ثروة.. وجنون - الفصل الثاني
الفصل الثاني
كان المول مزدحم في مساء خريفي، أضواؤه البيضاء تلمع فوق رؤوس الزائرين، ورائحة القهوة تتداخل مع أصوات الموسيقى والإعلانات. على جانبي الممر، الفساتين المعلّقة خلف الزجاج تلمع تحت الأضواء، وكأنها تنادي العيون بفتنتها.
انفجرت يمنى بعصبية، وجهها احمر من الغضب: "إيه يا يارا؟! مش عاجبك إن أنا لقيت نصيبي؟! ولا عشان إنتِ فشلتِ قبل كده لازم تفشليني زيك؟" شهقت الأم بذهول: "يمنى!! إيه اللي بتقولي ده؟!" لكن يمنى لم تتوقف، وعيونها ترسل سهامها مباشرة نحو شقيقتها: "نسيتي خطيبك اللي كان بيسيطر عليك؟ اللي كان بيهينك ويضربك؟ ومقدرتيش تكملي معاه… لسه لحد دلوقتي مش عارفة تتخطّي؟! يبقى إزاي تجي دلوقتي وتتكلمي عن حياتي أنا؟!" اهتزّت يارا في مكانها كأن كلمات أختها صفعَتها، دموعها انسابت سريعًا وهي تحاول ترد لكنها لم تجد الكلمات. رفعت يدها المرتجفة إلى وجهها، ثم هرولت إلى غرفتها، تغلق الباب خلفها بعنف. ساد الصمت الثقيل… وجوه إمام وسليم اكتست بالحرج الواضح. حاول سليم أن ينهض بهدوء قائلاً: "نحن آسفين إذا الجو توتر… يمكن لازم نمشي هلق." لكن والد يمنى قاطعه بسرعة، صوته حاسم: "لا، اتفضلوا. الخطوبة زي ما اتفقنا، والزواج بعد شهرين… الموضوع خلص. البنات بيزعلوا ويتخانقوا، لكن ده ما يغيّرش قرارنا." تبادل سليم وإمام النظرات، ثم نهضا بهدوء، صافحا الجميع، وغادرا وسط جمود ثقيل. في الداخل، جلست يمنى مع والدتها، الدموع تملأ عيني الأم وهي تعاتبها: "إزاي تجرحي أختك بالكلام ده؟!" لكن يمنى، برغم دموعها، ظلت متمسكة برأيها: "أنا لازم أعيش حياتي… ومش هخلي حد يوقفني." في تلك الأثناء، صعد الأب بخطوات مترددة نحو غرفة يارا. طرق الباب بخفة، ثم دخل ببطء ليجدها جالسة على طرف السرير، عيناها محمرتان من البكاء. جلس بجوارها وقال برفق: "يا بنتي… محدش فينا كامل. اللي فات ما يعيبكيش. المهم قلبك يفضل نضيف زي ما هو." لكن يارا لم تجب، فقط هزت رأسها والدموع ما زالت تسيل. --- خارج البيت – السيارة: جلس إمام خلف المقود متجهّم الوجه، بينما سليم بجواره يراقب الطريق بعينيه الهادئتين. قطع سليم الصمت بصوت منخفض: "شو رأيك باللي صار يا إمام؟" زفر إمام بضيق: "البنات عندن حساسيات… المهم يمنى بدها تكمل، وأنا ما عندي وقت طويل هون." ظل سليم صامتًا للحظة، ثم أدار رأسه قليلًا نحو ابنه، وقال بنبرة غامضة: "بس أنا… حابب أفهم أكتر عن أختها الكبيرة. في شي بماضيها… لازم نعرفه." أدار إمام عينيه بتوتر، بينما انعكست أضواء الشارع على وجه سليم الذي بدا أكثر غموضًا من أي وقت مضى. ..................... امتلأ البيت بأضواء الزينة وأصوات الموسيقى الخفيفة، الزغاريد تعالت في الأجواء، والكل يبارك لـ إمام ويمنى في يوم خطبتهما. فساتين ملونة، ضحكات متداخلة، وأكواب العصير تتنقل بين الأيدي. كأن ما حدث في الاسبوع السابق لم يكن، وكأن الوجع والدموع قد اختفت تمامًا خلف الستائر. في قلب المشهد، كانت يمنى تتألق بفستان أنيق بلون وردي باهت، عينيها تتلألآن فرحًا، ووجهها لا يفارق الابتسامة. إلى جوارها إمام، يحملها بنظراته كأنها أثمن ما يملك، يضع يده حول كتفها بحماية واعتزاز. كانوا يبدون في انسجام كامل، يتبادلان النظرات والحركات الصغيرة التي لا يلتقطها غير المحبين. وكلما التفتت يمنى لتتلقى التهاني، كان إمام يسبقها بابتسامة واثقة تزيدها ثقة وفرحًا. في زاوية من الصالة، جلست يارا بهدوء، تحاول أن تبدو طبيعية بين الجمع، لكن عينيها تتنقلان بتوتر. جاء أحد أصدقاء إمام اللبنانيين، شاب متأنق ومرح، جلس بجوارها وابتسم قائلاً بلهجة خفيفة: "إنتِ أكيد أخت العروس… جمالكن معروف. ممكن نتعرف أكتر؟" ابتسمت يارا ابتسامة مهذبة، وردت بأدب: "تشرفنا، بس أنا بحب أبقى وسط أهلي وضيوفي." ضحك الشاب وأكمل، كأنه لم يفهم رسالتها: "يعني منقولها صدفة سعيدة ونتركها للقدر؟" ابتسمت ابتسامة مجاملة، لكنها شعرت بالضيق يتزايد مع إصراره. كان يقترب أكثر مما يلزم، وكلماته تخترق راحتها. في تلك اللحظة، اقترب سليم بخطوات هادئة، وكأنه كان يراقب منذ البداية. وضع يده بخفة على ظهر الكرسي بجانب يارا، وقال بنبرة دافئة ووقورة: "يبدو ضيفنا العزيز ما بيعرف إنو عنا عادة… الليلة لازم نترك العروس وأهلها يستمتعوا بلحظتهم بدون إزعاج." ضحك الشاب بخفة محرجًا: "أكيد، أكيد… ما كان قصدي أزعج." ثم انسحب بهدوء بين الضيوف. التفتت يارا نحو سليم، قلبها يخفق بسرعة، وعيناها امتلأتا بالامتنان. قالت بصوت خافت: "شكراً… أنقذتني من موقف صعب." مال سليم قليلًا للأمام، صوته خرج خافتًا، كأنه لا يريد أن يسمعه أحد غيرها: "أوقات… اللي بيفتكر نفسه وحيد، بيكتشف إن في عيون تراقبه بصمت… تنتظر اللحظة الصح." رفعت يارا رأسها فجأة، التقت عينيه للحظة بدت طويلة بلا نهاية. كانت نظراته تحمل غموضًا، لكنها لم تخلُ من دفء يذيب جزءًا من جدارها الداخلي. أحست برعشة صغيرة تمر في قلبها، لم تفهم إن كانت خوفًا أم انجذابًا. سكتت يارا لحظة، ثم أخذت نفسًا عميقًا، وكأنها تحارب ارتباكها الداخلي، قبل أن تهمس: "ممكن… نكون أصدقاء؟" توقفت نظرات سليم عليها لحظة طويلة، وكأنه يحاول أن يقرأ ما وراء كلماتها، قبل أن يبتسم بخفوت، ابتسامة لم تستطع هي أن تفسرها. ............................. كان المول مزدحم في مساء خريفي، أضواؤه البيضاء تلمع فوق رؤوس الزائرين، ورائحة القهوة تتداخل مع أصوات الموسيقى والإعلانات. على جانبي الممر، الفساتين المعلّقة خلف الزجاج تلمع تحت الأضواء، وكأنها تنادي العيون بفتنتها. كانت يمنى تسير بخطوات سريعة بجانب إمام، عينيها تتنقل بفضول بين واجهات العرض. توقفت فجأة أمام فستان سماوي رقيق، رفعته بحماس وهي تبتسم: يمنى (بحماس طفولي): – شايف يا إمام؟ ده حلو قوي… وحاسه إنه لايق عليّ. اقترب إمام، نظر للفستان نظرة سريعة قبل ما يبتسم بسخرية خفيفة: إمام (بهدوء فيه صرامة): – لأ… اللون ده مش ليِك. (يشاور على فستان أسود ضيق) – جرّبي ده… ده بيلبقلك أكتر. ترددت يمنى، نظرت للفستان السماوي مرة أخيرة قبل ان تمد يدها بخضوع وتأخذ الأسود. دخلت غرفة القياس، وبعد دقائق خرجت ترتديه. الفستان أبرز قوامها بشكل لم تعتده من قبل، شعرت أنها عارية من ملامحها الحقيقية من حقيقه كونها تحب الاشياء التى توضح جمالها ببساطه وليس بغموض ثائر كهذا الثوب.. ولكن إمام تقدم خطوة لها ببريق غريب في عينيه وصوته منخفض لكنه حاد: إمام:– إيه… كده أحلى بكتير متل ما أحب أشوفك دايما.. خليكي فاكرة…أنتي الى انا وحدي.. انتي بتنتمي لى اقترب ومال على أذنها يهمس:- وحتى في حاجات تانية… بحبك تفضلي تحت سيطرتي. ضحكت يمنى بخفة وكأنها لم تفهم مقصده، لكن بداخل قلبها شعرت ببرودة مفاجئة --- الأيام مرّت مسرعة، وبدأ العد التنازلي لحفل الزفاف. --- في قلب القاهرة، كان محل المجوهرات الفخم يتلألأ بالكريستالات المعلّقة في السقف، وانعكاس الأضواء على الواجهات الزجاجية زاد الجو سحرًا. جلست يمنى بين والديها بفستان أبيض بسيط، وإمام بجانبها، يمسك يدها بقوة كأنها عهد يثبته كل لحظة. الأم بسعاده،: – يا حبيبتي يا يمنى… فرحتنا بيكي أكبر من أي حاجة في الدنيا. الأب (وهو ينظر إلى الخواتم): – المهم يا إمام تختاروا حاجة تعيش معاكم العمر كله. ، مد إمام يده لخاتم لامع بحجر أزرق صغير: إمام (بحزم): – ده مناسب. يمنى بتحب الأزرق… مش كده حبيبتي؟ يمنى هزّت راسها بخجل، دون أن تنطق، كأنها لا تملك حق الاختيار يارا كانت تجلس بعيدا نسبياً تلاحظ سيطرته بضيق يتصاعد بداخلها في الخلف، سليم كان واقف يتابع بصمت، عينيه الحانيتين تلمع بغموض تقيل.. للحظة، التقت عينيه بعيني يارا شرد قليلا ولكنه أزاح عينيه سريعاً بطريقه مفاجئة وتنهد مثقل يعبث بصدره ابتسمت يارا بعفوية وقالت:– واضح إن ليك خبرة بالحاجات دي… ممكن تساعدني أختار حاجة صغيرة للذكرى؟ رفع رأسه إليها ببطء، صوته بارد وكأنه يقاوم عاصفه تدوي بداخله: – الذكريات مش في دهب ولا في أحجار… الذكريات بتفضل مع الناس اللي بنفقدهم. تجمدت يارا للحظة، كلماته الجافه غرست بداخلها فضول يمتزج ببعض الخوف.. حاولت أن ترد بابتسامة، لكنه أبعد نظره عنها وكأنه لم يقل شيئاً إرتبكت يارا من تجاهله لها بعد أن طلبت منه أن يكونا صديقين في تلك اللحظة كانت يمنى تضع خاتم زفافها ف إصبعها وسط سعادة الأهل . عيونها مليانة سعادة بريئة، دون أن تلاحظ الظلال التى تتحرك حول حياتها الجديدة. .............................................. كان البيت عامر بضجيج الاستعدادات، أصوات الأطباق في المطبخ تمتزج مع ضحكات متقطعة من الصالة. جلس الأب والأم مع إمام ووالده سليم في الركن الجانبي من غرفة المعيشة، حولهم أوراق صغيرة وملاحظات عن تفاصيل الفرح. الأب (بفخر): – أهم حاجة يا إمام إن كل حاجة تبقى بسيطة وشيك. يمني بتحب كده... الأم (بحماس): – وأنا هتابع مع الكوافير والفساتين… إن شاء الله الليلة هتبقى من العمر. إمام (مبتسم ببساطه): – ما تقلقوش… كل شي مرتب، وأنا ويمنى متفقين على كل التفاصيل. سليم (بهدوء ): – العرس مش يوم وبس… هو بداية حياة. أهم شي… كيف بتعرفوا تحافظوا ع هالبيت. سادت لحظة صمت قصيرة بعد كلماته، كأنها تركت صداها في الهواء. في الطابق العلوي، جلست يمنى في غرفتها كما أمرها إمام، بين كومة فساتين وصناديق، ملامحها مشوشة. حاولت يارا تكسر وحدتها، دخلت وجلست على حافة السرير. يارا (بلطف): – مالك يا حبيبتي؟ تعبانة ؟ إبتسمت يمنى بصمت.. نظرت يارا للملابس الجديدة الكثيرة المتناثرة حولها وتمتمت:-مكنتش أعرف إن ذوقك. فاللبس بقا غريب كده.. طول عمرك بتحبي الحاجات الهادية الرقيقه همست يمنى دون أن ترفع عينيها:-ده اللى بيعجب إمام. نظرت يارا لها لا تعرف ماذا تقول فتمتمت يمنى بغضب مكبوت:- عاوزة أبقي لوحدي.. أرجوكى. نظرت إليها يارا مطولًا، ثم هزّت رأسها بتفهم وخرجت دون إلحاح. في الحديقة الخارجية، جلست يارا على مقعد خشبي، الليل كان ساكنًا إلا من حفيف أوراق الشجر. أخرجت هاتفها وكتبت منشورًا قصيرًا: " وكأننا أطياف نمر مرور الكرام لا يرانا العابرين ولا يسمع همساتنا المقربين..حولى كثير من الأصوات لكننى لازلت وحيدة..." ضغطت زر النشر، ثم أغمضت عينيها تنهيدة طويلة. في الطابق العلوي من نفس البيت، كان سليم يجلس وحده في غرفة الضيوف، يتفقد هاتفه بهدوء. لم تمر دقائق حتى ظهر منشور يارا على شاشته. عيناه وقفت عند الكلمات، كأنها اخترقت جدار قلبه الصلب... تنهد بصمت وقام ينظر من النافذة يراقب يارا الجالسة بهدوء شعر بثقل كبير بين ضلوعه تمتم لنفسه:-إحذر من هذا.. لا تقع لأفكارك وكأن يارا سمعت همسته التفتت والتقت عيناهما بنظرة طويلة ذات ألف معني في تلك اللحظة، ارتسمت على وجهه نظرة حانية غامضة، تحمل مزيجًا من الحماية والرغبة الخفية، قبل أن يضع الهاتف جانبًا ويغرق في صمته الثقيل. .............................. في صباح اليوم التالي، كان سليم قد توجه إلى جامعة القاهرة، يحمل في يده ملفًّا مليئًا بالأوراق الرسمية. كان السبب بسيطًا؛ إذ جاء ليستكمل إجراءات معادلة شهاداته السابقة، ويضيف أوراقًا تخص محاضرة سيقدّمها في قسم التاريخ المقارن. ذلك العمل لم يكن مجرد مهمة، بل ذريعة تمنحه بعض الوقت بعيدًا عن أجواء البيت الثقيلة بالتحضيرات والأعراس. أما إمام فقد كان غارقًا مع يمنى في تفاصيل الزفاف، بين القاعات والديكورات وقوائم المدعوين. جلس سليم في مكتبه للحظات، تردّد، ثم أخرج هاتفه واتصل بـ يارا. > سليم (بنبرة هادئة ): "مرحبا يارا... إذا ما عندِك شي، بدي اطلب مساعدتِك بموضوع ورقة بالجامعة. بتقدري تمرّي؟" > يارا (بشيء من اللهفة): "أكيد طبعاً... ماشي، ساعة وهكون عند حضرتك." لم تمض ساعة حتى التقيا في أروقة الجامعة، حيث ساعدته يارا في ترتيب الأوراق والتوقيعات. ابتسم سليم بخفة، وقد لاحظ كيف كانت خطواتها سريعة، ورغبتها في إنهاء الأمر واضحة. بعدها، اقترح أن يجلسا قليلًا في مقهى صغير مجاور جلسا في المقهى الهادئ، لم تعد رائحة القهوة تملأ المكان فقط، بل امتزجت مع جوٍّ من الترقّب والتوتر الحلو بينهما. كان سليم يتأمل تفاصيل وجهها كلما أزاحت خصلات شعرها عن عينيها، وكأنّه يبحث عن سرّ خفيّ فيها. جلسا متقابلَين، وبينهما فنجاني قهوة لم يمسّهما أحد. تأملها سليم طويلًا، ثم قال:- كيفك هلا؟ نظرت له بابتسامه مستغربة فقال بسرعه:- كنتي حزينة بالأمس.. لاحظت إنك مزعوجه.. بس ماعرفت أحكي معك... وكمان قريت منشورك.. > يارا (تنظر في الفنجان، بخفوت): "أنا مش قصدي حد يقرأه... يمكن كنت محتاجة أفضفض، وخلاص." سليم:-ليه ماتفضفضي معي.. مش بدك نكون أصدقاء.. نظرت إليه ، عيناها تلمعان بصدقٍ صامت. أحسّت أنّ شيئًا ما في صوته مختلف، كأنه يجرؤ لأول مرة على كسر حدود رسمها بنفسه. > سليم (بصوت منخفض): "يارا… شو أكتر شي بيخوفِك؟" > يارا (تتردّد، ثم تنظر له): "الخوف؟... إني أفضل وحيدة. كل الناس تمشي وتسيبني، وألاقي نفسي ماليش حد." > سليم (يهز رأسه ببطء): "الوحدة وجع... بس مرات الوحدة أرحم من ناس ما بيعرفوا قيمتِك." ابتسمت ابتسامة صغيرة، وكأن كلماته لامست شيئًا عميقًا بداخلها. ثم تردّدت قليلًا قبل أن تسأله: > يارا: "وحضرتك... بتخاف من إيه؟" > سليم (يخفض عينيه للحظة): " خوفى الأول والوخيد هو إبني إمام.. بخاف عليه من نفسه وأفكاره.. بخاف يكرهني بيوم أو يتركني ويمشي..هو كل شي لي بهالعالم..عشت حياتى كلها مشانه هو وبس... أوقات بحسّ إني عشت عاقل زيادة عن اللزوم. بس من أول مرة شفتك وحسيت إن عقلى بطل يحكمني او يتحكم بتصرفاتي" تأملته يارا طويلًا، ثم قالت بابتسامة باهتة:-"بس ساعات العقل هو اللي بيحمينا. القلب ساعات يورّطنا." > سليم (يميل قليلًا للأمام): "طيب... وإذا سألِت قلبِك هلق... بيقول شو عنّي؟" تسارعت أنفاسها للحظة، وتلعثمت:-(تشيح بنظرها): "القلب ساعات مش بيسمع كلام العقل... وبيعمل اللي هو عاوزه." ساد صمت قصير، كانت عيونهما فيه مشتعلة، كأنّ كل واحد يقرأ دواخل الآخر. ثم كسر سليم الصمت:: "خبريني... بتحلمي بإيه؟ مش الحاجات الصغيرة... الحلم الكبير اللي جوّاتِك." > يارا (تتنهد، تنظر للنافذة): "بحلم أعيش حياة حقيقية. أكتب، وأسافر... أبقى حرة من غير قيود. نفسي أكون نفسي من غير ما حد يفرض عليّا اختيارات." > سليم (يبتسم برفق): "إيه... عندِك روح حرة. هيدا الشي نادر. أكيد الناس اللي حواليك ما بيعرفوا يقدّروا هالشي." أطرقت رأسها قليلًا، ثم قالت بصوت مبحوح:- "يمكن. بس أنا تعبت من دور البنت اللي بترضى وخلاص." > سليم (يمد يده قليلًا على الطاولة): "أنا شايف غير هيك... شايف بنت قوية، ذكية... وطيبة. بنت عن جد مستحيل الواحد ينساها." ارتعشت أصابعها وهي تعبث بحافة الفنجان. تبادل كلاهما نظرات طويلة، لم يكن فيها كلام بل وعود مكتومة. ثم، في لحظة سكون، مدّ سليم يده وأمسك يدها، أحاط أصابعها بدفءٍ حقيقي. شعرت يارا بقشعريرة تسري في جسدها، وعيناها اتّسعتا بدهشة. رفع يدها ببطء وقبّلها قبلة حانية، ثم همس: > سليم (بخفة): "بنت متلِك... مستحيل تعيش وحيدة. طول ما فيني نفس... ما رح خليكي وحيدة." ارتجفت أنفاسها، ودمعت عيناها وهي تحاول التماسك. قلبها يخفق بجنون، بينما صوته ظل يرنّ في أعماقها كأنه وعد لا رجعة فيه. ارتجف قلب يارا عندما لامست شفاه سليم يدها، لكن في اللحظة التالية سحبت يدها بسرعة، وكأن النار أحرقتها. انعكس الخجل في وجهها، واحمرّت وجنتاها، ثم تمتمت بصوت متقطّع:- " أنا.. كان فيه علاقة في حياتي قبل كده… كنت مخطوبة وأنا في الجامعة." اتسعت عينا سليم قليلًا، لم يقاطعها، بل أومأ لها ليستحثها على الاستمرار. > يارا (بصوت مهزوز): "هو كان زميلي… كنا قصة حب بجد. وبعد ما اتخطبنا، اكتشفت إن شخصيته غير اللي عرفتها. كان شكاك بشكل يخنق… عصبي… وأوقات كان بيمد إيده عليا." ارتعشت أصابعها وهي تشد على فنجان القهوة أمامها. > يارا: "كنت بسكت، وبخبّي عن أهلي… كنت فاكرة إني بحبه، وإن الحب يستحمل أي حاجة. بس في يوم… لقيت نفسي مش قادرة. قررت أسيبه، حتى لو اتكسرت." ساد صمت ثقيل للحظة. كان قلب سليم يخفق بقوة وهو يسمع كلماتها. رفع نظره إليها، ورأى في عينيها بقايا ألم قديم، جروح لم تندمل بعد. > سليم (بصوت عميق، فيه غصّة): "كيف قدر يعمل هيك فيكي؟! بنت متلك… حرام يجرّحك بهالطريقة." رفعت يارا عينيها نحوه، ابتسمت بخجل، وكأنها اعتذرت لأنها كشفت ضعفها. > يارا: "مكنتش عاوزة أقول لحد… بس حسيت إني أقدر أتكلم معاك." مدّ سليم يده ببطء من جديد، لكن هذه المرّة لم يحاول أن يمسك يدها، فقط تركها قريبة منها، صوته خرج حنونًا لكن فيه قوة: > سليم: وما ارتبطتي بحدا بعد هيك؟. نفت برأسها وشردت عيناها قليلا وهى تهمس:-محستش بالإطمئنان والراحه تاني مع أى حد. ابتسم سليم وقال يداعبها:- يعني أنا مش بس صديقك.. أنا كمان طبيبك النفسي يللى بترتاحي بالحكي معه.. إبتسمت وتألقت عيناها بدموع محبوسة، شعرت بدفء غير معتاد يغمرها مع كلماته. لأول مرة، لم تندم أنها فتحت جرحها أمام أحد. .......................................... كان المساء يهبط ببطء على هضبة المقطم، والمدينة في الأسفل تتلألأ كأنها بحر من النجوم المبعثرة. جلس إمام ويمنى على حافه سيارته المتوقفة عند بقعة منعزلة، حيث لا أصوات سوى همسات الريح وهدير بعيد لسيارات تسلك الطريق العام. يمنى، التي ارتدت فستانًا بسيطًا ولون خدّيها يميل إلى الوردي من الخجل، كانت تنظر حولها وتتأمل الأضواء البعيده ، بينما إمام يراقبها بعينين فيهما سعاده وحماس مختلط بجنون المشاعر المتدفقه قال:- يمني انا كتير مبسوط بكل شيء.. ما بتتصورى قديش سعادتي ونحنا بنجهز لفرحنا... بتعرفي قديش بنتظر هاليوم.. يوم بتكوني لى لوحدي.. بخطفك من العالم كله وبحبسك جواتي يمني بعشق تنطق به كل ملامحها:-وأنا كمان يا إمام.. مبقتش عارفه أتخيل حياتي من غيرك. إقترب منها وهمس:-قولى كمان.. ردت بخجل يشتعل فى وجنتيها:- أقول إيه.. إقترب منها أكثر ولمس خديها بأصابعه يهمس:-قولى كل شي بتحسيه وإنتي معي... بدي أسمعك. ارتبكت من قربه المفاجئ منها وأمسكت يديه المحيطه بوجهها برفق تحاول سحبها ولكنه أمسك يديها بقوة وهمس بشغف:-يمني بدي ابوسك. ابتعدت عنه بسرعة، عيناها اتسعتا دهشة، واحمرّت وجنتاها أكثر: > يمنى (بتلعثم): "إمام… لأ… يعني… أنا مقدرش." إمام:-ليه.. مابدك هيك مثلى. يارا برفق:- أكيد.. لاكن مينفعش.. مشهقدر.. يمكن الحاجات دى عندكم عادي.. إنما احنا هنا مش عادي.. > إمام (بابتسامة باهتة): " بدك ضلّي تهربي؟" > يمنى (بهمس مرتبك): "مش بهرب… بس أنا مش مستعدة دلوقتي… أرجوك تفهمني." ساد صمت ثقيل للحظة. تراجع إمام إلى الخلف ببطء، لكنه أدار وجهه بعيدًا عنها، وصوته خرج باردًا: > إمام: "إنتي بتكبّري الأمور… ما بعرف ليه عم تتدلّعي." شعرت يمنى أن قلبها انقبض. أرادت أن تشرح له، أن تقول إنها تحتاج وقتًا لتشعر بالأمان، لكن كلماته جعلتها تصمت. ظلّت تحدّق في الأضواء البعيدة أسفل المقطم، بينما داخلها إحساس غامض بأن شيئًا ناقص، كأنها تقف على حافة هاوية لا ترى عمقها. في تلك اللحظة بالتحديد، تباين المشهد مع ما عاشته يارا في الكافيه مع سليم: هناك كانت الكلمات تداوي الجراح، أما هنا، فقد زرعت الصمت جرحًا جديدًا في قلب يمنى. عاد الجميع إلى البيت بعد يوم طويل، الضحكات ما زالت تتردّد بين الغرف، وصوت الأم يعلو بالتحضيرات الأخيرة للزفاف. لكن في قلب كل واحد، كان هناك صمت مختلف. يمنى جلست وحدها أمام المرآة، ما زالت ملامحها مشوشة من برود إمام، بينما يدها تلامس الخاتم في إصبعها بخوف لم تفهم سببه. في الخارج، جلست يارا في الحديقة، تنظر إلى القمر كأنها تبحث فيه عن جواب. قلبها ما زال يرتجف من دفء يد سليم، لكن عقلها يصرخ بأن هذا الطريق محفوف بالهاوية. .....................