نبض أخير (كاملة)
اللغة: العربية
الرئيسية ربح

نبض أخير (كاملة)

جاري التحميل...

نبض أخير

بين جدران المستشفى الباردة وتحت أضواء غرف العمليات الساطعة، كانت الدكتورة "بيسان" تمارس لعبتها المفضلة: لعب دور الإله. جراحة عبقرية ونرجسية لا تُقهر، تتلذذ بالتحكم في نبضات مرضاها، وتنهي حيواتهم بقرارات باردة ومشرط لا يترك أثرًا للإدانة. كل شيء كان يسير وفق خطتها الصارمة، حتى تقاطع طريقها مع "زياد"، طبيب التخدير الغامض الذي يحمل في ماضيه ندوبًا لا تقل ظلامًا عن أسرارها. عندما يتحول زميل العمل إلى ندٍّ صامت يراقب الزلات، تنقلب اللعبة القاتلة. رحلة سقوط حتمية لجراحة تحولت من صياد يتلاعب بالموت، إلى فريسة مرعوبة محاصرة بأخطائها. فهل يمكن لمن اعتاد إيقاف نبض الآخرين ببرود.. أن ينجو حين يتسارع نبضه هو رعبًا؟

تحميل الفصول...
المؤلف

صوت الشاشة يفرض إيقاعه على الغرفة الباردة. طنين منتظم، رتيب، يقطع الصمت العقيم لغرفة العمليات رقم أربعة.

رائحة اليود النفاذة تتشابك مع الرائحة المعدنية للدم، وتلك اللسعة الدخانية المنبعثة من جهاز الكي الكهربائي وهي تحرق الأنسجة الدقيقة. 

تحت الأضواء الجراحية الساطعة التي تمحو أي ظل، تقف بيسان. 

يداها المغطاتان بقفازات مطاطية ملطخة بلون قرمزي داكن، تغوصان في تجويف الصدر المفتوح أمامهما.

بين أصابعها، تقبع عضلة القلب. كتلة حية، تنتفض وتنبض في صراع يائس للبقاء. 

تنظر بيسان إلى هذه العضلة المعقدة ببرود باحثة بيولوجية تراقب عينة تحت المجهر. 

قطرات العرق تتجمع على جبين الممرض المساعد في الجهة المقابلة، بينما عينا بيسان فوق الكمامة الجراحية ثابتتان، لا ترمشان إلا ببطء شديد، هدوء يتناقض تمامًا مع فوضى الجسد الممدد تحت مبعدة الصدر المعدنية.

طارق: ضغط الدم ينخفض بسرعة، أربعة وستون على أربعين. النبض يتسارع بشكل غير منتظم.

بيسان: ارفع جرعة الدوبامين إلى الحد الأقصى، وأعطه دفعة من الأدرينالين. أحتاج إلى دقيقة واحدة فقط للسيطرة على هذا التمزق في البطين.

كانت نبرتها مستقرة، خالية من أي ذعر أو اهتزاز. 

كاريزما القيادة التي جعلت المستشفى بأكمله يثق في قدراتها. لكن تحت هذه القشرة المهنية المثالية، كان هناك حوار آخر يدور في مساحة مظلمة داخل جمجمتها. صوت يشبه صوتها، لكنه أعمق، أبرد، ومُشبع بسخرية لاذعة.

الصوت الداخلي: "انظري إليه... إنه ينهار. الأنسجة متهالكة، الشرايين مسدودة بخطايا سنوات من الإهمال. لماذا تبذلين هذا الجهد؟ أنتِ تعرفين أنه لا يستحق هذه الحياة."

أصابع بيسان توقفت لكسر من الثانية. مجرد جزء من الثانية لا يمكن لأي عين بشرية في الغرفة أن تلاحظه. 

المريض، رجل أعمال في السبعين من عمره، وصل في حالة حرجة بعد جلطة حادة. 

طبياً، نسبة نجاته لا تتجاوز العشرين بالمائة. لكن بيسان، بمهارتها الاستثنائية، كانت قادرة على تحويل تلك النسبة إلى نجاة محققة. كانت تعرف بالضبط أي شريان يجب ربطه، وأي صمام يجب ترميمه.

لكنها لم تفعل.

حركت بيسان المشرط ببطء شديد، مليمترًا واحدًا بعيدًا عن المسار الصحيح. 

حركة تبدو كأنها انزلاقة طبيعية في نسيج ميت بالفعل، لكنها في الحقيقة قرار. قرار بإلغاء المستقبل.

طارق: الرجفان البطيني يبدأ! دكتورة، نحن نفقده.

الصوت الداخلي: "جميل... راقبي كيف ينسحب الضوء. أنتِ من يطفئ المفتاح."

بيسان: جهزوا الصدمة الكهربائية! مائتا جول، الآن!

تراجعت خطوة للوراء، رافعة يديها الملطختين بالدماء في الهواء. 

مرر الممرض مقابض جهاز الصدمات. 

جسد الرجل العجوز انتفض بعنف على الطاولة الجراحية مع تفريغ الشحنة الكهربائية، ثم هبط بثقل ميت. 

الشاشة أمامهما استمرت في رسم خطوط متعرجة فوضوية قبل أن تستقر.

طارق: لا توجد استجابة.

بيسان: اشحن مرة أخرى. ثلاثمائة جول. ابتعدوا!

انتفاضة أخرى. جسد يرتطم بالطاولة. لا شيء. الخط المتعرج على الشاشة استحال إلى خط مستقيم تمامًا. النبض المتسارع تحول إلى طنين متصل، حاد، يثقب طبلة الأذن.

في تلك اللحظة، وبينما كان الفريق الطبي يتبادل نظرات الهزيمة المعتادة في الحالات الحرجة، كانت بيسان تضغط بلسانها على زر دقيق مخفي بعناية خلف أسنانها، متصل بجهاز تسجيل متناهي الصغر مزروع في سماعة أذنها الطبية التي لا تفارقها أبدًا بحجة متابعة نداءات الطوارئ. 

كانت تسجل هذا الصوت. 

الطنين الطويل الأخير.. نبض النهاية.

بالنسبة لطارق والممرضين، كان هذا الصوت إعلانًا للفشل. 

بالنسبة لبيسان، كان سيمفونية الانتصار، ترنيمة إثبات السلطة المطلقة. 

هي من اختارت اللحظة. هي من سمحت للقلب بالتوقف. في تلك الغرفة المغلقة، لم يكن هناك إله سوى يديها.

بيسان: وقت الوفاة... الثانية وأربع عشرة دقيقة صباحًا. شكرًا لجهودكم جميعًا. لقد فعلنا كل ما بوسعنا، لكن عضلة القلب كانت مدمرة بالكامل.

نزعت بيسان قفازاتها بحركة سلسة، وألقت بها في حاوية النفايات الطبية الحمراء. 

صوت ارتطام المطاط المبلل بالدم بقاع الحاوية البلاستيكية كان مكتومًا. 

غسلت يديها تحت الصنبور الآلي، تراقب دوامات الماء الوردي وهي تبتلع بقايا حياة الرجل وتنزلق في البالوعة. 

رفعت عينيها إلى المرآة فوق الحوض. عيون هادئة، صافية، لا تحمل ذرة من الندم أو الارتباك. رتبت خصلات شعرها التي هربت من غطاء الرأس الجراحي، ثم رسمت على وجهها ذلك التعبير الذي أتقنته عبر سنوات: تعبير التعاطف العميق، الممزوج بالإرهاق النبيل لطبيبة قاتلت حتى النهاية.

في غرفة الانتظار المضاءة بمصابيح الفلورسنت الباردة، كانت زوجة المريض وابنه يقفان بخوف. خطوات بيسان الرصينة على الأرضية المشمعة جعلتهما يلتفتان.

الزوجة: طمئنيني يا دكتورة... أرجوكِ.

بيسان: تفضلا بالجلوس أولًا.

جلست بيسان أمامهما، ومالت بجذعها إلى الأمام قليلًا، وضعت يدها الدافئة على يد الزوجة المرتجفة. لمسة مدروسة بعناية لتوصيل أقصى درجات المواساة.

بيسان: أنا آسفة جدًا. لقد قمنا بتدخل جراحي سريع، والفريق الطبي بأكمله بذل أقصى ما يملك. لكن الجلطة كانت قد سببت تلفًا واسعًا في الجدار الأمامي للقلب. لم يتمكن قلبه من تحمل الإجراء. لقد رحل بسلام، دون ألم.

صوت نحيب الزوجة شق سكون الممر. 

الابن وضع وجهه بين يديه وانخرط في بكاء صامت. 

ظلت بيسان جالسة لعدة دقائق، توزع نظرات التعاطف، وتقدم كلمات المواساة المعتادة. 

في داخلها، لم تكن تشعر بشيء. تمامًا كالنظر إلى شاشة تلفاز تعرض فيلمًا بلغة لا تفهمها. 

كانت تراقب انقباضات عضلات وجه الزوجة، وتحلل طريقة نزول الدموع، مسجلة إياها في ذاكرتها كبيانات إضافية عن السلوك البشري الضعيف.

عندما أنهت عرضها المسرحي، عادت بيسان إلى مكتبها في نهاية الممر الإداري. 

أغلقت الباب خلفها، وأدارت القفل ببطء. 

أسدلت الستائر المعدنية لتعزل نفسها عن أضواء المدينة التي بدأت تستيقظ في الخارج. خلعت معطفها الطبي الأبيض وعلقته بعناية فائقة، خاليًا من أي تجاعيد.

جلست خلف مكتبها الخشبي الضخم، فتحت درجًا سفليًا مغلقًا برقم سري، وأخرجت جهاز تشغيل صوتي صغير. 

أخرجت الشريحة الدقيقة من سماعة أذنها وأدخلتها في الجهاز. 

أغمضت عينيها، وأسندت رأسها إلى ظهر المقعد الجلدي الوثير، ثم ضغطت على زر التشغيل.

عاد صوت غرفة العمليات يملأ الفراغ. صوت الأنفاس المكتومة، الأوامر الطبية، ثم... الطنين الطويل الممتد. الخط المستقيم.

ابتسامة بطيئة، باردة، رسمت طريقها على شفتي بيسان وهي تستمع إلى التسجيل. 

أعادته مرتين، ثلاث مرات.. 

كان هذا نبضها الأخير رقم سبعة. سبع حالات حرجة انتهت تحت يديها، سبع أخطاء طبية محسوبة يستحيل على أي لجنة تحقيق إثباتها. كانت جرائمها نظيفة تمامًا، شفافة كزجاج نافذتها.

الصوت الداخلي: "لقد أتقنتِ فن التمويه، لكن... ألا تشعرين بالملل؟"

فتحت بيسان عينيها ببطء، ونظرت إلى الفراغ المظلم أمامها.

الصوت الداخلي: "المرضى الذين يموتون بين يديكِ الآن كانوا سيموتون عاجلًا أم آجلًا. لا يوجد مجد حقيقي في إنهاء ما هو منتهٍ بالفعل. إذا كنتِ تملكين حقًا قوة القدر... ألا يجب أن تختاري من يستحقون هذا القدر؟ ألا يجب أن تنظفي هذا العالم من القذارة التي تمشي على قدمين؟"

مدت بيسان يدها إلى ملف طبي جديد وُضع على مكتبها لحالة الجراحة الصباحية القادمة. 

فتحت الغلاف ببطء. عينها التقطت اسم المريض، وتاريخه الطبي، ثم سقطت على ملاحظة صغيرة مدونة من قسم الاستقبال: المريض محول من قسم الطوارئ الجنائية، تحت حراسة الشرطة بعد تسببه في حادث مروع أثناء قيادته مخمورًا، مما أدى لوفاة عائلة كاملة. يعاني من تمزق في الأورطي يحتاج لتدخل جراحي عاجل.

مررت بيسان أناملها الرقيقة على الكلمات المطبوعة، واتسعت ابتسامتها قليلًا في العتمة. 

نقرت بأظافرها على سطح المكتب الخشبي بإيقاع يشبه دقات القلب، بينما عيناها تلمعان ببريق جديد، بريق لم يعد يكتفي بمجرد القتل السهل.

صوت النقر تردد في الغرفة المظلمة، يندمج مع دقات ساعة الحائط العتيقة. 

طوت بيسان الملف ببطء، تمرر إبهامها على الحواف الورقية الحادة. 

الشاب يُدعى سامر، في أواخر العشرينيات، سليل عائلة ثرية معتادة على شراء النجاة من كل كارثة. 

لكن هذه المرة، الكارثة جلبت سامر إلى مملكتها الخاصة. 

نظرت إلى صورة الأشعة المرفقة. 

الشريان الأورطي متهتك، نسيج ضعيف يفصل بين حياته الفاسدة وموته الحتمي.

الصوت الداخلي: "عائلة كاملة سُحقت تحت عجلات سيارته الرياضية. أب، أم، وطفلان. وهو هنا، ينتظر معجزة من بين أصابعكِ. هل ستمنحينه النجاة ليعود إلى عبثه؟ انظري إلى تفاصيل الحادث في التقرير. رائحة الكحول كانت تفوح من أنفاسه بينما كانت أجسادهم تحترق. هو لا يستحق الموت النظيف."

نهضت بيسان بحركة انسيابية، خالية من أي تردد. 

خلعت معطفها الطبي للمرة الثانية هذه الليلة، واستبدلته بملابس العمليات الزرقاء. 

كل زر يُغلق، كل عقدة تُربط، كانت بمثابة طقس استعداد كاهن قبل تقديم قربان جديد. 

لم تعد مجرد جراحة تخفي أخطاءها تحت ستار الإرهاق أو صعوبة الحالة. 

لقد ترفعت عن تلك المرحلة البدائية. 

الآن، هي القاضي، والجلاد، والمشرط هو مقصلتها الصامتة.

***

في منطقة غسيل الأيدي الملحقة بغرفة العمليات رقم ستة، كان الماء الدافئ يتدفق فوق ساعديها. 

الرغوة البيضاء الغنية باليود غطت جلدها حتى المرفقين. 

رفعت عينيها إلى النافذة الزجاجية المطلة على الغرفة. 

سامر ممدد هناك، عارٍ الصدر، الأنابيب تخترق فمه وأنفه، وجسده مغطى بكدمات بنفسجية داكنة. 

بجانبه، كان يقف طبيب التخدير الجديد. زياد. 

كان ينظم أشرطة المحاليل الوريدية بتركيز شديد. 

عيناه الرماديتان كانتا باردتين، يتحرك بدقة آلة مبرمجة. 

لم يكن من النوع الذي يسهل تشتيته، ولا من الأطباء الذين يرتعبون في الحالات الطارئة.

دخلت بيسان الغرفة، رافعة يديها المعقمتين في الهواء. 

الممرضة ألبستها الثوب الجراحي المعقم، وأحكمت ربطه من الخلف. 

انزلقت يداها في القفازات المطاطية المزدوجة بفرقعة خافتة، لكنها مسموعة بوضوح في السكون المشحون للغرفة.

زياد: المريض غير مستقر تمامًا، فقد كمية هائلة من الدماء في موقع الحادث. ضغطه ثمانون على خمسين. لقد أعطيته وحدتي دم، لكن النزيف الداخلي مستمر. أخشى أن ندخل في صدمة نزفية غير مرتجعة.

بيسان: أعلم. الشريان الأورطي النازل ممزق. سنفتح الصدر فورًا. جهز وحدات دم إضافية، واحتفظ بمستوى السوائل مرتفعًا.

وقفت فوق رأس المريض. نظرت إلى وجهه المحتقن، إلى جفونه المغلقة. 

تخيلت صراخ الأطفال في السيارة التي دمرها هذا الجسد الممدد أمامها. 

شعور غريب، لذيذ ومظلم سرى في أوردتها. ليست شفقة على الضحايا، بل نشوة القدرة المطلقة على استعادة التوازن بيدها.

بيسان: المشرط.

استقرت الأداة المعدنية الباردة في راحة يدها. 

بضغطة واحدة حازمة، شقت طبقات الجلد والدهون وصولًا إلى عظم القص. 

خط أحمر مستقيم ظهر فورًا، تتبعه قطرات دم تتجمع لتشكل مسارًا قرمزيًا على جانبي صدره. 

صوت المنشار الكهربائي وهو يشق العظم تردد صداه، تلته رائحة العظم المحترق التي تزكم الأنوف، لكنها بالنسبة لبيسان كانت رائحة البداية. 

ثبتت مبعدة الصدر، وأدارت المسمار المعدني ببطء حتى انكشف التجويف الصدري بالكامل. القلب يضرب بعنف، محاطًا ببركة من الدماء الداكنة المتخثرة.

بيسان: جهاز الشفط، بسرعة. أريد رؤية الحقل الجراحي واضحًا.

بدأت في تنظيف المكان. التمزق كان واضحًا. جرح قطعي خبيث في جدار الشريان الأورطي، ينبض مع كل دقة قلب نافثًا نافورة صغيرة من الدم الأحمر القاني. 

طبياً، الخطوة الصحيحة هي وضع ملقط وعائي فوق التمزق وتحته لقطع تدفق الدم مؤقتًا، ثم خياطة الرقعة الصناعية. كانت قادرة على فعل ذلك ببراعة تامة في أقل من عشرين دقيقة.

لكنها لم تكن في عجلة من أمرها هذه المرة.

الصوت الداخلي: "الموت السريع مكافأة لا يستحقها. دعيه يتذوق طعم النهاية الممتدة. دعيه يشعر بانسحاب الروح قطرة قطرة، ألمًا تلو ألم. هذا هو الثمن الذي يجب أن يدفعه."

بيسان: دكتور زياد، ضغط الدم ينخفض بشدة مع استمرار النزيف. أوقف ضخ البروبوفول ومسكنات الفنتانيل تدريجيًا. لا أريد أن ينهار جهازه الدوري تحت تأثير التخدير العميق. اجعله في الحد الأدنى المسموح به.

زياد: لكن دكتورة، تقليل التخدير إلى هذا الحد في جراحة صدر مفتوح قد يعرضه للوعي الجزئي. قد يشعر بالألم التام دون قدرة على الحركة بسبب مرخيات العضلات. سيدخل في حالة وعي محتجز.

بيسان: أنا من يقرر مسار الجراحة هنا. قلل الجرعة. إذا استمر التخدير العميق مع هذا النزيف وتوقف القلب، سيموت على الطاولة قبل أن أضع غرزة واحدة. نفذ ما طلبته.

تردد زياد لثانية واحدة. عيناه الرماديتان ضاقتا وهو ينظر إليها عبر الكمامة، لكنه في النهاية أدار صمامات أجهزة التوصيل ببطء شديد، عيناه لا تفارقان شاشة مراقبة العلامات الحيوية.

راقبت بيسان شاشة مراقبة الدماغ. النشاط الكهربائي بدأ يرتفع ببطء ملحوظ. 

كان سامر يغادر غيبوبته العميقة ليطفو في منطقة رمادية مرعبة. هو الآن سجين داخل جسده المشلول. عيناه مغمضتان، عضلاته مرتخية تمامًا بفعل الأدوية، لكن جهازه العصبي بدأ يستيقظ ليحترق بألم شق صدره المفتوح والحديد الذي يباعد بين ضلوعه.

أمسكت بيسان بالإبرة الجراحية، وبدأت تغرزها في النسيج الممزق. ببطء متعمد. غرزة تلو الأخرى. 

كانت تشد الخيط بقسوة مبالغ فيها، تتعمد احتكاك الإبرة المعدنية بالأعصاب المحيطة بالشريان. لم تكن تخيط لترمم، بل كانت تخيط لتعذب.

شاشة رسم القلب بدأت تصرخ. النبض قفز إلى مائة وأربعين، ثم مائة وخمسين. 

ضغط الدم ارتفع فجأة رغم النزيف المستمر، في استجابة فسيولوجية بحتة للألم المبرح الذي لا يستطيع الجسد التعبير عنه بصراخ أو حركة. 

دموع صغيرة، خفية، تجمعت في زوايا عيني سامر المغلقتين. قطرات مالحة انزلقت ببطء شديد على صدغيه لتختفي في غطاء الرأس الطبي.

الصوت الداخلي: "إنه يبكي. هل تشعرين به؟ إنه يصرخ في الداخل. صراخ لا يسمعه أحد سواكِ. هذا هو العدل المفقود. هذه هي النظافة التي يحتاجها العالم."

كانت يدا بيسان تتحركان كعازف بيانو مجنون يعزف مقطوعة نشاز عن عمد. تترك النزيف يستمر لثوانٍ أطول من اللازم، ثم تضغط عليه بأصابعها بقوة تهرس الأنسجة الضعيفة. 

كل ضغطة كانت ترسل موجة من العذاب الصامت إلى دماغ الشاب. 

الشاشات المحيطة بغرفة العمليات تحولت إلى سيمفونية من الإنذارات الحمراء المزعجة.

الممرضة: النبض غير منتظم! مائة وسبعون... مائة وثمانون! نحن نفقده!

زياد: دكتورة بيسان، إنه يستشعر الألم بوضوح! ارتفاع الكاتيكولامينات في دمه يدمر قلبه المنهك. يجب أن أرفع جرعة التخدير فورًا، وإلا سيدخل في صدمة قلبية عصبية لا رجعة فيها.

بيسان: لا تلمس الصمامات!

خرجت الكلمات من فمها حادة كشفرة مشرطها، تحمل نبرة آمرة قاطعة لم يعتدها أحد في المستشفى من الطبيبة الهادئة المريحة. 

تجمد زياد في مكانه للحظة، وعيناه تنتقلان بين الشاشات المنذرة بالخطر، وبين يدي بيسان الملطختين بالدماء حتى المعصمين، اللتين تتحركان ببطء غير مبرر في حالة طارئة تقف على حافة الموت.

بيسان: أنا أسيطر على النزيف هنا. أعطه المزيد من السوائل فقط. قلبه ضعيف جدًا، أي جرعة مخدر إضافية الآن ستوقف النبض للأبد. أنا أرى ما لا تراه من موقعك.

كانت تكذب. 

كذبة طبية متقنة، محبوكة بمصطلحات دقيقة لا يمكن لممرضة أن تجادل فيها، وتضع طبيب التخدير أمام مسؤولية قانونية كاملة إذا خالف أمر الجراح الرئيسي المعالج. 

استمرت في الخياطة ببطء شديد. 

تركت الإبرة مغروزة في جدار الشريان لعدة ثوانٍ إضافية، تراقب كيف ينتفض النسيج مع كل نبضة قلب يائسة تضخ الدم هباءً. 

العرق يتصبب من جبينها، ليس من الإرهاق الجسدي، بل من حرارة النشوة الخالصة. النشوة بأنها تمسك بروح هذا الشاب وتعصرها بين أصابعها المعقمة، وتتحكم في مستوى ألمه كما يتحكم مهندس الصوت في مكبرات الصوت.

استمر العذاب لتسع دقائق كاملة. تسع دقائق في حسابات الزمن العادي لغرفة العمليات، لكنها قرون من الجحيم المطلق في وعي سامر المحتجز. 

وفجأة، كما خططت بيسان بدقة رياضية متناهية، لم يتحمل القلب المجهد هذا المزيج القاتل من الألم الوحشي، والنزيف المخفي بعناية، وارتفاع ضغط الدم العصبي.

تمزق الشريان الأورطي بالكامل من مكان الغرزة المتعمدة الرخوة التي وضعتها.

نافورة من الدم الأسود الحار انفجرت بقوة هائلة في وجه بيسان، لطخت كمامتها البلاستيكية الشفافة، وتناثرت قطراتها اللزجة على عدسات نظارتها المكبرة والمجهر الجراحي فوقها.

الممرضة: توقف القلب! الخط مستقيم!

بيسان: صدمة كهربائية! الآن!

عادت إلى مسرحيتها المعتادة فورًا، لكن هذه المرة بحماس أقل، وبرود أعمق يغلف حركاتها. 

حركت يديها بسرعة مصطنعة لإيقاف النزيف الكارثي، بينما زياد يقفز من مكانه ليدير جهاز الصدمات ويدهن المقابض بالجل الموصل. 

في وسط هذه الفوضى المفتعلة، وبينما كان الجسد الميت ينتفض عبثًا تحت تأثير صدمات الكهرباء المتتالية، ضغطت بيسان بلسانها على الزر الصغير المخفي خلف أسنانها.

سجلت الطنين الطويل الممتد. النبض الأخير. التسجيل رقم ثمانية، لكنه الأول من نوعه، الأول المليء بصدى الألم.

أعلنت وقت الوفاة بنبرتها الهادئة المعتادة، نبرة تحمل مسحة الحزن المهني، وتراجعت خطوة للوراء لتسمح للممرضين بفصل الأجهزة ونزع الأنابيب. 

خلعت نظارتها المكبرة الملطخة بالدماء الثقيلة، ورفعت عينيها لتتنفس الصعداء.

لم تكن الغرفة تنظر إلى المريض.

على الجانب الآخر من الطاولة الجراحية المليئة بالدماء، كان زياد يقف صامتًا تمامًا. 

لم يكن ينظر إلى الشاشات التي صمتت، ولم يكن ينظر إلى جثة سامر التي أصبحت مجرد كتلة لحم باردة. 

كانت عيناه الرماديتان الباردتان مثبتتين مباشرة على يدي بيسان. 

كان يراقب زاوية إمساكها للملقط الجراحي الذي أسقطته للتو، والطريقة التي كانت ترتخي بها أصابعها بهدوء غير طبيعي وسط كارثة جراحية. 

نظرة زياد لم تكن تحمل حزنًا، ولم تكن تحمل صدمة طبيب فقد مريضه... بل كانت تحمل يقينًا مرعبًا وتساؤلًا حادًا بلا كلمات يثقب جدار سرها المنيع.

رمشت بيسان ببطء شديد، كاسرة هذا التواصل البصري المشحون ببرود مصطنع. سحبت يديها إلى صدرها بحركة طبيعية مألوفة لأي جراح ينهي عمله، واستدارت نحو حوض التعقيم. 

خلفها، كان صوت سحاب كيس الموتى البلاستيكي الأسود يمزق الصمت، يبتلع جسد سامر الممزق. لكنها كانت تسمع صوتًا آخر؛ خطوات زياد البطيئة تقترب من الطاولة، لا نحو الباب.

وقفت أمام الحوض الآلي. تدفق الماء الدافئ فوق قفازاتها الملطخة، يذيب التخثرات الحمراء الداكنة ويدفعها في دوامات وردية نحو البالوعة. 

عبر انعكاس النافذة الزجاجية المظلمة أمامها، راقبت حركاته. 

كان زياد ينحني فوق الجسد المفتوح قبل أن يغلق الممرض التجاويف تمامًا. 

أمسك بملقط معدني طويل، وأدخله بحذر شديد نحو الشريان الأورطي الممزق. كان يفحص حواف القطع، يمرر طرف الملقط على مكان الغرزة الرخوة التي تسببت في الانفجار النهائي.

الصوت الداخلي: "إنه يشم رائحة مسرح الجريمة. ذئب صغير يحوم حول فريستكِ. هل تركتِ أثرًا؟ الغرزة كانت دقيقة في إهمالها. لا يمكنه إثبات التعمد."

أغلقت بيسان صنبور المياه بحركة حادة من كوعها، واستدارت لتواجهه، تجفف يديها بمنشفة معقمة.

بيسان: دكتور زياد، هل تبحث عن شيء محدد في التجويف الصدري؟ الجثة ستذهب إلى المشرحة الجنائية على أي حال بسبب طبيعة الحادث. لا داعي للعبث في الأنسجة الآن.

رفع زياد رأسه ببطء. لم يترك الملقط من يده. 

تحت ضوء المصباح الجراحي المسلط عليه، بدت ملامحه منحوتة من الجليد. عيناه الرماديتان لم ترمشا وهو يجيبها بنبرة خفيضة، تحمل خشونة مبطنة.

زياد: حواف التمزق غريبة دكتورة بيسان. الانسلاخ في جدار الشريان كان طوليًا بسبب الحادث، هذا صحيح. لكن هذا القطع العرضي الصغير هنا... زاوية التمزق تبدو وكأنها تعرضت لشد عنيف قبل الانفجار. كأن الخيط الجراحي نفسه كان يعاند النسيج، وليس يدعمه.

ألقت المنشفة في الحاوية البلاستيكية، واقتربت منه بخطوات ثابتة، واثقة، حتى وقفت على الجانب المقابل للطاولة. نظرت إلى التجويف المليء بالدماء، ثم رفعت عينيها إليه مباشرة.

بيسان: الأنسجة كانت متهالكة تمامًا، النخر الخلوي بدأ بالفعل بسبب نقص التروية، وضغط الدم الارتدادي الذي سببه التخدير الخفيف جعل الشريان ينفجر كالبالون المهترئ. هذه ديناميكية سوائل بسيطة يا دكتور. لو استجبت لطلبي مبكرًا، ربما كان الجدار سيصمد لدقيقة إضافية، لكن النتيجة كانت ستظل حتمية.

كانت ترمي الكرة في ملعبه ببراعة، تحول الشكوك التقنية إلى اتهام مبطن بالتقصير في إدارة التخدير. 

عض زياد على شفته السفلى، عضلة فكه انقبضت بوضوح تحت جلده الشاحب. أسقط الملقط في الصينية المعدنية المليئة بالأدوات المستعملة، فأحدث رنينًا حادًا تردد في الغرفة.

زياد: التخدير الخفيف كان بناءً على أمركِ المباشر. لقد حذرتكِ من ارتفاع الكاتيكولامينات، ومن صدمة الألم العصبية. لقد كان يشعر بكل غرزة تضعينها. شاشة مراقبة الدماغ سجلت نشاطًا متشنجًا يشبه نوبات الصرع الصامتة.

بيسان: قرار الجراح هو الفيصل في غرفتي. إنقاذ الوظائف الحيوية يسبق رفاهية عدم الشعور بالألم. نحن هنا لنبقي المرضى على قيد الحياة، لا لنجعلهم ينامون براحة بينما ينزفون حتى الموت.

استدارت نحو الباب، تنهي النقاش بسلطة الموقع الأقدم. لكن قبل أن تضغط على اللوح المعدني لفتح الباب الإلكتروني، أوقفها صوته مجددًا.

زياد: لقد طلبتُ نسخة كاملة من سجلات الأجهزة الإلكترونية لهذه الجراحة. شاشات التخدير، مراقب النبض، ومضخات السوائل. الإدارة الطبية تطلب تقريرًا مفصلًا عن أي وفاة تحت التخدير الموضعي أو الخفيف. سأقوم بمراجعة كل ثانية من التسجيلات البيومترية.

توقفت يدها في الهواء مليمترات قبل أن تلمس اللوح المعدني. قبضت أصابعها بخفة، ثم أفلتتها. التفتت نصف التفاتة، ورسمت على شفتيها ابتسامة باردة، ابتسامة تحمل من الثقة ما يكفي لإرباك أعتى المحققين.

بيسان: حقك المهني تمامًا. أضفه إلى ملف الجودة. تصبح على خير دكتور.

دفعت الباب وخرجت إلى الممر الطويل المضاء بمصابيح نيون بيضاء معقمة. بمجرد أن انغلق الباب الثقيل خلفها، سقط قناع الهدوء المثالي تدريجيًا. 

نبضها هي بدأ يتسارع قليلاً. لم يكن خوفًا. الخوف شعور لا تعرفه، بل كان توجسًا محفزًا. شعور لاعب شطرنج محترف أدرك للتو أن خصمه قد حرك بيدقًا يهدد استراتيجيته الطويلة.

الصوت الداخلي: "سجلات الأجهزة... النشاط الدماغي... لقد استمتعتِ بتعذيبه أكثر من اللازم هذه المرة. الغرور يترك آثار أقدام عميقة يا بيسان. ماذا لو طابق توقيت التوتر العصبي في شاشة الدماغ مع توقيت الغرز البطيئة التي وضعتها؟ سيقرأها كمتتالية تعذيب مقصودة."

دخلت غرفة تبديل الملابس المخصصة للجراحين. كانت فارغة في هذه الساعة المتأخرة من الليل. خلعت الثوب الأزرق، وألقته بإهمال غير معتاد في سلة الغسيل. فتحت خزانتها المعدنية، وأخرجت ملابسها المدنية. قميص حريري أبيض، سترة رمادية، وسروال قماشي دقيق القصّ. ارتدت ملابسها بحركات ميكانيكية، لكن عقلها كان يعمل بسرعة معالج بيانات فائق.

يجب أن تمحو تلك السجلات. النظام المركزي للمستشفى يسجل البيانات البيومترية من جميع غرف العمليات ويحفظها في السيرفر الرئيسي بنهاية نوبة العمل. 

الساعة الآن الثالثة والربع صباحًا. تحديث النظام التلقائي ونقل البيانات يحدث في تمام الرابعة. لديها خمس وأربعون دقيقة قبل أن تصبح سجلات جراحة سامر جزءًا من الأرشيف الرقمي المشفر الذي لا يمكن المساس به.

أغلقت الخزانة بهدوء، واتجهت نحو مصعد الموظفين، ضاغطة على الزر المؤدي إلى الطابق الأرضي حيث يقع قسم تقنية المعلومات الأرشيفية. 

لا يمكنها اختراق النظام من مكتبها، ستحتاج إلى الوصول المباشر إلى المحطة الفرعية في غرفة الخوادم.

توقف المصعد بجلجلة مكتومة، وانفتح الباب ليكشف عن ممر خافت الإضاءة، تفوح منه رائحة الغبار والإلكترونيات المحترقة. 

هذا الطابق مهجور ليلًا باستثناء حارس أمن عجوز يغفو عادة أمام شاشات المراقبة. 

سارت ببطء، حذائها الجلدي المسطح لا يصدر أي صوت على الأرضية الخرسانية. 

وصلت إلى الباب الزجاجي لغرفة الخوادم. كان مغلقًا بقفل إلكتروني يعمل ببطاقة هوية للموظفين المصرح لهم فقط.

أخرجت من جيب سترتها بطاقة بيضاء ممغنطة. بطاقة سرقتها ببراعة من مهندس صيانة أجهزة طبية قبل أسبوعين، بحجة أنها سقطت منه في الردهة. 

مررت البطاقة على القارئ الأسود. أضاء المؤشر باللون الأخضر مع طنين خافت مبشر. سحبت الباب وانزلت للداخل.

الغرفة كانت ثلاجة ضخمة تعج بصفير المراوح القوية التي تبرد الأبراج المعدنية السوداء. الأضواء الزرقاء والخضراء الوامضة تعكس ظلالًا مشوهة على وجهها. 

اتجهت نحو المحطة الطرفية المخصصة لسجلات قسم الجراحة. 

جلست أمام لوحة المفاتيح، وبدأت في كتابة الأكواد التي تحفظها عن ظهر قلب. 

لم تكن مجرد جراحة بارعة، بل كانت تملك هوسًا بفهم كل نظام يحيط بها، من تشريح القلب البشري إلى هيكلية شبكات البيانات.

فتحت ملف الغرفة رقم ستة. سجلات المريض سامر. البيانات تملأ الشاشة. 

رسم القلب، ضغط الدم، والأهم... شاشة مراقبة الدماغ. 

ضللت عمود البيانات الخاص بالنشاط العصبي خلال الدقائق التسع الأخيرة. 

لم تمسحه بالكامل، فذلك سيثير شكوكًا أكبر. بل بدأت في تعديل القيم رقميًا. خفضت قراءات الكاتيكولامينات، سوّت المنحنيات المتشنجة لتشبه موجات دماغية طبيعية لمريض يعاني من نزيف تحت التخدير. عملية جراحية رقمية لا تقل دقة عن جراحاتها الحقيقية.

الصوت الداخلي: "جميل... نظفي خلفك. لكن تذكري، هذا الطبيب الشاب لم يعد مجرد زميل. لقد أصبح عقبة. والعقبات في عالمنا لا تُتجاوز... بل تُزال."

ابتسمت في العتمة الزرقاء، وضغطت على زر الحفظ. 

ظهر شريط التحميل، يتحرك ببطء نحو المائة بالمائة. وفجأة، تجمد الشريط عند ثمانية وتسعين.

ضاقت عيناها. نقرت على لوحة المفاتيح مرة أخرى. لا استجابة. النظام معلق.

ظهرت رسالة خطأ حمراء وامضة في منتصف الشاشة: "تم إيقاف التعديل. الملف قيد الفحص حاليًا من قبل مستخدم آخر."

تسارعت أنفاسها. مستخدم آخر؟ في هذه الساعة؟

نظرت إلى عنوان الآي بي الخاص بالمستخدم النشط المعروض في زاوية الشاشة السفلية. 

كانت تحفظ تقسيمات الشبكة الداخلية. هذا العنوان ينتمي إلى شبكة أجهزة الكمبيوتر المحمولة المتصلة عبر شبكة الواي فاي المخصصة للأطباء المناوبين في الطابق الثالث. استراحة الجراحين.

كان زياد يقرأ الملف الآن. في نفس اللحظة. قبل أن تنهي تعديلاتها.

وقبل أن تستوعب الموقف، انطفأت الشاشة أمامها تمامًا. ليس عطلًا. بل إغلاق قسري من الخادم الرئيسي. شخص ما قطع الاتصال عن هذه المحطة الطرفية يدويًا.

التفتت بيسان ببطء شديد نحو باب غرفة الخوادم الزجاجي. 

في العتمة خارج الغرفة، كان هناك ظل طويل يقف خلف الزجاج، يراقبها. 

الظل لم يتحرك. لم يصدر صوتًا. كان مجرد هيئة مظلمة، لكنها ميزت بوضوح وميض عدسة هاتف محمول مرفوع في يد الظل، يسجل ما يحدث داخل الغرفة.

تجمدت بيسان في مكانها لثوانٍ معدودة. عيناها معلقتان بالبقعة الفارغة خلف الزجاج حيث كان الظل يقف. 

برودة مكيفات الهواء المركزية اخترقت سترتها، لتتحد مع برودة أعمق تسربت إلى صدرها. 

انسحبت أصابعها من على لوحة المفاتيح المتصلبة، ووقفت ببطء، مستقيمة الظهر، ترفض أن تسمح لجسدها بإظهار أي علامة من علامات الارتباك، حتى وهي وحدها في هذه الغرفة المعزولة.

الصوت الداخلي: "لقد رأوكِ. من كان هذا؟ زياد؟ لا، زياد كان متصلًا بالشبكة من الطابق الثالث، وهذا الظل كان هنا. هل هناك من يعاونه؟ أم أنه حارس الأمن العجوز الذي استيقظ فجأة من غفوته؟"

تجاهلت الصوت الذي بدأ يكتسب نبرة لوم حادة. 

سحبت البطاقة الممغنطة المسروقة من القارئ بلمسة سريعة، ووضعتها في جيبها. تقدمت نحو الباب الزجاجي. كل خطوة كانت محسوبة. دفعت الباب وخرجت إلى الممر. كان فارغًا تمامًا. صمت مقبض يطبق على المكان، لا يقطعه سوى طنين الأضواء البعيدة.

انحنت قليلًا تفحص الأرضية الخرسانية المغبرة. 

كان هناك أثر حذاء مطاطي واضح، أثر حديث يختلف عن حذائها الجلدي. 

الأثر يتجه نحو درج الطوارئ الجانبي، وليس نحو المصعد. 

شخص يعرف مخارج المستشفى جيدًا، ويعرف كيف يتجنب كاميرات المراقبة الرئيسية الموجهة نحو المصاعد.

عادت بخطوات سريعة لكن صامتة نحو الدرج. دفعت الباب المعدني الثقيل المكتوب عليه "مخرج طوارئ". رائحة الطلاء القديم والصدأ استقبلتها. استندت على الدرابزين الحديدي ونظرت إلى أسفل بئر السلم المظلم. لا شيء. نظرت إلى الأعلى. لمحت طرف معطف أبيض يختفي خلف منعطف الطابق الثاني، مصحوبًا بصوت خافت لانغلاق باب معدني آخر.

لم تطارده. هذا ليس أسلوبها. الركض خلف فريسة في الظلام يعطي الفريسة أفضلية التخفي. بيسان صيادة تنتظر في النور، حيث تبدو هي الأكثر أمانًا. تراجعت إلى الخلف، وسمحت لباب الطوارئ بالانغلاق بهدوء.

عادت إلى المصعد، ضغطت زر الطابق الرابع حيث يقع مكتبها الخاص. 

طوال رحلة الصعود، كانت ترتب أفكارها بصرامة رياضية. الخطأ الأول كان التمادي في تعذيب سامر. الخطأ الثاني كان التقليل من ذكاء زياد التقني. الخطأ الثالث كان النزول بنفسها إلى غرفة الخوادم، وترك نفسها مكشوفة لعدسة كاميرا مجهولة. 

ثلاثة أخطاء في ليلة واحدة. هذا غير مقبول بالنسبة لإله يمسك بخيوط الحياة والموت.

فتحت باب مكتبها، ودخلت. لم تضيء الأنوار. توجهت مباشرة إلى درج مكتبها السفلي، فتحت القفل الرقمي، وأخرجت جهاز التسجيل الصوتي. 

لكن هذه المرة، لم تكن تبحث عن نشوة الاستماع إلى نبض أخير. 

كانت تبحث عن سلاح مضاد. 

أخرجت شريحة ذاكرة مختلفة من علبة معدنية صغيرة مخفية في زاوية الدرج. شريحة تحتوي على قاعدة بيانات كاملة لكل العاملين في المستشفى، جمعتها بهوس مريض على مدار سنوات. ملفاتهم، نقاط ضعفهم، تاريخهم النفسي، وحتى الديون المتراكمة عليهم.

أدخلت الشريحة في حاسوبها المحمول الشخصي المنفصل تمامًا عن شبكة المستشفى. كتبت اسم "زياد عبد الرحمن" في خانة البحث. ظهر ملفه فورًا. صورة شخصية بوجه صارم، تاريخ ميلاد، تخرج بمرتبة الشرف. لكن عيني بيسان تجاوزت كل هذه التفاصيل السطحية، غائصة في قسم الملاحظات النفسية والتقارير الإدارية القديمة المخفية عن السجلات الرسمية.

كانت تقرأ بشراهة، تبحث عن صدع في جداره الأخلاقي، عن ثغرة يمكنها العبور منها لتدميره قبل أن يفتح فمه. 

توقفت عيناها عند سطر واحد مضلل باللون الأصفر الباهت في تقرير مسرب من مستشفاه السابق. 

حادثة انتحار لمريضة بعد خروجها من العناية المركزة التي كان يشرف عليها، وادعاءات تم طمسها عن علاقة عاطفية غير مهنية استغل فيها ضعفها النفسي.

الصوت الداخلي: "الكل يخفي جثة في خزانته يا بيسان. وأنتِ... أنتِ تملكين مقبرة كاملة. حان الوقت لتنبشي قبر طبيب التخدير النبيل."

ابتسمت في ظلام غرفتها، بينما أضاءت شاشة الحاسوب وجهها بوهج أزرق شاحب. 

اللعبة لم تعد مقتصرة على غرف العمليات والنزيف الصامت. 

لقد انتقلت إلى الأروقة المظلمة وتكسير العظام النفسي. 

رفعت هاتفها الخاص، وكتبت رسالة نصية قصيرة إلى رقم غير مسجل: "أحتاج إلى تتبع دقيق لهاتفين متصلين بشبكة المستشفى، الآن. الثمن مضاعف." 

ضغطت زر الإرسال، وأسندت ظهرها إلى المقعد، تنتظر الفجر الذي سيحمل معه قواعد اشتباك جديدة تمامًا.

اهتز الهاتف على سطح المكتب الخشبي مصدرًا أزيزًا منخفضًا قطع سكون الغرفة المعتمة. ومضت الشاشة بضوء أبيض بارد، كاشفة عن رسالة نصية قصيرة من سطرين متتاليين. 

"الهدف الأول: شبكة الطابق الثالث، استراحة الأطباء. 

الهدف الثاني: يتحرك الآن نحو غرف تبديل الملابس السفلية، الجهاز مسجل باسم: طارق النعماني".

انسحبت الابتسامة الباردة عن شفتي بيسان ببطء شديد. 

طارق. الممرض المساعد. الشاب النحيل ذو الوجه الشاحب واليدين المرتجفتين الذي يقف دائمًا في الظل، يمرر لها الأدوات الجراحية، يمسك المباعدات المعدنية، ويشهد كل نبضة وكل سكون. 

لم يكن حارس أمن عجوزًا تجول صدفة، ولم يكن شريكًا محترفًا لزياد. كان مجرد بيدق مرعوب، راقبها صدفة أو ربما بتخطيط من زياد نفسه.

الصوت الداخلي: "الفئران تتجرأ دائمًا عندما تشم رائحة الدم المتخثر. لقد تركته يقترب أكثر من اللازم، يتحرك في محيطك المعقم. هل ظننتِ أن صمته وانكماشه ولاء؟ الصمت في هذا العالم يخفي دائمًا إما خوفًا قاتلًا أو خيانة مدمرة."

نهضت بيسان عن مقعدها الجلدي الوثير، وصوت احتكاك العجلات المطاطية بالأرضية الخشبية يمزق الصمت الثقيل. 

توجهت إلى الطابعة الليزرية القابعة في زاوية الغرفة. ضغطت على زر الطباعة في حاسوبها المحمول. 

بدأت الآلة تئن بصوت ميكانيكي، تسحب الورق الأبيض الناصع وتطبع عليه السطور السوداء التي استخرجتها للتو من ماضي زياد المظلم. 

اسم المريضة المنتحرة "سلمى الرشيدي"، تفاصيل جرعات التخدير المكثفة، تقارير اللجان التأديبية المغلقة، والملاحظات النفسية التي تم طمسها ببراعة. 

سحبت الأوراق الدافئة من فوهة الطابعة، وطوتها بعناية هندسية صارمة، ثم دستها في الجيب الداخلي لسترتها الرمادية.

 

فتحت الستائر المعدنية بحركة واحدة قوية وحازمة. 

خيوط الفجر الأولى كانت تزحف فوق مباني المدينة الإسمنتية الكئيبة، تغسل السماء بلون رمادي مريض يشبه لون أجساد الموتى على طاولتها الجراحية. 

نظرت إلى انعكاسها في زجاج النافذة البارد. 

رتبت خصلة شاردة من شعرها الأسود. 

خلعت السترة المدنية، وارتدت معطفها الطبي الأبيض ناصع النظافة، خاليًا من أي تجاعيد، كدرع واقٍ يصد عنها خطايا البشرية. علقت سماعة الطبيب حول عنقها كقلادة ملكية، وخرجت من المكتب.

كانت ممرات المستشفى قد بدأت تنبض بالحياة اليومية المعتادة. عربات الإفطار المعدنية تتدحرج بصخب مزعج، ورائحة القهوة الرخيصة تمتزج برائحة المطهرات الكيميائية القوية. 

سارت بيسان بخطوات موزونة، لا تسرع ولا تبطئ. 

كل طبيب أو ممرض يمر بها يلقي التحية باحترام عميق ممزوج بالرهبة. 

وصلت إلى قاعة الاجتماعات الصباحية، حيث يُعقد اجتماع مناقشة الحالات الحرجة والوفيات، الساحة التي تُشرح فيها الأخطاء الطبية تحت أضواء النقد.

دفعت الباب الخشبي الثقيل ودخلت. القاعة مدرجة، مضاءة بمصابيح فلورسنت بيضاء قوية تمحو الظلال. 

في الصف الأمامي، كان زياد يجلس وحيدًا. كوب القهوة الورقي بين يديه ممتلئ، لكن أصابعه تقبض عليه بقوة حتى كادت تعصر الكرتون. 

الهالات السوداء العميقة تحت عينيه الرماديتين تفضحه. لم ينم دقيقة واحدة. 

كان يقضي الليل يبحث في ملفاتها المحصنة، يفتش عن أشباح في سجلات الأرقام.

في الصف الأخير، بالقرب من باب الخروج الخلفي، جلس طارق. كان ينكمش في مقعده البلاستيكي، يراقب الأرضية المشمعة وكأنها ستنشق وتبتلعه في أي لحظة.

بيسان: صباح الخير زملائي.

صوتها الرخيم الهادئ، الخالي من أي توتر، فرض صمتًا فوريًا في القاعة المزدحمة. 

وقفت خلف المنصة الخشبية، وشغلت جهاز العرض الضوئي. 

ظهرت صورة الأشعة المقطعية الخاصة بصدر المريض سامر الممزق على الشاشة البيضاء الكبيرة خلفها.

بيسان: حالة الأمس الطارئة. مريض في الثامنة والعشرين من عمره، وصل بصدمة نزفية حادة وتمزق كامل في الشريان الأورطي النازل إثر حادث سير مروع. رغم التدخل الجراحي الفوري ومحاولة ترقيع الشريان، لم يتحمل القلب المجهد الجراحة. حدث تمزق ارتدادي. وقت الوفاة: الثالثة وعشر دقائق صباحًا.

زياد: دكتورة بيسان...

قاطعها صوته الأجش الخشن. وقف زياد ببطء، تاركًا كوب القهوة على الطاولة الخشبية.

زياد: التقرير الجراحي الذي عرضتيه للتو يفتقر إلى التفاصيل البيومترية الحساسة. لقد راجعتُ ملفات النشاط الدماغي للمريض وقت الجراحة. هناك ارتفاع غير مبرر، ومطرد، في مستويات الكاتيكولامينات ونشاط قشرة الدماغ يتطابق زمنيًا مع...

بيسان: مع محاولاتي اليائسة لخياطة نسيج ميت يا دكتور زياد؟

وجهت نظرها إليه مباشرة. نظرة باردة، ثاقبة، تجمد الكلمات في حلقه ككتلة من الجليد.

بيسان: ألم المريض، وارتفاع مؤشراته العصبية، هي نتيجة فسيولوجية حتمية لقرارك بتقليل جرعة التخدير الموضعي. أنت من كان يتحكم في صمامات المضخات. أم أنك نسيت بروتوكولات التخدير الأساسية؟

زياد: تقليل الجرعة كان أمرًا مباشرًا وصريحًا منكِ! لقد حذرتكِ من صدمة الألم العصبية المحتملة.

بيسان: وفي غرفتي، وتحت إشرافي، عندما يأمر الجراح الرئيسي بشيء لإنقاذ حياة المريض، على طبيب التخدير أن ينفذه ببراعة واحترافية، لا أن يقوده إلى الانهيار التام. بعض الأطباء، يا دكتور زياد، يفشلون بشكل ذريع في إدارة الضغط النفسي والجسدي للمرضى تحت التخدير الخفيف. تمامًا كما يفشلون في إدارة الحالات النفسية الهشة في غرف العناية المركزة.

ألقت الجملة الأخيرة بنبرة منخفضة، سلسة، لكنها سقطت في القاعة كقنبلة موقوتة صامتة.

بيسان: الانهيار العصبي المفاجئ للمرضى، سواء على طاولة العمليات الجراحية أو في أسرة العناية المركزة، يحتاج إلى طبيب تخدير يمتلك ثباتًا انفعاليًا عاليًا وتاريخًا مهنيًا نقيًا... لتجنب نهايات مأساوية لا يمكن تداركها. نهايات تشبه، على سبيل المثال، حالات الانتحار غير المتوقعة للمرضى المكتئبين.

شحب وجه زياد في كسر من الثانية. تلاشت حمرة الغضب من وجنتيه تاركة لونًا رماديًا مريضًا. ارتعشت يده التي كانت تستند إلى حافة الطاولة، فانزلق كوب القهوة وسقط أرضًا. 

تناثر السائل البني الساخن على حذائه، لكنه لم يتحرك أنملة. اتسعت عيناه وهو يحدق في بيسان، يقرأ الرسالة المشفرة القاتلة في عينيها. هي تعرف. تعرف عن سلمى الرشيدي. تعرف عن التحقيق السري الذي دمر سمعته في المستشفى القديم وأجبره على الانتقال إلى هنا كطبيب من الدرجة الثانية.

ابتلعت القاعة الصمت المطبق. الأطباء والممرضون الآخرون تبادلوا نظرات الارتباك والقلق. لم يفهموا الإشارة الدقيقة، لكنهم أدركوا أن سيفًا خفيًا قد سُلط للتو على رقبة طبيب التخدير الجديد، وأن بيسان أثبتت مجددًا أنها لا تُقهر.

بيسان: يمكنك تنظيف هذه الفوضى لاحقًا يا دكتور. أتمنى أن يكون تقريرك المفصل عن الحالة جاهزًا للإدارة الطبية بنهاية اليوم.

أطفأت جهاز العرض الضوئي، وجمعت أوراقها بهدوء تام، ثم غادرت القاعة بخطواتها الواثقة. لم تنظر إلى طارق. لم تمنحه شرف لفت الانتباه. كانت تعلم أنه يراقب كل شيء من مقعده الخلفي، وأنه أدرك الآن حجم الوحش الذي قرر اللعب معه.

سارت في الممر المؤدي إلى قسم التعقيم المركزي والمستودعات في الطابق السفلي. قسم منعزل تمامًا، شديد البرودة، تنبعث منه رائحة غاز الأوزون والمواد الكيماوية المعقمة. 

كانت تعرف جدول المناوبات بدقة. طارق مكلف بجرد المستلزمات الجراحية هنا كل ثلاثاء بعد الاجتماع الصباحي.

توقفت أمام الباب المعدني المزدوج. نظرت عبر النافذة الزجاجية الصغيرة والمربعة. كان طارق بالداخل، يقف أمام رفوف فولاذية طويلة مليئة بصناديق الشفرات الجراحية الحادة وخيوط الحرير. يدون أرقامًا في لوح بلاستيكي، لكن يده كانت ترتجف بوضوح شديد، يسقط القلم منه مرتين متتاليتين.

دفعت الباب ودخلت. صوت انغلاق الباب الثقيل خلفها جعل طارق ينتفض وكأن تيارًا كهربائيًا ضرب عموده الفقري. 

استدار ببطء، وعيناه متسعتان برعب خالص، كفريسة حوصرت في زاوية ضيقة.

بيسان: الجرد اليومي للمستلزمات الطبية يحتاج إلى تركيز عالٍ يا طارق. يدك ترتجف بشدة. هل أنت مريض؟

اقتربت منه بخطوات بطيئة، محسوبة. صوت كعب حذائها يتردد في الغرفة المليئة بالصناديق الكرتونية والأرفف الفولاذية. كل خطوة كانت تضيق الخناق عليه أكثر. تراجع طارق للخلف حتى التصق ظهره بالرف المعدني البارد، مسبباً قعقعة خفيفة.

طارق: دكتورة... أنا... أنا فقط لم أنم جيدًا ليلة أمس.

بيسان: قلة النوم تفسد الحواس. تجعلك تتخيل أشياء لا وجود لها. تجعلك، على سبيل المثال، تقف في ممرات المستشفى المظلمة لتسجل مقاطع فيديو لا تفهم محتواها، وتتدخل في شؤون آلهة لا ترحم.

توقف تنفس طارق. جحظت عيناه، وسقط اللوح البلاستيكي من يده، مرتطمًا بالأرضية بصوت حاد. حاول التحدث لكن الكلمات علقت في حنجرته الجافة والمقبوضة.

الصوت الداخلي: "انظري إليه. إنه ينهار قبل أن تلمسيه حتى. هش كالزجاج الرخيص المليء بالشروخ. اكسريه الآن. اسحقيه."

وقفت أمامه مباشرة. المسافة بينهما لا تتجاوز شبرًا واحدًا. كانت أقصر منه قليلًا، لكنها بدت في تلك اللحظة كعملاق مظلم يبتلعه بظله. رفعت يدها ببطء شديد، وبأصابعها الباردة والمستقرة، عدلت ياقة زيه التمريضي الأزرق. لمسة ناعمة، مرعبة في هدوئها وتناقضها مع الموقف.

بيسان: أنت تعرف كم خطأ طبي قاتل يحدث يوميًا في هذا المستشفى؟ مئات الأخطاء المستترة. بعض المرضى يموتون بسبب جرعة زائدة من البوتاسيوم توقف عضلة القلب فجأة. وبعض الممرضين، الممرضين الذين يعانون من الأرق والتوتر الشديد مثلك، قد يحقنون أنفسهم بطريق الخطأ بجرعة عالية من الإنسولين في غرف تبديل الملابس المعزولة، ويدخلون في غيبوبة نقص سكر لا يفيقون منها. مجرد حادث مؤسف يُسجل كضغوط عمل.

همست بالكلمات الأخيرة بالقرب من أذنه. رائحة عطرها البارد اختلطت برائحة عرقه الحمضي النافر. أغمض طارق عينيه، وصدره يعلو ويهبط بعنف في محاولة لالتقاط الأوكسجين المفقود.

طارق: أنا... أنا لم أرسل مقطع الفيديو لأي أحد. أقسم لكِ بحياتي.

بيسان: هاتفك. أريده الآن.

أدخل طارق يده المرتجفة والمتعرقة في جيب بنطاله. أخرج الهاتف الذكي الأسود وقدمه لها وكأنه يقدم روحه للاستلاب. التقطت بيسان الهاتف من يده. كان غير مقفل. 

فتحت معرض الصور المليء بالصور العادية. مقطع الفيديو الأخير موجود هناك. مدته دقيقتان. يظهرها وهي تجلس أمام شاشة المحطة الطرفية في غرفة الخوادم، تعدل البيانات الطبية. 

ضغطت على زر الحذف، ثم حذفته من سلة المهملات نهائيًا لتمحو الأثر الرقمي بالكامل.

بيسان: لقد ارتكبت خطأً غبيًا ومميتًا يا طارق. لكنني طبيبة متسامحة تمنح الفرص. سأعطيك فرصة واحدة لتعيش وتخرج من هذه الغرفة على قدميك. أخبرني الحقيقة كاملة، هل أمرك زياد بتصويري ومراقبتي؟

فتح طارق عينيه المليئتين بالدموع المحتبسة. ابتلع ريقه بصعوبة بالغة، ونظر إليها بنظرة غريبة ومربكة. نظرة لا تحمل الخوف الطفولي فقط، بل تحمل يأسًا مفاجئًا وعميقًا أربك حساباتها الدقيقة.

طارق: زياد لم يأمرني بشيء... زياد كان في غرفة الاستراحة طوال الليل يقرأ الملفات.

عقدت بيسان حاجبيها. انقبضت معدتها بشعور بارد لم تعهده من قبل، شعور بفقدان السيطرة الجزئي.

بيسان: إذا لم يكن زياد، فلماذا كنت تتجسس عليّ في غرفة الخوادم؟ من دفعك لتتبع خطواتي في الظلام؟

هز طارق رأسه بنفي هستيري، والدموع تنزلق على وجنتيه الشاحبتين، تتجمع عند ذقنه قبل أن تسقط على سترته الزرقاء. أنفاسه أصبحت متلاحقة، تشبه أنفاس مريض يغرق في سوائل رئتيه المتجمعة.

طارق: لم أكن أتجسس عليكِ في غرفة الخوادم... أقسم بكل ما هو مقدس، أنا لم أنزل إلى ذلك الطابق أبدًا في حياتي! أنا صورتكِ بهاتفي من شاشة العرض الخاصة بكاميرا المراقبة القديمة المعطلة في سقف مكتبك! الكاميرا التي تظن الإدارة أنها مفصولة، ما زالت تعمل وتبث لغرفة الأمن القديمة في القبو حيث أستريح أحيانًا.

تجمدت بيسان. الكلمات اخترقت طبلة أذنها كإبرة جليدية مسمومة. 

مكتبها؟ مساحتها الآمنة؟ الصندوق الأسود الذي تستمع فيه إلى ترانيم الموت وتحتفظ فيه بأسرارها؟

طارق: الظل الذي رأيتِه في غرفة الخوادم... الشخص الذي صوركِ من خلف الزجاج المزدوج... لم يكن أنا! هناك شخص آخر في هذا المشفى يعرف ما تفعلينه... شخص يسبقك بخطوة.

الصوت الداخلي: "مستحيل. لا أحد يسبقكِ. لا أحد يملك هذه القدرة على التخفي. إنه يكذب لينقذ نفسه المريضة."

أطبقت بيسان على ياقة قميصه بقوة وحشية لم تتوقعها من نفسها، ساحبة إياه نحوها حتى كادت أنفها تلامس أنفه المبلل بالعرق.

بيسان: من هو؟ انطق باسمه الآن وإلا سأجعلك تتمنى الموت البطيء الذي أمنحه لمرضاي!

طارق: لا أعرف! أقسم أنني لا أعرف هويته! أنا مجرد أداة. لقد ترك لي رسالة ورقية في خزانتي صباح اليوم تحتوي على...

انقطع صوته فجأة، واتسعت عيناه بصدمة بالغة، ناظرًا إلى نقطة ما خلف بيسان. تجمدت ملامحه في قناع من الرعب المطلق، وانقطعت أنفاسه كليًا.

قبل أن تستدير بيسان لتستكشف سبب رعب طارق المفاجئ، اخترق أذنيها صوت مألوف. صوت لا ينتمي إلى غرفة التعقيم المليئة بالشاشات والرفوف والمعدات الصامتة.

صوت نبض.

نبض إلكتروني، رتيب، لكنه يحمل إيقاعًا متسارعًا يمهد لنهاية كارثية. 

كان الصوت ينبعث من مكبر صوت بلوتوث صغير، أسطواني الشكل، أسود اللون، دُفع للتو بخفة وبطء شديدين تحت عقب الباب المعدني المغلق للغرفة.

تراجعت بيسان خطوة للوراء، تاركة ياقة طارق الممزقة. 

نظرت إلى الأسطوانة السوداء الصغيرة المستقرة على الأرضية المشمعة، تصدر ذلك الصوت الذي تعشقه.

ثم جاء الصوت الأقسى، يصدح في الفراغ البارد. الطنين الطويل. الخط المستقيم. صوت الموت الذي سجلته بلسانها، في سماعة أذنها المخفية، داخل غرفة العمليات رقم أربعة. نبض الرجل العجوز الذي تركته يموت بقرار من إرادتها المطلقة.

كانت التسجيلات السرية، نبضاتها الأخيرة المحفوظة في خزانة مكتبها، تُعزف الآن في العلن.

الصوت الداخلي لم يعد يهمس بسخرية متعالية؛ بل صرخ في أعماق جمجمتها بصوت حاد يمزق أوهام السيطرة والكمال: "لقد تحولنا من إله... إلى فريسة."

الطنين الإلكتروني الممتد لم يكن مجرد صوت؛ كان مشرطًا غير مرئي يشق غرورها من المنتصف. 

ارتدّ الصدى القاتل عن الأرفف الفولاذية والصناديق الكرتونية في غرفة التعقيم، يتضخم في المساحة المغلقة ليتحول إلى إعلان حرب صريح. 

تراجعت خطوة أخرى، تاركة ياقة طارق الذي انهار على ركبتيه فورًا، يلهث كسمكة أُخرجت لتوها من الماء، وعيناه المحمرتان معلقتان بالأسطوانة السوداء التي تستقر بثبات تحت شق الباب المعدني.

الصوت الداخلي، ذلك المرشد المتعالي الذي رافقها لسنوات، تلعثم لأول مرة. انكمش في زاوية مظلمة من وعيها، تاركًا إياها وحيدة في مواجهة صقيع الهزيمة المحتملة. 

لم يكن هناك وقت للذعر. الذعر رفاهية للضحايا، وهي لم تعتد أن تكون ضحية. نظرت إلى الباب المزدوج. شخص ما يقف خلف هذا اللوح المعدني، يتنفس، ويستمع إلى انهيار مملكتها.

بحركة آلية، خالية من أي رعشة، سحبت قفازًا مطاطيًا من علبة قريبة، وارتدته في يدها اليمنى. انحنت ببطء، والتقطت مكبر الصوت الصغير. 

كان دافئًا، مما يعني أنه كان في جيب شخص ما حتى ثوانٍ مضت. 

ضغطت بإبهامها على زر الإغلاق بقوة كسرت البلاستيك المحيط به. 

مات الصوت فجأة، وعاد الصمت الثقيل ليطبق على الغرفة، لا يقطعه سوى نشيج طارق المكتوم.

استقامت بيسان، واتجهت نحو الباب. 

وضعت يدها العارية على المقبض الفولاذي البارد. أغمضت عينيها لكسر من الثانية، تستحضر كل ذرة من قناع الجراح البارد الذي لا يُقهر، ثم ضغطت على المقبض ودفعت الباب بقوة.

الممر الخارجي كان مضاءً بمصابيح النيون البيضاء التي تلقي ظلالًا حادة على الأرضية المشمعة. 

على بُعد ثلاثة أمتار فقط، كان يقف مستندًا بظهره إلى الجدار الخرساني، يديه مدسوستين في جيبي معطفه الأبيض المفتوح. زياد.

لم يكن هناك أثر لقطرات القهوة المسكوبة على حذائه. لم تكن هناك هالات سوداء تحت عينيه، ولا ارتجاف في أصابعه. 

الوجه الذي بدا منهارًا في قاعة الاجتماعات قبل نصف ساعة فقط، كان الآن هادئًا، مسترخيًا، يحمل ملامح صياد يراقب فريسته وهي تخطو نحو المصيدة الأخيرة. 

أخرج يده اليمنى من جيبه ببطء. كان يمسك بجهاز التسجيل الصوتي الفضي الخاص بها. الجهاز الذي تركته مخفيًا في الدرج السفلي المغلق برمز رقمي داخل مكتبها.

انقبضت عضلات فك بيسان حتى كادت أسنانها تتشقق. الفجوة الزمنية. طارق قال إن الكاميرا في السقف كانت تبث لغرفة الأمن القديمة. زياد لم يكن يقرأ الملفات في استراحة الأطباء؛ كان جالسًا في القبو، يراقب شاشة المراقبة، يدرس حركاتها، يحفظ الأرقام التي تضغطها على لوحة قفل الدرج. وعندما كانت هي تنزل إلى غرفة الخوادم لتزور السجلات، كان هو يتسلل إلى مكتبها، يسرق جوهرتها السوداء، ثم يلحق بها ليصورها من خلف الزجاج المزدوج.

أدخلت بيسان يدها في جيب سترتها الداخلي. أصابعها تلمست الأوراق المطوية بعناية. ملف سلمى الرشيدي. سلاحها الأخير. 

سحبت الأوراق، ورفعتها في الهواء بينهما، كمن يشهر سيفًا في وجه بندقية موجهة إلى صدره.

لم يرمش زياد. لم يظهر أي علامة من علامات الارتباك التي اصطنعها ببراعة في الصباح. بدلاً من ذلك، مد يده اليسرى إلى جيبه الآخر، وأخرج هاتفًا محمولًا، نقر على شاشته نقرتين، ثم أدار الشاشة نحوها.

كانت صفحة بريد إلكتروني مفتوحة. 

المرسل: زياد عبد الرحمن. المرسل إليه: الإدارة الطبية العليا للمستشفى، ومكتب المدعي العام الجنائي، بنسخ مخفية لصحفيين استقصائيين. 

المرفقات: ملفات صوتية مسحوبة من جهاز التسجيل، مقطع فيديو لغرفة الخوادم، وسجل التحويلات البيومترية الأصلية والمعدلة التي تمكن من التقاطها كنسخة احتياطية قبل أن تقوم هي بتشفيرها. 

توقيت الإرسال: السابعة صباحًا. قبل اجتماع مناقشة الوفيات بدقائق.

سقطت الأوراق من يد بيسان. انزلقت ورقة تلو الأخرى، ترفرف ببطء في هواء الممر البارد حتى استقرت على حذاء زياد. 

نظر إليها زياد نظرة خالية من التشفي، نظرة أقرب إلى الرثاء البارد. 

داس بقدمه على التقرير النفسي الذي كانت تعتقد أنه سيدمره، وتقدم خطوة واحدة نحوها.

مرر إبهامه على زر التشغيل في جهازها الفضي. انطلق صوت سامر، الشاب الذي مزقت شريانه الليلة الماضية. ليس صوت النبض المنقطع، بل صوت أنفاسه المتقطعة، حشرجة صدره المفتوح التي سجلتها هي باستمتاع مريض بينما كانت تتلاعب بصمامات التخدير. الصوت الذي كان يطربها، أصبح الآن حبل مشنقة يلتف حول عنقها.

أغلق زياد الجهاز بحركة هادئة، وأسقطه في سلة المهملات الطبية الحمراء المجاورة للجدار. سقط الجهاز المعدني بين الضمادات الملوثة والقفازات المستعملة، مختفيًا للأبد في نفايات المستشفى، كإعلان رمزي عن نهاية قيمتها.

لم ينطق زياد بكلمة واحدة. لم يشرح كيف فكك شبكتها، لم يلقِ خطبة عن العدالة، ولم يبرر أفعاله. أدار ظهره لها، وبدأ يمشي بخطوات ثابتة نحو نهاية الممر، حيث تلوح أبواب المصاعد الرئيسية. 

تركها تقف هناك، مجردة من كل أسلحتها، مقيدة بحقائق رقمية لا يمكن محوها أو التلاعب بها.

الصوت الداخلي صمت تمامًا. تبخر في الفراغ. لأول مرة منذ سنوات، كانت بيسان وحيدة في جمجمتها.

سمعت صوتًا بعيدًا يتسلل عبر نوافذ الطابق العلوي المفتوحة. 

في البداية كان مجرد طنين خافت يشبه نحيب الرياح، لكنه سرعان ما تبلور واكتسب إيقاعًا متقطعًا. صفارات إنذار سيارات الشرطة. 

لم تكن سيارة واحدة، بل عدة سيارات تقترب بسرعة من البوابات الرئيسية للمستشفى، أصواتها تخترق طبقات الزجاج والإسمنت لتصل إلى قبو روحها.

تراجعت بيسان ببطء إلى الخلف. خطواتها فقدت إيقاعها الهندسي الصارم. 

اصطدم ظهرها بالباب المعدني المفتوح لغرفة التعقيم. انزلقت قدمها فتعثرت، وتراجعت إلى الداخل. طارق لم يعد هناك. لقد هرب من مخرج الطوارئ الجانبي بمجرد أن فُتح الباب، تاركًا إياها وحيدة في هذا الصندوق الفولاذي البارد.

أغلق الباب الثقيل نفسه خلفها ببطء، مصدرًا صوت نقرة قفل ميكانيكية حادة فصلتها عن العالم الخارجي. وقفت في منتصف الغرفة، محاطة بآلاف الشفرات الجراحية المعقمة، والملقاطات اللامعة، والمقصات الحادة. الأدوات التي كانت تمنحها وهم الألوهية، تبدو الآن مجرد قطع من الحديد البارد والميت.

رفعت يديها أمام وجهها. الضوء الفلورسنتي القاسي ينعكس على بشرتها الشاحبة. لاحظت شيئًا لم تختبره منذ أول جراحة قامت بها في حياتها. 

كانت أصابعها ترتجف. رعشة خفيفة، دقيقة، تسري من معصميها حتى أطراف أظافرها. حاولت ضم أصابعها بقوة لإيقافها، لكن الرعشة امتدت لتشمل ساعديها.

جلست على الأرضية المشمعة، مستندة بظهرها إلى الأرفف المعدنية السفلية. برودة الأرضية تسربت عبر ملابسها، لكنها لم تكن بقسوة البرودة التي تجتاح أوردتها. 

أغمضت عينيها، محاولة استعادة صورة قلب نابض بين يديها، محاولة استحضار نشوة السيطرة، لكن الصور تلاشت. 

لم يتبقَّ سوى صوت صفارات الإنذار الذي توقف فجأة بالخارج، مستبدلًا بصوت خطوات ثقيلة ومتقاربة تضرب أرضيات الطابق العلوي.

ضمت ركبتيها إلى صدرها، ولفت ذراعيها المرتجفتين حولهما. 

في هذا الصمت الاصطناعي الخانق لغرفة التعقيم، لم تعد تسمع طنين الأجهزة الطبية، ولا أنفاس المرضى المحتضرين. استمعت فقط إلى الإيقاع الوحيد المتبقي في عالمها المنهار. صوت نبضات قلبها هي. نبض متسارع، مضطرب، مرعوب، يدق بعنف ضد قفصها الصدري، كطائر سجين يدرك، في لحظته الأخيرة، أن باب القفص لن يُفتح أبدًا.

 

 

تمتصوت الشاشة يفرض إيقاعه على الغرفة الباردة. طنين منتظم، رتيب، يقطع الصمت العقيم لغرفة العمليات رقم أربعة.

رائحة اليود النفاذة تتشابك مع الرائحة المعدنية للدم، وتلك اللسعة الدخانية المنبعثة من جهاز الكي الكهربائي وهي تحرق الأنسجة الدقيقة. 

تحت الأضواء الجراحية الساطعة التي تمحو أي ظل، تقف بيسان. 

يداها المغطاتان بقفازات مطاطية ملطخة بلون قرمزي داكن، تغوصان في تجويف الصدر المفتوح أمامهما.

بين أصابعها، تقبع عضلة القلب. كتلة حية، تنتفض وتنبض في صراع يائس للبقاء. 

تنظر بيسان إلى هذه العضلة المعقدة ببرود باحثة بيولوجية تراقب عينة تحت المجهر. 

قطرات العرق تتجمع على جبين الممرض المساعد في الجهة المقابلة، بينما عينا بيسان فوق الكمامة الجراحية ثابتتان، لا ترمشان إلا ببطء شديد، هدوء يتناقض تمامًا مع فوضى الجسد الممدد تحت مبعدة الصدر المعدنية.

طارق: ضغط الدم ينخفض بسرعة، أربعة وستون على أربعين. النبض يتسارع بشكل غير منتظم.

بيسان: ارفع جرعة الدوبامين إلى الحد الأقصى، وأعطه دفعة من الأدرينالين. أحتاج إلى دقيقة واحدة فقط للسيطرة على هذا التمزق في البطين.

كانت نبرتها مستقرة، خالية من أي ذعر أو اهتزاز. 

كاريزما القيادة التي جعلت المستشفى بأكمله يثق في قدراتها. لكن تحت هذه القشرة المهنية المثالية، كان هناك حوار آخر يدور في مساحة مظلمة داخل جمجمتها. صوت يشبه صوتها، لكنه أعمق، أبرد، ومُشبع بسخرية لاذعة.

الصوت الداخلي: "انظري إليه... إنه ينهار. الأنسجة متهالكة، الشرايين مسدودة بخطايا سنوات من الإهمال. لماذا تبذلين هذا الجهد؟ أنتِ تعرفين أنه لا يستحق هذه الحياة."

أصابع بيسان توقفت لكسر من الثانية. مجرد جزء من الثانية لا يمكن لأي عين بشرية في الغرفة أن تلاحظه. 

المريض، رجل أعمال في السبعين من عمره، وصل في حالة حرجة بعد جلطة حادة. 

طبياً، نسبة نجاته لا تتجاوز العشرين بالمائة. لكن بيسان، بمهارتها الاستثنائية، كانت قادرة على تحويل تلك النسبة إلى نجاة محققة. كانت تعرف بالضبط أي شريان يجب ربطه، وأي صمام يجب ترميمه.

لكنها لم تفعل.

حركت بيسان المشرط ببطء شديد، مليمترًا واحدًا بعيدًا عن المسار الصحيح. 

حركة تبدو كأنها انزلاقة طبيعية في نسيج ميت بالفعل، لكنها في الحقيقة قرار. قرار بإلغاء المستقبل.

طارق: الرجفان البطيني يبدأ! دكتورة، نحن نفقده.

الصوت الداخلي: "جميل... راقبي كيف ينسحب الضوء. أنتِ من يطفئ المفتاح."

بيسان: جهزوا الصدمة الكهربائية! مائتا جول، الآن!

تراجعت خطوة للوراء، رافعة يديها الملطختين بالدماء في الهواء. 

مرر الممرض مقابض جهاز الصدمات. 

جسد الرجل العجوز انتفض بعنف على الطاولة الجراحية مع تفريغ الشحنة الكهربائية، ثم هبط بثقل ميت. 

الشاشة أمامهما استمرت في رسم خطوط متعرجة فوضوية قبل أن تستقر.

طارق: لا توجد استجابة.

بيسان: اشحن مرة أخرى. ثلاثمائة جول. ابتعدوا!

انتفاضة أخرى. جسد يرتطم بالطاولة. لا شيء. الخط المتعرج على الشاشة استحال إلى خط مستقيم تمامًا. النبض المتسارع تحول إلى طنين متصل، حاد، يثقب طبلة الأذن.

في تلك اللحظة، وبينما كان الفريق الطبي يتبادل نظرات الهزيمة المعتادة في الحالات الحرجة، كانت بيسان تضغط بلسانها على زر دقيق مخفي بعناية خلف أسنانها، متصل بجهاز تسجيل متناهي الصغر مزروع في سماعة أذنها الطبية التي لا تفارقها أبدًا بحجة متابعة نداءات الطوارئ. 

كانت تسجل هذا الصوت. 

الطنين الطويل الأخير.. نبض النهاية.

بالنسبة لطارق والممرضين، كان هذا الصوت إعلانًا للفشل. 

بالنسبة لبيسان، كان سيمفونية الانتصار، ترنيمة إثبات السلطة المطلقة. 

هي من اختارت اللحظة. هي من سمحت للقلب بالتوقف. في تلك الغرفة المغلقة، لم يكن هناك إله سوى يديها.

بيسان: وقت الوفاة... الثانية وأربع عشرة دقيقة صباحًا. شكرًا لجهودكم جميعًا. لقد فعلنا كل ما بوسعنا، لكن عضلة القلب كانت مدمرة بالكامل.

نزعت بيسان قفازاتها بحركة سلسة، وألقت بها في حاوية النفايات الطبية الحمراء. 

صوت ارتطام المطاط المبلل بالدم بقاع الحاوية البلاستيكية كان مكتومًا. 

غسلت يديها تحت الصنبور الآلي، تراقب دوامات الماء الوردي وهي تبتلع بقايا حياة الرجل وتنزلق في البالوعة. 

رفعت عينيها إلى المرآة فوق الحوض. عيون هادئة، صافية، لا تحمل ذرة من الندم أو الارتباك. رتبت خصلات شعرها التي هربت من غطاء الرأس الجراحي، ثم رسمت على وجهها ذلك التعبير الذي أتقنته عبر سنوات: تعبير التعاطف العميق، الممزوج بالإرهاق النبيل لطبيبة قاتلت حتى النهاية.

في غرفة الانتظار المضاءة بمصابيح الفلورسنت الباردة، كانت زوجة المريض وابنه يقفان بخوف. خطوات بيسان الرصينة على الأرضية المشمعة جعلتهما يلتفتان.

الزوجة: طمئنيني يا دكتورة... أرجوكِ.

بيسان: تفضلا بالجلوس أولًا.

جلست بيسان أمامهما، ومالت بجذعها إلى الأمام قليلًا، وضعت يدها الدافئة على يد الزوجة المرتجفة. لمسة مدروسة بعناية لتوصيل أقصى درجات المواساة.

بيسان: أنا آسفة جدًا. لقد قمنا بتدخل جراحي سريع، والفريق الطبي بأكمله بذل أقصى ما يملك. لكن الجلطة كانت قد سببت تلفًا واسعًا في الجدار الأمامي للقلب. لم يتمكن قلبه من تحمل الإجراء. لقد رحل بسلام، دون ألم.

صوت نحيب الزوجة شق سكون الممر. 

الابن وضع وجهه بين يديه وانخرط في بكاء صامت. 

ظلت بيسان جالسة لعدة دقائق، توزع نظرات التعاطف، وتقدم كلمات المواساة المعتادة. 

في داخلها، لم تكن تشعر بشيء. تمامًا كالنظر إلى شاشة تلفاز تعرض فيلمًا بلغة لا تفهمها. 

كانت تراقب انقباضات عضلات وجه الزوجة، وتحلل طريقة نزول الدموع، مسجلة إياها في ذاكرتها كبيانات إضافية عن السلوك البشري الضعيف.

عندما أنهت عرضها المسرحي، عادت بيسان إلى مكتبها في نهاية الممر الإداري. 

أغلقت الباب خلفها، وأدارت القفل ببطء. 

أسدلت الستائر المعدنية لتعزل نفسها عن أضواء المدينة التي بدأت تستيقظ في الخارج. خلعت معطفها الطبي الأبيض وعلقته بعناية فائقة، خاليًا من أي تجاعيد.

جلست خلف مكتبها الخشبي الضخم، فتحت درجًا سفليًا مغلقًا برقم سري، وأخرجت جهاز تشغيل صوتي صغير. 

أخرجت الشريحة الدقيقة من سماعة أذنها وأدخلتها في الجهاز. 

أغمضت عينيها، وأسندت رأسها إلى ظهر المقعد الجلدي الوثير، ثم ضغطت على زر التشغيل.

عاد صوت غرفة العمليات يملأ الفراغ. صوت الأنفاس المكتومة، الأوامر الطبية، ثم... الطنين الطويل الممتد. الخط المستقيم.

ابتسامة بطيئة، باردة، رسمت طريقها على شفتي بيسان وهي تستمع إلى التسجيل. 

أعادته مرتين، ثلاث مرات.. 

كان هذا نبضها الأخير رقم سبعة. سبع حالات حرجة انتهت تحت يديها، سبع أخطاء طبية محسوبة يستحيل على أي لجنة تحقيق إثباتها. كانت جرائمها نظيفة تمامًا، شفافة كزجاج نافذتها.

الصوت الداخلي: "لقد أتقنتِ فن التمويه، لكن... ألا تشعرين بالملل؟"

فتحت بيسان عينيها ببطء، ونظرت إلى الفراغ المظلم أمامها.

الصوت الداخلي: "المرضى الذين يموتون بين يديكِ الآن كانوا سيموتون عاجلًا أم آجلًا. لا يوجد مجد حقيقي في إنهاء ما هو منتهٍ بالفعل. إذا كنتِ تملكين حقًا قوة القدر... ألا يجب أن تختاري من يستحقون هذا القدر؟ ألا يجب أن تنظفي هذا العالم من القذارة التي تمشي على قدمين؟"

مدت بيسان يدها إلى ملف طبي جديد وُضع على مكتبها لحالة الجراحة الصباحية القادمة. 

فتحت الغلاف ببطء. عينها التقطت اسم المريض، وتاريخه الطبي، ثم سقطت على ملاحظة صغيرة مدونة من قسم الاستقبال: المريض محول من قسم الطوارئ الجنائية، تحت حراسة الشرطة بعد تسببه في حادث مروع أثناء قيادته مخمورًا، مما أدى لوفاة عائلة كاملة. يعاني من تمزق في الأورطي يحتاج لتدخل جراحي عاجل.

مررت بيسان أناملها الرقيقة على الكلمات المطبوعة، واتسعت ابتسامتها قليلًا في العتمة. 

نقرت بأظافرها على سطح المكتب الخشبي بإيقاع يشبه دقات القلب، بينما عيناها تلمعان ببريق جديد، بريق لم يعد يكتفي بمجرد القتل السهل.

صوت النقر تردد في الغرفة المظلمة، يندمج مع دقات ساعة الحائط العتيقة. 

طوت بيسان الملف ببطء، تمرر إبهامها على الحواف الورقية الحادة. 

الشاب يُدعى سامر، في أواخر العشرينيات، سليل عائلة ثرية معتادة على شراء النجاة من كل كارثة. 

لكن هذه المرة، الكارثة جلبت سامر إلى مملكتها الخاصة. 

نظرت إلى صورة الأشعة المرفقة. 

الشريان الأورطي متهتك، نسيج ضعيف يفصل بين حياته الفاسدة وموته الحتمي.

الصوت الداخلي: "عائلة كاملة سُحقت تحت عجلات سيارته الرياضية. أب، أم، وطفلان. وهو هنا، ينتظر معجزة من بين أصابعكِ. هل ستمنحينه النجاة ليعود إلى عبثه؟ انظري إلى تفاصيل الحادث في التقرير. رائحة الكحول كانت تفوح من أنفاسه بينما كانت أجسادهم تحترق. هو لا يستحق الموت النظيف."

نهضت بيسان بحركة انسيابية، خالية من أي تردد. 

خلعت معطفها الطبي للمرة الثانية هذه الليلة، واستبدلته بملابس العمليات الزرقاء. 

كل زر يُغلق، كل عقدة تُربط، كانت بمثابة طقس استعداد كاهن قبل تقديم قربان جديد. 

لم تعد مجرد جراحة تخفي أخطاءها تحت ستار الإرهاق أو صعوبة الحالة. 

لقد ترفعت عن تلك المرحلة البدائية. 

الآن، هي القاضي، والجلاد، والمشرط هو مقصلتها الصامتة.

***

في منطقة غسيل الأيدي الملحقة بغرفة العمليات رقم ستة، كان الماء الدافئ يتدفق فوق ساعديها. 

الرغوة البيضاء الغنية باليود غطت جلدها حتى المرفقين. 

رفعت عينيها إلى النافذة الزجاجية المطلة على الغرفة. 

سامر ممدد هناك، عارٍ الصدر، الأنابيب تخترق فمه وأنفه، وجسده مغطى بكدمات بنفسجية داكنة. 

بجانبه، كان يقف طبيب التخدير الجديد. زياد. 

كان ينظم أشرطة المحاليل الوريدية بتركيز شديد. 

عيناه الرماديتان كانتا باردتين، يتحرك بدقة آلة مبرمجة. 

لم يكن من النوع الذي يسهل تشتيته، ولا من الأطباء الذين يرتعبون في الحالات الطارئة.

دخلت بيسان الغرفة، رافعة يديها المعقمتين في الهواء. 

الممرضة ألبستها الثوب الجراحي المعقم، وأحكمت ربطه من الخلف. 

انزلقت يداها في القفازات المطاطية المزدوجة بفرقعة خافتة، لكنها مسموعة بوضوح في السكون المشحون للغرفة.

زياد: المريض غير مستقر تمامًا، فقد كمية هائلة من الدماء في موقع الحادث. ضغطه ثمانون على خمسين. لقد أعطيته وحدتي دم، لكن النزيف الداخلي مستمر. أخشى أن ندخل في صدمة نزفية غير مرتجعة.

بيسان: أعلم. الشريان الأورطي النازل ممزق. سنفتح الصدر فورًا. جهز وحدات دم إضافية، واحتفظ بمستوى السوائل مرتفعًا.

وقفت فوق رأس المريض. نظرت إلى وجهه المحتقن، إلى جفونه المغلقة. 

تخيلت صراخ الأطفال في السيارة التي دمرها هذا الجسد الممدد أمامها. 

شعور غريب، لذيذ ومظلم سرى في أوردتها. ليست شفقة على الضحايا، بل نشوة القدرة المطلقة على استعادة التوازن بيدها.

بيسان: المشرط.

استقرت الأداة المعدنية الباردة في راحة يدها. 

بضغطة واحدة حازمة، شقت طبقات الجلد والدهون وصولًا إلى عظم القص. 

خط أحمر مستقيم ظهر فورًا، تتبعه قطرات دم تتجمع لتشكل مسارًا قرمزيًا على جانبي صدره. 

صوت المنشار الكهربائي وهو يشق العظم تردد صداه، تلته رائحة العظم المحترق التي تزكم الأنوف، لكنها بالنسبة لبيسان كانت رائحة البداية. 

ثبتت مبعدة الصدر، وأدارت المسمار المعدني ببطء حتى انكشف التجويف الصدري بالكامل. القلب يضرب بعنف، محاطًا ببركة من الدماء الداكنة المتخثرة.

بيسان: جهاز الشفط، بسرعة. أريد رؤية الحقل الجراحي واضحًا.

بدأت في تنظيف المكان. التمزق كان واضحًا. جرح قطعي خبيث في جدار الشريان الأورطي، ينبض مع كل دقة قلب نافثًا نافورة صغيرة من الدم الأحمر القاني. 

طبياً، الخطوة الصحيحة هي وضع ملقط وعائي فوق التمزق وتحته لقطع تدفق الدم مؤقتًا، ثم خياطة الرقعة الصناعية. كانت قادرة على فعل ذلك ببراعة تامة في أقل من عشرين دقيقة.

لكنها لم تكن في عجلة من أمرها هذه المرة.

الصوت الداخلي: "الموت السريع مكافأة لا يستحقها. دعيه يتذوق طعم النهاية الممتدة. دعيه يشعر بانسحاب الروح قطرة قطرة، ألمًا تلو ألم. هذا هو الثمن الذي يجب أن يدفعه."

بيسان: دكتور زياد، ضغط الدم ينخفض بشدة مع استمرار النزيف. أوقف ضخ البروبوفول ومسكنات الفنتانيل تدريجيًا. لا أريد أن ينهار جهازه الدوري تحت تأثير التخدير العميق. اجعله في الحد الأدنى المسموح به.

زياد: لكن دكتورة، تقليل التخدير إلى هذا الحد في جراحة صدر مفتوح قد يعرضه للوعي الجزئي. قد يشعر بالألم التام دون قدرة على الحركة بسبب مرخيات العضلات. سيدخل في حالة وعي محتجز.

بيسان: أنا من يقرر مسار الجراحة هنا. قلل الجرعة. إذا استمر التخدير العميق مع هذا النزيف وتوقف القلب، سيموت على الطاولة قبل أن أضع غرزة واحدة. نفذ ما طلبته.

تردد زياد لثانية واحدة. عيناه الرماديتان ضاقتا وهو ينظر إليها عبر الكمامة، لكنه في النهاية أدار صمامات أجهزة التوصيل ببطء شديد، عيناه لا تفارقان شاشة مراقبة العلامات الحيوية.

راقبت بيسان شاشة مراقبة الدماغ. النشاط الكهربائي بدأ يرتفع ببطء ملحوظ. 

كان سامر يغادر غيبوبته العميقة ليطفو في منطقة رمادية مرعبة. هو الآن سجين داخل جسده المشلول. عيناه مغمضتان، عضلاته مرتخية تمامًا بفعل الأدوية، لكن جهازه العصبي بدأ يستيقظ ليحترق بألم شق صدره المفتوح والحديد الذي يباعد بين ضلوعه.

أمسكت بيسان بالإبرة الجراحية، وبدأت تغرزها في النسيج الممزق. ببطء متعمد. غرزة تلو الأخرى. 

كانت تشد الخيط بقسوة مبالغ فيها، تتعمد احتكاك الإبرة المعدنية بالأعصاب المحيطة بالشريان. لم تكن تخيط لترمم، بل كانت تخيط لتعذب.

شاشة رسم القلب بدأت تصرخ. النبض قفز إلى مائة وأربعين، ثم مائة وخمسين. 

ضغط الدم ارتفع فجأة رغم النزيف المستمر، في استجابة فسيولوجية بحتة للألم المبرح الذي لا يستطيع الجسد التعبير عنه بصراخ أو حركة. 

دموع صغيرة، خفية، تجمعت في زوايا عيني سامر المغلقتين. قطرات مالحة انزلقت ببطء شديد على صدغيه لتختفي في غطاء الرأس الطبي.

الصوت الداخلي: "إنه يبكي. هل تشعرين به؟ إنه يصرخ في الداخل. صراخ لا يسمعه أحد سواكِ. هذا هو العدل المفقود. هذه هي النظافة التي يحتاجها العالم."

كانت يدا بيسان تتحركان كعازف بيانو مجنون يعزف مقطوعة نشاز عن عمد. تترك النزيف يستمر لثوانٍ أطول من اللازم، ثم تضغط عليه بأصابعها بقوة تهرس الأنسجة الضعيفة. 

كل ضغطة كانت ترسل موجة من العذاب الصامت إلى دماغ الشاب. 

الشاشات المحيطة بغرفة العمليات تحولت إلى سيمفونية من الإنذارات الحمراء المزعجة.

الممرضة: النبض غير منتظم! مائة وسبعون... مائة وثمانون! نحن نفقده!

زياد: دكتورة بيسان، إنه يستشعر الألم بوضوح! ارتفاع الكاتيكولامينات في دمه يدمر قلبه المنهك. يجب أن أرفع جرعة التخدير فورًا، وإلا سيدخل في صدمة قلبية عصبية لا رجعة فيها.

بيسان: لا تلمس الصمامات!

خرجت الكلمات من فمها حادة كشفرة مشرطها، تحمل نبرة آمرة قاطعة لم يعتدها أحد في المستشفى من الطبيبة الهادئة المريحة. 

تجمد زياد في مكانه للحظة، وعيناه تنتقلان بين الشاشات المنذرة بالخطر، وبين يدي بيسان الملطختين بالدماء حتى المعصمين، اللتين تتحركان ببطء غير مبرر في حالة طارئة تقف على حافة الموت.

بيسان: أنا أسيطر على النزيف هنا. أعطه المزيد من السوائل فقط. قلبه ضعيف جدًا، أي جرعة مخدر إضافية الآن ستوقف النبض للأبد. أنا أرى ما لا تراه من موقعك.

كانت تكذب. 

كذبة طبية متقنة، محبوكة بمصطلحات دقيقة لا يمكن لممرضة أن تجادل فيها، وتضع طبيب التخدير أمام مسؤولية قانونية كاملة إذا خالف أمر الجراح الرئيسي المعالج. 

استمرت في الخياطة ببطء شديد. 

تركت الإبرة مغروزة في جدار الشريان لعدة ثوانٍ إضافية، تراقب كيف ينتفض النسيج مع كل نبضة قلب يائسة تضخ الدم هباءً. 

العرق يتصبب من جبينها، ليس من الإرهاق الجسدي، بل من حرارة النشوة الخالصة. النشوة بأنها تمسك بروح هذا الشاب وتعصرها بين أصابعها المعقمة، وتتحكم في مستوى ألمه كما يتحكم مهندس الصوت في مكبرات الصوت.

استمر العذاب لتسع دقائق كاملة. تسع دقائق في حسابات الزمن العادي لغرفة العمليات، لكنها قرون من الجحيم المطلق في وعي سامر المحتجز. 

وفجأة، كما خططت بيسان بدقة رياضية متناهية، لم يتحمل القلب المجهد هذا المزيج القاتل من الألم الوحشي، والنزيف المخفي بعناية، وارتفاع ضغط الدم العصبي.

تمزق الشريان الأورطي بالكامل من مكان الغرزة المتعمدة الرخوة التي وضعتها.

نافورة من الدم الأسود الحار انفجرت بقوة هائلة في وجه بيسان، لطخت كمامتها البلاستيكية الشفافة، وتناثرت قطراتها اللزجة على عدسات نظارتها المكبرة والمجهر الجراحي فوقها.

الممرضة: توقف القلب! الخط مستقيم!

بيسان: صدمة كهربائية! الآن!

عادت إلى مسرحيتها المعتادة فورًا، لكن هذه المرة بحماس أقل، وبرود أعمق يغلف حركاتها. 

حركت يديها بسرعة مصطنعة لإيقاف النزيف الكارثي، بينما زياد يقفز من مكانه ليدير جهاز الصدمات ويدهن المقابض بالجل الموصل. 

في وسط هذه الفوضى المفتعلة، وبينما كان الجسد الميت ينتفض عبثًا تحت تأثير صدمات الكهرباء المتتالية، ضغطت بيسان بلسانها على الزر الصغير المخفي خلف أسنانها.

سجلت الطنين الطويل الممتد. النبض الأخير. التسجيل رقم ثمانية، لكنه الأول من نوعه، الأول المليء بصدى الألم.

أعلنت وقت الوفاة بنبرتها الهادئة المعتادة، نبرة تحمل مسحة الحزن المهني، وتراجعت خطوة للوراء لتسمح للممرضين بفصل الأجهزة ونزع الأنابيب. 

خلعت نظارتها المكبرة الملطخة بالدماء الثقيلة، ورفعت عينيها لتتنفس الصعداء.

لم تكن الغرفة تنظر إلى المريض.

على الجانب الآخر من الطاولة الجراحية المليئة بالدماء، كان زياد يقف صامتًا تمامًا. 

لم يكن ينظر إلى الشاشات التي صمتت، ولم يكن ينظر إلى جثة سامر التي أصبحت مجرد كتلة لحم باردة. 

كانت عيناه الرماديتان الباردتان مثبتتين مباشرة على يدي بيسان. 

كان يراقب زاوية إمساكها للملقط الجراحي الذي أسقطته للتو، والطريقة التي كانت ترتخي بها أصابعها بهدوء غير طبيعي وسط كارثة جراحية. 

نظرة زياد لم تكن تحمل حزنًا، ولم تكن تحمل صدمة طبيب فقد مريضه... بل كانت تحمل يقينًا مرعبًا وتساؤلًا حادًا بلا كلمات يثقب جدار سرها المنيع.

رمشت بيسان ببطء شديد، كاسرة هذا التواصل البصري المشحون ببرود مصطنع. سحبت يديها إلى صدرها بحركة طبيعية مألوفة لأي جراح ينهي عمله، واستدارت نحو حوض التعقيم. 

خلفها، كان صوت سحاب كيس الموتى البلاستيكي الأسود يمزق الصمت، يبتلع جسد سامر الممزق. لكنها كانت تسمع صوتًا آخر؛ خطوات زياد البطيئة تقترب من الطاولة، لا نحو الباب.

وقفت أمام الحوض الآلي. تدفق الماء الدافئ فوق قفازاتها الملطخة، يذيب التخثرات الحمراء الداكنة ويدفعها في دوامات وردية نحو البالوعة. 

عبر انعكاس النافذة الزجاجية المظلمة أمامها، راقبت حركاته. 

كان زياد ينحني فوق الجسد المفتوح قبل أن يغلق الممرض التجاويف تمامًا. 

أمسك بملقط معدني طويل، وأدخله بحذر شديد نحو الشريان الأورطي الممزق. كان يفحص حواف القطع، يمرر طرف الملقط على مكان الغرزة الرخوة التي تسببت في الانفجار النهائي.

الصوت الداخلي: "إنه يشم رائحة مسرح الجريمة. ذئب صغير يحوم حول فريستكِ. هل تركتِ أثرًا؟ الغرزة كانت دقيقة في إهمالها. لا يمكنه إثبات التعمد."

أغلقت بيسان صنبور المياه بحركة حادة من كوعها، واستدارت لتواجهه، تجفف يديها بمنشفة معقمة.

بيسان: دكتور زياد، هل تبحث عن شيء محدد في التجويف الصدري؟ الجثة ستذهب إلى المشرحة الجنائية على أي حال بسبب طبيعة الحادث. لا داعي للعبث في الأنسجة الآن.

رفع زياد رأسه ببطء. لم يترك الملقط من يده. 

تحت ضوء المصباح الجراحي المسلط عليه، بدت ملامحه منحوتة من الجليد. عيناه الرماديتان لم ترمشا وهو يجيبها بنبرة خفيضة، تحمل خشونة مبطنة.

زياد: حواف التمزق غريبة دكتورة بيسان. الانسلاخ في جدار الشريان كان طوليًا بسبب الحادث، هذا صحيح. لكن هذا القطع العرضي الصغير هنا... زاوية التمزق تبدو وكأنها تعرضت لشد عنيف قبل الانفجار. كأن الخيط الجراحي نفسه كان يعاند النسيج، وليس يدعمه.

ألقت المنشفة في الحاوية البلاستيكية، واقتربت منه بخطوات ثابتة، واثقة، حتى وقفت على الجانب المقابل للطاولة. نظرت إلى التجويف المليء بالدماء، ثم رفعت عينيها إليه مباشرة.

بيسان: الأنسجة كانت متهالكة تمامًا، النخر الخلوي بدأ بالفعل بسبب نقص التروية، وضغط الدم الارتدادي الذي سببه التخدير الخفيف جعل الشريان ينفجر كالبالون المهترئ. هذه ديناميكية سوائل بسيطة يا دكتور. لو استجبت لطلبي مبكرًا، ربما كان الجدار سيصمد لدقيقة إضافية، لكن النتيجة كانت ستظل حتمية.

كانت ترمي الكرة في ملعبه ببراعة، تحول الشكوك التقنية إلى اتهام مبطن بالتقصير في إدارة التخدير. 

عض زياد على شفته السفلى، عضلة فكه انقبضت بوضوح تحت جلده الشاحب. أسقط الملقط في الصينية المعدنية المليئة بالأدوات المستعملة، فأحدث رنينًا حادًا تردد في الغرفة.

زياد: التخدير الخفيف كان بناءً على أمركِ المباشر. لقد حذرتكِ من ارتفاع الكاتيكولامينات، ومن صدمة الألم العصبية. لقد كان يشعر بكل غرزة تضعينها. شاشة مراقبة الدماغ سجلت نشاطًا متشنجًا يشبه نوبات الصرع الصامتة.

بيسان: قرار الجراح هو الفيصل في غرفتي. إنقاذ الوظائف الحيوية يسبق رفاهية عدم الشعور بالألم. نحن هنا لنبقي المرضى على قيد الحياة، لا لنجعلهم ينامون براحة بينما ينزفون حتى الموت.

استدارت نحو الباب، تنهي النقاش بسلطة الموقع الأقدم. لكن قبل أن تضغط على اللوح المعدني لفتح الباب الإلكتروني، أوقفها صوته مجددًا.

زياد: لقد طلبتُ نسخة كاملة من سجلات الأجهزة الإلكترونية لهذه الجراحة. شاشات التخدير، مراقب النبض، ومضخات السوائل. الإدارة الطبية تطلب تقريرًا مفصلًا عن أي وفاة تحت التخدير الموضعي أو الخفيف. سأقوم بمراجعة كل ثانية من التسجيلات البيومترية.

توقفت يدها في الهواء مليمترات قبل أن تلمس اللوح المعدني. قبضت أصابعها بخفة، ثم أفلتتها. التفتت نصف التفاتة، ورسمت على شفتيها ابتسامة باردة، ابتسامة تحمل من الثقة ما يكفي لإرباك أعتى المحققين.

بيسان: حقك المهني تمامًا. أضفه إلى ملف الجودة. تصبح على خير دكتور.

دفعت الباب وخرجت إلى الممر الطويل المضاء بمصابيح نيون بيضاء معقمة. بمجرد أن انغلق الباب الثقيل خلفها، سقط قناع الهدوء المثالي تدريجيًا. 

نبضها هي بدأ يتسارع قليلاً. لم يكن خوفًا. الخوف شعور لا تعرفه، بل كان توجسًا محفزًا. شعور لاعب شطرنج محترف أدرك للتو أن خصمه قد حرك بيدقًا يهدد استراتيجيته الطويلة.

الصوت الداخلي: "سجلات الأجهزة... النشاط الدماغي... لقد استمتعتِ بتعذيبه أكثر من اللازم هذه المرة. الغرور يترك آثار أقدام عميقة يا بيسان. ماذا لو طابق توقيت التوتر العصبي في شاشة الدماغ مع توقيت الغرز البطيئة التي وضعتها؟ سيقرأها كمتتالية تعذيب مقصودة."

دخلت غرفة تبديل الملابس المخصصة للجراحين. كانت فارغة في هذه الساعة المتأخرة من الليل. خلعت الثوب الأزرق، وألقته بإهمال غير معتاد في سلة الغسيل. فتحت خزانتها المعدنية، وأخرجت ملابسها المدنية. قميص حريري أبيض، سترة رمادية، وسروال قماشي دقيق القصّ. ارتدت ملابسها بحركات ميكانيكية، لكن عقلها كان يعمل بسرعة معالج بيانات فائق.

يجب أن تمحو تلك السجلات. النظام المركزي للمستشفى يسجل البيانات البيومترية من جميع غرف العمليات ويحفظها في السيرفر الرئيسي بنهاية نوبة العمل. 

الساعة الآن الثالثة والربع صباحًا. تحديث النظام التلقائي ونقل البيانات يحدث في تمام الرابعة. لديها خمس وأربعون دقيقة قبل أن تصبح سجلات جراحة سامر جزءًا من الأرشيف الرقمي المشفر الذي لا يمكن المساس به.

أغلقت الخزانة بهدوء، واتجهت نحو مصعد الموظفين، ضاغطة على الزر المؤدي إلى الطابق الأرضي حيث يقع قسم تقنية المعلومات الأرشيفية. 

لا يمكنها اختراق النظام من مكتبها، ستحتاج إلى الوصول المباشر إلى المحطة الفرعية في غرفة الخوادم.

توقف المصعد بجلجلة مكتومة، وانفتح الباب ليكشف عن ممر خافت الإضاءة، تفوح منه رائحة الغبار والإلكترونيات المحترقة. 

هذا الطابق مهجور ليلًا باستثناء حارس أمن عجوز يغفو عادة أمام شاشات المراقبة. 

سارت ببطء، حذائها الجلدي المسطح لا يصدر أي صوت على الأرضية الخرسانية. 

وصلت إلى الباب الزجاجي لغرفة الخوادم. كان مغلقًا بقفل إلكتروني يعمل ببطاقة هوية للموظفين المصرح لهم فقط.

أخرجت من جيب سترتها بطاقة بيضاء ممغنطة. بطاقة سرقتها ببراعة من مهندس صيانة أجهزة طبية قبل أسبوعين، بحجة أنها سقطت منه في الردهة. 

مررت البطاقة على القارئ الأسود. أضاء المؤشر باللون الأخضر مع طنين خافت مبشر. سحبت الباب وانزلت للداخل.

الغرفة كانت ثلاجة ضخمة تعج بصفير المراوح القوية التي تبرد الأبراج المعدنية السوداء. الأضواء الزرقاء والخضراء الوامضة تعكس ظلالًا مشوهة على وجهها. 

اتجهت نحو المحطة الطرفية المخصصة لسجلات قسم الجراحة. 

جلست أمام لوحة المفاتيح، وبدأت في كتابة الأكواد التي تحفظها عن ظهر قلب. 

لم تكن مجرد جراحة بارعة، بل كانت تملك هوسًا بفهم كل نظام يحيط بها، من تشريح القلب البشري إلى هيكلية شبكات البيانات.

فتحت ملف الغرفة رقم ستة. سجلات المريض سامر. البيانات تملأ الشاشة. 

رسم القلب، ضغط الدم، والأهم... شاشة مراقبة الدماغ. 

ضللت عمود البيانات الخاص بالنشاط العصبي خلال الدقائق التسع الأخيرة. 

لم تمسحه بالكامل، فذلك سيثير شكوكًا أكبر. بل بدأت في تعديل القيم رقميًا. خفضت قراءات الكاتيكولامينات، سوّت المنحنيات المتشنجة لتشبه موجات دماغية طبيعية لمريض يعاني من نزيف تحت التخدير. عملية جراحية رقمية لا تقل دقة عن جراحاتها الحقيقية.

الصوت الداخلي: "جميل... نظفي خلفك. لكن تذكري، هذا الطبيب الشاب لم يعد مجرد زميل. لقد أصبح عقبة. والعقبات في عالمنا لا تُتجاوز... بل تُزال."

ابتسمت في العتمة الزرقاء، وضغطت على زر الحفظ. 

ظهر شريط التحميل، يتحرك ببطء نحو المائة بالمائة. وفجأة، تجمد الشريط عند ثمانية وتسعين.

ضاقت عيناها. نقرت على لوحة المفاتيح مرة أخرى. لا استجابة. النظام معلق.

ظهرت رسالة خطأ حمراء وامضة في منتصف الشاشة: "تم إيقاف التعديل. الملف قيد الفحص حاليًا من قبل مستخدم آخر."

تسارعت أنفاسها. مستخدم آخر؟ في هذه الساعة؟

نظرت إلى عنوان الآي بي الخاص بالمستخدم النشط المعروض في زاوية الشاشة السفلية. 

كانت تحفظ تقسيمات الشبكة الداخلية. هذا العنوان ينتمي إلى شبكة أجهزة الكمبيوتر المحمولة المتصلة عبر شبكة الواي فاي المخصصة للأطباء المناوبين في الطابق الثالث. استراحة الجراحين.

كان زياد يقرأ الملف الآن. في نفس اللحظة. قبل أن تنهي تعديلاتها.

وقبل أن تستوعب الموقف، انطفأت الشاشة أمامها تمامًا. ليس عطلًا. بل إغلاق قسري من الخادم الرئيسي. شخص ما قطع الاتصال عن هذه المحطة الطرفية يدويًا.

التفتت بيسان ببطء شديد نحو باب غرفة الخوادم الزجاجي. 

في العتمة خارج الغرفة، كان هناك ظل طويل يقف خلف الزجاج، يراقبها. 

الظل لم يتحرك. لم يصدر صوتًا. كان مجرد هيئة مظلمة، لكنها ميزت بوضوح وميض عدسة هاتف محمول مرفوع في يد الظل، يسجل ما يحدث داخل الغرفة.

تجمدت بيسان في مكانها لثوانٍ معدودة. عيناها معلقتان بالبقعة الفارغة خلف الزجاج حيث كان الظل يقف. 

برودة مكيفات الهواء المركزية اخترقت سترتها، لتتحد مع برودة أعمق تسربت إلى صدرها. 

انسحبت أصابعها من على لوحة المفاتيح المتصلبة، ووقفت ببطء، مستقيمة الظهر، ترفض أن تسمح لجسدها بإظهار أي علامة من علامات الارتباك، حتى وهي وحدها في هذه الغرفة المعزولة.

الصوت الداخلي: "لقد رأوكِ. من كان هذا؟ زياد؟ لا، زياد كان متصلًا بالشبكة من الطابق الثالث، وهذا الظل كان هنا. هل هناك من يعاونه؟ أم أنه حارس الأمن العجوز الذي استيقظ فجأة من غفوته؟"

تجاهلت الصوت الذي بدأ يكتسب نبرة لوم حادة. 

سحبت البطاقة الممغنطة المسروقة من القارئ بلمسة سريعة، ووضعتها في جيبها. تقدمت نحو الباب الزجاجي. كل خطوة كانت محسوبة. دفعت الباب وخرجت إلى الممر. كان فارغًا تمامًا. صمت مقبض يطبق على المكان، لا يقطعه سوى طنين الأضواء البعيدة.

انحنت قليلًا تفحص الأرضية الخرسانية المغبرة. 

كان هناك أثر حذاء مطاطي واضح، أثر حديث يختلف عن حذائها الجلدي. 

الأثر يتجه نحو درج الطوارئ الجانبي، وليس نحو المصعد. 

شخص يعرف مخارج المستشفى جيدًا، ويعرف كيف يتجنب كاميرات المراقبة الرئيسية الموجهة نحو المصاعد.

عادت بخطوات سريعة لكن صامتة نحو الدرج. دفعت الباب المعدني الثقيل المكتوب عليه "مخرج طوارئ". رائحة الطلاء القديم والصدأ استقبلتها. استندت على الدرابزين الحديدي ونظرت إلى أسفل بئر السلم المظلم. لا شيء. نظرت إلى الأعلى. لمحت طرف معطف أبيض يختفي خلف منعطف الطابق الثاني، مصحوبًا بصوت خافت لانغلاق باب معدني آخر.

لم تطارده. هذا ليس أسلوبها. الركض خلف فريسة في الظلام يعطي الفريسة أفضلية التخفي. بيسان صيادة تنتظر في النور، حيث تبدو هي الأكثر أمانًا. تراجعت إلى الخلف، وسمحت لباب الطوارئ بالانغلاق بهدوء.

عادت إلى المصعد، ضغطت زر الطابق الرابع حيث يقع مكتبها الخاص. 

طوال رحلة الصعود، كانت ترتب أفكارها بصرامة رياضية. الخطأ الأول كان التمادي في تعذيب سامر. الخطأ الثاني كان التقليل من ذكاء زياد التقني. الخطأ الثالث كان النزول بنفسها إلى غرفة الخوادم، وترك نفسها مكشوفة لعدسة كاميرا مجهولة. 

ثلاثة أخطاء في ليلة واحدة. هذا غير مقبول بالنسبة لإله يمسك بخيوط الحياة والموت.

فتحت باب مكتبها، ودخلت. لم تضيء الأنوار. توجهت مباشرة إلى درج مكتبها السفلي، فتحت القفل الرقمي، وأخرجت جهاز التسجيل الصوتي. 

لكن هذه المرة، لم تكن تبحث عن نشوة الاستماع إلى نبض أخير. 

كانت تبحث عن سلاح مضاد. 

أخرجت شريحة ذاكرة مختلفة من علبة معدنية صغيرة مخفية في زاوية الدرج. شريحة تحتوي على قاعدة بيانات كاملة لكل العاملين في المستشفى، جمعتها بهوس مريض على مدار سنوات. ملفاتهم، نقاط ضعفهم، تاريخهم النفسي، وحتى الديون المتراكمة عليهم.

أدخلت الشريحة في حاسوبها المحمول الشخصي المنفصل تمامًا عن شبكة المستشفى. كتبت اسم "زياد عبد الرحمن" في خانة البحث. ظهر ملفه فورًا. صورة شخصية بوجه صارم، تاريخ ميلاد، تخرج بمرتبة الشرف. لكن عيني بيسان تجاوزت كل هذه التفاصيل السطحية، غائصة في قسم الملاحظات النفسية والتقارير الإدارية القديمة المخفية عن السجلات الرسمية.

كانت تقرأ بشراهة، تبحث عن صدع في جداره الأخلاقي، عن ثغرة يمكنها العبور منها لتدميره قبل أن يفتح فمه. 

توقفت عيناها عند سطر واحد مضلل باللون الأصفر الباهت في تقرير مسرب من مستشفاه السابق. 

حادثة انتحار لمريضة بعد خروجها من العناية المركزة التي كان يشرف عليها، وادعاءات تم طمسها عن علاقة عاطفية غير مهنية استغل فيها ضعفها النفسي.

الصوت الداخلي: "الكل يخفي جثة في خزانته يا بيسان. وأنتِ... أنتِ تملكين مقبرة كاملة. حان الوقت لتنبشي قبر طبيب التخدير النبيل."

ابتسمت في ظلام غرفتها، بينما أضاءت شاشة الحاسوب وجهها بوهج أزرق شاحب. 

اللعبة لم تعد مقتصرة على غرف العمليات والنزيف الصامت. 

لقد انتقلت إلى الأروقة المظلمة وتكسير العظام النفسي. 

رفعت هاتفها الخاص، وكتبت رسالة نصية قصيرة إلى رقم غير مسجل: "أحتاج إلى تتبع دقيق لهاتفين متصلين بشبكة المستشفى، الآن. الثمن مضاعف." 

ضغطت زر الإرسال، وأسندت ظهرها إلى المقعد، تنتظر الفجر الذي سيحمل معه قواعد اشتباك جديدة تمامًا.

اهتز الهاتف على سطح المكتب الخشبي مصدرًا أزيزًا منخفضًا قطع سكون الغرفة المعتمة. ومضت الشاشة بضوء أبيض بارد، كاشفة عن رسالة نصية قصيرة من سطرين متتاليين. 

"الهدف الأول: شبكة الطابق الثالث، استراحة الأطباء. 

الهدف الثاني: يتحرك الآن نحو غرف تبديل الملابس السفلية، الجهاز مسجل باسم: طارق النعماني".

انسحبت الابتسامة الباردة عن شفتي بيسان ببطء شديد. 

طارق. الممرض المساعد. الشاب النحيل ذو الوجه الشاحب واليدين المرتجفتين الذي يقف دائمًا في الظل، يمرر لها الأدوات الجراحية، يمسك المباعدات المعدنية، ويشهد كل نبضة وكل سكون. 

لم يكن حارس أمن عجوزًا تجول صدفة، ولم يكن شريكًا محترفًا لزياد. كان مجرد بيدق مرعوب، راقبها صدفة أو ربما بتخطيط من زياد نفسه.

الصوت الداخلي: "الفئران تتجرأ دائمًا عندما تشم رائحة الدم المتخثر. لقد تركته يقترب أكثر من اللازم، يتحرك في محيطك المعقم. هل ظننتِ أن صمته وانكماشه ولاء؟ الصمت في هذا العالم يخفي دائمًا إما خوفًا قاتلًا أو خيانة مدمرة."

نهضت بيسان عن مقعدها الجلدي الوثير، وصوت احتكاك العجلات المطاطية بالأرضية الخشبية يمزق الصمت الثقيل. 

توجهت إلى الطابعة الليزرية القابعة في زاوية الغرفة. ضغطت على زر الطباعة في حاسوبها المحمول. 

بدأت الآلة تئن بصوت ميكانيكي، تسحب الورق الأبيض الناصع وتطبع عليه السطور السوداء التي استخرجتها للتو من ماضي زياد المظلم. 

اسم المريضة المنتحرة "سلمى الرشيدي"، تفاصيل جرعات التخدير المكثفة، تقارير اللجان التأديبية المغلقة، والملاحظات النفسية التي تم طمسها ببراعة. 

سحبت الأوراق الدافئة من فوهة الطابعة، وطوتها بعناية هندسية صارمة، ثم دستها في الجيب الداخلي لسترتها الرمادية.

 

فتحت الستائر المعدنية بحركة واحدة قوية وحازمة. 

خيوط الفجر الأولى كانت تزحف فوق مباني المدينة الإسمنتية الكئيبة، تغسل السماء بلون رمادي مريض يشبه لون أجساد الموتى على طاولتها الجراحية. 

نظرت إلى انعكاسها في زجاج النافذة البارد. 

رتبت خصلة شاردة من شعرها الأسود. 

خلعت السترة المدنية، وارتدت معطفها الطبي الأبيض ناصع النظافة، خاليًا من أي تجاعيد، كدرع واقٍ يصد عنها خطايا البشرية. علقت سماعة الطبيب حول عنقها كقلادة ملكية، وخرجت من المكتب.

كانت ممرات المستشفى قد بدأت تنبض بالحياة اليومية المعتادة. عربات الإفطار المعدنية تتدحرج بصخب مزعج، ورائحة القهوة الرخيصة تمتزج برائحة المطهرات الكيميائية القوية. 

سارت بيسان بخطوات موزونة، لا تسرع ولا تبطئ. 

كل طبيب أو ممرض يمر بها يلقي التحية باحترام عميق ممزوج بالرهبة. 

وصلت إلى قاعة الاجتماعات الصباحية، حيث يُعقد اجتماع مناقشة الحالات الحرجة والوفيات، الساحة التي تُشرح فيها الأخطاء الطبية تحت أضواء النقد.

دفعت الباب الخشبي الثقيل ودخلت. القاعة مدرجة، مضاءة بمصابيح فلورسنت بيضاء قوية تمحو الظلال. 

في الصف الأمامي، كان زياد يجلس وحيدًا. كوب القهوة الورقي بين يديه ممتلئ، لكن أصابعه تقبض عليه بقوة حتى كادت تعصر الكرتون. 

الهالات السوداء العميقة تحت عينيه الرماديتين تفضحه. لم ينم دقيقة واحدة. 

كان يقضي الليل يبحث في ملفاتها المحصنة، يفتش عن أشباح في سجلات الأرقام.

في الصف الأخير، بالقرب من باب الخروج الخلفي، جلس طارق. كان ينكمش في مقعده البلاستيكي، يراقب الأرضية المشمعة وكأنها ستنشق وتبتلعه في أي لحظة.

بيسان: صباح الخير زملائي.

صوتها الرخيم الهادئ، الخالي من أي توتر، فرض صمتًا فوريًا في القاعة المزدحمة. 

وقفت خلف المنصة الخشبية، وشغلت جهاز العرض الضوئي. 

ظهرت صورة الأشعة المقطعية الخاصة بصدر المريض سامر الممزق على الشاشة البيضاء الكبيرة خلفها.

بيسان: حالة الأمس الطارئة. مريض في الثامنة والعشرين من عمره، وصل بصدمة نزفية حادة وتمزق كامل في الشريان الأورطي النازل إثر حادث سير مروع. رغم التدخل الجراحي الفوري ومحاولة ترقيع الشريان، لم يتحمل القلب المجهد الجراحة. حدث تمزق ارتدادي. وقت الوفاة: الثالثة وعشر دقائق صباحًا.

زياد: دكتورة بيسان...

قاطعها صوته الأجش الخشن. وقف زياد ببطء، تاركًا كوب القهوة على الطاولة الخشبية.

زياد: التقرير الجراحي الذي عرضتيه للتو يفتقر إلى التفاصيل البيومترية الحساسة. لقد راجعتُ ملفات النشاط الدماغي للمريض وقت الجراحة. هناك ارتفاع غير مبرر، ومطرد، في مستويات الكاتيكولامينات ونشاط قشرة الدماغ يتطابق زمنيًا مع...

بيسان: مع محاولاتي اليائسة لخياطة نسيج ميت يا دكتور زياد؟

وجهت نظرها إليه مباشرة. نظرة باردة، ثاقبة، تجمد الكلمات في حلقه ككتلة من الجليد.

بيسان: ألم المريض، وارتفاع مؤشراته العصبية، هي نتيجة فسيولوجية حتمية لقرارك بتقليل جرعة التخدير الموضعي. أنت من كان يتحكم في صمامات المضخات. أم أنك نسيت بروتوكولات التخدير الأساسية؟

زياد: تقليل الجرعة كان أمرًا مباشرًا وصريحًا منكِ! لقد حذرتكِ من صدمة الألم العصبية المحتملة.

بيسان: وفي غرفتي، وتحت إشرافي، عندما يأمر الجراح الرئيسي بشيء لإنقاذ حياة المريض، على طبيب التخدير أن ينفذه ببراعة واحترافية، لا أن يقوده إلى الانهيار التام. بعض الأطباء، يا دكتور زياد، يفشلون بشكل ذريع في إدارة الضغط النفسي والجسدي للمرضى تحت التخدير الخفيف. تمامًا كما يفشلون في إدارة الحالات النفسية الهشة في غرف العناية المركزة.

ألقت الجملة الأخيرة بنبرة منخفضة، سلسة، لكنها سقطت في القاعة كقنبلة موقوتة صامتة.

بيسان: الانهيار العصبي المفاجئ للمرضى، سواء على طاولة العمليات الجراحية أو في أسرة العناية المركزة، يحتاج إلى طبيب تخدير يمتلك ثباتًا انفعاليًا عاليًا وتاريخًا مهنيًا نقيًا... لتجنب نهايات مأساوية لا يمكن تداركها. نهايات تشبه، على سبيل المثال، حالات الانتحار غير المتوقعة للمرضى المكتئبين.

شحب وجه زياد في كسر من الثانية. تلاشت حمرة الغضب من وجنتيه تاركة لونًا رماديًا مريضًا. ارتعشت يده التي كانت تستند إلى حافة الطاولة، فانزلق كوب القهوة وسقط أرضًا. 

تناثر السائل البني الساخن على حذائه، لكنه لم يتحرك أنملة. اتسعت عيناه وهو يحدق في بيسان، يقرأ الرسالة المشفرة القاتلة في عينيها. هي تعرف. تعرف عن سلمى الرشيدي. تعرف عن التحقيق السري الذي دمر سمعته في المستشفى القديم وأجبره على الانتقال إلى هنا كطبيب من الدرجة الثانية.

ابتلعت القاعة الصمت المطبق. الأطباء والممرضون الآخرون تبادلوا نظرات الارتباك والقلق. لم يفهموا الإشارة الدقيقة، لكنهم أدركوا أن سيفًا خفيًا قد سُلط للتو على رقبة طبيب التخدير الجديد، وأن بيسان أثبتت مجددًا أنها لا تُقهر.

بيسان: يمكنك تنظيف هذه الفوضى لاحقًا يا دكتور. أتمنى أن يكون تقريرك المفصل عن الحالة جاهزًا للإدارة الطبية بنهاية اليوم.

أطفأت جهاز العرض الضوئي، وجمعت أوراقها بهدوء تام، ثم غادرت القاعة بخطواتها الواثقة. لم تنظر إلى طارق. لم تمنحه شرف لفت الانتباه. كانت تعلم أنه يراقب كل شيء من مقعده الخلفي، وأنه أدرك الآن حجم الوحش الذي قرر اللعب معه.

سارت في الممر المؤدي إلى قسم التعقيم المركزي والمستودعات في الطابق السفلي. قسم منعزل تمامًا، شديد البرودة، تنبعث منه رائحة غاز الأوزون والمواد الكيماوية المعقمة. 

كانت تعرف جدول المناوبات بدقة. طارق مكلف بجرد المستلزمات الجراحية هنا كل ثلاثاء بعد الاجتماع الصباحي.

توقفت أمام الباب المعدني المزدوج. نظرت عبر النافذة الزجاجية الصغيرة والمربعة. كان طارق بالداخل، يقف أمام رفوف فولاذية طويلة مليئة بصناديق الشفرات الجراحية الحادة وخيوط الحرير. يدون أرقامًا في لوح بلاستيكي، لكن يده كانت ترتجف بوضوح شديد، يسقط القلم منه مرتين متتاليتين.

دفعت الباب ودخلت. صوت انغلاق الباب الثقيل خلفها جعل طارق ينتفض وكأن تيارًا كهربائيًا ضرب عموده الفقري. 

استدار ببطء، وعيناه متسعتان برعب خالص، كفريسة حوصرت في زاوية ضيقة.

بيسان: الجرد اليومي للمستلزمات الطبية يحتاج إلى تركيز عالٍ يا طارق. يدك ترتجف بشدة. هل أنت مريض؟

اقتربت منه بخطوات بطيئة، محسوبة. صوت كعب حذائها يتردد في الغرفة المليئة بالصناديق الكرتونية والأرفف الفولاذية. كل خطوة كانت تضيق الخناق عليه أكثر. تراجع طارق للخلف حتى التصق ظهره بالرف المعدني البارد، مسبباً قعقعة خفيفة.

طارق: دكتورة... أنا... أنا فقط لم أنم جيدًا ليلة أمس.

بيسان: قلة النوم تفسد الحواس. تجعلك تتخيل أشياء لا وجود لها. تجعلك، على سبيل المثال، تقف في ممرات المستشفى المظلمة لتسجل مقاطع فيديو لا تفهم محتواها، وتتدخل في شؤون آلهة لا ترحم.

توقف تنفس طارق. جحظت عيناه، وسقط اللوح البلاستيكي من يده، مرتطمًا بالأرضية بصوت حاد. حاول التحدث لكن الكلمات علقت في حنجرته الجافة والمقبوضة.

الصوت الداخلي: "انظري إليه. إنه ينهار قبل أن تلمسيه حتى. هش كالزجاج الرخيص المليء بالشروخ. اكسريه الآن. اسحقيه."

وقفت أمامه مباشرة. المسافة بينهما لا تتجاوز شبرًا واحدًا. كانت أقصر منه قليلًا، لكنها بدت في تلك اللحظة كعملاق مظلم يبتلعه بظله. رفعت يدها ببطء شديد، وبأصابعها الباردة والمستقرة، عدلت ياقة زيه التمريضي الأزرق. لمسة ناعمة، مرعبة في هدوئها وتناقضها مع الموقف.

بيسان: أنت تعرف كم خطأ طبي قاتل يحدث يوميًا في هذا المستشفى؟ مئات الأخطاء المستترة. بعض المرضى يموتون بسبب جرعة زائدة من البوتاسيوم توقف عضلة القلب فجأة. وبعض الممرضين، الممرضين الذين يعانون من الأرق والتوتر الشديد مثلك، قد يحقنون أنفسهم بطريق الخطأ بجرعة عالية من الإنسولين في غرف تبديل الملابس المعزولة، ويدخلون في غيبوبة نقص سكر لا يفيقون منها. مجرد حادث مؤسف يُسجل كضغوط عمل.

همست بالكلمات الأخيرة بالقرب من أذنه. رائحة عطرها البارد اختلطت برائحة عرقه الحمضي النافر. أغمض طارق عينيه، وصدره يعلو ويهبط بعنف في محاولة لالتقاط الأوكسجين المفقود.

طارق: أنا... أنا لم أرسل مقطع الفيديو لأي أحد. أقسم لكِ بحياتي.

بيسان: هاتفك. أريده الآن.

أدخل طارق يده المرتجفة والمتعرقة في جيب بنطاله. أخرج الهاتف الذكي الأسود وقدمه لها وكأنه يقدم روحه للاستلاب. التقطت بيسان الهاتف من يده. كان غير مقفل. 

فتحت معرض الصور المليء بالصور العادية. مقطع الفيديو الأخير موجود هناك. مدته دقيقتان. يظهرها وهي تجلس أمام شاشة المحطة الطرفية في غرفة الخوادم، تعدل البيانات الطبية. 

ضغطت على زر الحذف، ثم حذفته من سلة المهملات نهائيًا لتمحو الأثر الرقمي بالكامل.

بيسان: لقد ارتكبت خطأً غبيًا ومميتًا يا طارق. لكنني طبيبة متسامحة تمنح الفرص. سأعطيك فرصة واحدة لتعيش وتخرج من هذه الغرفة على قدميك. أخبرني الحقيقة كاملة، هل أمرك زياد بتصويري ومراقبتي؟

فتح طارق عينيه المليئتين بالدموع المحتبسة. ابتلع ريقه بصعوبة بالغة، ونظر إليها بنظرة غريبة ومربكة. نظرة لا تحمل الخوف الطفولي فقط، بل تحمل يأسًا مفاجئًا وعميقًا أربك حساباتها الدقيقة.

طارق: زياد لم يأمرني بشيء... زياد كان في غرفة الاستراحة طوال الليل يقرأ الملفات.

عقدت بيسان حاجبيها. انقبضت معدتها بشعور بارد لم تعهده من قبل، شعور بفقدان السيطرة الجزئي.

بيسان: إذا لم يكن زياد، فلماذا كنت تتجسس عليّ في غرفة الخوادم؟ من دفعك لتتبع خطواتي في الظلام؟

هز طارق رأسه بنفي هستيري، والدموع تنزلق على وجنتيه الشاحبتين، تتجمع عند ذقنه قبل أن تسقط على سترته الزرقاء. أنفاسه أصبحت متلاحقة، تشبه أنفاس مريض يغرق في سوائل رئتيه المتجمعة.

طارق: لم أكن أتجسس عليكِ في غرفة الخوادم... أقسم بكل ما هو مقدس، أنا لم أنزل إلى ذلك الطابق أبدًا في حياتي! أنا صورتكِ بهاتفي من شاشة العرض الخاصة بكاميرا المراقبة القديمة المعطلة في سقف مكتبك! الكاميرا التي تظن الإدارة أنها مفصولة، ما زالت تعمل وتبث لغرفة الأمن القديمة في القبو حيث أستريح أحيانًا.

تجمدت بيسان. الكلمات اخترقت طبلة أذنها كإبرة جليدية مسمومة. 

مكتبها؟ مساحتها الآمنة؟ الصندوق الأسود الذي تستمع فيه إلى ترانيم الموت وتحتفظ فيه بأسرارها؟

طارق: الظل الذي رأيتِه في غرفة الخوادم... الشخص الذي صوركِ من خلف الزجاج المزدوج... لم يكن أنا! هناك شخص آخر في هذا المشفى يعرف ما تفعلينه... شخص يسبقك بخطوة.

الصوت الداخلي: "مستحيل. لا أحد يسبقكِ. لا أحد يملك هذه القدرة على التخفي. إنه يكذب لينقذ نفسه المريضة."

أطبقت بيسان على ياقة قميصه بقوة وحشية لم تتوقعها من نفسها، ساحبة إياه نحوها حتى كادت أنفها تلامس أنفه المبلل بالعرق.

بيسان: من هو؟ انطق باسمه الآن وإلا سأجعلك تتمنى الموت البطيء الذي أمنحه لمرضاي!

طارق: لا أعرف! أقسم أنني لا أعرف هويته! أنا مجرد أداة. لقد ترك لي رسالة ورقية في خزانتي صباح اليوم تحتوي على...

انقطع صوته فجأة، واتسعت عيناه بصدمة بالغة، ناظرًا إلى نقطة ما خلف بيسان. تجمدت ملامحه في قناع من الرعب المطلق، وانقطعت أنفاسه كليًا.

قبل أن تستدير بيسان لتستكشف سبب رعب طارق المفاجئ، اخترق أذنيها صوت مألوف. صوت لا ينتمي إلى غرفة التعقيم المليئة بالشاشات والرفوف والمعدات الصامتة.

صوت نبض.

نبض إلكتروني، رتيب، لكنه يحمل إيقاعًا متسارعًا يمهد لنهاية كارثية. 

كان الصوت ينبعث من مكبر صوت بلوتوث صغير، أسطواني الشكل، أسود اللون، دُفع للتو بخفة وبطء شديدين تحت عقب الباب المعدني المغلق للغرفة.

تراجعت بيسان خطوة للوراء، تاركة ياقة طارق الممزقة. 

نظرت إلى الأسطوانة السوداء الصغيرة المستقرة على الأرضية المشمعة، تصدر ذلك الصوت الذي تعشقه.

ثم جاء الصوت الأقسى، يصدح في الفراغ البارد. الطنين الطويل. الخط المستقيم. صوت الموت الذي سجلته بلسانها، في سماعة أذنها المخفية، داخل غرفة العمليات رقم أربعة. نبض الرجل العجوز الذي تركته يموت بقرار من إرادتها المطلقة.

كانت التسجيلات السرية، نبضاتها الأخيرة المحفوظة في خزانة مكتبها، تُعزف الآن في العلن.

الصوت الداخلي لم يعد يهمس بسخرية متعالية؛ بل صرخ في أعماق جمجمتها بصوت حاد يمزق أوهام السيطرة والكمال: "لقد تحولنا من إله... إلى فريسة."

الطنين الإلكتروني الممتد لم يكن مجرد صوت؛ كان مشرطًا غير مرئي يشق غرورها من المنتصف. 

ارتدّ الصدى القاتل عن الأرفف الفولاذية والصناديق الكرتونية في غرفة التعقيم، يتضخم في المساحة المغلقة ليتحول إلى إعلان حرب صريح. 

تراجعت خطوة أخرى، تاركة ياقة طارق الذي انهار على ركبتيه فورًا، يلهث كسمكة أُخرجت لتوها من الماء، وعيناه المحمرتان معلقتان بالأسطوانة السوداء التي تستقر بثبات تحت شق الباب المعدني.

الصوت الداخلي، ذلك المرشد المتعالي الذي رافقها لسنوات، تلعثم لأول مرة. انكمش في زاوية مظلمة من وعيها، تاركًا إياها وحيدة في مواجهة صقيع الهزيمة المحتملة. 

لم يكن هناك وقت للذعر. الذعر رفاهية للضحايا، وهي لم تعتد أن تكون ضحية. نظرت إلى الباب المزدوج. شخص ما يقف خلف هذا اللوح المعدني، يتنفس، ويستمع إلى انهيار مملكتها.

بحركة آلية، خالية من أي رعشة، سحبت قفازًا مطاطيًا من علبة قريبة، وارتدته في يدها اليمنى. انحنت ببطء، والتقطت مكبر الصوت الصغير. 

كان دافئًا، مما يعني أنه كان في جيب شخص ما حتى ثوانٍ مضت. 

ضغطت بإبهامها على زر الإغلاق بقوة كسرت البلاستيك المحيط به. 

مات الصوت فجأة، وعاد الصمت الثقيل ليطبق على الغرفة، لا يقطعه سوى نشيج طارق المكتوم.

استقامت بيسان، واتجهت نحو الباب. 

وضعت يدها العارية على المقبض الفولاذي البارد. أغمضت عينيها لكسر من الثانية، تستحضر كل ذرة من قناع الجراح البارد الذي لا يُقهر، ثم ضغطت على المقبض ودفعت الباب بقوة.

الممر الخارجي كان مضاءً بمصابيح النيون البيضاء التي تلقي ظلالًا حادة على الأرضية المشمعة. 

على بُعد ثلاثة أمتار فقط، كان يقف مستندًا بظهره إلى الجدار الخرساني، يديه مدسوستين في جيبي معطفه الأبيض المفتوح. زياد.

لم يكن هناك أثر لقطرات القهوة المسكوبة على حذائه. لم تكن هناك هالات سوداء تحت عينيه، ولا ارتجاف في أصابعه. 

الوجه الذي بدا منهارًا في قاعة الاجتماعات قبل نصف ساعة فقط، كان الآن هادئًا، مسترخيًا، يحمل ملامح صياد يراقب فريسته وهي تخطو نحو المصيدة الأخيرة. 

أخرج يده اليمنى من جيبه ببطء. كان يمسك بجهاز التسجيل الصوتي الفضي الخاص بها. الجهاز الذي تركته مخفيًا في الدرج السفلي المغلق برمز رقمي داخل مكتبها.

انقبضت عضلات فك بيسان حتى كادت أسنانها تتشقق. الفجوة الزمنية. طارق قال إن الكاميرا في السقف كانت تبث لغرفة الأمن القديمة. زياد لم يكن يقرأ الملفات في استراحة الأطباء؛ كان جالسًا في القبو، يراقب شاشة المراقبة، يدرس حركاتها، يحفظ الأرقام التي تضغطها على لوحة قفل الدرج. وعندما كانت هي تنزل إلى غرفة الخوادم لتزور السجلات، كان هو يتسلل إلى مكتبها، يسرق جوهرتها السوداء، ثم يلحق بها ليصورها من خلف الزجاج المزدوج.

أدخلت بيسان يدها في جيب سترتها الداخلي. أصابعها تلمست الأوراق المطوية بعناية. ملف سلمى الرشيدي. سلاحها الأخير. 

سحبت الأوراق، ورفعتها في الهواء بينهما، كمن يشهر سيفًا في وجه بندقية موجهة إلى صدره.

لم يرمش زياد. لم يظهر أي علامة من علامات الارتباك التي اصطنعها ببراعة في الصباح. بدلاً من ذلك، مد يده اليسرى إلى جيبه الآخر، وأخرج هاتفًا محمولًا، نقر على شاشته نقرتين، ثم أدار الشاشة نحوها.

كانت صفحة بريد إلكتروني مفتوحة. 

المرسل: زياد عبد الرحمن. المرسل إليه: الإدارة الطبية العليا للمستشفى، ومكتب المدعي العام الجنائي، بنسخ مخفية لصحفيين استقصائيين. 

المرفقات: ملفات صوتية مسحوبة من جهاز التسجيل، مقطع فيديو لغرفة الخوادم، وسجل التحويلات البيومترية الأصلية والمعدلة التي تمكن من التقاطها كنسخة احتياطية قبل أن تقوم هي بتشفيرها. 

توقيت الإرسال: السابعة صباحًا. قبل اجتماع مناقشة الوفيات بدقائق.

سقطت الأوراق من يد بيسان. انزلقت ورقة تلو الأخرى، ترفرف ببطء في هواء الممر البارد حتى استقرت على حذاء زياد. 

نظر إليها زياد نظرة خالية من التشفي، نظرة أقرب إلى الرثاء البارد. 

داس بقدمه على التقرير النفسي الذي كانت تعتقد أنه سيدمره، وتقدم خطوة واحدة نحوها.

مرر إبهامه على زر التشغيل في جهازها الفضي. انطلق صوت سامر، الشاب الذي مزقت شريانه الليلة الماضية. ليس صوت النبض المنقطع، بل صوت أنفاسه المتقطعة، حشرجة صدره المفتوح التي سجلتها هي باستمتاع مريض بينما كانت تتلاعب بصمامات التخدير. الصوت الذي كان يطربها، أصبح الآن حبل مشنقة يلتف حول عنقها.

أغلق زياد الجهاز بحركة هادئة، وأسقطه في سلة المهملات الطبية الحمراء المجاورة للجدار. سقط الجهاز المعدني بين الضمادات الملوثة والقفازات المستعملة، مختفيًا للأبد في نفايات المستشفى، كإعلان رمزي عن نهاية قيمتها.

لم ينطق زياد بكلمة واحدة. لم يشرح كيف فكك شبكتها، لم يلقِ خطبة عن العدالة، ولم يبرر أفعاله. أدار ظهره لها، وبدأ يمشي بخطوات ثابتة نحو نهاية الممر، حيث تلوح أبواب المصاعد الرئيسية. 

تركها تقف هناك، مجردة من كل أسلحتها، مقيدة بحقائق رقمية لا يمكن محوها أو التلاعب بها.

الصوت الداخلي صمت تمامًا. تبخر في الفراغ. لأول مرة منذ سنوات، كانت بيسان وحيدة في جمجمتها.

سمعت صوتًا بعيدًا يتسلل عبر نوافذ الطابق العلوي المفتوحة. 

في البداية كان مجرد طنين خافت يشبه نحيب الرياح، لكنه سرعان ما تبلور واكتسب إيقاعًا متقطعًا. صفارات إنذار سيارات الشرطة. 

لم تكن سيارة واحدة، بل عدة سيارات تقترب بسرعة من البوابات الرئيسية للمستشفى، أصواتها تخترق طبقات الزجاج والإسمنت لتصل إلى قبو روحها.

تراجعت بيسان ببطء إلى الخلف. خطواتها فقدت إيقاعها الهندسي الصارم. 

اصطدم ظهرها بالباب المعدني المفتوح لغرفة التعقيم. انزلقت قدمها فتعثرت، وتراجعت إلى الداخل. طارق لم يعد هناك. لقد هرب من مخرج الطوارئ الجانبي بمجرد أن فُتح الباب، تاركًا إياها وحيدة في هذا الصندوق الفولاذي البارد.

أغلق الباب الثقيل نفسه خلفها ببطء، مصدرًا صوت نقرة قفل ميكانيكية حادة فصلتها عن العالم الخارجي. وقفت في منتصف الغرفة، محاطة بآلاف الشفرات الجراحية المعقمة، والملقاطات اللامعة، والمقصات الحادة. الأدوات التي كانت تمنحها وهم الألوهية، تبدو الآن مجرد قطع من الحديد البارد والميت.

رفعت يديها أمام وجهها. الضوء الفلورسنتي القاسي ينعكس على بشرتها الشاحبة. لاحظت شيئًا لم تختبره منذ أول جراحة قامت بها في حياتها. 

كانت أصابعها ترتجف. رعشة خفيفة، دقيقة، تسري من معصميها حتى أطراف أظافرها. حاولت ضم أصابعها بقوة لإيقافها، لكن الرعشة امتدت لتشمل ساعديها.

جلست على الأرضية المشمعة، مستندة بظهرها إلى الأرفف المعدنية السفلية. برودة الأرضية تسربت عبر ملابسها، لكنها لم تكن بقسوة البرودة التي تجتاح أوردتها. 

أغمضت عينيها، محاولة استعادة صورة قلب نابض بين يديها، محاولة استحضار نشوة السيطرة، لكن الصور تلاشت. 

لم يتبقَّ سوى صوت صفارات الإنذار الذي توقف فجأة بالخارج، مستبدلًا بصوت خطوات ثقيلة ومتقاربة تضرب أرضيات الطابق العلوي.

ضمت ركبتيها إلى صدرها، ولفت ذراعيها المرتجفتين حولهما. 

في هذا الصمت الاصطناعي الخانق لغرفة التعقيم، لم تعد تسمع طنين الأجهزة الطبية، ولا أنفاس المرضى المحتضرين. استمعت فقط إلى الإيقاع الوحيد المتبقي في عالمها المنهار. صوت نبضات قلبها هي. نبض متسارع، مضطرب، مرعوب، يدق بعنف ضد قفصها الصدري، كطائر سجين يدرك، في لحظته الأخيرة، أن باب القفص لن يُفتح أبدًا.
               
×
جاري التحقق من حالة حسابك...

لوحة أرباحك

أهلاً بك في برنامج شركاء الأرباح. يتم احتساب أرباحك بناءً على زيارات رواياتك المقبولة.

الزيارات المحتسبة 0
الأرباح المقدرة $0.00

سياسة وشروط الربح:

  • الحد الأدنى لطلب سحب الأرباح هو 50 دولار.
  • نسبة أرباح الكاتب هي 30% من إجمالي أرباح الإعلانات.
  • تتم مراجعة الزيارات بانتظام، ويتم خصم أي زيارات غير شرعية (نقرات وهمية أو بوتات).
  • يتم تحويل الأرباح عبر الوسيلة التي حددتها (إنستا باي، كاش، بنك) وقت التسجيل.

تم الإرسال بنجاح!

"تم استلام طلبكم الخاص بالانضمام لبرنامج الأرباح بنجاح. الطلب الآن قيد المراجعة"

قيد المراجعة حالياٌ

"طلب الانضمام لبرنامج الأرباح قيد المراجعة حالياٌ. تستغرق عملية التحقق وتجهيز حسابك فترة تتراوح ما بين 7 إلى 14 يوم عمل"

الشروط غير مكتملة

عذراً، لتحقيق الربح يجب أن تمتلك في حسابك
4 روايات على الأقل.

يجب تسجيل الدخول

"يرجى تسجيل الدخول إلى حسابكم المعتمد للمتابعة وتقديم طلب الانضمام لبرنامج الأرباح"

نعتذر، لم يتم قبول طلبك

لقد تمت مراجعة حسابك بعناية، ولكن للأسف لم يتم قبول طلبك للانضمام لبرنامج الأرباح في الوقت الحالي.

قد يعود ذلك لأحد الأسباب التالية:
- جودة الروايات لا تتوافق مع معايير النشر الخاصة بنا.
- لم يتم قبول ملفك من قبل شركائنا المعلنين.
- وجود نشاط غير معتاد أو زيارات غير شرعية.

ندعوك لتحسين جودة محتواك والمحاولة مرة أخرى.