ترنيمة الأمل - أثيرالس ( عهد الكريستال المفقود)
ترنيمة الأمل
.........
كانت الجدران الصخرية في جوف الأرض تتقارب كفكي وحش عملاق يريد سحق المتطفلين. غبار أسود كثيف ملأ الرئتين، وصوت تحطم الصخور كان يطغى على كل شيء. أمسك كايل بيد تولين بقوة، وعيناه تعكسان رعباً حقيقياً من الموت دفناً تحت أطنان من الحمم والتراب.
صرخ كايل وهو يحاول حماية رأس تولين بذراعه قائلا: "تولين! لا مخرج! السقف ينهار، والجاذبية ضاعت."
لكن تولين، وبشكل يثير العجب، توقفت وسط الركام. مسحت غباراً علق بأنفها الصغير بلمسة لطيفة، ثم نظرت إلى الكريستالات الأربع المتوهجة في كفها: الفيروزية (الصدق)، الذهبية (الشجاعة)، الخضراء (الوفاء)، والأرجوانية (الصبر).
"يا كايل، ألم تتعلم بعد؟" قالت تولين بابتسامة هادئة هزأت من هول الموقف. "الخالق لم يضعنا في هذا الضيق إلا لنكتشف سعة كرمه. انظر.. هذه الأحجار ليست زينة، إنها كلمات الله المكنونة في خلقه!"
جلست تولين في وضعية القرفصاء وسط الانهيار، ووضعت الكريستالات أمامها على الأرض المهتزة. بدأت تهمس بكلمات لم يسمعها كايل من قبل، كانت أشبه بزقزقة العصافير عند الفجر ممزوجة بهدير الشلالات.
"باسم من خلق السماوات بلا عمد.. وباسم من جعل في النور حياة.."
فجأة، بدأت الكريستالات تدور حول نفسها بسرعة مذهلة، وانبثق منها خيط نوري واحد صعد للسماء مخترقاً الصخور كأنها زبد بحر. لم يكن هذا الخيط مجرد ضوء، بل كان "ترنيمة" مسموعة ومحسوسة، هزت ذرات الهواء وأعادت ترتيبها.
"كايل! تشبث بي! سنركب موجة الأمل!"
بلمسة من يدها، أحاطت تولين جسدها وجسد كايل بفقاعة من الضوء الأثيري. اندفعت الفقاعة للأعلى بسرعة البرق، تتبع الخيط النوري. كانت الصخور تنفتح أمامهم كأنها ستائر من الحرير، وتغلق خلفهم لتحمي مسارهم.
أثناء الصعود، رأت تولين رؤى لعوالم أخرى، رأت أناساً في قرى بعيدة يرفعون أيديهم للسماء بالدعاء، رأت بذوراً تشق الأرض لتبحث عن الضوء. شعرت بأن وجع العالم كله يمر عبر قلبها، لكنها لم تنكسر، بل زادها ذلك إصراراً.
"سبحانك ما أعظم شأنك.. الأمل ليس وهماً، بل هو الوقود الذي يحرك هذا الكون!" صرخت تولين، وضحكتها المجلجلة كانت تسبقها نحو السطح.
انفجرت الفقاعة عند قمة جبل "النشيد"، وهو أعلى قمة في "آراليس". سقطت تولين وكايل على العشب الأخضر النقي، والرياح الباردة تداعب وجوههما المتعبة. السماء كانت صافية تماماً، والنجوم تتلألأ كأنها تحتفل بنجاتهما.
لكن الفرح لم يدم طويلاً. فمن فوق القمة، رأوا مشهداً يفطر القلب؛ كانت مدن العالم الكبرى، "مدينة الأوتار" و"عاصمة الصدى"، تشتعل بنيران سوداء. جيوش مورغوث المكونة من "الظلال الصامتة" كانت تكتسح الأرض، تحول البشر إلى تماثيل حجرية لا حراك فيها.
بينما كانا يراقبان الدمار، ظهرت فجأة عند حافة الجبل طفلة صغيرة، جسدها شفاف كأنها مصنوعة من الندى. كانت تحمل في يدها بلورة بيضاء ناصعة البياض، تكاد تختفي من شدة نقائها.
"تولين.. لقد نجحتِ في الخروج من الظلام،" قالت الطفلة بصوت يشبه حفيف الأشجار. "أنا روح (البراءة)، وهذه هي كريستالة (الرحمة). خذيها، فهي السلاح الوحيد الذي لا يستطيع مورغوث لمسه، لأنه لا يعرف معناها."
مدت تولين يدها المرتجفة، وبمجرد أن لمست الكريستالة البيضاء، شعرت ببرودة منعشة تسري في عروقها، لتمسح كل تعب السنين. لكن الطفلة تلاشت وهي تهمس:
"لكن احذري.. مورغوث الآن يملك الكريستالتين الأخيرتين (العظمة) و(الفناء)، وهو في طريقه لدمجهم ليصنع (نغمة النهاية). فالقادم ما هو إلا اختباراً لثباتك، فصديقك القديم سيعود.. لكن هذه المرة كعدو لدود."
نظرت تولين إلى كايل، ثم إلى الأفق المشتعل، وقالت بصوت مليء بالشجاعة واللطافة:
"إذن، لنسرع يا كايل. الرحمة لا تنتظر، والظلم لا يدوم. ومعنا خمسة، وضده اثنتان.. واليقين يغلب العدد!"