إطارٌ داخلَ صورةٍ - مذكرات كائن
اللغة: العربية
الرئيسية ربح

إطارٌ داخلَ صورةٍ - مذكرات كائن

جاري التحميل...

إطارٌ داخلَ صورةٍ

صورة وصور

تحميل الفصول...
المؤلف

وحارتْ الحياةُ وتحوّرتْ، ودارتْ الدّيار وتدوّرتْ، فانقلبَ القلب وتشقلَب.


> حروب الخوف 3 - ضيف غير مرغوب 

أذكر أنّني في المرة الأولى، أخذتُ أصرخ وأولوِل كالتيس السعران، لو كانَ للتّيس السّعران صوتٌ زعّاق كهذا، أعني صوتٌ عالٍ يُوقِظ جبلاً.

كان الوقت ليلاً، فاضُطرتْ أمي للهروع إليَّ سريعاً لتلحق كارثة حماقة ابنتها، وهي تبتسم وقد لاح في عينيها استغرابٌ مُتفهّم (ولا أدري كيف ذلكَ حقيقةً، حاولوا أن تتخيّلوه! *_*)

قالتْ لي وهي تضع يدهَا على فمي بسرعةٍ:
"اسكتي أيتها المجنونة! سوف توقظين الجيران!"

كنتُ ما زلتُ أولول على حالي، لكن بصوتٍ أخفض قليلاً، احتراماً مني للجِيرة وعشرةِ عمري الطويلةِ مع الجيران. 
(كنتُ في الرابعة عشرة، ولمْ أرَ جيران بيتنا في حياتي بالطبع، لكنْ تفهمون المعنى الذي أعنيه ومَقصدي، بالطبع.)

أخذتُ أنوح قائلةً: "آهٍ، آااهٍ، لقد أُصِبتْ! أنا مصابة تماماً!"
أخذتْ أمي تقول مهدِّئةً -بصبرٍ صبّار لا أدري من أين استخرجتهُ وقتها-:
"ميس! ميسم! ابنتي، يا ملكة تصعيد الأمور! استمعي إليَّ! لا يجب أن تحزني، على العكس! يجب أن تفرحي، أنتِ كبرتِ والله منَّ عليكِ بهذهِ النعمة، نعمة أن ينمو الإنسان ويكبر، عليكِ أن تقدريها! احمدي ربك يا حبيبتي ولا تقلقي."

حاولتُ أن أسحب دموعي عميقاً إلى خلف حدقتيَّ وأنا أقول:
"الحمد لله... أهذا... أهذا أمر طبيعيٌّ؟"
-"تماماً! تماماً، لا تقلقي يا ابنتي، لو لمْ يكن طبيعياً كنتِ ما وجدتني أجلس بجانبكِ هكذا، كنتُ سوف أركض حافيةً كالمخبولةٍ لأعالجكِ! تعالي، لنخبر خالتكِ وجدتكِ بالأنباء السّارّة."

ضحكتُ، ثم أمسكتُ مِعصمها سريعاً وقلتُ وأنا أضع سبابتي على فمي: 
"لا تخبري سليم! سوف يسخر مني!"

ضحكتْ أُمي الخبيثة بشدةٍ، ثم مسدتْ رأسي وقامتْ تخبرهما.

حتّى الآن، لا أدري حقيقةً لمَ بكيتُ بتلكَ الطريقة، أحاول أنْ أسترجع الأمر لأفهم، أتفهّم خوفي ورعبي طبعاً...
وحماقتي في التعامل مع الأشياء، لا أتفهمها لكنّني أُقِرها، ولا أحتاج أحداً آخر ليقصِف جبهتي في هذا الأمر بالمناسبة! ×_×

ربّما المشاعر والتغيّراتُ في داخلي، بنَتْ نضجاً لا واعٍ في باطني، فاستنتج على أساسهِ أنَّ كلمة "كبرت" ليستْ فقط أمراً جسمانيَّاً، بل هي تعني فيضاً من المسؤوليات، وفِهماً لأمورٍ، كانتْ لتتغطّى بغطاءٍ ورديّ أمام عقل طفلٍ صغير، بينما لمْ تَعد تفعل أمام عقل بالغ.

لأوّلِ مرةٍ، لا أرى نفسي كالآخرين.
امتدّتْ من بين أصابعي مِجسّاتٍ صغيرةٍ ناعمة، تتطاول شيئاً فشيئاً، لتلمس الأرض، وترفعني عنها، برفقٍ طبعاً فهي مِجسّاتي الخاصة.

إنهم جميعاً حولي، كما هم، أُمّي، جدتي، نور، خالتي، سليم، أمجد، كلهم بالإضافة إلى خيالٍ غائبٍ مختبئٍ في الزاوية.

أتمنّى أنْ تبتعد عني المرايا أمتاراً، حتّى لا أبصر نفسي، ولا أُبصِرهم أمام نفسي.

نأيتُ ونأيتُ، ودعوتُ كثيراً وصلّيتْ، وكنتُ أُحبّ أحياناً هذهِ الأوقات وحدي.

ومع ذلكَ، لمْ أبقى وحدي طويلاً، فقد انهالتْ عليَّ التهنئاتُ من مشارق جدتي إلى مغارب خالتي، وقالتْ لي جدتي فخورةً:
"الآن، يا ميس، أنتِ زهرةٌ مُتفتِّحةٌ."

قالت أمي وهي تبتسم:
"هذا شاعريٌّ جداً منكِ على غير العادة يا أُمّي."
-"إيه؟ سلمى! فلتدعيني أُهنِّئ الفتاة بطريقتي، نحن ما صدّقنا فرحنا قليلاً في هذا البيتِ الكَئيب!"

أعطتني وقتها جدتي مالاً غير قليل، وظننتُ بالتأكيد -وقتها فقط، إحم- أنَّ هذهِ هي أفضل طريقةٍ للتهنئة بالفعل!
(أُحبكِ جدتي ♡^^)
******

> حفل ثقيل الدم 2 - بيت الجدة - صيف 2012

أوقع صوتُ طرق الباب المُفاجِئ انقباضاً غير مُبررٍ في قلبي، وبينما يتّجهُ خالي ليفتحَ الباب، رمَتْ جدتي غطاء الصلاةِ على رأسها ولَحِقَتْ بهِ.

فتح خالي البابَ ببطء وهو يقول:
"أجل؟"
بينما جدتي تقف خلفهُ بالضبط.

ظهر أمامهم وجهَ الجار الكهل، الذي لمْ أكن رأيتهُ قبلاً، لكنّني -وكل أطفال العائلة بلا استثناء- نعرِف صوتهُ جيداً.
إنُّهُ جارُ ال "هدوووووووووووووووء".

بينما كانَ بيتُ جدتي يغلي بالأطفال، كانَ الجار المُجاور يطرُقُ الحائطَ بعصاً رفيعة، ثم يرتفع صوتهُ الثخين من ناحيةِ الحائطِ الفاصلِ بيننا قائلاً (بمطّةٍ طويلة):
"هدوووووووووووووووء"

نعم، كانَ يقولها بعدد هذهِ الواواتِ هُنا، خمسة عشرة واو بالضبط، (كما تعرفون، كلامي ثقة وأنا كنتُ قد عددتهم بنفسي)
فكُنّا نمتثل فوراً ونُخفِض صوتَ أيٍّ ما كنا نفعلهُ، حيث أننّا نخشى هذا الطَّرق المستمر، وهذه الواوات بالذات.

وفي هذا اليوم، جاء طَرقهُ يَمَسُّ بابنا مباشرةً، بلا إنذارٍ مُسبَق، بلا هدوء، لكنْ بعصاهُ ووجههُ المحفور بأخاديدَ عميقة، ربّما تعاونَ على نحتِها كِبرُ العُمر، والقهر المُستمر.

هتفَ خالي فوراً:
"جارنا أبا حسّان! أهلاً وسهلاً. نوّرتَ والله، تفضل، جار."

عندما تكلَّم، انبعث صوتهُ -أي الجار- راجٍفاً خافتاً، يكادُ يَعلق في حلقومهِ من شدّة ضعفهِ، وترتسمُ في عينيهِ نظرةٌ غريبة لا أنساها، هي مزيجٌ بين الحَذرِ والفَجع. أين الصوتُ الثخين؟

دخلَ الجار إلى عتبة الباب وتوقف، أنا هُنا تراجعتُ قليلاً بعيداً عن مدخلِ الصالون، بينما هو يقول:
"لن أُطيل عليكَ يا جار، فقط أمرٌ بسيط يُمكِن حلَّهُ من الباب هُنا، شيءٌ أُخبِرك بهِ، وأرجو ألا تُقسِم عليَّ بأن أدخل..."

ثم رأيتهُ يُقرّب رأسه إلى أُذنِ خالي، ويهمس في لبّها.

ظننتُ أنّهُ لمْ يُرد لعموم العائلةِ -التي اختَبأتْ في الصالون تُراقب (كحالي:)- أنْ تسمع، لكنْ، بعدِ الشّهقةِ السريعة التي أطلقتها جدتي، ربّما كانتْ هي المقصودةُ في النهاية...

لكنَّ سريّةَ العمّ "هدوووووووووووووووء" لمْ تُفلِح، فجدتي سمعتْ كلَّ شيء.

تراجع الجار قليلاً عندها، وقطَّب خالي حاجبيهِ، لكنَّ جدتي سارعتْ تهتف وعيناها تدورانِ بلا وعي:
"ماذا حصل؟ أخبرني، أرجوكَ، يا جارنا."

تردّدَ الجار قليلاً، وحاول خالي أنْ يخِفّفَ وقعَ الأمر فبادر يقول:
"أُمّي، لاشيء هنالك أبداً، فلتدخلي سريعاً، أرجوكِ يا أّمّي."

لكنَّ جدتي تسمرَّتْ في أرضها وهي تحاول أن تعترض، فقال الجار مُستَسلماً:
"الرجال جميعاً يُقتادون إلى الجبهات، أخبروني أنَّ ابن أخي مطلوبٌ منذ قليل، هذا رغم أنَّهُ قد خدم خِدمتهُ الإلزاميّةَ بالفعل، إلا أنَّ التعبئة تَشمل الجميع هذهِ المرّة، لذا هرعتُ إليكم لأننّي أع..."

قاطعهُ خالي وهو -وأنا- نراقبُ وجهَ جدتي المُمتقع:
"خيرٌ إن شاء الله يا أبا حسّان، سَلِمتَ والله وحمى الله ابن أخيكَ، شكراً لإخبارنا."

غادر جار ال "هدوووووووووووووووء"، وأثار زوبعةً، هي مزيجٌ من الخوفِ والهمِّ والقلق ومزيدٍ من الحزن معاً، مزيجٌ أبعد ما يكون عن الهدوء.
******

> العفريت الشبح 2 - مدرستي منارة العلم - 2013

كان الصف في حالةِ فوضى في ظلَّ غياب المعلمة.

اقتربنا نحن الأربعة من سوزان وقررنا التأكّدَ من الأمر بأنفسِنا -أنا ولينا وريم، بما أنّ سما كانتْ بالفعل من أشدِّ أنصارها ومُصدِّقيها، تبصمُ لها بأصابعها العشرين على أيِّ كلامٍ تقولهُ- فراقبتْ عيوننا هذا الضبطَ الغريب للأشياء، والورقة التي تؤطِّرُ هذا المشهد العجيب.

تأرجَحَ القلم بنَهمٍ مُحاولاً التوازن على قلمٍ آخر، ثمَّ استقَرَّ عند خانةِ ال"أجل".

كانتِ الورقة أمامنا مُقسَّمةً إلى أربعة أقسامٍ، كأنَّها مُكعباتٌ مرسومةٌ متراصةٌ في شكل مُربعٍ واحدٍ كبير على مساحة الورقة، يفصِل بينهما خطان، شاقوليّ وأفقيّ.

وفوقها، انتصب القلم المُتأرجِحُ فوق آخر ثابت، بينما الأخير يُحاذي الخط الشّاقوليّ، والأول يحاذي الأخط الأُفقي، الفاصلين بين الخانات الأربع.

كانتْ خانةٌ تحتوي على كلمة "أجل" وتقابلها مثيلتها قطريَّاً بكلمة "أجل" أُخرى، أمّا الناحية الأُخرى فتحتوي كلمة "لا" تقابلها مثيلتها أيضاً.

كنتُ جاثيةً أُراقب الورقة، وعندما أشار القلم إلى "أجل"، نهضتُ وقلتُ:
"إذاً، هكذا يجيب، ويشير "تشتش" إلى أنُّهُ موجود."

اخترقتْ نظراتُ سوزان فصوصَ دماغي، بينما هتفتْ سما:
"ميس، ماذا تقولينَ؟ من هو تشتش؟"
-"دلعُ تشرتل هذا، أم أنَّ "تشتوش" أفضل؟ الأخيرُ أجمل، أليسَ كذلكَ؟"

قالتْ سوزان بهدوء وهي مازالتْ تُلهِب رأسي بنظراتِها: "اسمهُ تشارلي، وأنتِ تتظرّفينَ وتستهزأينَ بهِ على أسماعهِ على فكرة، هو موجودٌ الآن."

رددتُ بسرعةٍ: "أبداً، فقط أُحِبُّ تدليعهُ، للتحبب يعني."

(أحببتُ شبحاً... أو كائناً جنياً ذا ورقةِ ال"لا/نعم"، ما رأيكم بهِ كعنوانٍ لقصةٍ رومانسية جداً؟♡_♡
إنَّهُ مُبتذلٌ بشكل يجعلكَ تقيءُ الفراشاتِ.)

قالتْ لينا: "وماذا الآن؟ ماذا سيفعلُ هذا ال "تشارلي"؟"

اتّسعتْ حدقتا سما وهي تقول:
"ماذا تعنين بماذا سيفعل؟ إنَّ إثبات وجودهُ وتواصلهُ مع سوزان، ككائنٍ من الخوارق، هذا وحدهُ معجزةٌ، بذاتهِ وليس لشيءٍ آخر."

تنهدتْ لينا وهي تقول:
"لكنَّ الأختَ سوزان هُنا قالتْ أنَّها تستطيع تسخيرَ الجِنَّ، والتّسخير..."

قاطعتها سوزان بثقةٍ: "مع أنّني لستُ مُضطرة للتبريرِ لأمثالكِ، إلّا أنّني أستطيع التواصل معهُ بطرحِ أسئلةٍ مُشابهة، وهو يجيب بنعم أو لا."

صمتتْ لينا قليلاً، رأيتُ وجهها يَحمرّ، فبادرتُ أقول:
"سوف يعطيكِ أسرار الكون؟ أخبرينا، يا سوزان."

هُنا هَبَّتْ سما غاضِبةً على غير العادة وقالتْ:
"هذا غير معقول، هذهِ السّخرية لا تُطاق، أنتنَّ من طلبتنَّ من سوزان أنْ تُريكَنَّ قدراتِها، فقط لتستهزأوا؟ استحينَ على دمكنَّ."

نظرتُ في عينيها مُستغرِبةً، ما بالها؟ كدتُ أردُّ:
"أنتِ، سما، ما بال..."

إلا أنَّ سوزان قاطعتني وهي تقول بصوتٍ مُرتجف عالٍ:
"سوف أُريكنَّ ما سوف أفعل، أنا... أنا سوف أُسَخٍّر كلّ قدراتي لأصب عليكَنَّ جام غضبي، سوف ترين..."

سارعتْ سما تُهدئها، إنَّها تتصرف بطريقةٍ غريبةٍ، وإذا كانتْ هذهِ السوزان تعرف في السحر فعلاً، فهذا الذي سما بهِ هو سحرها لا شكّ، هذا فقط ولا سحر آخر.

بينما كنا نغلي وبوادرُ شجارٍ كبير تكاد أن تنفجر، بادرتْ لينا تقول:
"أرينا ما تستطيعينَ فعله وافعلي ما بدا لكِ، لأنَّكِ..."

قاطعتهم ريم سريعاً: "فتيات، فتيات! توقفنَ أرجوكنَّ..."

كان جمهورٌ غفيرٌ من فتياتِ الصفَّ قد تجمع حولنا على إثرِ الأصوات والشّجار، وعندما رأينَ ورقة تشارلي الخارقة، عاودوا الهجوم على سوزان لتريهنَّ وانتهتِ "الخناقة" على خير، حيث انشغلتْ سوزان بتوصيل طلبات... أعني أسئلةَ فلانةٍ وعلّانةٍ إلى الأخ تشارلي، أعانهُ الله...

(أيُّ أحد اسمهُ تشارلي، هذهِ دعوتي لكَ بالذات، فإذا قابلتَ إحدى فتيات صفّنا، اهرب فحسب.)

قالتْ لنا ريم بصوتٍ منخفض بعد أنِ ابتعدنا قليلاً:
"على فكرة، هذهِ ظاهرةٌ فيزيائية شهيرة، رأيتها على الإنترنت، كانَ موضوع تشارلي هذا أصلاً شائعاً عند الأجانب، ورأيتُ شرحاً علمياً للأمر، لا مجال أن تثبّتَ قلمين على بعضهما من مركزهما بهذهِ الطّريقة دون أن يتأرجحُ القلم الأعلى..."

قالتْ لينا: "أعلم، رأيتهُ أيضاً على الإنترنت، لكن لا أدري ما دهى سما حقّاً، أهي غبيّة، أم تلكَ الفتاة... ماذا قالتْ لها بالضبط؟"

الإنترنت؟ عزِمتُ يومها أن أعود وأتصفحهُ على موبايل أُمي لأتحرّى الأمر، أو ربما أطلب منها واحداً لنفسي كصديقاتي.

خُلاصةُ القصة، الحاصل، أنَّ سوزان أثارتْ بلبلة وخوف بقصةِ تشارلي الحمقاء بين بعض الفتيات، فاشتكينَ للمُوجّهةِ...

فُصِلَتْ سوزان على إثر القصةِ من المدرسة بتهمة السّحر الشّديد، والشّعوذة الكثيرة التي لا تُطاق، وترويعِ الأمن وشرخ الطمأنينة في أجواء المدرسة،
(تستأهل والله، إلا أنّني أسامحها هي وتشارلي خاصتها، فأنا، رغم كلّ ذلكَ، طيبةٌ، كما تعلمون، لكنّهم يجبرونني فيخرجون أسوأ ما بي!)

أمّا سما، فلمْ تعُد تتحدّثُ إلينا ثانيةً، أبداً، تتجاهلنا وكأننا غير موجودون، وأصبحتْ تقضي أوقاتَها مع صديقاتِها الجديدات، ربّما اللاتي اشتكينَ على سوزان نفسهنَّ، لكن من خلف ظهرها....
******

> يوم الخطف - بيت الجدة - 2013

لمْ تأتِ السيدةُ التي تنظّف منزل جدتي دورياً كلّ أسبوعٍ منذُ فترةٍ، فقررتْ جدتي، وبكامل عدم الولاء للأُخرى، أن تستبدلها.

ومعها حق في ذلكَ، فقد كانتْ الأولى تُماطِل وتُماطِل، وتتحججُ بأعذارٍ شتّى...

مرةً لمْ تستطع المجيء لأنَّ باب بيتهم لمْ يُفتح، ومرةً لأنَّ باب العُمارة لمْ يُفتح، ومرةً لأنَّ الشُّباك لمْ يُفتح!
ربّما خشيَتْ بتلكَ الأقوال أن نحثّها على القفز من الشُّباك والطيران إلينا، فقالتْ أقطع الطريقَ من قصيرهِ!

نعم، ليتَ جدتي بعثتْ بطائرتنا الشراعية تقلُّها، كان سيكونُ منظراً فاخِراً حقاً! (ليس عندنا واحدة بالطبع.)

جاءتْ واحدةٌ أُخرى، و أوَّل يومٍ لها صادف عدمَ وجود خالتي في البيت، حيث نزَلتْ لتجلِبَ بعض الحاجيات.

كنتُ قررتُ الذهّاب إلى نور يومها، إلى بيت جدّتي، لكنّني وقعتُ على الطريق وتشقلبتُ شقلبةً رهيبةً على الأسفلت الأملس الجميل، حتّى أغراني لأتمرمغَ فيهِ وفعلتْ، فقشطَ -الجاحد- رُكبتي وكوعيَّ وذقني، لأنّني وقعتُ بحضنِ هذا الأسفلت الحبيب مباشرةً.

دخلتُ منزل جدتي بمنظرٍ مُتشرِّد، فبادرتْ جدّتي لتسمع قصةَ منظري الرقيق هذا... ثمّ طهّرَتْ لي الجروحَ وهي توبِّخني طبعاً لكن بلطف.

استلقيتُ في الداخل، في غرفة النّوم، وجاءتْ نور تجلس بجانبي نتبادلُ أطراف الحديث سويةً.

كانتِ السيّدة الجديدة ما زالتْ تُنظِّف في الصالون، حيث كنّا نسمعُ طرطقةً وقرقعةً عالية من الحاجياتِ التي تزيلها -بعنفٍ شديدٍ لا أدري لهُ سبباً- ثمّ تُعيدها، وتكادُ تارةً أحاديثنا وضحكاتنا تُغطّي على الصوت، ويكاد تارةً الصوت الخشِن يغطّي علينا.
وبينما نحن نضحكُ وهذهِ الضّجةُ في الخلفيةِ مُشتَعلةٌ، هدأتِ الأخيرة فجأة.

قالتْ لي نور باستغرابٍ بعد هُنيهة:
"هل أنهَتْ عملها؟"

رددتُ باستغرابٍ أكبر: "لا أعرف."
-"لكنْ، أين جدتي؟ انتظري، سوف أرى... المفروض أنَّ نبيل معها في الصالون."

نهضَتْ من السرير، وخرجتْ خارج الغرفة، ثمَّ سمعتُ صرخة، صرخة نور نفسها...
صرخَتْ نور ثانيةً بهلع: "لا السيدة هنا ولا نبيل! جدتي..."

وسمعنا صوتَ باب المنزل يُفتح، لا يُمكن! السيّدةُ، لا يمكن أن تكون اختطفَتْ نبيل من منتَصفِ البيت هكذا، لا يمكن...
******

> صور عتيقة 


كنتُ قد عَزمتُ أن ألبس الحجاب بإذن الله.

أذكر أنّني في الزمان الغابر، كنتُ قد سألتُ أمّي بكل جديةٍ:
"متى تحجّبتِ يا أُمّي؟"

نظرتْ أُمّي إلى أعلى مُفَكّرةً وقالتْ:
"تعنينَ سنّي؟ همم، لنرَ... تقريباً منذ ثماني عشرة سنة، أي عندما كانَ عمري أربعة عشر أو خمسة عشر... هكذا."
-"واو يا ماما، أنتِ كبيرةٌ جداً."

غضبتْ بشكلٍ متصَنِّع وهتفتْ:
"تعنين كبرتُ قدراً، طبعاً! بل دعينا نقول أنّكِ قليلة الأدب جداً يا فتاة! تأدّبي."
صمتُّ لأسايرها، وضحكتُ بشكلٍ مشاكس. ^_^

وقتها، قررتُ، لا أعرف لماذا، لكنّني قررتُ بأنّني سأرتدي الحجاب في ذات السِّن، هذا طبعاً قبل أن يحصل أيُّ شيء.

وأنا أُعلِن عن قراري الذي طال انتظارهُ، تلقّيتُ فيضَ التهنِئاتِ ثانيةً، مما واساني وطبطبَ على قلبي الحائر.

قالتْ لي جدّتي: "هيا إذاً، لنُقِمْ احتفال."

نظرتْ إليها أُمّي نظرةً غريبة، فقلتُ بسرعة:
"لا داعٍ الآن في ظلِّ الظروف الراهنة، أستطيع تحمّلَ تأجيل ذلكَ، قليلاً فقط."

ضحكَتْ جدتي من وسطِ قلبها، وأدمعتْ عيناها وهي تقول:
"حسناً يا ست ميس، مادمتِ تحتملينَ وتسمحينَ لنا بالتأجيل قليلاً."

ثمَّ قالتْ وهي تُلقي نظرةً على نور:
"يمكنكِ إذاً أنْ تحتفلي بحجابكِ مع أولاد خالتكِ وسليم وأمجد، أليسَ كذلكَ يا نور؟"

هزَّتْ نور رأسها صامتةً، ثمَّ ابتسمَتْ لي.

لاحقاً، قدِمتْ نور إليَّ وقالتْ بصوتٍ مُنخَفِض:
"هل ستذهبين لشراءِ ملابس الحجاب قريباً؟"

أجبتُها: "آه! صحيح، لقد ذكرتِني! بالفعل، ملابسي كلها غير مُناسِبة على الإطلاق!!"

قالتْ وهي تغمز: "إذاً ننزلُ سوّيةً إن شاء الله."
-"نعم، إن شاء الله، ونختارُ سويّ... مهلاً، أيعقل يا نور أنكِ تنوينَ أيضاً...؟"

ضحكتْ ضحكة قصيرة خجولة وقالتْ:
"نعم، لنُأجّل احتفال حجابنا نحن الاثنان أيضاً."
وضحكنا بشدّةٍ.

نزلنا ذاتَ يومٍ أنا ونور لنختار الثياب الجديدة، أُمّي أوصلتنا بالسّيارة إلى السّوق القريب، وقالتْ وهي تحذّرنا:
"لا تبتعدا! السّوق قريب، نعم، لكنْ لا تبتعدا عن هُنا، ولا تتأخّرا! سأعود لأعيدكما."

أخذتْ كلٌّ منا مِقدارَ ميزانيتها من المال لهذا الأمر، وانطلقنا في بقاعِ السوقِ الفسيح. 

(السوقُ، ليسَ فعلاً فسيح، لكنْ، تعرفونَ، ذاكَ لأحكام ولأغراض الشعر والتشبيهِ والسرد وهذهِ الأمور البلاغية المُبلّغة.)

عُدنا يومها وأنا أشعر أوّل مرّةٍ، منذُ فترةٍ، بسعادةٍ شديدةٍ مُتفجرةٍ، ليسَ بسبب مفهوم التسوّقِ نفسهُ، بل بسبب غرض ذلكَ التسوّق، وشعوري لأولِ مرّةٍ بأنّني أختار بنفسِي شخصيّتي التي أُحسّها، وأسمو بها للأفضل برأيي، وبالطبع بسببِ رِفقتي المرحة لنور المُتحمّسة لحجاب كلينا.

عُدنا إلى بيتِ جدّتي، التي أَدخلتنا إلى غُرفتها العتيقة العبِقة برائحةٍ خشبيةٍ كأنها تائقةٌ إلى الشّجن.

ومن ثَمّ، فتحَتْ جدّتي صفحاتِ ألبوم صورٍ قديم، حيث غزا اهتراءٌ بسيط أطرافَ هذهِ الصّفحات، بينما ملمس الصفحاتِ ذاتها اخشوشن وباتَ كالمرمر.

أمّا الصّور، فبقيتْ محفوظةً كما هيَ، رُغمَ قِدمها بأجيال.

خرجتْ جدّتي من الغرفة، بينما بقينا أنا ونور نتصفّحُ الصّور، ونعلّقُ هُنا وهُناك.

وصلنا إلى صوري، وقلتُ سريعاً:
"من هذا الصبيُّ الصغير الوسيم؟"
ضحكِتْ نور وقالتْ: "أخبريني، صِدقاً يا ميس، لماذا تبدو هيئتكِ وملابسكِ هُنا كالصّبيان؟"

هززتُ كتفيَّ وقلتُ: "لا أدري سرَّ إصرار أمّي على إلباسي ملابس أخي القديمة، الأمرُ مُهينٌ بحقّ!"

ضحكنا، ثم غمزتها وقلتُ:
"لكن انظري إلى هذهِ الفتاة الصغيرة الأنيقة هُنا..."

كانتِ الصور تُظهِر نور الصغيرة بملابسٍ تُشبهُ أميرات البلاط النّبيل، ترتدي مُختَلف الفساتين المزركشة ذاتِ الألوانِ الصّافية، وتضعُ قبّعاتٍ عريضة كثيرة.

رمقتْ نور هذهِ الصور، وقالتْ:
"أظنُّ أنَّ أُمّي كانتْ في قمّةِ سعادتها، تلعب هُنا وهُناك وتُلبِسني هذهِ الملابس الخياليّة."

ضحكتُ وقلتُ: "لمْ يكن هناكَ ألعاب التلبيس وقتها، تعرفينَ، التي تحبّها الفتيات أيامنا.."

نغزتني وهي تقول: "هيا! كَفى! أتلمحينَ لحبي القديم لهذهِ الألعاب؟ لقد توقفتُ منذُ مدةٍ طويلةٍ، وأرى أنَّ سخريتكِ هذهِ حقّاً ستجعلني.."

قاطع أسرارها الفاضحة صوتُ خالتي يناديها، نهضتْ سريعاً وهي تقول:
"سأعود لأنتقم."

ظللتُ وحدي في الغرفة، فتركتُ الألبوم ذاكَ وبحثتُ في الخزانة -المكان الذي أخرجتْ منهُ جدتي الألبوم- عن ألبومٍ آخر أغوصُ في صفحاتهِ، ولربّما كان أعتق وأعتق.

تلمّستْ يداي في ظلام بطن الخزانة جسماً غريباً، مُزخرفاً بطريقةٍ دقيقة وكثيفة، وهناكَ كثيرٌ من عروقٍ وأشكال على سطحه...
هذا، إنَّهُ إطار صورةٍ ضخم.
******
		       
×
جاري التحقق من حالة حسابك...

لوحة أرباحك

أهلاً بك في برنامج شركاء الأرباح. يتم احتساب أرباحك بناءً على زيارات رواياتك المقبولة.

الزيارات المحتسبة 0
الأرباح المقدرة $0.00

تم الإرسال بنجاح!

"تم استلام طلبكم الخاص بالانضمام لبرنامج الأرباح بنجاح. الطلب الآن قيد المراجعة"

قيد المراجعة حالياٌ

"طلب الانضمام لبرنامج الأرباح قيد المراجعة حالياٌ. تستغرق عملية التحقق وتجهيز حسابك فترة تتراوح ما بين 7 إلى 14 يوم عمل"

الشروط غير مكتملة

عذراً، لتحقيق الربح يجب أن تمتلك في حسابك
4 روايات على الأقل.

يجب تسجيل الدخول

"يرجى تسجيل الدخول إلى حسابكم المعتمد للمتابعة وتقديم طلب الانضمام لبرنامج الأرباح"