حبٌّ وحربٌ | مذكرات كائن
جاري التحميل...
حبٌّ وحربٌ ♡•¤
حب الكائن الأول 👀
هناك تقاربات مفيدة وأخرى غير مفيدة على الإطلاق! > الركلة الصاروخية 2 - بيتي البيتوتي - 2009 حدقت أمي بالأرض بطريقة تشعرك بأن الأرض ارتكبت جرماً رهيباً، كانت جالسة في الصالون بلا حراك، لا تزال بملابس الخروج التي ارتدتها للعمل، وكان هذا مشهداً نادراً ما أراه، أمي جالسة هكذا دون أن تهتم لأمر هندامها وترتيب ملابسها فور أن تصل إلى المنزل. كنا في حالة فوضى شديدة وكأننا في حالة حرب، سليم بوجهه وعينيه المحمرتين كالدم، وأنا بشعري الأشعث وكأن قنبلة مدوية قد نفشته نفشاً. سمعت أمي كل شيء، كنت أتحدث وأروي ما حدث وسليم يفعل المثل، لكن لا صوته ولا صوتي أنا حتى كان يصل إلى مسامعي، كل ما أسمعه هو نبض عنيف في أذني يخض بدني خضاً. العقاب، إنه العقاب يلوح لا محالة. عندما وصلت أمي ورأت منظرينا، تناولت كلينا من أذنه، وطبقت استراتيجية (فركة الأذن) الفورية، ثم جلست وبدأت تستمع إلى ما حصل. عندما وصلنا إلى جزء الشجار، الكتابة والورقة وشد الشعر، وأخيراً الركلة الصاروخية (كما قالها سليم بالحرف) نظرت أمي إلي مطولاً، حسناً، الآن أدركت حقاً أن الأمر خطير. قصت أمي شعر أخي (كثيراً) كعقوبة، أما أنا، فقد حرمت من الرسم والكتابة وكل شيء يتعلق بالورقة والقلم -ما عدا الدراسة طبعاً- لمدة شهرين. وبعدها، حدثتني أمي وحدي مطولاً، عن الخطأ الجسيم الذي اقترفته بحق أخي، وأنه ينتج ألماً رهيباً، وخطراً أكثر رهبة، أخذت تشرح لي أن هذه الأماكن الخاصة لا يجب أن يقترب منها أي أحد، لا بالنسبة إلي ولا بالنسبة إلى أخي، إنها أماكن محظورة تماماً، وإن كانت قد اكتفت فقط بهذه العقوبة لي الآن، فلأنني لا أعرف بعد مدى خطورة الأمر، وهاقد عرفت، فإن ما حدث لن يمر ثانية مرور الكرام هكذا، وأي ضرب أو تعدي على الآخر من كلينا سوف يكون له تبعات أكبر بكثير، وقد أعذر من أنذر. لطالما كانت العقوبات بالنسبة إلى أمي من جنس العمل، فهذا جزاء الأخطاء الحق، لذا دار رأسي وارتجف بدني فيم قد يكون مصيري حين انخرط أخي في بكاء شديد بعدما اقترفته حينها، وها أنا يعتريني نفس الرعب ثانية في حادثة المكتبة المقدسة مع لينا. بالنسبة للقارئ، قد لا يكون الأمر سيان، لكن بالنسبة لطفلة مرعوبة، وإن فصلت بين الحادثتين سنة أو نحوها، فالأمران جرم كبير لا يحمد عقباه، وفي الحادثتين كنت أنا المعتدية الأكبر مع أنني لست البادئة بشكل أو بآخر. وقفت أمام أمي مرتعشة، لينا رحلت بعد الكثير من الاعتذارات من قبلي... "أنا آسفة، لم أقصد أن أدفعك حقاً، سامحيني، كان ذلك بالخطأ." تحت نظرات أمي الحارقة. لم أعرف ماذا أفعل، خطئي لا يغتفر الآن بعد أن دفعت لينا، أرجو أن تسامحني أصلاً، لقد خربت الأمر من جميع الجهات. بينما أمي لا تزال تحدق بي، أخذت أجمع الكتب المتناثرة بيأس، يداي ترتعشان وحلقي جاف، ودموع تتجمع في مقلتي. نهضت أمي بسرعة ونتشت كتاباً من يدي، كان عشوائياً ولم يكن به شيء مميز، لكن ورقة وقعت منه بسبب سرعة الحركة وتفرق صفحاته، ورقة تحمل آثار ندبة شق في المنتصف، شق ملتو مشوه، وهناك لاصق شفاف يغطيه محاولاً جمع شتات الورقة، عدت بالذاكرة سريعاً إلى تلك الحادثة، وإلى الركلة، وإلى الورقة الممزقة والرسالة المنسية. فبعد الهرج والمرج الذي حصل، نسي أخي أمر الرسالة تماماً، فما كان مني إلا أن أخذت الورقة، ألصقتها، وخبأتها (جيداً) في كتاب ما. وهاهو هذا الكتاب يفضح محتوياته. ****** > مسرح المخبولين 3 - مدرستي منارة العلم - 2009 قالت ريم بحماس: "هذا كان رائعاً جداً! هل سمعتم التصفيق يرج الصف؟" أومأت أسيل وقالت: "نعم، أحسنتم يا شباب!" نظرت الفتيات نحوي وبدأت كلمات المديح تنهمر انهماراً. قالت لينا بسرعة: "مسرحية الصف الكبيرة كانت مملة جداً! نص الكتاب المدرسي بشع، والتمثيل..! ما عدا مبدعتنا طبعاً." ونظرت نحوي بعينين متألقتين. قالت حمد: "نعم، مسرحيتنا مضحكة ومشوقة، أما مسرحية الصف! لا أحب التكلم على أحد، لكن هل رأيتم نور كيف تمثل؟ وكأنها أميرة أجبرت على التمثيل حرفياً." (لا تحبين التكلم على أحد؟ وماذا تفعلين هنا إذاً؟ تغنين الراب؟) أسيل :"صه! فلنخفض الصوت.." قالت سما وهي تغمز: "اعترفي يا ميس، ها، هل كتبت كل شيء عكس المسرحية الكبيرة قاصدة، بما أنك قد مثلت فيها، ها؟" سكت وابتسمت، فساد ضحك شديد بين الفتيات. قلت بسرعة: " وما رأيكن في النهاية؟" (ربما كنت أريد مديحاً أكثر! يا لخجلي!) قالت أسيل: "التشويق والترقب وكل هذا في عيون الجميع انقلب ضحكاً شديداً عندما أخرجت حمد زجاجة الكاتشاب!" ضحكت الفتيات وسألت ريم: "كيف خطرت لك الفكرة؟ كون هذه الكائنات تتحسس من كل الخضار الغير أخضر كالطماطم؟" أجبت بثقة: "صدفة بحتة، حيث كانت أمامي زجاجة كاتشاب، ففكرت، لماذا لا يكون هذا هو الحل؟ شكلها مناسب جداً لتوضع في بندقية ما." قالت لينا قاطعة أصوات الضحك: "هل رأيتم الصبيان؟ يقومون بالتحضير لمسرحية هم أيضاً!" دمدمت سما: "التقليد، إنه التقليد دائماً في كل مكان." استطردت لينا بخبث: "ومن صاحب الفكرة؟ إنه أنس!" ونظرت إلي نظرة ذات مغزى، وندمت، ندمت كثيراً على إخبارها، وعلى تلك الأفكار التي خطرت في بالي أصلاً. ****** > قداحة غيرة - مدرستي منارة العلم - 2009 كان شكل الفتيان سخيف إلى حد كبير، وهم ينهضون بثقة ويتلون مجموعة النكات التي حضروها (على أساس أنها نص المسرحية) أمامنا، ليؤازرهم باقي الصبيان الجالسين بضحكة أو ضحكتين. كان شكلهم أسخف حتى من أشكالنا ونحن نضع جوارب خضراء على رؤوسنا! فلا أداء تمثيلي، ولا نص يحترم نفسه، ولا أي شيء. أخذ الندم يأكلني على مشاعري التافهة تجاه هذا الولد، أنس، وعلى الدراما التي تسببت بها قبل زمن دون أي معنى. في غابر الأزمان القديمة جداً (أي، إحم، قبل نحو سنتين) كنت قد كتبت أسماء أصدقائي المقربين في كراسة صغيرة، وأريتها لعائلتي وللينا ولكل أحد أعرفه جيداً، لكل أهل الحارة تقريباً. لم أفهم حد اللحظة المغزى من فعلي الأحمق هذا، لكنني، على أي حال، كنت قد كتبت اسم -وأقولها بخجل شديد الآن- هذا الولد، أنس، بخط صغير جداً في هامش الصفحة. سألتني يومها خالتي -وهي خالتي الوحيدة بالمناسبة- ضاحكة: "ومن يكون أنس يا ميس؟" احمررت -يا للعار- خجلاً حتى انقلبت طماطماً طازجاً، وقلت بصوت خفيض: "كيف قرأتها يا خالتي؟ الخط صغير جداً!" قالت ابنة خالتي، نور، -لا، ليست الفتاة السمجة من صفي ذاتها-: "قولي ما شاء الله! نظر أمي 100/10." ضحكت خالتي الطيبة وقالت: "لا بأس إذا لم تريدي أن تجيبي." ولم أجب يومها، لكن أزعجتني ضحكات نور الخافتة المتكررة! في يوم قالت لي لينا عندما أريتها الكراسة: "أنس يا ميس؟! أنس؟؟!!" قلت بخجل: "لكنه خفيف الظل ولطيف." -"كيف عرفت، ها؟ أنت لم تتبادلي معه كلمتين على بعض." -"لقد فعلت مرات عدة في الواقع." حدقت بي لينا، فقلت بسرعة: "عندما استعرت منه مرة قلم، وأخرى عندما طلبت أن أرى ما نقل من كتابة الآنسة على السبورة لأنني لم أرها جيداً وقتها (السبورة طبعاً لا الآنسة)، وقد وافق بلطف." قالت لينا بانتصار: "أنت قلتها، لأنك قصيرة ولم تري السبورة جيداً! وما معنى وافق بلطف؟ لقد وافق طبعاً لأنه لا خيار آخر لديه." وغمزتني بخبث. عندها غضبت من لينا جداً، ليس بسبب كلامها عني، وكأنني عفريت قزم مخيف أضرب الصبيان، لكن بسبب عدم قدرتها على رؤية مزايا -يا للعارين- أنس الواضحة في عيني ميس الطفلة وضوح الشمس للرائي! كان صديق الجميع، ذا شعبية فظيعة وكلام خفيف يلقي به أينما سنحت الفرصة، لن أقول طبعاً إنه كان طويلاً مهيباً فارعاً عريض المنكبين حاد الفكين، إذا فتح فمه زلزل الأرض وإذا غضب دمرها، لأننا -كما ترون- كنا مجرد أطفال وقتها! لكنه كان في عينيّ الغضتين طفل لطيف ظريف، يا للأسف! الندم الحقيقي أننا في مرة كنا نتحدث عنه أنا ولينا، حديثاً بريئاً صغيراً طفولياً بينما الصف في هرج ومرج بسبب تأخر الآنسة، وفي خضم هذه الضجة ظننت أن لن يسمع أحد كلامنا، وكأن خليط الأصوات هذا قد يشكل غطاءً سحرياً عازلاً يخبئ أصواتنا داخله -ليس صحيحاً طبعاً- فانبريت أقول: "انظري إليه يتبادل الابتسامات والأحاديث مع الجميع." قالت لينا وهي تسلخ القشرة المسكينة عن مصاصة بطعم فراولة صناعية حلوة كدواء كحة: "من؟" كشرت ونظرت نحو لينا وقلت: "لا تغضبيني يا لينا! إنه هو! هوو!!" وأشرت بنظري نحو أنس، وبما أن لينا -الذكية جداً- كان تجلس أمامي بظهرها نحو المكان الذي يجلس فيه أنس، دارت برأسها دورة بطيئة كاملة حتى تنظر نحوه، وكأنها تعطي إشارات واضحة لا للصف وحده بل للعالم أجمع "نحن نتحدث عن أنس الآن يا قوم." قالت بصوت عال: "آهاا، هووو." وقبل أن أسكتها بصه كبيرة في وجهها، لمحت ولداً آخر في صفنا، اسمه خالد على ما أذكر، يحدق بنا بإصرار. لقد فضحنا، لقد سمع كل شيء! أخذت أكيل الاتهامات إلى لينا، وهي تدافع عن نفسها وتتهمني بأنني من بدأ الحديث، وأنا أرد وأتهمها هي، ولم يصدر مع ذلك أي موقف من الولد أنه عرف أو سمع ما نقول. واستمر الوضع وقتها فترة طويلة كدنا نتشاجر وقتها بسبب الأمر، وما أكثر شجاراتنا أنا وهي، وما أكثر خلافاتنا وتخاصماتنا! لكن ما أوقف ذلك، وأوقع في أنفسنا -نفسي أنا بالذات- صدمة كبيرة، هو موقف صغير بعد الحادثة بزمن، يتعلق بذلك الولد نفسه، خالد. ****** > العودة - أواخر 2009 أخيراً، خالي الغائب عائد. تقولون، ما بال عائلتك يا أيها الكائن مليئة بالغياب؟ أقول، انتظروا حتى تصلوا إلى مقبل الفصول، فتروا عجاب السفر والهروب من الهول! عموماً، خالي -وهو الكبير بالمناسبة، إذ لدي خالان، أحدهما أناديه خالي واسمه مجد، والآخر في عمرنا أناديه باسمه، أمجد، أو أمجودة كما تدعونه جدتي وخالتي وأمي - نعود للمهم، خالي كان يخدم خدمته الإلزامية، لذا ترونه غائباً عن ذكرياتي القديمة، لكنه الآن عائد أخيراً. قالت أمي لخالتي في أحد الاتصالات اليومية بينهما: "يجب علينا أن نصنع احتفالاً كبيراً بمناسبة عودته بالسلامة." جلست أستمع بتأنٍّ، الهاتف الأرضي كان خفيض الصوت، لا أسمع إلا طرف أمي، لكنني خمنت أنهم يتقاسمون عمل أصناف الطعام وحلويات الاحتفال. أمي: "إذاً سأصنع أنا التبولة وسمبوسك الجبن واللحم، وربما أصنع حلوى بسيطة لأنني لا أتقن الحلوى حقاً، أنت أفضل مني في ذلك..." سكتت قليلاً ثم قالت: "هو سوف يعود في نهاية الأسبوع، لكن لنجعل الحفلة الجمعة حتى يتسنى لنا صنع الحلويات على راحتنا، ولأنها عطلة الأطفال أيضاً." جاء أخي وبدأ مناوشاته المعتادة، فلم أستطع أن أسمع باقي الحديث. خالتي ربة منزل، أما زوجها فنادراً ما أراه لكثرة مشاغله، وأما أولادها فهم أصدقائي الوحيدون إلى جانب أمجد، خالي الصغير. نور، وهي أكبر مني بعامين وأخت سليم في الرضاعة، تعتبر الند الأكبر لكلينا، نتشاجر كثيراً ونلعب أكثر، ونتحد فوراً أنا وهي ضد معسكر الصبيان عندما يجتمع الجميع. أخوها أصغر مني بثلاث سنين، صغير جداً على الخوض في هذه الشجارات، لذا يبقى غالباً خارج الأمر، أو في معسكر الفتيات، باعتبارنا الأقدر على مراعاته من الصبيان (تعلمون كيف يتعاملون فيما بينهم، ليسوا أهلاً قطعاً للعناية بنبيل الصغير). أما معسكر الفتيان، فيضم أخي (الرأس المدبر) وأمجد وقريباً آخر لنا من بعيد، يسكن بالقرب من بيت جدتي وكان يأتي مؤخراً للعب، واسمه أحمد. في أول تعارف لنا، سأل أحمد كلاً منا عن اسم مدرسته ورقم صفه، وكأنه في استجواب عميق، فنظرات أحمد حادة، ولديه ابتسامة العارف بكل شيء، مع أنه يكبرني بعام واحد، إلا أنه في البداية كان يبث ريبة شديدة في نفس كل منا. نظر إلي مطولاً عندما قلت اسم مدرستي، شعرت وكأنه سوف يبوح بسر الجثة الخطير المدفونة في الفناء هناك، لمعت عيناه، فخفق قلبي، أها هو السر أخيراً قادم؟ الكنز المدفون هو عبارة عن... جثة؟ كيف يعرف عن الأمر أصلاً؟ (كنت أقرأ الكثير من روايات الغموض فعذراً) لكنه تفوه بعدها بأكثر جملة عادية سمعتها في حياتي، وسأعترف بأنني شعرت بوخز خيبة وقتها: "أعرف أحداً في صفك، وكان يسكن قريباً من هنا أيضاً." قلت بلامبالاة (شديدة على ما يبدو لأنه لم يستطرد ولم يشرح أكثر): "حقاً؟ عجباً!" بدأنا نعتاد على غرابة أحمد وطريقته البوليسية في الكلام، ثم اكتشفنا أمراً رائعاً وخطيراً، أنه خائن! كان لا يلبث أن يسمع مخططات معسكر الفتيان ويأتي ليسربها لنا في كل مرة، سليم كان يظن أن أمجد المسكين هو الفاعل، لكن أحمد كشف أخيراً عندما زل لسان نور مرة وأخبرته عن الأمر، وقد كان شجاراً كبيراً متعدد الأطراف وقتها. كنا نلعب في منزلنا ومنزل جدتي و في منزل خالتي، نشتري الكثير من الوجبات الخفيفة، ونقضي الكثير من الأوقات الممتعة. لم أر أهل أحمد إلا مرتين أو ثلاث مرات، آخر مرة منهم كانت آخر لقاء لنا أيضاً، نحن أصدقاء الطفولة الستة، ذلك إذا ما حسبنا نبيل طبعاً الذي لا يتذكر أي شيء على الأرجح. ****** > المكتبة الشعثاء 2 - أوائل 2010 انقطعت أوصال علاقتنا أنا ولينا لفترة بعد حادثة المكتبة، مع أنني اعتذرت إلا أنني لم أتفاجئ بأنها لم تقبل الاعتذار، ولم أتفاجئ بأن اعتذاري لم يكن من القلب حقاً. علاقتنا كانت أصلاً تتأرجح على جرف عميق، تثقل كاهلها قشة صغيرة وراء قشة، ويذبذبها موقف وراء موقف، لذا أتصور بأن كلينا لم يتفاجأ بهذه القطيعة. رغم أن علاقتنا كانت ندية منذ البداية، إلا أن كلينا شعر بالأثقال التي شرخت صداقتنا رويداً رويداً، حتى بدأت أصوات التصدعات تتصاعد فتغطي أواصر المحبة. الحق يقال أنني أنا من افتريت (وأعترف) في ذاك الموقف الأخير، لكنني أيضاً شعرت بنفسي تثقل وتثقل بعد عدة مواقف، وتحديداً بعد أن أشارت لينا إلى أسراري كذا مرة أمام الجميع، على غرار تلميحاتها عن أمر أنس أمام الفتيات. أمام الفتيات في المدرسة كنا نتصرف بشكل طبيعي مع الجميع ونجلس سوياً، لكننا لا نتحدث بشكل مباشر، والجو المتوتر بيننا بشكل أو بآخر قد كهرب الجو العام بين الشلة، وبدأت الفتيات يتغامزن عن أمرنا، ونحن لا نفصح ولا نعير انتباهاً. حاولن الإصلاح بيننا بطريقة غير مباشرة، ودون معرفة الأسباب، إلا أن الأمر كان يبوء بالفشل كل مرة. كنت أمر وقتها بفترة ندم شديد على أمر أنس بعد تقليده مسرحيتنا، وكان أمر المشكلة الكبيرة مع أحمد أيضاً -وهي المرة قبل الأخيرة للقائه- لا يزال طازجاً، لذا قلبي كان متعباً. (وإن بدت الكلمة ثقيلة على طفلة) في المدرسة، أخذت الحوائط حولي تبدو وكأنها تقترب من بعضها، تقترب أكثر فأكثر، الضغط حول قلبي كان كبيراً، وكأن الحوائط قادمة لتهرس قلبي. أجد نفسي أنتزع أنفاسي من الهواء انتزاعاً، الهواء يسحب مني أكثر فأكثر، وأنفاسي تتلاحق محاولة أن تتناول هذا الهواء بعيد المنال. في المرات الأولى، كان يجيء وقت الفسحة في اللحظة المناسبة، فأندفع إلى الباحة لأعب أكبر كمية من الهواء، حتى تنتظم أنفاسي، وينجلي الضغط عن قلبي، لم يشعر أحد بي، يا للراحة. بعدها، لم أستطع السيطرة على نفسي، كان وجهي يحمر، وأضطر إلى الوقوف في منتصف الصف فجأة لأمسك خيط الهواء الذي لا ينفك يبتعد عن مرمى يدي، أنازع لكي أتمسك به، تسألني الآنسة: "ما بالك يا ميسم؟ هل لديك أي سؤال؟" عندما لم أستطع أن أجيب، وبينما أنا في تلك الحالة، عالقة كما أنا، لا أستطيع الجلوس ولا الوقوف منتصبة، ذعرت الآنسة ونادت الموجهة على وجه السرعة. خرجت، أنفاسي تلاحقت، ألهث بشدة حتى أواكب سرعة أنفاسي، أخذتني الموجهة وحاولت تهدأتي، أعطتني كيساً ورقياً، ووقفنا في الهواء الطلق، أنا أنفخ في الكيس، وهي تمسح على رأسي وتردد التسابيح والأذكار. بعد أن هدأت ورددت معها قليلاً، أعطتني دواءً وأعادتني إلى الصف، ثم علمت لاحقاً أنها اتصلتْ بأمي. وقتها، لم أفهم ما كنت أمر به، كنت أفكر، ألهذه الدرجة كنت أحب لينا ليحصل كل هذا بي بعد أن تشاجرنا؟ كنت أقول لأمي أن قلبي سيتوقف، لا أستطيع التنفس بشكل صحيح، هل من خطب بي؟ في الليل، النوم يجافيني، وإن غفت عيناي، تجد الكوابيس طريقها إلى رأسي، أقول لأمي: "ماذا لو لم أصح؟ ماذا لو مت؟" ترد أمي وهي تحضنني: "استعيذي يا ميس، استعيذي كثيراً، أنت سوف تكونين بخير." استمرت هذه الحالة نحو شهرين، حتى أتت امتحانات منتصف السنة. لحسن الحظ، كنت أنسى توتري وخوفي بينما أدرس، ولم أدر إلا بالامتحانات تمر، وحالتي تتحسن، وخالي يعود من خدمته الإلزامية. ****** > العودة 2 - أوائل 2010 خالي مجد كان طويلاً، طويلاً جداً، حليق الوجه، بينما شعره ناعم جداً وهش كأنه سينكسر، يتجمع في مقدمة رأسه الدائري. كانت عينا خالي هما أكثر عينين رأيتهما لطفاً، عكس أخيه الصغير ذي العينين الهازئتين. إن خالي خليطاً بين أمي وخالتي، إذا ما جمعتهما وحولت النتيجة إلى رجل، ينتج معك خالي. سلمت عليه ليلة وصوله على استحياء، قبلته، وشعرت بغرابة شديدة، فقال لي: "أنا أتذكرك جيداً، ميس اللطيفة." مع أنه قال كلمات مشابهة لنا جميعاً، إلا أنني شعرت بفرحة كبيرة، ممزوجة بشعور ذنب بسيط، إذ يذكرني هو وأنا لا أذكره رغم أن غيابه لم يكن طويلاً حقاً. قال نبيل فجأة: "هناك مفاجأة لك غداً!" أسكتته نور سريعاً وهي تقول: "لا شيء، لم يحصل شيء، لم يقل نبيل شيئاً، هذا صوت الهواء في الخارج." وضحكنا، ضحكت بشدة، ضحكت وقتها من كل قلبي وأنا أسمع صوت ضحكة خالي الجديد، والمضحك. نمت ليلتها قريرة العين، متشوقة إلى الغد حيث سأرى وجه خالي الجديد فرحاً بالحفلة، كما اليوم، مستبشراً بهذا الجمع حوله، كما كنت أنا. ولا أعرف حقاً كيف تحولت أحزاني فرحة، بل فرحتين، بل أضعافها وأضعافها، عندما رن جرس منزل جدتي، في يوم الجمعة، يوم الحفلة والاحتفال، والسعادة والفرحة، وإذ برأس أطل، رأس لطالما افتقدته وافتقدته، ودفنت شوقي وافتقادي إليه في أعماق قلبي، رأس أبي. ******