سرينةٌ زنانةٌ |\|\|\|\ - رواية مذكرات كائن
جاري التحميل...
سرينةٌ زنانةٌ |\|\|\|\
وي وي وي وي وي وي وي وي
قالتْ لي الحياة وهيَ تنظرُ بجدية: "ما هذا الهراء؟"
> عبثيات عائلية - 2012
لا أعرف ما دهى سليم في الفترةِ الأخيرة، أعني، أعرف بالطبع ما يحدث لهُ، لكنها جملةً استنكارية أحاول التعبير بها عن ثقل دمهِ الذي تجاوز كل الحدود.
هذه الأيام، كان الثقل هذا يرتسِم على وجهه مُشكِّلاً ملامحاً غريبة لم أعتَدها في وجه أخي، بالطّبع لطالما رأيتهُ دَبِقاً كَمحِّ البيض الزّفِر، إنما أن يكون ثقل دمهِ متمثلاً بكيانهِ كاملاً، هذا لم أشهدهُ من قبل.
تغيرتْ ملامح وجههُ بتدريج سريع، وتنامى هناكَ فوق شفتهُ العليا، أبشعُ زغب قد أراهُ في حياتي. يقولُ أن هذا شارب، لكن، بالله عليكَ، هل من شارب أخضر لا يرتسمُ بشكل صحيح؟
(لا تقلقوا يا أيها القراء -إن كنتم قلقين يعني وآمل ألا تكونوا- إنَّ سليم يعرف تنمري هذا عليهِ لأنني أسمعته إياه شخصياً، وقد ردَّهُ لاحقاً بالكامل، لذا لا تشفقوا عليه، بل أشفقوا عليَّ، أنا الكائن المسكين كما هو واضح، من براثن سليم.:"")
كانت أمي تأمرهُ مِراراً:
"سليم! اذهب واحلِق هذا الزغب على وجهك! شكلهُ قبيحٌ جداً خاصةً في الصور."
يرد سليم متهكِّماً:
"أية صورٍ هذهِ؟ أنا لا أتصوَّر!"
كنتُ أضحك عليهِ بصوت عالٍ في كل مناسبة، فيرد أخي بثقة يعلمُ الله من أين ينكُشها:
"انتظري فقط، حتى ترينَ شاربي كالصقر ينتصب، عندها أسمعيني ضحككِ هذا."
قلتُ وأنا أكتم قهقهاتي:
"نعم، كقرون استشعار الصرصور!"
وقتها احمرَّ وجههُ بشدة، لكن أمي أجبرتهُ على الحلاقة بالفعل.
أتذكر بوضوح صوت والدي الحاني وهو ينبعث متقطعاً بسبب سوء الشبكة، ينصحهُ بهدوء، وعلى وجههِ ابتسامة شبه مختبئة، لكنها جلية تماماً في وجههِ الصادق:
"سليم، داوِم على الحلاقة، إلى أن يكتمل شاربكَ بشكل نهائي، هذهِ نصيحة من رجلٍ إلى رجل، لأنك، يا عزيزي، سوف تندم في المستقبل كحالي."
كنتُ أضحك كعادتي، وإذ بأمي تغمز والدي، وتصيبني في مقتل، ولا أدري سر انحيازها لسليم هذه المرة:
"ميس تضحك على أخيها، تظن أننا نسينا منظرها وقد حلقتْ مرةً نصف حاجبها الأيمن وخرجت فخورةً بفعلها هذا..."
انفجر سليم بالضحك، ونظرتُ إلى أمي بحنق وقلتُ:
"كنتُ في السابعة!"
قال سليم بخبث:
"السابعة هذه عمر كبير جداً على فكرة، كنتِ في عمر نبيل، وترينَهُ الآن كالثور، فقط إذا لم تلحظي ذلك."
-"إذا كان نبيل ثوراً فما أنتَ؟ سوف أريكَ الآن كيف يقوم الثور بركلةٍ..."
قاطعتنا أمي بحدة: "أولاد! فلتتوقفوا حالاً!"
قلتُ بصوتٍ منخفض لسليم وهو يضحك تحت شفتيهِ:
"نبيل الآن أكبر مني وقتها أيها الأحمق! كفَّ عن الضحك!"
واستمر الضحك والمرح يعمُّ هذا البيت السعيد، عليَّ...
فشكراً أمي لإضافتكِ، لكن أرجوكِ لا تفعلي ذلك ثانيةً! *_*
سابقاً، منذ فترة، كان أمجد أيضاً يمر بنفس هذهِ الأعراض الخاصة بسليم، إلا أن أمي كانتْ لا تلبث تردد:
"مراهقة أمجد -المستمرة- ألطف بكثيرٍ من خاصتكَ يا سليم، لمَ لا تكون كما ابن خالتكَ، لطيفاً وديعاً؟ حتى عندما تغير صوتُهُ، لمْ يتضخم لهذه الدرجة..."
قلتُ أصحح لها وأدركُ أنها ما تقول هذا إلا بحكم عادة الأمهات:
"أمي، أمجد أخوكِ، هو أخو خالتهِ وليس ابن خالتهِ، أما صوته، فنعم، إنهُ كصوت هدير موتور المولدة!"
قال أخي بعيداً عن أسماع أمي: "اخرسي يا ميس!"
(والمولدة هي مُوَلدة الكهرباء، حيث بدأتْ بعض المنازل والمحال استخدامها كبديل خارجي للكهرباء الغائبة، وصوتها عالٍ جداً يجعجع في الحارة كلها...
الآن، ماذا قد تفعلون من دون الكائن وهو يأخذ دور القاموس ويشرح لكم معاني الكلمات كل مرة؟:)
تضرب أمي كفاً بكف وتقول ضاحكةً:
"ها ها ها، كنتُ أريد أن أجرب المقارنة ككل الأمهات، لكن يبدو أنني فشلتْ."
يبتسم سليم بصمت، ويكبتُ ردودهُ اللاذعة احتراماً لأمي بابتسامة تكشيرية، حمداً لله، بدل أن يفتح فمهُ هذا ويُسمعنا صوته الصيّاح الثخين، والذي تبدل فجأة في ليلةٍ وضحاها.
لمْ أستطع التنمر على سليم أكثر لأنهُ راح يرد لي الصاع صاعين، بالذات عندما حصلتْ حادثة الحمام، لمْ يرحمني وقتها لكنني لمْ أرحمهُ قبلها أيضاً، وهذا ما يريحني.
******
> تغيرات مصيرية 2 - مدرستي منارة العلم
ساد هرجٌ ومرجٌ في الصف، أخذتْ أسئلتنا تنهال على حمد المذعورة، مسكينة كانتْ تحاول إعطاء الإجاباتِ، لكنّ كلماتها المقيدة في جنازير صوتها المبحوح، ووجهها فاقد اللون، حالا دون ذلك.
رغم أننا لم نتعرف جيداً على الفتياتِ الكثيراتِ الجديدات، إلا أنهنَّ انهلن على حمد أيضاً، يسألنها عن حال منطقتها ويستفسرن، ومازالتْ الأسئلة معلقةً، ومازالت حمد ممتقعة.
هدأتِ الضجة عندما قَدِم الأستاذ، وتراجع الجميع إلى مقاعده، ومازالت حمد مذعورةً تنظر إلينا نظراتٍ بائسة متوسلة، وكأنها تترجّانا أن نستمع إليها، ونصبرُ على صمتها.
هذهِ حمد، حمد الثرثارة المرحة، والتي تحب الكلام والحديث والاسترسال، لا تستطيع نطق حرفٍ واحد، بعد أن ألقت الجملة التي فجرتِ عقولنا وأفئدتنا بالأسئلة.
"الضرب زحف إلينا، والقذائف سوف تطالنا لا محالة!"
عيناها مذعورتان والخوف يكادُ يقفز من بؤبؤيها، جلستْ محاطةً بنا في باحة المدرسة، باقي فتيات الصف انصرفنَ بعد أن يأسنَ من الاستفسار...
وضعتُ يدي على كتفها، ريم جلستِ القرفصاء مواجِهةً لها، تحاول أن تواسيها ولو بالنظرات، وسما ولينا كانا يحاولان التهدئة بالكلمات.
قالت سما: "أخبرينا، هل تأثر منزلكم أو منزل محيط بك.."
سكتتْ فجأة، يبدو أن لينا أسكتتها لأن يدها كانتْ تتحرك بجانبها، فنظرنا إليها جميعاً لائمين، وساد صمت طويل.
بعدها، بدأتْ حمد تقول ببطء بينما يداها ترتجفان:
"لا، الحمد لله، لكنّ مبنىً في الحي الذي يقع خلفنا قد تضرر."
لمْ أكن أعلم أن منطقة حمد بعيدة لهذهِ الدرجة، أم أنَّ القصف اقترب دون أن ندري؟
قلتُ بعقلانية: "حمداً لله على سلامتكم، ماذا ستفعلون؟"
أردفتْ ريم: "أجل، كيف ستتصرفون؟"
فكرتْ حمد لوهلة وهي تنَقِّل نظراتها بيننا، ثم قالتْ:
"لا أدري، جميعنا لا ندري، والداي يطمئنانا، لكنني خائفة."
قالتْ لينا بهدوء: "لن يحدث إلا ما كتب الله، إن شاء الله خير."
أخذنا نمسد ظهرها ونعانقها بخفة، لم تبكِ لكنني استشعرتُ ملامح عبراتٍ تتكون في مقلتيها، ثم عدن مختبئاتٍ بسرعة خلف جفونها، كانتْ لا تريد أن تبكي أمامنا.
عدنا إلى منازلنا، وكانت في نفس كل واحدةٍ منا -كما أظن- شيء من قصة حمد.
في الأسبوع التالي، اختفتْ بلا أثر.
لمْ تعد تأتي إلى المدرسة، تمنينا أن تكون بخير، وظننا أن الأمور مشتعلة عندها في المنطقة، لذا فهي خائفة من المجيء.
طال الأمر كثيراً، أسبوع، أسبوعين، ثلاثة أسابيع، ولا أثر لحمد، عمِل القلق في قلبي أعماله، حضَّيتُ الفتيات على السؤال عنها، وقد لاح بيننا موافقة مشتركة بخطورة الأمر.
وما لبثنا أن توجهنا إلى الموجهة وسألنا عنها، فقالت بالحرف:
"ألم تعرفن؟ انتقلتْ حمد لظروف قهرية يا فتيات."
ثم نظرتْ إلينا، وربما تعاطفت مع صدمتنا فقالتْ بصوت خفيض:
"أظن أنها سافرت بشكل عاجل، لذا لم تستطِع أن تتواصل معكن."
وهكذا، غادرتْ حمد، لا المدرسة فحسب، بل البلاد بأكملها، غادرت صامتةً دون كلمة، دون وداع، وكأن ثرثرتها السابقة معنا، وكلامها الكثير، هو تعويض عن فراقها الصامت لاحقاً.
سعدتُ لأنني واسيتُها، بقيتُ معها وآزرتُها، لكنني، كنتُ أتمنى فراقاً مطمئن، أستطيع أن أضمن بهِ أنها بخير، وأنها وصلتْ عالماً أكثر أماناً، ومنزلاً يقبع في منطقة تبعد ربما آلاف الكيلومترات.
إلا أنني بقيتُ، بقيتُ مع القلق والخوف، وبقيتُ وكان من المفترض أن أسافر، فسافرتْ حمد هرباً، وبقيتُ أنا أتساءل عن الوِجهة.
(وداعاً حمد♡)
******
> الدبك على الوجوه 3 - حارة الضياع - صيف 2009
في النهاية، رافقتُ لينا، لنذهب في تلكَ المغامرة الخطرة.
كنتُ أخشى أن أرفضها وأقول لا، وهي في حالتها الهشة تلك، فترتكب فعلاً أحمق ما، أو ربما كنتُ أخشى أن تحزن مني، لا أدري حقاً...
لا أدري ولا أعرف ما جرى، وقتها، لحذري وللتفكير المنطقي واللامنطقي -بل التفكير بشكلٍ عام- في هذا العقل الخربان والذي لا فائدة له!
من البديهيِّ ألا نذهب وحدنا في ظل هذهِ الظروف، ومن البديهيِّ للينا ألا تطلب طلباً كذاكَ وهي مذعورة بهذا الشكل، ومن البديهيِّ لي ألا أوافق أو أسايرها، فمنذ لحظاتٍ فقط كنتُ أتغنى بأهمية الحذر والأمان وهذه الأشياء!
إلا أنني ربما فكرتُ،
(واعذروا هذا الكائن الذي يحاول التماس الأعذار الفاشلة لنفسه)
أننا سنلقي نظرة فحسب لنقيم الوضع، وكأننا سادة التقييم العالمي المنطقي الرائع!
اقتربنا من مكان عمارتها وأنا أعد الخطوات وقلبي ينبض بعنف، كنتُ ألتفَّتُ كل هنيهة، وكأنني بذلكَ أستعجل النجدة التي أرسلنا في طلبها، إلا أنه لمْ يلحْ وجه أحد منهم في بدايا الحارة -مكان وقوفنا السابق- فأكملتُ وأنا أتلو الكثير من الأدعية في سري.
كانتْ لينا صامتةً، تحدق في الأرض وهي تمشي بتؤدة، ولمْ ترفع نظرها مرةً.
عندما شارفنا عِمارتها، توقفتْ فجأة ونظرتْ إلي نظرةً من طِراز: هل أنتِ متأكدة من التقدم أكثر؟
كنت سأرد سريعاً بلا، إلا أنها أشاحتْ بوجهها وتقدمتْ، وقالتْ دونَ أن تلتفتَ إلي:
"سنلقي نظرةً فقط، ربما رحلوا."
تمنيتُ من أعماق قلبي أن يكونوا قد رحلوا، وكدتُ أبوح بذلك علانيةً، إلا أنني لم أفعل.
وعلى عكس آمالي وأحلامي، كانوا هناك، يجلسونَ على الدرج الصغير أمام باب العمارة، يضحكونَ بصوتٍ عالٍ، يماثل علوه ربما صوت قلبي الخفاق.
فجأة، تراجعتْ لينا إلى خلف ظهري تماماً، انقبضتْ يداها على كتفيَّ، وأخذتْ ترتجف ارتجافاً عنيفاً، وعندما نظرتُ أمامي، رأيتُ نظرات أحدَّهم شكلاً تراقبنا.
لم يكونوا وحوشاً أسطورية كما تصورتُ، ولا كائنات غريبة مريبة الشكل، كانوا بشراً، رجالاً، بل أشخاصاً عاديين.
رمقتُ بلا وعي مني هيئاتهم، فانطبعتْ في ذاكرتي كختمٍ حادِّ الحواف، وأستطيع أن أسترجعها بسهولة.
كان الواقفان فتِيين، أحدهما بشعرٍ كثيفٍ ناعم، والآخر بشعرٍ قليلٍ أجعد.
كانا يرتديان قميصين أبيضين، وبناطيل تبدو مرتبة أنيقة، بينما الجالس على الدرج -أحدَّهم أنظاراً- كان أكبر قليلاً، يتخللُّ الشيب شعره الممشط بعناية، ويرتدي بذلة رياضية.
تراجعتُ بلا إرادة، بينما ابتساماتٌ بدأتْ ترتسم على وجوههم وهم يراقبوننا، التفتُّ إلى مشارفِ الحارة، فلمْ أبصر أحداً قادم، أين أحمد؟ أين نور؟
عاودتُ النظر إليهم بعد أنْ نغزتني لينا، رأيتُ الجالس يتهيأ للنهوض، والآخران يتحركان، متوجهين إلينا مباشرة.
دورتُ وجهي بسرعة إلى لينا وقلتُ بصوتٍ متقطعٍ خافت:
"لنفر، لنركض، بسرعة!!"
وركضنا مبتعدين بأسرع ما لدينا في اتجاه منزلي، وأنا مازلتُ أتساءل، أين هما؟ أين المساعدة؟
******
> عبثيات عائلية مدرسية - 2012
انقطعتِ المياه في منزلنا لمدةٍ طويلة، طويلة بحق.
كنا قد اعتدنا انقطاعها لفتراتٍ طويلة، تتخللها بعض لحظات تكَّرمها علينا، فتهلُّ لوهلة ثم تعاود الغياب.
ذات مرة، والتي أخذ سليم لا يفتأ يذكرها ويتندر بها، انقطعتِ المياه تماماً لمدة شهر.
حتى الخزَّان الملآن كان على وشك النضوب، والزجاجات الاحتياطية تناثرتْ حولَ المنزل فارغةً.
كانتْ أمي تقول أنَّ أولوية الحمام في ذلكَ الوقت كانتْ لأخي، فحاجتهُ للحمام كلَّ بضعةِ أيام كانتْ تفوق حاجتي، وقد كنتُ سلَّمتُ بالأمر تماماً.
في نهاياتِ ذلكَ الشهر، بدأتُ أرى آثار شعرٍ غريبة على ملابسي، هذا ليس شعري، فأنا شعري لم يسقط قبلاً (وقتها).
عندما أريتُ أمي أكوام الشعر، قالتْ لي ببساطة دون أن تنظر إلي:
"شعركِ يتساقط، يجب عليكِ أن تستحمي أكثر."
ومن يمنعني يا أمي عن الحمام عادةً؟ ها؟ لكنني لمْ أبالي بالسبب، بل قلتُ في عناد:
"لا، هذا ليس شعري، إنهُ قصيرٌ جداً وأنا شعري أطول، وشعري لم يسبق لهُ التساقط هكذا."
هزتْ أمي كتفيها وقالتْ وهي تعبثُ بهاتفها النقال (الموبايل):
"إذاً يكون شعر أخيكِ."
نظرتُ إلى الشعر في يدي، ثم ذهبتُ وقارنتهُ بشعر سليم، نعم، فعلاً، هذا الشعر لهُ.
قال لي بسخرية: "نعم، أنتِ محقة يا ميس، لا شيء أحبُّ إلي أكثر من أترك شعري -القصير أصلاً كما ترين- ينمو لألقيهِ على ملابسكِ، أو، تدرين؟ إنني أربي بضعةَ شعراتٍ خصوصاً لهذا الأمر، كما ترين بالطبع."
غضبتُ لكنني تريثتُ، عاودتُ النظر إلى شعره -القصير جداً كما قال- وبالفعل، بعد أن قصتهُ أمي لهُ في حادثة الركلة الصاروخية، لم يدعهُ يطول ثانيةً، يستحيل لهذا الشعر في يدي أن يكون خاصتهُ حتى لو كان أقصر من شعري، كيف لم ألاحظ قبلاً؟
(بعدها، هذا الكائن تعلم وفهم بالطبع، إحم، أنَّ هناك بعض الشعر القصير جداً (Baby Hair) الذي يكون في مقدمة الشعر وآخِره، لكن ماذا نقول؟ يجب أنْ أصنع بعض التشويق هنا وهناك بلفتاتي الفريدة.)
أصررتُ على الاستحمام وقتها ما اتفق لي، خوفاً من تساقط الشعر المستمر، والذي أراه يلوح بهذه الآثار على ملابسي، ووعدتني أمي أنْ تدعني أفعل إذا ما تهيأ الأمر لذلكَ.
وبالفعل، وفي يومٍ رائقٍ مشمسٍ جميل، أتى الخبر وأنا في المدرسة.
قرعتْ الموجهة باب صفي في منتصف الدرس، صاحتْ وهي لا تخفي ابتسامتها:
"ميسم، استبشري يا ميسم وتعالي، والدتكِ جاءتْ لأخذكِ."
أطلَّ وجه لينا بجانبي وسألتني بفضول وأنا أجمع حاجياتي ولمْ أفهم شيئاً:
"ماذا حدث؟ حالةٌ طارئة؟"
قبل أنْ أتفوَّه بكلمةٍ، سارعتْ الموجهة تقول بفرحٍ حقيقي:
"والدتكِ تقول أنَّ المياه جاءتْ في منزلكم، سارعي لكي تستحمي الحمام المنتظَر!"
وانهالتْ عليَّ كلمات التهنئة والفرح السعيد، وعدتُ للاستحمام والعيش الرغيد، لكنني لمْ أسلم -طبعاً- من سخرية أخي في ذاتِ اللحظة، سامحهُ الله نغَّص عليَّ لحظتي السعيدة!
******
> حروب الخوف
القصفُ طال أحياءً جديدة، هذا ما عرفتهُ وهذا ما شهدتهُ وسمعتُ بهِ وأدركتهُ.
قلقتُ لوهلة، وأخذتْ ذكرياتٌ سريعة تنهال على رأسي، حمد والقصف والهروب، فرغبتُ أن أطمأنَّ على كل الناس حولي، كيف هم؟ هل طالهم الأمر أم لا؟ ليس بعد؟
نفضتُ الأفكار السوداوية وقد بدأ قلبي ينتفض ونَفَسي يُسحب مني، سارعتُ إلى أمي أسألها:
"هل منطقة خالتي بعيدة؟ ماذا عن منطقة جدتي رقية (أم والدي) هل هي بعيدة؟"
زفرتْ أمي ومسدتْ رأسي بحركة سريعة مفاجئة وقالتْ:
"منطقة جدتكِ آمنة ومنطقتنا آمنة حمداً لله، أما خالتكِ..."
سكتتْ قليلاً، تمنيتُ في هذهِ اللحظات أنْ أقتلع عائلة خالتي وأُسكِنها هنا في منطقتنا إلى جانب جدتي (والتي اسمها إيمان، وهي والدة أمي)، لا، بل في حارتنا ذاتِها.
أكملتْ أمي بتأمل: "إن شاء الله خير، هم بعيدون لكن منطقتهم آمنة إلى حد الآن، مع أنني..."
سكتتْ مرةً أخرى، نظرتُ إليها، كانتْ ساهمةً تفكر ثم تمتمتْ -وكأنها قاصدةً ألا أسمعها-:
"أخبرتُها، لقد اقترحتُ عليها الانتقال إلى هنا بالفعل."
قلتُ متظاهرةً بعدم السماع جيداً:
"ماذا؟ مع أنكِ ماذا يا أمي؟"
ابتسمتْ ونظرتْ إلي، قالتْ:
"خالتكِ عنيدة يا ميس، لطالما كانتْ ولاء عنيدة."
لمْ أستفسر أكثر، تمنيتُ أنْ تقبل خالتي بالانتقال، فأنا لمْ أصدق أن خالتي الطيبة بوجهها البشوش قد تعاند في هذا الأمر.
تخيلتُ أياماً ورديةً نقضيها سويةً نحن الخمسة، أولاد خالتي، أنا وسليم وأمجد معنا، نجتمع كما كنا، نكثِّف مرحنا ولعبنا أكثر، نزور بعضنا ونرى بعضنا مئات المرات في اليوم الواحد ولا نمل، نتشاجر ونتصالح، ونعيث فساداً، بالضبط كما كنا.
قلَّتْ زياراتُ خالتي، وقلَّ أملي في انتقالها إلى جوارنا، ومن ثَمَّ جاء اليوم، الذي واجه فيه الخطر خالتي وعائلتها، مباشرةً ووجهاً لوجه، ذاكَ الخطر النّاجم عن عنادها.
******