، صدفة غريبة.
على كل إنه شرح طويل وجميل، ومثمر حقاً، شكراً أمي، لكن لنعد.

كان لدي أولاد عمة صبيان، عينة من صبيان العائلة الباقين لكنهم كانوا الأكبر. هم ثلاثة أولاد، ولهم قصة مميزة مشوقة جداً أيضاً.
جاءت عمتي إلينا في العيد في غابر الزمان، بعد أن عرفنا أن لدينا عائلة من جهة والدنا طبعاً، وجاء معها أولادها الثلاث، يبدون كملائكة، بعيون خضراء طويلة الأهداب، وشعر مقصوص بعناية.

كان الثلاثة متقاربين في العمر، لا يفصل بين كل منهم سوى سنة، بينما يكبر سليم باسل، الأكبر، بسنتين.

قالت عمتي بعد نحو خمس دقائق من وصولها (هذه المدة مبالغة مني طبعاً فاعذروا ذاكرتي القاصرة):
"لم لا ندع الأولاد يلعبون في الأسفل؟"

ردت أمي باستغراب كاد يتحول استنكاراً:
"في الأسفل؟ الأولاد غير معتادين أن يلعبوا في الشارع..."

ضحكت عمتي ضحكة عالية سريعة التردد وقالت:
"ولا أولادي طبعاً، لكن الحارة عندكم آمنة يا سلمى، إنها مجرد حارة وليست شارع، لا تقلقي..."

وافقت أمي، وقتها أتذكر أنني تفاجأت حقاً، ربما لست وحدي من تفاجأ، بل أمي كذلك لذا وافقت بغتة وعلى مضض.

نزلنا نحن الخمسة، أنا وسليم المتحمس جداً وباسل وعماد وشريف...
همس سليم في أذني:
"لو كان لدينا وقت لكنت اتصلت بأمجد وأحمد..."
رددت براحة :"الحمد لله على قلة الوقت."

صادفنا في الأسفل لينا، تتجول ربما أو تمثل أنها سوف تشتري شيئاً لكي تتجول في الحقيقة، لكنها انضمت إلينا على كل حال بعد التعارف والتلاطف. نعم، إنها التشكيلة النموذجية الوشيكة على ارتكاب الأذى.

مر أغلب الوقت بسلام، كنا نجري خلف بعضنا ونلعب الغميضة، وأشياء أخرى.
كنت أعلو برأسي بشكل دوري، فأجد في كل مرة رأس أمي بغطاء الصلاة يطل من الشرفة محذراً (لا تبتعدوا عن ناظري!)

ثم قرر أحد الأولاد (كان عماد، الأوسط، على الأغلب) أن علينا أن نجلس ونتحدث.
سأل هازئاً فجأة: "لكننا قدمنا لنرى خالي، أين خالي يا ترى؟"

نهره باسل (الأكبر) :" عماد! كفى."
-"ماذا؟ أستفسر، هل عيباً أن أستفسر؟ قيل لنا أننا قادمون لبيت خالي، لكن اتضح أنه لا خال هنا، أين هذا الخال الخطير يا ترى؟"

قلت بصرامة :"كفى قلة أدب!"

بادر سليم :"ومالي لا أرى أباك أيضاً؟ أم أنه لا أب هنا بالمرة؟"

احمر وجه عماد الصغير الملائكي -سابقاً- وقال لسليم:
"الزم حدودك يا ابن زوجة خالي، أبي موجود في المنزل لكن أباك، أين هو؟ إنه ليس في المنزل."

قالت لينا بسرعة: "أنت تسدد الكرة في مرماك يا أحمق، أبوك هنا، في بيتكم، لم لم يأت؟ على الأقل العم أبو ميس مسافر ومعه عذره!"

ضحك عماد عالياً وقال:
"نعم، مسافر في الهفاء!" 
(مكان غير معلوم الملامح، لكنه بمثابة شتيمة)

دفع سليم عماد بيد واحدة مزمجراً "توقف" ثم شعر برأس صغير يقتحم صدره فجأة وإذ بصوت رفيع يقول:
"لا تضرب أخي!"
هذا كان شريف.

تدخل باسل بينهما وقال سريعاً:
"لنهدأ يا شباب، لنهدأ."

قال سليم وهو يلهث:
"ألا ترى كم أن أخاك قليل الأدب؟"

مد عماد يده فوق كتف أخيه، ودفع كفه في وجه سليم وهو يقول:
"لا تقل ذلك عني!"

عاد سليم ليرد الضربة، لكن من تلقاها كان باسل، فاحمر وجه الأخير وهنا بدأ العراك الحقيقي بين الاثنين، أو الثلاثة إذا حسبنا باسل وسليم مع شريف الذي لا يكاد يرى بين الاثنين.

غضبت، غضبت بشدة وأنا أرى الأمر يأخذ منحاً آخر بعيداً عن أصل الشرور، ذاك الولد، عماد.

كان الشرر يتطاير من عيني وأنا أراه يبتعد بظهره رويداً رويداً، فانقضيت عليه من الخلف بسرعة البرق، ولم يدرك هو ماذا حدث، أو من يكبله من الخلف.

رأتني لينا سريعاً فنأت بعيداً بنفسها بينما تراقبني بنهم وأنا أتسلق ظهر عماد، وأرفع يدي عالياً جداً، ثم أنزل بأقسى طيارة قد يأكلها عماد على نقرته (والضرب على مؤخرة الرأس يسمى طيارة، كما تعلمون، أو ربما، في حالتنا هذه، يسمى صاروخاً لا طيارة عادية) تليها طيارات عدة تماثلها في الشدة والقوة.

وفي خضم الحرب المشتعلة والضرب والدفع والطيران، وبينما يحاول عماد أن يحمي نفسه فيلوح بيديه يمنة ويسرة كأبله يحاول أن يطير بمروحتين، أطل رأس أمي، ولم يكن ما رأته، ولا ما فعلته لاحقاً، ساراً أبداً.
******

> العودة 3 - بيت الجدة - أوائل 2010

ابتسم أبي ابتسامة دافئة ووجهه محمر (ربما من كثرة القبلات التي انهالت عليه من كل حدب -أنا هو الحدب -:) وقال:
"نعم، قررنا أنا وسلمى بأن نسافر، سوف نستقر في مصر بإذن الله."

خيم صمت قصير على الجميع في بيت جدتي، قطعه خالي سريعاً:
"وفقكم الله في أي مكان، مصر بلد جميل."

فأتبع قوله زوج خالتي معقباً:
"نرجو من الله أن يختار لكم الأفضل والأحسن، تستأهلون كل خير والله."

لم أدرك ذلك وقتها، لكن الخبر الذي أعلنه أبي كان بمثابة قنبلة انفجرت في العائلة، لا أدري الوصف الأدق لها، هل هي الصدمة؟ هل هو الحزن والخوف من الفراق؟ بالنسبة لنا -أنا وسليم- كان خبراً مفرحاً، وإثارة ما بعدها إثارة، نحن، الذي لم نطأ أرض بلاد أخرى، سوف نسافر عبر القارات! يا له من عجب!

أخذت أسافر وأسرح بخيالي، إلى تلك الأهرامات الشامخة، المتراصة إلى جانب بعضها البعض في الصحراء المصرية، والتي لطالما شاهدتها وقرأت عنها في الكتب.

أخذت أتصفح موسوعتي، أقرأ عن عجائب الدنيا السبع، أحملها بسرعة عندما أجد الصفحة المنشودة وأقول لأبي:
"سوف نسافر هناك؟" وأنا أشير إلى الأهرامات.

يبتسم ابتسامته ذاتها وهو يقول بصوته الهادئ: "نعم."

أما سليم، فقد اتخذ تجميع المعلومات العشوائية عن مصر عادة، وكان يأتي فيصبها صباً على رأسي، كلها دفعة واحدة:
"هل تعلمين أنهم إلى الآن لم يتأكدوا من كيفية بناء المصريين القدماء للأهرامات؟"

أتنهد وأجيب: "أعرف، هذه المرة العشرين التي أسمع بها فقرة هل تعلم هذه."
فينفجر أبي بقهقهات خافتة ظريفة وهو ينظر إلينا.

أما أمي فقد تحسن مزاجها جداً، غفرت لي تصرفي الأخير مع لينا، وغفرت لي أنني لم أرها رسائلي -ومنها رسالتي الأخيرة تلك- إلى والدي، ذات يوم سمعتها تدندن أغنية ما، تخيلوا!

دوي القنبلة كان قد خلف أصداء في الناحية الأخرى من العائلة كذلك، رغم أنهم تقريباً لم يلتقونا إلا مرات تعد على الأصابع، إلا أن أبي باشر بزيارة بيت أهله سريعاً بعد أن عاد، وقد كان الجميع هناك بالفعل.

اكتشفت أن العدد الرهيب من الأولاد كانوا جميعاً ينتمون إلى أعمامي الثلاثة وعمتي، أما عمتي الثانية فلم تتزوج، وأما عمي الأكبر فتوفي رحمه الله، وتستطيع أن ترى صورته معلقة بوضوح في مقدمة الصالون. قابلنا "الملائكة الثلاثة" بالطبع، وتظاهرنا كما تظاهروا بعدم معرفتنا، إلا شريف الصغير فقد كان يحدق بأبي ذاهلاً.

انفرجت أسارير الجميع، دون استثناء، عندما أعلن أبي أنه سوف يوزع عيديات الأعياد المتراكمة عليه على الجميع، حلت بهجة طويلة بدل الصمت المتوتر السائد، خصوصاً بعد أن أعلن أبي خبر السفر.

كنت مشغولة للغاية بمراقبة عماد وهو يلوح بالأموال منتصراً، ويرنو بنظره نحوي بين الفينة والأخرى، تمنيت للغاية أن أتمكن من تذكيره بهديتي من تلك المرة، وأن أتبعها هدية أخرى هنا والآن حتى يستبدل نظرته الهازئة بخوف واعتذار، وربما لاحت بوادر ما أفكر به على طلعتي، فنكزتني أمي عدة نكزات بيدها حتى أشحت ببصري. فجأة أدركت، أين ذهب أبي؟ سألت أمي بما أشبه بالذعر، فوضعت سبابتها على شفتيها وهي تهمس:
"صه!" 

ما لم أدركه قبلاً، وسمعته لاحقاً، أن عماتي وأعمامي وجدتي قد اختلوا بوالدي في الردهة المجاورة، وقد تحدثوا نحو ساعة أو أكثر بقليل، في أمور عائلية، وأمور مالية، والسفر ربما.

حقهم تماماً، أدرك ذلك، لكنني أيضاً أعرف أنهم لم يحاولوا التواصل أو الاطمئنان على أبي مطلقاً خلال الفترة السابقة بأكملها (حسناً، ذلك باستثناء جدتي) حتى معنا لم يتواصلوا بشكل جيد رغم أننا بادرنا وذهبنا إليهم (أمي من فعلت لكن المغزى مفهوم).
عموماً، لا أحقد على أحد (واضح، أعني...)، باستثناء ذاك الولد عماد، وأرجو ألا ألقاه أبداً.
******

> العودة 4 - عيد الأضحى 

هذا أول عيد أضحى يقضيه معنا أبي منذ فترة طويلة جداً.
رغبت أن أري أبي كيف كنت أصوم أياماً كاملة دون انقطاع، رغبت بأن يشاركنا التحضير الجماعي "لعزومات" العائلة في الشهر الفضيل، جمعة العائلة في بيت جدتي، مكونات الطعام تتناثر على الطاولة الطويلة الممتدة عبر الصالون حيث نتراص نحن على جانبيها، الكبار (جدتي وخالتي وأمي) يعملن، ونحن الصغار نراقب بنهم، بل ونحاول أن نساعد بأيدينا فنعيث فساداً في الأغلب.
رغبت بأن تزين عائلتنا الشرفة وشباكنا الصغير المطل على الحارة، تزدان بأنوار ملونة تلمع في المساء.

رغبت بالكثير والكثير، ولكن لم يتسن لأبي القدوم أبكر من ذلك، فمع ذلك أنا ممتنة، لقد بقي معنا أبي وقتها شهراً بحاله.

قالت لي أمي:
"لم لا تريه تلك الرسالة يا ميس؟"

الرسالة! لأبي؟ يراها حقاً وجهاً لوجه كما تمنيت في أحلامي؟

قدمت على استحياء وفي يدي تقبع الرسالة ذاتها، بلاصقها الشفاف وكلماتها المبعثرة، لاحظت لمعة في عيني أبي الخضراوتين، تتألق للحظة بوضوح وهو يمرر حدقتيه الجميلتين على كلماتي، ارتعش جسدي للحظة، ثم أخفض يديه ورفع رأسه، ونظر إلي نظرة لا أنساها ما حييت، ولو كنت سأرسم كلمة حب في صورة ما، فتلك التي رأيتها ترتسم على وجه أبي حينها.

حضنني، وهمس في أذني:
"حاضر، سوف أمتثل للنصيحة، وأنا آسف."

طوقت رقبته بيدي، وانضمت إلينا أمي، وبكيت في صمت، وما لبثت أن اكتشفت أن جميعنا فعلنا المثل.

يبدو أن أخي كانت عنده الكثير من الرغبات على شاكلتي، فكان طوال هذا الشهر يعود مباشرة إلى المنزل، يصل قبل عادته بساعة وثلاث عشرة دقيقة، أو نحوها لأنني لم أكن أعد له في تلك الأيام، فأنا مشغولة مع أبي، ولا أكاد أخلو به لنفسي بعد المدرسة، إلا يصل أخي متلهفاً، ويسرد أحداث يومه بشراهة، وكأنه لم يتكلم طوال حياته، وقتها فقط عرفت كم كان سليم ثرثاراً.

المهم أن أبي استطاع تمضية العيد معنا، حضر تقاليد العيد، وحضر ورشة صناعة الحلوى الصاخبة، معمول التمر والفستق والجوز، والطاولة الطويلة جداً ذاتها، والروائح الفواحة الشهية والصواني الغادية والرائحة والمتأخرة.
حضر الكثير من الزيارات، والكثير من الأقارب، كل من ذكرت من عائلتي قدم تقريباً إلى منزلنا، أحمد وعائلته بعد أن انقطع عن اللعب معنا -لذا لم نتبادل كلمة- وأناس أعرفهم ولا أعرفهم من عائلة أبي، خالتي وزوجها والأولاد، خالي، والكثير والكثير من الناس... والكلمة الأكثر تردداً على ألسنتهم،
"فليختر الله لكم الخير." 
عندما يعلمون خبر السفر.

ذات ليلة لم أستطع النوم، دخلت أمي إلى غرفتي المضاءة بنور باهت، قالت بابتسامة:
"لم لم تنامي بعد؟ والدك قلق."

قلت وعيناي تلمع: "ألن يأتي؟"

كشرت قليلاً وقالت بشبه ابتسامة:
"يا فتاة! أنسيت أمك ولم تعودي تريدينها؟"

ضحكت بخبث فقرصتني بخفة من إبطي وقالت:
"إنه يحادث أخاك، سوف يأتي سريعاً، أخبريني، ما الذي يقلقك؟"

قلت بحيرة: "هل أخبر صديقاتي بأمر السفر؟"

فكرت أمي لوهلة ثم قالت: 
"تمهلي الآن حتى يسافر أبوك."

ثم سألت بعد تردد: "هل تصالحت أنت و..."
قلت بسرعة وأنا أبحث بلا مبالاة (مصطنعة لدرجة كبيرة) عن موسوعتي الغالية:
"لا."

ليلتها جاء أبي، وسهرنا كثيراً جداً نتصفح الموسوعة، بينما حاولت جاهدة ألا يلاحظ التصاق أول صفحتين ببعضهما، ولم يفعل حمداً لله. بعدها، استيقظت في اليوم التالي على أمي تشدني وهي تصيح قاصدة بغضب:
"لن يأتي أبوك إلى غرفتك ثانية في المساء! انهضي، سوف تتأخرين على حافلة المدرسة!"
أظن أن أبي سمع بوضوح صوت أمي العالي و للأسف فهم الدرس!
******

> ذكريااااااات - موسوعة خطابة - أواخر 2008

إذا ما غصت عميقاً جداً جداً في ذكرياتي، قد أجد ذكرى أو اثنتين مع أبي، بعيداً جداً قبل أن يسافر.

في ذكرى غائمة جداً، أذكر ذهابنا لشراء كتب لنا من المكتبة، لا أذكر ما اشترى أخي، لكنني أذكر حيرتي، خصوصاً أنني كنت أقرأ بنهم كل قصص الأطفال في مكتبتنا وقتها...

أرى ذكرى ضبابية عن أبي وهو يختار كتاباً يبدو ضخماً بالنسبة لي في تلك الفترة، وأذكر أمي تتذمر بشأنه:
"أليس كبيراً جداً عليها؟" 
وأذكر تمسكي به وإعجابي بغلافه، ونعم، هذه هي الموسوعة الغالية.

كبرت مع هذه الموسوعة، كنت أبقيها بجانبي لا في المكتبة المقدسة مع باقي الكتب، على رفي الصغير في غرفتي، أتصفحها كلما طاب لي ولا أفهم أشياء عدة عادة، لكنني أكبر فأنضج فأفهم رويداً رويداً.
أمرر أصابعي على الكتابة اللامعة متقنة الطباعة، أتنشق رائحة الورق الحلوة، حتى أنني أحب صوت إقفال جناحي الكتاب على بعضهما بقوة.

منذ وقت قريب، نحو سنة، كان لدينا نشاط في المدرسة في حصة القراءة، اجلبوا الكتاب المفضل لديكم.

حملت هذه الموسوعة بجهد ووضعتها في حقيبتي، فانتفخت فجأة كما لو أنها أصيبت بانتفاخ قولون، علق أخي الكوميدي جداً:
"حقيبتك سمينة."

كدت أرد الصاع مئة صاع عندما تدخلت أمي:
"اسكت يا سليم، أليست ثقيلة عليك هكذا؟"
رددت: "لا بأس."
هذا هو كتابي المفضل على أي حال.

في ذلك اليوم تركت كتابي مفتوحاً وخرجت إلى الباحة في وقت الفسحة، جميع من في الصف فعل هذا، لأعود وأرى جملة غاية في الروعة تزين الصفحة البيضاء الأولى بخط رديء جداً:
"خالد يحبك ويرغب بالزواج بك!"

قالت أسيل بلا أي تردد:
"بلغي عنه الآنسة، وبسرعة."

قلت: "نعم هذا ما ينبغي فعله، لكن..." وحدقت في الكتاب مترددة.

قالت لينا بتردد مماثل:
"ماذا لو لم يكن هو من كتب ذلك؟"

وافقتها في داخلي، لا يبدو هذا من كتابته، هذا لا يبدو من فعل خالد أصلاً باعتبار شخصيته الهادئة والرزينة، حتى إن كان سمع كلامي مع لينا عن أنس في ذلك اليوم. وأظن أن هذه الخاطرة انبثقت في رؤوسنا جميعاً في نفس اللحظة.

سألت ريم: "إذاً من يمكن أن يفعل هذا؟ لغز جديد؟"

قالت أسيل بتؤدة: "هذه ليست لعبة، أرى أن نتروى ونرى ماذا نفعل."

هززت رأسي محمرة، أخذت العبرات تتجمع في مقلتي، حضنني الفتيات وربتن على كتفي، ولم أخبر أحداً بالحقيقة وقتها.

الحقيقة... هي أنني لم أنزعج من الكلمات ذاتها، ولم أنزعج أنه -هو أو غيره- قد يكون سمع كلامي مع لينا وقرر كتابة هذا ليغيظني، ولم أنزعج من تحديق ولد آخر -اسمه كامل- بشكل فج وهازئ بي وبصديقاتي وقتها، ولكن ما أزعجني حقاً، وحز في نفسي بشدة، هو كيف يتجرأ هذا الشخص -كائناً من كان- أن يخرب موسوعتي الغالية!!
******
		       
×
جاري التحقق من حالة حسابك...

لوحة أرباحك

أهلاً بك في برنامج شركاء الأرباح. يتم احتساب أرباحك بناءً على زيارات رواياتك المقبولة.

الزيارات المحتسبة 0
الأرباح المقدرة $0.00

تم الإرسال بنجاح!

"تم استلام طلبكم الخاص بالانضمام لبرنامج الأرباح بنجاح. الطلب الآن قيد المراجعة"

قيد المراجعة حالياٌ

"طلب الانضمام لبرنامج الأرباح قيد المراجعة حالياٌ. تستغرق عملية التحقق وتجهيز حسابك فترة تتراوح ما بين 7 إلى 14 يوم عمل"

الشروط غير مكتملة

عذراً، لتحقيق الربح يجب أن تمتلك في حسابك
4 روايات على الأقل.

يجب تسجيل الدخول

"يرجى تسجيل الدخول إلى حسابكم المعتمد للمتابعة وتقديم طلب الانضمام لبرنامج الأرباح"